ثورة الفاتح كما يراها مصطفى بن حليم ح5   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مصطفى بن حليم
أحمد منصور

أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد (مصطفى أحمد بن حليم) رئيس وزراء ليبيا الأسبق.

سيد (بن حليم) مرحبا بك.

مصطفى بن حليم:

مرحبا.

أحمد منصور:

توقفنا في الحلقة الماضية عند محور تشكيل الحكومة وبداية الخطة الاستراتيجية التي وضعتها للحكومة.

مصطفى بن حليم:

كان عندنا خطتين.. خطة طويلة المدى، وسنحكي عليها بالتفصيل في المستقبل، اللي هي ملخصها أن نبحث عن ثروة ليبية لكي نمول بها تقدم ليبيا، هذا هو الملخص، والخطة التانية أن نستغل ونستنزف أصحاب القواعد الموجودة في ليبيا ما عدا الفرنسيين.

أحمد منصور:

يعني الأمريكان والبريطانيين.

مصطفى بن حليم:

البريطانيين.

أحمد منصور:

إيشمعنى الفرنسيين لا؟

مصطفى بن حليم:

هاجي لك فيها، فقلت للملك: حتى أمشي في الخطة القصيرة المدى لا بد من أن أتفاهم مع جمال عبد الناصر.. يا مولانا ما فيه شيء، أنا بدي أعرض له وضعنا، وهو كرجل إنسان وعربي ومسلم سيفهم أوضاعنا، وإذا ما فهم أوضاعنا والله احنا نمشي في طريقنا.

مع الأمريكان بدينا نتكلم معهم وجدنا عبارة عن صلابة من أغرب ما يمكن، مليون دولار في السنة..

أحمد منصور:

تكلمت مع مين؟

مصطفى بن حليم:

مع السفارة ومع مندوبين جاءوا من أمريكا.

أحمد منصور:

مليون دولار للقاعدة.

مصطفى بن حليم:

للقاعدة، يعني مبلغ مضحك، فالملك أشار علي، قال لي: أنا أعرف أن الأتراك أولا أصدقاؤنا ولنا تاريخ ماضي معاهم، ويقدسوه ويقدسوا السنوسية، وأعرف أن علاقتهم ممتازة مع الأمريكان.. ما رأيك في أن تستنجد بهم، وتجعلهم يساعدوك وينصحوك، قلت له: كويس، ولكن -يا مولانا- أهم من هذا أن أذهب إلى جمال عبد الناصر، كان متردد، ليش متردد؟ لأن الإذاعة المصرية وصوت العرب والجرائد المصرية يعني (شرشحت)..

أحمد منصور:

كانت عاملة رعب.

مصطفى بن حليم:

(شرشحت) (محمود المنتصر) لاتفاقيته مع بريطانيا، قلت له: خلينا نذهب، قال لي: طيب، ولكن تذهب له لوحدك، ما عرفت ماذا يعني، فهمت بعد ذلك، كان يعني (إبراهيم السنوسي) الذي ورد ذكره -وكان هو سفيرنا هناك- وهو لم يكن يريد أن يحضر هناك، فرحت لتركيا، وأكرمونا كرم كبير.

أحمد منصور:

كانت حكومة (عدنان مندريس) وكان جلال بيار رئيس الدولة.

مصطفى بن حليم:

(عدنان مندريس) وأنا أعتبره من أحسن رؤساء الحكومات هو وجلال بيار وأعتقد أنه لو كان دام بقاؤه كان من الممكن أن نجلبه إلى الناحية العربية وحاولنا كتير فيها، بس هذا موضوع آخر.

أحمد منصور:

طبعا الحكومة دي استمرت من سنة 50 إلى سنة 60 وانتهت بانقلاب عسكري وأُعدم كلا الرجلين.

مصطفى بن حليم:

مع الأسف، لا أعدم (عدنان) بس، جلال بيار ما أعدم.. على كل حال ذهبت وكان جلال بيار وعدنان مندريس وعدانا بالاتصال بإيزنهاور وبدالاس وهكذا، وبالفعل، وكان في منتهى اللطف، من ضمن لطف عدنان مندريس وهو يودعني إلى الطيارة (طيارة عسكرية) قال لي: أنا قررت إرسال معونة لكم، لأن كانت سنة جفاف، قررت إرسال 4000 طن عبارة عن قمح لكم (لليبيا) لكن قالها لي على بعد 5 خطوات من سلم الطيارة، أشكره قال: لا أنا قلت لك هذا الكلام حتى لا تشكرني.

أحمد منصور:

إيه المحاور الأساسية التي دارت في النقاش بينك وبين عدنان مندريس؟

مصطفى بن حليم:

فيه محاور كثيرة، لكن حنخرج عن الموضوع.

أحمد منصور:

لا.. أنا فقط أقصد العلاقة الخاصة، لأن تركيا ظلت لها علاقة خاصة في حكومتك وجاء عدنان مندريس بعد ذلك إلى طرابلس.

مصطفى بن حليم:

شوف، احنا سعينا وفشلنا في تقريب عدنان مندريس من جمال عبد الناصر، وكانت عنده نية طيبة، هذا قبل (حلف بغداد) مع الأسف اللي تردد هو جمال -الله يرحمهم جميعا-، على أي حال الموضوع الرئيسي أننا نبغاهم يساعدونا مع الأمريكان ووعدوا ونفذوا.

أحمد منصور:

صحيح، أنا هنا عايز أسألك عن محور مهم جدا، حكومة عدنان مندريس وجلال بيار كان معروف أنها حكومة يعني لا تتوافق مع التيار العلماني اللي بدأه (أتاتورك) في تركيا في الثلاثينيات، والجيش انقلب عليها في سنة 60 كيف كانت علاقتها وثيقة بأمريكا في الوقت اللي كان لها أيضا توجه...؟

مصطفى بن حليم:

إسلامي.

