المحتجون على مؤتمرات الثماني الكبرى   
الخميس 1425/4/14 هـ - الموافق 3/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 23:56 (مكة المكرمة)، 20:56 (غرينتش)
مقدم الحلقة جميل عازر
ضيوف الحلقة - منير شفيق، مفكر وباحث
- جورج طرابيشي، مفكر وكاتب
- نجيب سويرس، رجل أعمال مصري
تاريخ الحلقة 27/07/2001





- الاحتجاجات التي قامت ضد قمة الثماني في جنوا

- العولمة كنظام اقتصادي وسياسي عالمي

- العولمة والتدخل في السيادة القومية للدول

- العولمة والهيمنة الأميركية على العالم

- مواجهة تبعات العولمة والموقف العربي منها

منير شفيق
جورج طرابيشي
نجيب ساويرس
جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج (أكثر من رأي)

يمكن القول إنه لم يسبق لقمةٍ دولية أن وجدت نفسها مهمشةً في التغطية الصحفية بقدر ما حدث لزعماء الثماني الكبار في (جنوة). فبدلاً من تركيزهم على قضايا مثل: ديون العالم الثالث، ومكافحة الإيدز، والأوبئة الأخرى، والفقر، والجريمة، والإرهاب، على سبيل المثال لا الحصر، كان عليهم التعامل مع إرهاب من نوع آخر على يد بعض الجماعات المناهضة للعولمة وليس كلها، وقد اتخذت من العنف وسيلة للاحتجاج، وإذ يبدو أن المحتجين هم من الدول الغنية ذاتها لابد من التساؤل عن الدوافع والأهداف، ناهيك عن المبررات لهذه الاحتجاجات. ولكن قمة الثماني ليست رمزاً للعولمة بقد ما هي منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وإن تكن سبع من الدول المشاركة تقود التيار العولمي لكونها أعضاء في منظمة التجارة العالمية.

ومن هنا نسأل كيف يمكن التأثير على صانعي القرار الدوليين لأخذ مصالح الدول الأضعف في عين الاعتبار؟

وهل من مدافع عن هؤلاء أفضل من جماعاتٍ ماركسية أو فوضوية أو مناهضة للرأسمالية؟ وما هي الأهداف الحقيقية للثماني الكبار؟

هل بإمكانها أن تحل المشاكل التي تعاني منها قارات بحالها مثل: إفريقيا، وآسيا، وأميركا الجنوبية؟ وكيف يمكن للدول الأضعف –بما فيها العربية- أن تتعامل مع تيار العولمة الذي تقوده السبع أو الثماني الكبار؟

هذه وغيرها من الأسئلة نطرحها للنقاش مع ضيوف البرنامج هنا في الدوحة الكاتب والمفكر الأستاذ منير شفيق، وفي باريس الكاتب والمفكر جورج طرابيشي، وفي القاهرة رجل الأعمال المصري المعروف نجيب ساويرس.

وبالطبع يمكنكم الاتصال بنا عبر الهاتف على الرقم 974 رمز قطر الدولي و4888873 وعلى الفاكس رقم 974 رمز قطر الدولي و 4885999 وعبر الجزيرة نت على الشبكة المعلوماتية الإنترنت: www.aljazeera.net

الاحتجاجات التي قامت ضد قمة الثماني في جنوا

أستاذ منير شفيق أولاً كيف يمكن النظر إلى الاحتجاجات التي وقعت في جنوا وكذلك ما قبلها؟ هل.. هل هي عفوية ضد مناسبةٍ محدودة، أم أنها تعبير عن تراكمات أو حتى عن مخاوف من المجهول؟