أحمد منصور:

يوصف بأنه توجه إسلامي؟

مصطفى بن حليم:

والله أنا لا أرى مانع من أن تكون عندك علاقة مع أمريكا طالما هي علاقة نظيفة، وفيه عندك توجه إسلامي، أنا لا أرى.. يعني ما كنت عامل علاقة طيبة مع أمريكا، وكان توجهنا إسلامي مطلق، ما فيه ما فيه تعارض.

أحمد منصور:

هنا مفهوم التوجه الإسلامي برضو يختلف، مفهوم التوجه الإسلامي ممكن ياخد التوجه العروبي المختلط..

مصطفى بن حليم:

لا توجهنا كان إسلامي إسلامي.

أحمد منصور:

هل إسلامي يعني حكومة إسلامية؟ حكومة السنوسي إسلامية كانت يعني؟

مصطفى بن حليم:

سبحان الله، إذا كانت حكومة السنوسي، وإذا كانت السنوسية ليست إسلامية..

أحمد منصور:

هل كنتم تطبقون الحدود، وبتطبقوا كل ما يتعلق بالشرع الإسلامي؟

مصطفى بن حليم:

القوانين الليبية اللي وضعها (السنهوري) كانت تقول: إن المصدر الرئيسي هو الشريعة الإسلامية.

أحمد منصور:

كل الدول بتقول كده.

مصطفى بن حليم:

شوف، ما فيه شك ما فيه شك أن الدولة الليبية كانت أقرب إلى الإسلام من أية دولة في ذلك الوقت على كل حال خلينا نرجع لموضوعنا الأول.

من تركيا بعثت برقية لجمال عبد الناصر، قلت له: أنا أود أني أزورك، رد علي فورا: مرحبا، أهلا وسهلا.

أحمد منصور:

التقيت للمرة الأولى مع جمال عبد الناصر في يونيو 54.

مصطفى بن حليم:

رحت له، وكان اجتماع من أهم الاجتماعات في حياتي السياسية.

أحمد منصور:

ما هو أهم ما دار فيه؟

مصطفى بن حليم:

قلت له: بصراحة أخ جمال أنا في حاجة إلى عون مالي، بلدي خربانة، وحكيت له قصة بلدي كما هي وكما هو يعرفها عن طريق سفارته، ولا أمل لي في المدى القصير إلا بمعونة أمريكية قوية، فيه كذلك البريطانيين هتدور عليهم بعدين بس فيه فرنسيين بدي أحكي معاك فيهم، هذول لا يمكن أن نتفاهم معهم، ولا يمكن أن نسمح لهم ببقاء عسكري واحد في بلدنا.

أحمد منصور:

لماذا؟ ما الذي يختلفون به عن الأمريكان والبريطانيين؟

مصطفى بن حليم:

سؤال في محله، لأنه لا الأمريكان ولا الإنجليز عندهم مطمع في أراضينا.

أحمد منصور:

إزاي وهم واخدين قواعد وقاعدين فيها؟

مصطفى بن حليم:

قواعد لمدة 20 سنة، التانيين كانوا مطالبين ببلدين (غات وغدامس) غدامس لتونس وغات للجزائر، كان عندهم مطامع، وكانوا على علاقة بكثير من زعماء الفزازنة حتى إنهم يطالبوا بالانضمام إلى فرنسا.

أحمد منصور:

سآتي بشأن التفصيل لفرنسا بعد ذلك.

مصطفى بن حليم:

نعم؟

أحمد منصور:

سأفصل معك موضوع فرنسا.

مصطفى بن حليم:

وبعدين فيه نقطة مهمة جدا، ساعتها كانت فرنسا ألعن دولة في نظر المسلمين، لأعمالها القمعية في شمال إفريقيا. قلت له: وأنا أخشى أني ما حاقدر أواجههم إلا بمساعدة منك. قال لي: ستأمر، وسأنفذ بالنص. قال لي: أما اتفاقك مع أميركا أنا أشجعك عليه، فاستغربت، قال لي: شوف يا فلان، أمريكا دولة -في أيامها- ما لها مطامع سياسية، ما لها مطامع استعمارية بدها تجارة، بدها تمشي معها كذا.

أحمد منصور:

كان لسه مبدأ (إيزنهاور) لم يتم؟

مصطفى بن حليم:

لا.. ما زال، وكانت له هو ميوله في التفاهم مع الأمريكان، وأنا أشجعك، بل أقول لك حاجة، ممكن أنكم تساعدونا، لأن عندك الإنجليز إشكال الإنجليز، كان الإنجليز ساعتها ما طلعوش قلت له يا ريس أنت بتضحك أو لا؟ نحن نقدر نساعدك؟ قال نعم.. السعوديون ساعدونا، وأنتم لما تكون عندكم علاقة مع الأمريكان تقدروا تساعدونا، وأنا على أي حال باساعدك، قلت له: شوف أنا أعدك بأن الاتفاقية التي سأبرمها مع أمريكا هاعرضها عليك، وإذا قلت لي: إنه ما فيه شيء ضدك (ضد مصر) فسأوقعها، لكن لا أريد أن أسمع كلمة واحدة جارحة لا في صوت العرب ولا في الإذاعة المصرية ولا في الجرائد المصرية.

أحمد منصور:

معنى ذلك أن عبد الناصر كان عنده موافقة على القواعد الأمريكية في ليبيا؟

مصطفى بن حليم:

Yes Sir [نعم سيدي]

أحمد منصور:

والقواعد البريطانية في ليبيا؟

مصطفى بن حليم:

القواعد البريطانية لا.. أنا آسف.

أحمد منصور:

ما الذي قاله لك بشأن القواعد البريطانية؟

مصطفى بن حليم:

أنا قلت له: القواعد البريطانية هارجع لهم بعدين، وبالفعل رجعت عنهم بعدين خليني أقول لك حاجة قد لا تعجبك، لكن هذا هو الواقع: أنا في الفترة الأولى من استقلال ليبيا لم أكن معارض لقاعدة بريطانية وقاعدة أمريكية طالما لمدة محدودة وطالما بحصل منهم على مال كافي حتى أطور بلدي.