منير شفيق: بسم الله الرحمن الرحيم. في الحقيقة لا شك أنها ظاهرة جديدة، وهي من زاوية من الزوايا ممكن اعتبارها استمرار لحركات الشبيبة التي عرفتها أوروبا منذ زمنٍ طويل، ولكنها تختلف نوعياً إلى.. على حد علمي ومعرفتي حتى الشخصية جزئياً عن الحركات اليسارية التي عرفتها أوروبا في أثناء الحرب الباردة فهؤلاء الشباب في الحقيقة هم من نمط مستقيم وصادق على العموم، وهنالك طابع عفوي حتى للجماعات، ولم نسمع عن تنظيمات بل.. من النمط المعروف سابقاً مثل هذه لجنة مركزية ومكتب سياسي وأمين عام، وأظن أن سبباً من أسباب قوتهم أنهم لم يومئسسوا بعض.. أنفسهم، وإنما يتصرفون بدرجة عالية من العفوية، ولكن أيضاً بعمق وفهم لموضوع العولمة ولما يقاومونه، فهم على.. على علم ودراية بما يفعلون، وأغلبهم.. وأغلبيتهم الساحقة لا يجوز أن نسميهم بالإرهاب.

بل إن الصحافة الغربية عندما تقول أن هنالك عنف وإرهاب إنما تستعير تماماً ما تفعله مع الانتفاضة الفلسطينية وتستخدم حتى نفس العبارات، بينما عندما يكون عندك تظاهرة فيها 200 ألف من الـ.. من الجماهير هذا لا يمكن أن نتحدث عن مجموعات صغيرة، وإذا كان هنالك بعض المجموعات الصغيرة مارست بعض العنف المتواضع فهو لا يقاس بالنسبة إلى العنف الممارس ضدهم، ففي الحقيقة أن الذي يشاهد كيف تتصدف الشرطة مع المتظاهرين منذ (سياتل) حتى (جنوا) نجد أن الغرب أخذ يكشف عن وجه عنفي شديد ضد مظاهرات في أغلبها سلمية، وأن أغلب الذين ضربوا وسقطوا لم يستخدموا القوة، بل أغلبهم الساحق جرفوا بهجمات الشرطة، وضربوا وهذا ما أثبتته الآن مجموعة كبيرة من القضايا التي رفعت على الشرطة أنها اعتدت عليهم دون أن يمسكوا حجراً أو يعتدوا على شيء، وإنما بمجرد تظاهرهم، وكانت هناك عمليات اشتباك ضربوا واثخن فيهم الضرب.

لذلك أعتقد أن هذه الظاهرة أعتبرها من أنبل ما في أوروبا من ظواهر ومن أشرفها، ولا يجوز أن ننساق وراء الدعايات الغربية بالتهجم عليهم وتحقيرهم.
حتى قصة الماركسية وقصة اليسار هي فقط تفصيلات يراد أن تلبس لهم وفيها نوع من الكسل الفكري، عندما يقال "أنهم مجموعات ماركسية ويسارية" وتستعاد كل النغمة القديمة التي كانت تطلق على مثل هذه المجموعات، هذه المجموعات في الحقيقة.. مثلاً أهم قضية تجمعهم جميعاً هي قضية البيئة.

جميل عازر: يعني أستاذ منير أنت تحاول إضفاء نوع من.. أو صفة أخلاقية على هذه الاحتجاجات.

منير شفيق: قطعاً.

جميل عازر: رغم ما شاهدناه من تخريب في شوارع جنوا. دعني أوجه سؤال إلى الأستاذ جورج طرابيشي في باريس.
أستاذ جورج، هل في مظاهر الاحتجاج هذه ما يمكننا أن نقرأ من خلاله مثلاً وجود فراغ أخلاقي في سياسات الدول الأوروبية الدول الكبيرة، إن كانت من الناحية السياسية أو الاقتصادية؟

جورج طرابيشي: أما عن وجود فراغ أخلاقي فطبعاً موجود هنا في.. في فرنسا.. في الغرب، ولكن كما في آسيا وفي أميركا اللاتينية (...) فهذه الظاهرة ليست فراغ أخلاقي بشكل.. ليست وقفاً على حضارة بعينها ولا على منطقة بعينها من العالم الحديث. طبعاً أنا لا أناقش ولا أسلم بأن موقف الكثيرين من المتظاهرين في جنوة كما في سياتل كما في كما في.. هم من الأخلاقيين (...).

جميل عازر: أستاذ.. أستاذ جورج أستاذ جورج طرابيشي يبدو هناك بعض الخلل الفني. نتحول إلى السيد نجيب ساويرس في القاهرة إلى أن نتمكن من تلافي الخطأ الفني. كيف تبدو لك الاحتجاجات بوصفك رجل أعمال سيد نجيب، هل ينبغي أن تخيفك كمستثمر أو كدائن، أم ينبغي أن تحصل منك على الدعم كمدين؟

نجيب ساويرس: الحقيقة أنا يعني لي رأي أولي في الموضوع دوت، هل إحنا جميعاً بنؤمن بالديمقراطية أم لا؟
الحكومات دي الـ (G.A.T)، اللي اجتمعوا في جنوة هل هي حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية من الشعوب بتاعتها ولا جت كدا مصادقةً أو زي عندنا في المنطقة بتاعتنا كدا بتتوارث؟ دي حكومات منتخبة، وبالتالي أغلبية شعوبها انتخبتها، وبالتالي الفئة اللي تذهب إلى الشارع لإثارة العنف، وتكسير المحلات، و.. وعمل الحرائق و.. وإتلاف الأملاك العامة، بتتصرف في رأيي الشخصي –كبداية- بطريقة غير ديمقراطية، لأنها لو مش راضية عن الحكومات دي ما فيش داعي إنها تنتخبها دا المبدأ الأول. ودا لا علاقة ليه بأن أنا مدين أو مستدين.

النقطة التانية إن.. إن هم الفئات دي.. أنا بأتساءل ما هو البديل للعولمة الذي بيطرحوه؟ هل فيه طرح آخر؟

والسؤال التالت برضو: هل العنف وإتلاف الأملاك هيؤدي لغرض؟
إحنا شفنا برضو منهم جماعة معتدلين أكتر، يعني في جنوا اجتمع مجموعة كبيرة جداً في إحدى الحدائق، وتصرفوا بطريقة حضارية وأعربوا عن.. عن كل ما في نفوسهم من.. من آراء.

فأنا يعني أنا الحقيقة مختلف مع الأخ منير شفيق في موضوع المقارنة بالانتفاضة، دي مقارنة بعيدة تماماً يعني. فرق شعب بيقاوم محتل عشان يستعيد أرضه، وفرق بين جماعة بتتلف أملاك عشان بتتهم الدول الصناعية بإنها بتستغل الدول الفقيرة.

[فاصل إعلاني]

جميل عازر: وكنا أستاذ جورج طرابيشي في باريس كنا في صدد الحديث عن إن كان ما يمكن أن نقرأه في تلك الاحتجاجات من مظاهر تنم عن وجود يعني فراغ أخلاقي في سياسات الدول الأوروبية الدول الكبرى التي تقود تيار العولمة هذه، ونأسف للانقطاع في الـ.. في الاتصال معكم.

جورج طرابيشي: طبعاً الفراغ السياسي موجود، ولكنه موجود بشكل نسبي هنا في فرنسا، في الغرب، كما في كل مكان آخر من العالم، وليس هذا الفراغ الأخلاقي بأكبرها هنا مما هو موجود في آسيا أو في إفريقيا، أو في العالم العربي، أو في العالم الإسلامي، أو في العالم الأميركي اللاتيني. فقبل كل شيء إذا اعتبرنا هذه التظاهرات الاحتجاجية ضد العولمة ظاهرة أخلاقية فهذه الظاهرة هي نفسها جزء من الغرب، وليست مستقلة عن الغرب، ولا عن هذه الحضارة الغربية وبالتالي لا يمكن اتخاذ هذه الظاهرة.. هذه التظاهرة وسيلة لإدانة الغرب أو لإدانة –بالأحرى- الحضارة الغربية التي لا تعدو هذه الظاهرة سوى أن تكون تعبير من تعبيراتها.