أحمد منصور:

إيه الفرق بين الإيجار والاحتلال؟ إيه الفرق بين الإيجار والاحتلال؟

مصطفى بن حليم:

الإيجار لما تنتهي مدته تقول له: مع السلامة.

أحمد منصور:

يجوز تأجير الأراضي لدول أخرى لاستغلالها كقواعد عسكرية ومراكز تجسس ومراكز لانطلاق قواعدها لضرب دول عربية أخرى أو غيرها؟

مصطفى بن حليم:

لم يحدث، وأنا أتحدى أي إنسان يعارض في هذه الكلمة أن قاعدة أمريكية أو قاعدة بريطانية استعملت ضد أي بلد عربي.

أحمد منصور:

ألم تضرب مصر من القواعد الليبية سنة 56 من القواعد البريطانية سنة 56؟

مصطفى بن حليم:

أعوذ بالله، أعوذ بالله، جمال عبد الناصر عندي نص خطابه هنا، شكر ليبيا لأنها منعت القوات البريطانية من الدخول لمصر، بس هذا مجال سنأتي عليه بعدين، ما بدنا نقطع عليه من الآن إذا Disbach الجنرال سير (تشارلز كيتمي) قائد الحملة وصورة منه في هذه المذكرة هنا.

أحمد منصور:

سنأتي لها بالتفصيل. بعد لقائك مع عبد الناصر والحديث معاه بشأن الاتفاقية الأمريكية - الليبية كيف كانت العلاقات مع مصر؟ سأبقى الآن معك في شق العلاقات المصرية الليبية وتطورها.

مصطفى بن حليم:

لا.. ما انتهتش منها، ما انتهتش قلت له: طيب ما دمت أنت، يعني احنا اتفقنا على هذا الكلام، وأنا أشعر بأنك صادق في كلامك هذا، ليش يعني بعثت لي سفير يتدخل في شؤوننا. قال لي: من؟ قلت له: فلان.

أحمد منصور:

من؟

مصطفى بن حليم:

اللي هو.

أحمد منصور:

هو مين؟

مصطفى بن حليم:

واحد.

أحمد منصور:

اسمه إيه؟

مصطفى بن حليم:

اسمه يحيى.. الأديب المشهور.

أحمد منصور:

يحيى حقي؟

مصطفى بن حليم:

يحيى حقي.. قال لي: أشيله، قلت له: المسألة مش في أنك تشيله، المسألة فيمن يحل محله، فسكت.. سكت.. سكت، وقال لي: اسمع أنا سأرشح لك واحد كان أستاذي في الكلية العسكرية وموضع ثقتي، وكان قائد المدفعية في فلسطين ورجل وطني درجة أولى، قلت له بدون ما أعرف اسمه: إذا كانت فيه هذه الصفات أنا موافق عليه، بس اترك لي بروتوكوليا أن أستأذن الملك، اللواء (أحمد حسن الفقي) وبالفعل لم يأت لليبيا سفير كفؤ، وعنده رغبة عربية إسلامية وتعاون مثل هذا الرجل -الله يرحمه-.

أحمد منصور:

إيه شكل التدخل اللي كان بيقوم به يحيى حقي في الشؤون الليبية؟

مصطفى بن حليم:

اللي ذكرته لك، سواء عن طريقه أو عن طريق جماعة المخابرات اللي عنده.

أحمد منصور:

ما الذي كانوا يفعلونه؟ مظاهرات؟

مصطفى بن حليم:

لا.. لا، إيعاز للمستشارين..

أحمد منصور:

تدخل في القضاء؟

مصطفى بن حليم:

إيعاذ للمستشارين، يا جماعة خذوا بالكم للشعب أنتم قادمون للشعب، كانت المسألة، مسألة ملك إنجليزي وشعب عربي، يعني حاجات مزرية، على أي حال قال لي وبالفعل بدأ يا أخ بيننا عهد 3 سنوات لم يحدث ما بين ليبيا ومصر من تعاون كذلك التعاون..

أحمد منصور:

إيه أشكال التعاون اللي كانت بين مصر وليبيا؟

مصطفى بن حليم:

مئات الأنواع..كنا نعمل مناورات على الإنجليز.

أحمد منصور:

كيف؟

مصطفى بن حليم:

والله جمال عبد الناصر وعدني بأنه حيعطيني مدرعات.. أرجوك..

أحمد منصور:

تخبر الإنجليز بذلك يعني؟

مصطفى بن حليم:

آه.. آه، تجيني المدرعات من الإنجليز والأمريكان..

أحمد منصور:

يعني يتسابقوا، يزايدوا على عبد الناصر.

مصطفى بن حليم:

العرض الروسي، ما أنا مرتبه أنا وجمال عبد الناصر، عملنا أعمال كثيرة جدا، تعاون كثير جدا، ساعدناهم، تفاهمنا معهم، طيب..

أحمد منصور:

قمت بزيارتك الثانية لمصر في أكتوبر 54، الأولى كانت في يونيه، والثانية في أكتوبر 54.

مصطفى بن حليم:

باستدعاء من جمال.

أحمد منصور:

إيه سبب الاستدعاء؟

مصطفى بن حليم:

الجزائر.

أحمد منصور:

ماذا دار بينك وبينه فيما يتعلق بالجزائر؟

مصطفى بن حليم:

قال لي: والله -شوف يا أحمد- احنا السعودية بتمول السلاح للجزائر، الأمير فيصل والملك سعود يعطوا لنا المال اللازم، جماعتي يشترونه، بدنا نمرره من ليبيا، ولما سألوني: كيف حتمرره؟ قلت لهم: والله أنا التقيت بشخص شكرني كتير، كذا.. كذا، وأعتقد عليه، ولذلك يا مصطفى أنا بدي أتفاهم على طريقة لإمرار السلاح، وتسليمه للجزائريين، وعرفني في ذلك الاجتماع (بأحمد بن بلا) .

أحمد منصور:

ومن هنا بدأت صداقتك التي لا زالت قائمة مع (بن بلا)؟

مصطفى بن حليم:

أيوه، حتى من 3 سنوات (أحمد بن بلا) كان مدعو في (سيرت) في احتفالات الفاتح من سبتمبر..

أحمد منصور:

3 سنوات يعني 1997 م

مصطفى بن حليم:

أظن، وخطب، وشكر ليبيا على مساعداتها وكذا كذا كذا، وكلام كتير ولولا المساعدات ما حدث، وقال اللي ساعدونا هم الملك (إدريس) و(مصطفى بن حليم) طبعا، هذه لم ترض النظام الحالي في ليبيا فمسحوها في الإذاعة التانية، على أي حال قلت له: يا ريس مسألة من أصعب ما يمكن يا أخ أحمد، مر السلاح تحت أنوف الفرنسيين.

أحمد منصور:

سآتي معك بالتفصيل إلى موقفكم من الثورة الليبية

مصطفى بن حليم:

الجزائرية...

أحمد منصور:

الجزائرية عفوا .. هذه إحدى المحاور الرئيسية التي سأتناولها معك، كيف كانت العلاقة بعد ذلك مع جمال عبد الناصر؟

مصطفى بن حليم:

ممتازة إلى حادث الملحق العسكري اللي سيأتي الكلام عنه.

أحمد منصور:

أثر إعلان تأميم قناة السويس عليكم؟

مصطفى بن حليم:

ولا شيء، أيدنا جمال عبد الناصر تأييد تام، مش بس تأييد بل جرحنا في الدول المانحة للمعونات.

أحمد منصور:

كانت علاقتك بعبد الناصر إلى ذلك الوقت جيدة.

مصطفى بن حليم:

إلى نوفمبر 56، ولكي أكون منصف تبين لي فيما بعد أنه كان مظلوم، وأن اللي كان مسؤول هو (عبد الحكيم عامر).

أحمد منصور:

وقع العدوان الثلاثي على مصر في 29 أكتوبر 56.. كيف كان موقفكم وأنتم دولة بها قواعد بريطانية كانت تهاجم، أو اتهمت بأن الطائرات البريطانية أقلعت منها وضربت مصر.

مصطفى بن حليم:

أرجو أن تمحو من ذهنك أيها شك في أن أيها قاعدة في ليبيا استعملت ضد مصر أو ضد أي بلد عربي، يعني هذه عندي إيمان بها.

أحمد منصور:

كيف أمنت عدم انطلاق الطائرات ولم تكن لديك أية سيطرة على الطائرات البريطانية؟

مصطفى بن حليم:

هذا السؤال الطيب، كان يسبق هذا الكلام كلام كثير، بمجرد ما بدأت الأزمة، بلغنا البريطانيين أنه لا يمكن أن احنا نسمح باستعمال القواعد، فديروا بالكم، وما فيه داعي للكلام هذا كله، ويجب أن تحاولوا أن تتفاهموا، أشياء كثيرة جدا... مني.. من وزير الخارجية، من الملك، إلى أن جاء يوم التأميم يوم التهديد، التهديد كان كام يوم قبل الاعتداء، مش هيك؟ فأنا كنت عند الملك لتعديل وزاري، والتبديل الوزاري ما كانشي عاجبني، لأن..

أحمد منصور:

26 مارس 56، التعديل الوزاري في حكومتك 26 مارس 56.

مصطفى بن حليم:

لا.. التعديل الوزاري في آخر أكتوبر 56.

أحمد منصور:

تعديل آخر يعني، كم تعديل تم على حكومتك؟

مصطفى بن حليم:

3 أو 4، لا أذكر يعني.

أنا كنت شاعر بأن فيه خطر، والملك تحت تأثير (بصير الشلحي) كان بده يحط (علي الساحلي) وزير خارجية، وأنا كان في ذهني أن هذا أسوأ وقت لعلي الساحلي، علي الساحلي شاب ممتاز، دكتور في القانون وكذا، ولكن ضعيف الرواية وضعيف الشخصية، ولكن أمام الأزمة اضطريت أني أقبل، أنا عارف أني في أزمة، وصلت إلى طرابلس، في راديو السيارة بلغني الإنذار، كلمت وزارة الخارجية وقلت لهم: السفير البريطاني يجيني الآن، هذه تفاصيل مهمة تفهمها، إيجا السفير البريطاني، وكان من أخطائي أني لم أثق فيه، في حين أنه كان في صفنا.

أحمد منصور:

تفتكر اسمه؟

مصطفى بن حليم:

غرام (وولتر غرام).. Mr. ambassador [سيادة السفير] بلغني كذا وكذا وكذا، وكان كلام من أفظع ما يمكن، من ألعن ما يمكن، Mr. ambassador [سيادة السفير] لن تدخلوا مصر إلا على أشلائنا، سنحاربكم، كان عندنا 3 كتايب، لكن المسألة مسألة أنه لن يتم هذا إلا بالرغم منا، كان وقت كان مقابلة عنيفة سيئة ما فيها دبلوماسية، ذكروها هنا وقالوا: إن عمرنا ما شفنا رئيس حكومة خارج عن طوره..

أحمد منصور:

في الوثائق البريطانية.