الواقع الاحتجاج ظاهرة مستديمة في.. هنا في الغرب، يكفي أن نتذكر ما حدث في أميركا من تظاهرات احتجاج على الحرب الفيتنامية، يكفي أن نتذكر حركة الطلاب عام 68، ولليوم الحركة البيئوية المنتشرة في كل أوروبا والعالم الصناعي، وأخيراً هذه التظاهرات.. المناهضة للعولمة.. هذه كلها حركات هي جزء من الوضعية الغربية العامة وليست منفصلة عنها، وليست مستقلة، وليس مضادة لها كما قد يخطر لنا.. فالغرب أو الحضارة الغربية تتميز بميزة أساسية وهي قدرتها الدائمة على نقد ذاتها، أو حتى على رفض ذاتها بشكل جزئي، وعلى تجاوز هذا النقد في المستقبل، فهي حضارة تتطور باستمرار، تصحح ما فيها من.. أو تحاول أن تصحح ما فيها من عيوب، وتتدارك ما فيها من عيوب، وكل نقد لهذه الحضارة يغنيها ولا يلغيها.. ومن ثم فأنا أعتبر التظاهرات ضد العولمة هي مؤشر كبير على الحيوية في هذه الحضارة، وليس.. ولست علامة على أفولها أو موتها كما يفكر الكثيرون.

جميل عازر: طيب أستاذ منير، يعني عطفاً على قول الأستاذ جورج إن هذه الظاهرة.. الظاهرة الاحتجاجية- هي جزء من الثقافة –إن صح التعبير- الثقافة السياسية في.. في دول الغرب، أعتقد أن غياب مظاهر احتجاجية في.. من هذا القبيل في دول العالم الثالت التي يفترض أن تكون المتضررة من العولمة، هذا يؤكد ما يقوله الأستاذ جورج..

منير شفيق: هو في الحقيقة يعني أحسست إنه الأستاذ جورج بده يدافع عن الغرب، ما بده يناقش موضوع التظاهرات ويحللها، والجانب الإيجابية فيما جاء به أن هذه التظاهرات الإيجابية المحقة هي جزء من الغرب، وبالتالي هو يريد أن يدخل من هذا المدخل ليدافع عن مجمل الحضارة الغربية، وهذا ليس موضوعنا، لأنه لو كان الموضوع موضوع الحضارة الغربية هنالك مداخل أخرى لمناقشة الحضارة الغربية ككل لنرى أين تقع هذه التظاهرات داخل هذه الحضارة، وما هو الوجه الرئيسي؟ هل الوجه الرئيس حتى فيما رأيناه للعولمة وهذه التظاهرات، أم الوجه الرئيسي هي العولمة، وأساطين العولمة، وما يفعلونه في العالم، وما يريدون أن يفرضوه على العالم؟

النقطة الثانية التي أود أن أناقش بها الأستاذ نجيب، أنا أعجب أنه عندما يريد أن يصادر الاحتجاج تحت دعوى أن هنالك ديمقراطية في الغرب، ما دامت هذه الحكومات ديمقراطية إذن ممنوع الاحتجاج؟!

ممنوع أن تذهب الجماهير إلى الشوارع، ممنوع أن تنتقد؟! هذه قضية يعني.. حتى الغرب نفسه حتى جماعة العولمة لا يستطيعون أن يقولوا: نحن منتخبون إذن لا أحد يحق له أن يتكلم. لأ.. يحق لهم أن يتكلموا، ويحق لهم أن يحتجوا، ويحق لهم أن يتظاهروا وأن يقدموا دعواهم، حتى في الشارع، ليست.. ليس العالم كله فقط صناديق الاقتراع ثم يذهب كل إنسان إلى بيته. ولهذا إن إدانة هذه الفئة أنها تحتج ضد حكومات ديمقراطية هذه غير واردة و(يصح) النقطة الأخرى التي أوردها يتساءل ببراءة: ما البديل للعولمة؟ نعم، هنالك بديل للعولمة.. تعال لنأخذ هذه التظاهرات، ماذا تقول عندما ترفع هذه التظاهرات شعار تجارة عادلة وليست تجارة حرة؟
ماذا تريد أنت؟ تجارة حرة؟ تجارة السمك الكبير يأكل السمك الصغير؟ تجارة الأقوى يزيد قوةً أو غنيً والأضعف يزيد ضعفاً؟ أم يجب أن يكون هناك توازن في النظام التجاري العالمي، وأن يكون هنالك توازن يراعى مصالح مجموع الشعوب والفقراء وجميع الدول، أم هنالك نترك قانون الغاب، قانون الأسماك الكبيرة والصغيرة يحكم العالم؟! ثم خذ مثلاً آخر قضية إلغاء الديون، هل هذي أيضاً من القضايا التي يجب أن نقول ليس هنالك من بديل إلا بقاء هذه الديون وبقاء الاستنزاف والربا العالمي الذي ينهك شعوب العالم؟

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب.. أستاذ..

منير شفيق [مستأنفاً]: قضايا كثيرة يجب أن يفكر بها الأستاذ نجيب ليرى أن هنالك بدائل.. ولم يعد أحد، لم يعد أحد اليوم حتى من دعاة العولمة يقدم العولمة كأنها شيء خالص، لا يقبل للتعديل، لا يقبل للاحتجاج، لا يقبل أن تحدث تغيرات جذرية حتى إقامة بدائل للعولمة.

جميل عازر: طيب سيد نجيب ساويرس سمعت الأستاذ منير ما يقوله عن بديل للعولمة أو للتجارة، يعني بحيث أن تكتسب العولمة ما يسمى "الوجه أو الطابع الإنساني". فما.. ما ردك على ذلك أستاذ نجيب؟

نجيب ساويرس: الحقيقة أنا ما قرأتش على النظام الاقتصادي ما يسمى "بالنظام الاقتصادي الإنساني" أو اللي، إحنا لابد إن.. إن نشوف إحنا عايزين نمش اقتصادياً إزاي يعني نمشي بنظام.. أنا أعرف النظام الشيوعي، أعرف النظام الاشتراكي، وأعرف النظام الرأسمالي، فأي.. أي من هذه الأنظمة يدعو إليها الأستاذ منير؟
نيجي لمسألة الإعفاء من الديون. أنا طبعاً بأؤيد إعفاء الديون للدول الفقيرة، لكن دا مش لازم لأن مفروض اللي يقترض يسدد اللي حصل في غيبة من.. من القانون إن في أزمنة مختلفة إن.. إن حصل نوع من تسليف لحكام فاسدين ما استغلوش الأموال دي، دا موضوع يتعالج بمكافحة الفساد، أنا.. اللي أنا بأقوله إن أنا ما فهمتش برضو من الأستاذ منير ما هو.. بيقول إحنا عايزين تجارة مش عادلة.. طب يشرح لي يعني أنا مش فاهم برضو.

جميل عازر: طيب.. أستاذ منير يعني هل نعتقد أن هذه الاحتجاجات منذ سياتل في عام 99 إلى (دافوس) و(واشنطن) و(براغ) و(ملبورن) و(جوتنم برج) يمكن أن تكون بداية لظهور حركة عالمية مثلاً للحفاظ على الحدود القومية –إن صح التعبير- من الانهيار أما مقتضيات العولمة؟

[موجز الأنباء]

العولمة كنظام اقتصادي وسياسي عالمي

جميل عازر: وكنا قد سألنا الأستاذ منير شفيق عما إذا كان يعتقد أن في الاحتجاجات التي شهدناها في جنوة والاحتجاجات السابقة لجنوة في مناسبات عالمية من هذا القبيل يمكن أن تكون مؤشر أو بداية لظهور حركة عالمية ربما تحاول الحفاظ على الحدود القومية في وجه العولمة..

منير شفيق: الحقيقة يعني هذه أحد الظواهر الجديدة في مواجهة العولمة، ولكن هنالك الآن تواجه العولمة مآزق كثيرة تتهدد كل الصورة التي رسمت للعولمة في التسعينيات الآن حتى على مستوى الدول الكبار، سواء الذين اجتمعوا في جنوة الخلافات تعصف بهم ولم يعودوا يستطيعون أن يفعلوا ما كانوا يفعلونه بالتسعينيات من حيث الاتفاق على مجموعة كبيرة من القضايا.. ميزان القوى العسكري الآن تغير عما كان عليه في التسعينيات، الآن العالم قد يواجه سباق تسلح، وقد يواجه محور.. محاور من جديد تنشأ في السياسة مثل المعاهدة الروسية الصينية، هذه مسألة يجب أن تلفت الانتباه مثلاً قصة سباق التسلح، موضوع الدرع الصاروخي الأميركي، ومقابلة التطوير الروسي للصواريخ متعددة الرؤوس النووية هذه كلها ظواهر جديدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، لأن العولمة ليست فقط مجرد نظام اقتصادي.