مصطفى بن حليم:

في الوثائق البريطانية، وبدي أفهم منك شيء بكرة، تاني يوم الصبح ما نمت بالليل حضرت مذكرة لإيزنهاور، منشورة، استنجدت به، قلت له: مبادئكم كذا وكذا، وأنا قبل هيك لما كنت عند جمال عبد الناصر آخر مرة يوم 12 أغسطس حكيت له، وكان بيننا حكي صريح، قلت له: يا أخي قبل ما تعمل مجزرة كهذه شاورنا. قال لي: أشاوركم في إيه؟ قلت له كان عندك عرض روسي أمام مناورة مثل المناورات التي نقوم بها مع بعضنا؟ قال: لا.. كان عندي عرض روسي قلت له: ليه أنت ما قبلته؟ قال: أنت مصطفى بن حليم تقول لي هذا الكلام؟! بهذا النص قلت له: آه أنا. قال لي: لو أنا عملته كنت أول واحد تيجي تحتج علي قلت له: ليه؟ قال لي: الشيوعية تدخل مصر؟ قلت له: يعني أنت ضد الشيوعية وخايف منها؟ قال لي: إيوه. قلت له: تسمح لي أني أبلغ الكلام هذا لـ(إيزنهاور) قال لي: إيوه نعم، تفضل، بكل سرور، لما رجعت (طرابلس) أرسلت رسالة إلى (دالاس) وإلى (إيزنهاور) قلت لهم: يا جماعة لا يغركم البريطانيين، البريطانيين بدهم يوقعوا بينكم وبين جمال عبد الناصر.. عبد الناصر ضد الشيوعية على أي حال، فأنا انتهزت فرصة وأرسلت الرسائل..

أحمد منصور:

رد عليك (إيزنهاور)؟

مصطفى بن حليم:

الرد منشور هنا، طيب طلع النهار استدعيت السفير البريطاني، يجيني رد: The Ambassador is not available

أحمد منصور:

غير موجود.

مصطفى بن حليم:

The ambassador is not available؟! قلت لوزير الخارجية بدك تجيب لي السفير البريطاني من تحت الأرض. كيف available Not؟ لا يجوز للسفير أن يترك محل سفارته إلا باستئذانه من الحكومة اللي معتمد عندها. available not! قلت لهم: جيبوا لي رئيس الـChancellery [مبنى السفارة]. جاني رئيس الـChancellery، وجا معه المسؤول عن المخابرات، وأنا أرجوك أن تقرأ الرسالة اللي أرسلها.

أحمد منصور:

قرأتها.

مصطفى بن حليم:

في منتهى...، يعني أنا خرجت عن طوري، أنا خايف خايف أنهم يعني يباغتونا بشيء يذهب بسمعتنا إلى أبد الآبدين. available Not!

أحمد منصور:

كل الذي كنت تريده هو عدم استخدام القواعد العسكرية لضرب مصر؟

مصطفى بن حليم:

لا.. جاي لك جاي لك الآن، أكتر من هيك كتير، فيه فرق كبير بين ما طلبته وما تم، بالليل اتصل بي السفير، قال لي: أقدر أقابلك؟ قلت له: أنا بانتظرك طول النهار، جاني في البيت، قال لي: أنا بعد كلامي معك أمس شعرت بأننا أمام أزمة شديدة، ونظرا لرغبتي في أن أساهم في إزالة أي شك، أنا ذهبت أخذت طائرة (فولكان) الطيارات العسكرية الجيت وذهبت إلى لندن، واجتمعت مع وزير الخارجية، لأن السيفر (كامب) مش ممكن توصل له رسالة، وأنا مصرح لي بأن أقول لك: إن القوات البريطانية في ليبيا لا تستعمل ضد مصر، بس بدنا نطلعها منها.. قلت له: لا.. أخاف أن يخرجوها إلى مالطا ابعثوها هناك. قال لي: احنا مش هنستعملها. قلت له: إذن دعوها هنا.

أحمد منصور:

أنت إيه القوة اللي تملكها علشان تمنعهم؟

مصطفى بن حليم:

والله هي قوة معنوية، قوة من عند الله، هم يعرفون، وتعرف والله كنت مخاطر برأسي.

أحمد منصور:

أنت متأكد أنه ما فيش طيارات طلعت من القواعد؟ كان فيه حركة نشطة للطيران في القاعدة الليبية قبل ضرب مصر في 31 أكتوبر.

مصطفى بن حليم:

أنا باحكي لك من يوم الاعتداء لم تذهب طائرة واحدة، أنا قبل هيك ما كان عندي اهتمام.

أحمد منصور:

كيف كنتم بتراقبوا الطيارات طيب؟ ما الضمانات التي أعطاها لك؟

مصطفى بن حليم:

أنا جاي لك الآن، واحدة واحدة، فقط اصطبر علي، طلباتي أن القوات تجمد. نمرة 2 يكون عندنا في كل قاعدة مراقبين، نمرة 3 ما تيجي باخرة محملة عتاد ولا تطلع منها، كان عندي الطلبات موجودة هنا كلها.

قال لي: كويس، هذا كلها بنقدر نعملها، حاجة نقدر نعملها علنا، وحاجة نقدر نعملها مع جنرال نسيت اسمه كان قائد القوات البريطانية. بس قال لي: عندي طلبات.. إيش هي الطلبات؟ قال: القوات هذه حتكون في حراستكم، وحتخرج، بس احنا عندنا معلومات بأن الملحق العسكري المصري بيوزع سلاح للهجوم على القواعد البريطانية.

أرجع بس يومين في... أرجع بس يوم واحد حاجة مهمة.. أنا في اليوم اللي قبل منه، في نفس اليوم اللي هو جاء فيه بالليل، يومها لما أنا شعرت بأن available not available not جاتني الشكوك في نفسي، فقررت أن نحتاط وأن نجعل طريقة لمقاومة البريطانيين، ناديت قائد القوات الليبية (اللواء سنوسي العطيش) وقلت له: تضع السلاح اللي عندك تحت تصرف بعض الجماعة اللي حأدلك على أساميهم، وناديت جماعة من الثوار اللي كانوا بيقوموا بعمليات جهادية من عائلة (المريِّث) كانت جماعة قتل وهكذا.

أحمد منصور:

كان إيه السلاح اللي بتملكوه في الجيش؟

مصطفى بن حليم:

هاه؟

أحمد منصور:

سلاحكم كان إيه وقتيها؟

مصطفي بن حليم:

السلاح العادي، بس ما كملت أنا.