وإنما هنالك عولمة عسكرية في البداية قامت على أساس ميزان قوي عسكري، ولم تقم فقط لأنه يراد إطلاق الرأسمالية أو إطلاق التكنولوجيا إلى آخره، لأن هذه العولمة نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية التابعة له، وظهور أميركا كقطب واحد كبير أقوى في العالم سمحت حتى للتكنولوجيا أن تنطلق من أروقة (البنتاجون) ومن أروقة الأجهزة الأمنية، وهذا ما تراه الآن وموجود، كان منذ ربما 20 سنة أو 15 سنة أو 10 سنوات، الآن إذا بدأ يتغير ميزان القوى أو بدأ.. دخل العالم في مرحلة جديدة هنا ستجد أن هذا كله سيؤثر على العولمة، حتى دول العالم الثالث أنا أراها الآن بدأت تتكتل وبدأت توحد مواقفها، وبدأت تطالب بأخذ مصالحها بعين الاعتبار ومراعاة مصالحها يعني الأستاذ نجيب مثلاً لم يقرأ جيداً البيان الذي صدر عن مجموعة الـ 15 في القاهرة نفسها وماذا توجهت به للعولمة، عندما طالبتها أن تكون أكثر توازناً، وأكثر عدالةً، واكثر مراعاةً لمصالح الدول الأخرى وليس مصلحة دولة واحدة أيضاً عندما يسأل عن الرأسمالية لا يعني أن الرأسمالية تفلت وتهجم على الناس تقع كما تريد، وإنما يجب أن تكون للرأسمالية ضوابط، الاحتكار مثلاً يجب أن يمنع الاحتكار، مثلاً قصة الديون.. ليس صحيح أن المتدينين.. المديونين يجب أن يسددوا هم سددوا أصول ديونهم، وأكثر من أصل ديونهم جميعهم سددوا ولكن ما تبقى هو الربا العالمي الذي تضاعف أضعافاً مضاعفة.

خذ مثلاً في العولمة يعني أنت تريد رأسمالية تفرض على العالم ثقافة مغلبة، ثقافة تحول الثقافة مثل الطماطم ومثل الهاتف النقال. قصة الحمايات. أي عولمة هذه عندما أميركا تقيم الحمايات لزراعتها ولصناعتها التصديرية، وتفرض على شعوب العالم الثالث ودول العالم الثالث ممنوع أي شكل من أشكال الدعم، ممنوع أي شكل من أشكال الحماية، وتفرض ذلك بالقوة؟ هذه.. إذا كانت الرأسمالية أن نعود إلى الغابة، أن نعود القوي يأكل الصغير، مفهوم الرأسمالية أيضاً يمر بمراحل إله ضوابط، إله إلى آخره، فليس البديل فقط إما الاشتراكية الدولة الطاغوتية التي تمسك كل شيء وتحتكر الاقتصاد، أو الشيوعية، وإنما هنالك درجة من التوازن يجب أن تقوم في المجتمع بين النشاط الفردي، بين الرأسمالية وبين المؤسسات الاجتماعية وبين الدولة، هنالك نظام بديل فعلاً سواء على المستوى العالمي أن يكون متوازناً، وعلى المستوى المحلي يجب أن يكون متوازناً.