أحمد منصور:

إيه السلاح العادي؟ يعني عندكم مدرعات؟ عندكم دبابات؟

مصطفى بن حليم:

لا.. المدرعات هلا باجي لك فيها، ما تقدر تعطي لجماعة بدهم يعملوا حرب عصابات تعطيهم مدرعات، مش معقول.

أحمد منصور:

يعني أسلحة (كلاشينكوف) خفيفة؟

مصطفى بن حليم:

جاي لك، طلبت منه كذلك كنا بدنا نروح نستلم القاعدة الفرنسية، قلت له: لا.. ابعث الآن قواتنا كلها على الحدود..

أحمد منصور:

الحدود المصرية الليبية؟

مصطفى بن حليم:

الحدود المصرية الليبية، ويا سنوسي لو متنا احنا كلنا أشرف لنا من أن نبقى، وهو كان من عائلة ممتازة، كان من إخوة (صالح باشا) أحد كبار المجاهدين، طيب ناديت سالم، سالم هذا نسيت اسمه هلا اتذكره، ابن البريث وباعرفه، مجرم من المجرمين الكبار، وقلت له: السلاح هيكون عندك، والمال ناديت وزير المالية وكيل المالية، وقلت له: أعطي له كذا.

أحمد منصور:

كان معاكم فلوس [أموال]؟

مصطفى بن حليم:

آه، ساعتها كانت فيه دولة بتدت تتحرك، وناديت رئيس العمال رئيس نقابات العمال (سالم شيتا) يا سالم ساعة الصفر حاقول لك نبدأ حركات.

أحمد منصور:

نسقت مع مين قبل كل هذه الأشياء؟ نسقت مع مين.. أنت الآن وضعت الدولة في حالة حرب.. مع مين نسقت؟

مصطفى بن حليم:

طيب، أعلنا حالة طورائ، وكان معنا الجماعة المخلصين اللي مطمئنين لهم، كنا بنخطط معهم.

أحمد منصور:

أعلمت مصر بالخطوات التي قمت بها؟

مصطفى بن حليم:

جاي لك الآن، جاي لك، أنا خشية أن يصير شيء ناديت القائم بالأعمال المصري، لأن (أحمد حسن الفقي) كان في القاهرة أو جاي في الطريق، وجاب معاه (إسماعيل صادق) اللي هو الملحق العسكري، وهذا أنا أعترف بأنه خطأ مني، وقلت لهم: يا جماعة سرا أنا في أزمة كبرى مع الإنجليز ومش عارف كيف حتتم، ولكن احتياطا أنا عملت كذا وكذا وكذا وكذا.. ولكن أرجو ألا يعلم هذا أحد.

جا (إسماعيل) وقال لي: احنا.. قلت له: لا، من فضلك أرجوك لا تقرب هذا الموضوع. فاترك الموضوع هذا لنا، وسأخبركم، طلع من عندي، بدأ يوزع سلاح...

أحمد منصور:

منين؟ منين؟

مصطفى بن حليم:

احنا كنا متعاونين معهم في تهريب السلاح.

أحمد منصور:

للجزائر؟

مصطفى بن حليم:

للجزائر، ويعرفوا مواقع السلاح، فراح أخذ السلاح هذا، ودخلوه السفارة.

أحمد منصور:

وزعه على مين؟

مصطفى بن حليم:

على الغوغاء.

أحمد منصور:

غوغاء مين؟ الناس الشعب الليبي يعني؟

مصطفى بن حليم:

غوغاء الليبيين، كل شعب فيه غوغاء.

أحمد منصور:

علشان يعملوا إيه؟

مصطفى بن حليم:

علشان يعملوا يفرقعوا الدنيا، هلا بجي لك بعدين في التفاصيل، فإجا السفير البريطاني واتفقنا وأصبح حراسة القوات البريطانية في ليبيا عمل وطني.

أحمد منصور:

نعم.

مصطفى بن حليم:

شوف المصايب كيف تكون، أنا لازم أحافظ عليهم ما يعتدي عليهم أحد حتى لا تخرجوا.

أحمد منصور:

كان عدد القوات البريطانية كم؟

مصطفى بن حليم:

حوالي 15 ألف، كانت الفرقة العاشرة المدرعة مجهزة لمثل..

أحمد منصور:

يعني 15 ألف جمدوا فعلا زي ما أنت قلت.

مصطفى بن حليم:

ولا طلع منهم مخلوق.

أحمد منصور:

ولا طيارة ولا دبابة؟

مصطفى بن حليم:

ولا دبابة، ولا أي شيء، يا أخي أكثر من أني..

أحمد منصور:

طيب أنت كان عندك 15 ألف يعني إذا هم 15 ألف كان عندك كم؟

مصطفى بن حليم:

3000.

أحمد منصور:

3000 يحموا 15 ألف؟!

مصطفى بن حليم:

يا سيدي ما يحموا لا، كان فيه البوليس، الحماية هي أنك تبعد عنهم أي واحد يرمي قنابل، يعني 1000 ، 5000 ممكن يحميهم 100 واحد.. مش مسألة أرقام متقابلة.

أحمد منصور:

في مقابل إيه الحماية دي؟

مصطفى بن حليم:

في مقابل أن ينفذوا الكلام اللي بيننا وبينهم، اللي هو..

أحمد منصور:

إيه الضمانات؟ ما كانش فيه أي ضمانات.

مصطفى بن حليم:

قلت لك: إن كان فيه خبراء ليبيين من الجيش مراقبين داخل القواعد.

أحمد منصور:

كيف كانت علاقتك بالبريطانيين بعد ذلك؟ أنت ترددت على بريطانيا عدة مرات، التقيت مع (إيدن) أكثر من مرة، التقيت مع مسؤولين آخرين بريطانيين كيف كانت علاقتك بالبريطانيين؟

مصطفى بن حليم:

علاقة صعبة، مجاملات سطحية، لكن لا كانوا يثقوا في، ولا كنت أثق فيهم.

أحمد منصور:

لأنهم كانوا يعتبرونك رجل الأمريكان.