جميل عازر: طيب أستاذ جورج طرابيشي في باريس، يعني الدكتور منير وضع هذه الأوصاف للدول الأوروبية قائدة العولمة إلى آخره، وكان قد قال إنك تريد الدفاع عن الغرب. هل بإمكانك أن تدافع عن الغرب في ظل هذه الأوصاف التي.. والنعوت التي أطلقها على الغرب؟

جورج طرابيشي: يعني يسمح لي.. وليسمح لي الأستاذ منير أن أصحح بكل هدوء فأقول: ليس المطلوب لا الدفاع عن الغرب –كما يتهمني- ولا المطلوب شتم الغرب وسب الغرب بأي ثمن كما يحاول هو أن يفعل، إنما المطلوب فهم الغرب، فهم الغرب لأنه هذا جزء أساسي من.. من العالم الذي نعيش فيه، جزء مكون لهذا العالم الحديث الذي نعيش فيه، فعلينا أن نفهم الغرب، ونفهم الآليات التي تتحكم بتكوينه، بمساره الحضاري، بانتكاساته، بتقدمه، إلى آخره. فإذن فلنكن موضوعيين، وإنما كان هدفي أن أقول إنه هذه التظاهرات المناهضة للعولمة ليست من خارج الغرب، إنما هي من داخل الغرب نفسه، لأن الغرب يتسع –بحكم تكوينه التاريخي- لتعدد من الأصوات. ثم إني أتعجب من هذا التوصيف للعولمة وكأنها شر الشرور، وكأنها البعبع أو الغول الذي سيلتهم العالم، مع أنه العولمة حتى الآن لم تتسبب إلى في شيءٍ واحدٍ أساسي وهو: أن دولاً من العالم الثالث كانت متخلفة ومقطوع الأمل في تقدمها استطاعت –من خلال العولمة- أن تكسر حاجز العولمة، وأن تحقق مستوى من النمو الاقتصادي والصناعي يكاد يشبه المعجزة اليابانية في العقدين التاسع.. التاسع والثامن هذا.. من قرننا هذا، أقصد هاهنا التنانين الأربعة الصغيرة..

جميل عازر [مقاطعاً]: من القرن الماضي.

جورج طرابيشي [مستأنفاً]: هون كونج، وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة التي استطاعت خلال 20 سنة أن تحقق مستوى من الناتج القومي للفرد في بلادها من 150 دولار في اللي كان الناتج.. الدخل الفردي للفرد في هون كونج إلى 24 أو 25 ألف دولار بفضل ظاهرة العولمة، إذ ماذا تعني العولمة بالضبط؟ العولمة كاقتصاد تعني قبل كل شيء: "ترحيل المصانع من مراكزها في الغرب الرأسمالي إلى أطراف النظام الرأسمالي حيث اليد العاملة فقيرة"، وهذه تتيح فرصة كبيرة لدول الأطراف، لدول العالم الثالث، المتخلفة، المهمشة، الفقيرة، المستضعفة، لكي تحتل مكاناً لها في هذا العالم.

فأنا أعتقد إنه التظاهرات ضد العولمة التي قام بها المتظاهرون في جنوة كما في سياتل إلى آخره يقعون في تناقض خطير من نوعه، وهم يريدون الدفاع عن الصناعة القومية في أوروبا، وعن الاقتصاد القومي الوطني، وعن الحدود الوطنية والقومية في الغرب، في حين.. ويطالبون في الوقت نفسه بإلغاء الديون عن الفقراء في العالم الثالث وبتقدم العالم الثالث بتحسين، علماً بأنه العولمة هي التي تتيح الفرصة اللي هي تكاد.. تكاد تكون يتيمة ليتمكن هذا العالم الثالث من كسر حاجز التخلف.. ثم هل.. هذه العولمة ليست فقط ترحيل إذن للنظام الاقتصادي من مراكزه إلى أطرافه، ولكن تعني أيضاً لها أبعاد أخرى، لها أبعاد قانونية، هناك عولمة قانونية، ما حدث (لميلوسوفيتش) ما حدث (لبينوشيه) ما قد يحدث لشارون، يجب أن نأخذ بالاعتبار إنه هذه العولمة أسقطت الحمايات القومية حماية السيادة القومية عن الديكتاتوريين، وعن السفاحين، وعن قتلة الشعوب. وهذه العولمة أيضاً عولمة إعلامية، فاليوم.. لنأخذ ما يحدث في الأراضي المحتلة في فلسطين، لولا العولمة ما كان نتصور معنى لانتفاضة أطفال الحجارة، ليس ولدينا من