مصطفى بن حليم:

لا.. يا ريت، كانوا يعتبروني -والوثائق تدل- كانوا يعتبروني عضو في عصابة جمال عبد الناصر، بل في تقارير منهم كانوا يقولوا: إن جمال عبد الناصر كان بيدفع لي رشوة، يا أخي جاتني الاتهامات من كل جهة، والحمد لله اللي ربي أنقذني من هذه الاتهامات.

أحمد منصور:

لكن أنت بدأت تتوجه باتجاه الولايات المتحدة، ويعني بريطانيا كانت تعتبر نفسها هي الوصية على ليبيا، ألم يؤثر هذا أيضا في أن البريطانيين ساءت علاقتهم بك من هذا الباب؟

مصطفى بن حليم:

سيدي، اللي أثر في علاقتي مع البريطانيين شيء محدد وواضح، أنا قلت للبريطانيين: يا أصدقاءنا لا بد أن نكتب المعاهدة اللي بيننا وبينكم بحبر هذا العصر، هذه المعاهدة في نظري ما هي إلا ستار على اتفاقية تأجير قواعد، لنسمها بأسمائها، وإلا إذا كنتم تودوا أن تبقى معاهدة صداقة وتحالف لا يعقل أن تكون صداقة ما بين شعب جعان وشعب من أغنى شعوب العالم، ولا يعقل أن يكون هناك حلف ما بين جيش من أكبر جيوش العالم وجيوش من 3000 جندي، فلذلك يجب أن نعيد التوازن، وتدريجيا وصارت مناطق كثيرة جدا والمحاضر محاضر الاجتماعات في لندن موجودة هناك يا أخ أحمد..

أحمد منصور:

معاهدة الصداقة والتحالف حددت مليونين و750 ألف جنيه سنويا قيمة لإيجار القواعد البريطانية تدفع لكم.

مصطفى بن حليم:

ومليون للتنمية، يعني أربعة إلا ربع، وكنت أنا أراها أن هذه تافه شيء تافه، وكانت طلباتي لما حسبوها تتعدى العشرين مليون.

أحمد منصور:

لكن هم كانوا قلقين أيضا من توجهك إلى أمريكا.

مصطفى بن حليم:

بالعكس بالعكس كان توجهي إلى أمريكا، حاولوا أن يكون نوع من التخفيض عن أعبائهم، هم كانوا يتهموني، أنا أقول لك حاجة: اجتماعي مع (إيدن) كان معي (محمود المنتصر) -الله يرحمه- سفيرنا هناك، قعدنا ساعة ونصف و (إيدن) يخبط لي الطاولة على (جمال عبد الناصر) ويقول لي: إذا كان كذا، هذا ديكتاتور هاكسر رأسه، وأعمل كذا. أنا أقول له: يا مستر إيدن أنا كنت أتوقع أني ألتقي مع دبلوماسي شهير، هذا ما هو كلام تقوله، هذا ما معقول، وإذا كنت تتوقع أن أنا انقله، أنا ما أنقله، اتهامهم لي ووارد في كل مذكراتهم السرية أني أنا كنت مع جمال عبد الناصر ضدهم، ولذلك هم استدعوا مين؟ استدعوا (نوري باشا السعيد) استدعوه من بغداد، وجلس معي، وقال لي بصراحة: أنا قالوا لي أني أنصحك.

أحمد منصور:

التقيت به في بريطانيا في 55؟

مصطفى بن حليم:

التقيت به في لندن، وحكى لي، قال لي: يا فلان دير بالك، برضه الإنجليز ساعدوك وهكذا. قلت له: يا باشا أنا ما عندي اعتراض، لا تسيء فهمي، أنا لا أستطيع أن أقول لهم اخرجوا بره، لأني في حاجه لهم، لكن يا أخي معقول أن يكون فيه تحالف ما بين جيش من العرايا وجيش من أكبر جيوش العالم؟!

أحمد منصور:

بعد ذلك توجهك إلى الولايات المتحدة كان بارز جدا، وقمت بعدة زيارات إليها، والتقيت مع..

مصطفى بن حليم:

قمت بزيارة واحدة رسمية.

أحمد منصور:

وباقي الزيارات؟

مصطفى بن حليم:

وأنا رئيس حكومة قمت بزيارة واحدة فقط لا غير.

أحمد منصور:

في عام 54؟

مصطفى بن حليم:

عام 54.

أحمد منصور:

هذه التي رتبها لك (عدنان مندريس)؟

مصطفى بن حليم:

ساعدني فيها عدنان مندريس، وقال لي الطريقة..

أحمد منصور:

في يوليو 54 سافرت إلى الولايات المتحدة.

مصطفى بن حليم:

واستقبلت كذا، ونزلت في ضيافة الرئيس إيزنهاور، وقلت له: شوف أنا ما أنا جاي أتماكس معاكم على إيجار قاعدة، أنتم بتقولوا تقولوا: إن هذه هي القاعدة اللي تستعملوها للدفاع عن العالم الحر، ضد الشيوعية، لنفرض هذا، ونحن نؤيدكم في هذا، ولكن يا فلان لا يمكن لشعب جعان أن يفكر في الشيوعية، بالعكس يفكر فيها كحليف له لأنه قد تساعده، فلذلك أنا بدي أقول لكم حاجة: أنا ما بدي إيجار منكم، أنا بدي أن تتعهدوا بتنمية الاقتصاد الليبي داخل خطة نضعها نحن وأنتم.

أحمد منصور:

أليس هذا دعوة للتدخل في شؤون ليبيا؟

مصطفى بن حليم:

لا.. أبدا.

أحمد منصور:

كيف؟

مصطفى بن حليم:

خليني أقول لك، خليني أقول لك، نحن ما يصلنا منكم من إيجار نجعله في لجنة مشتركة يرأسها ليبي وغالبيتهم ليبيين، وفيها خبراء منكم، ولا يصرف شيء من هذه الأموال إلا في مشروعات التنمية.

أحمد منصور:

خصومك هنا يتهمونك عند هذه النقطة بشكل خاص أنك دعوت الأمريكان لكي يكون لهم مشاركة فعلية في إدارة شؤون ليبيا عن طريق هذه اللجنة المشتركة، تماما كما كان هناك أوصياء بريطانيين على الحكومة من قبل.

مصطفى بن حليم:

الطريقة الوحيدة أنك تحصل على مساعدات كبرى من الكونجرس هي أن تؤكد لهم وتشعرهم بأنك ستستعمل هذه الاعتمادات في تنمية بلدك، ولا تستعملها في حسابات في سويسرا.

أحمد منصور:

الآن أنت تعطيهم قاعدة، من حقك أن تأخذ الأموال في المقابل دون أن يكون لهم أي تدخل فيما تنفق هذه الأموال.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي الفاضل هم يصروا بأنهم لا يدفعوها ثمن لقاعدة.

أحمد منصور:

يعني احتلال صار.

مصطفى بن حليم:

لا يصل إلى.. طيب إيه القوة اللي عندي إني أطلعهم؟ الشيء موجود أمامي، قبل استقلال ليبيا، فالطريقة المثلى هي أني أستغلهم بقدر الإمكان، وأنا عطيتهم الطريقة اللي..

أحمد منصور:

بشكل من الاستقلال، وليس بالمشاركة كما فعلت.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي كونهم يشتركوا في لجنة تشرف على التنمية الليبية وأغلبيتها ليبيين ورئيسها هو وكيل وزارة المالية.

أحمد منصور:

لكن كل مسؤول ليبي معه مسؤول أمريكي، تماما كما كان كل مسؤول ليبي معه مسؤول بريطاني.

مصطفى بن حليم:

لا. أنا آسف، أغلبية ليبيين، وما فيه مستشار وغير مستشار، فيه لجنة تشرف على صرف هذه المبالغ.

أحمد منصور:

لكن لها اليد..الكلمة الأولى والأخيرة، الكلمة الأولى والأخيرة باعتبار أنها هي التي تمول.

مصطفى بن حليم:

عندك أغلبية ليبية، كيف الطريقة؟ كيف أعمل؟ أنا بدي أؤكد لهم أن ها المال هذا سيصرف في التنمية.

أحمد منصور:

لكن أنت في البداية قدمت تنازلات، ولم تصبر معهم في التفاوض.

مصطفى بن حليم:

إيش التنازلات اللي قدمتها؟

أحمد منصور:

اللي هي أن تكون هناك لجنة مشتركة، ولم تصبر معهم في التفاوض بأن تكون لك اليد العليا باعتبارك صاحب الأرض حتى وإن كنت ليست لديك القوة.

مصطفى بن حليم:

اليد العليا لما يكون الرئيس ليبي، وأغلبية الأعضاء ليبيين..أي...

أحمد منصور:

لكن من الذي في يده المال؟ هم الأمريكان.. من الذي يقرر؟

مصطفى بن حليم:

وجينا بعدين.. ما يمكن أن تأخذ الموضوع بالذات، بعد ذلك جينا، وعملنا عليهم مناورات، لأن إيزنهاور وعدني.

أحمد منصور:

أنت قبلت مبدأ إيزنهاور؟

مصطفى بن حليم:

احنا كان عندنا معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى.. كويس؟ وعندنا اتفاقية تأجير قاعدة بطريقة (اللارك) اللي احنا حكينا عنها، ماذا في مشروع إيزنهاور؟

أحمد منصور:

استبدال احتلال باحتلال.

مصطفى بن حليم:

آسف، مشروع إيزنهاور يقول: في حالة ما دولة من دول الشرق الأوسط ترى نفسها مهددة بخطر شيوعي، وتستدعينا فنحن نساعدها، وإلى أن يتم هذا... مؤقتا، نحن نعطي أموال حتى ينموا اقتصادهم وهكذا.

أحمد منصور:

وكان المبدأ الأساسي هو مبدأ ملء الفراغ بعد هزيمة بريطانيا، وبعد تقلص..

مصطفى بن حليم:

يا سيدي أنا ما لي دخل بملء الفراغ.

أحمد منصور:

لا أنت تقبل المبدأ بشكل عام، مبدأ إيزنهاور بعمومه، أنك تقبل أن يستبدل الاحتلال البريطاني لبلدك باحتلال أمريكي، وأنت أجرت للأمريكان قواعد، وسمحت لهم بالبقاء فيها.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي، كلام احتلال أمريكي كلام كبير جدا، لا صلة له بالواقع، مبدأ إيزنهاور أكرر ولك أن تطلع عليه، يقول: إن لكل دولة من دول الشرق الأوسط الحق إذا ما هددت تهديد شيوعي أن تستدعينا لمساعدتها، ومقابل هذا، وإلا حتى تكون مستعدة حتى تدافع عن نفسها هي، مستعدين أن نعطيها أموال، هل هذا يمس من جهة من الجهات ليبيا؟ احنا عندنا ارتباط مع الدول...

أحمد منصور:

لكن رفض من الدول العربية الأخرى..رفض من الدول الأخرى

مصطفى بن حليم:

يا سيدي أنا عمر ما كانت سياستي أن نمشي في موكب مع الناس التانيين، لا.. أنا كل شيء أحددها بناء على مصلحة بلدي طالما ليس فيه ضرر على الدول العربية الأخرى، ولم أر فيها ضرر، وعرضت في مجلس الوزراء، ونوقشت نقاش تام وجانا مندوب إيزنهاور، ورفضنا المعونة بتاعته، ورجع بعدين وزاد المعونة، كل هذا موجود.

أحمد منصور:

في الحلقة القادمة أتناول معك إنشاء بنك ليبيا المركزي من الأموال الأمريكية، الاتفاق مع الفرنسيين، دعمكم للثورة الجزائرية، واكتشاف النفط في ليبيا.

أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة السيد مصطفى أحمد بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا (أحمد منصور) يحييكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة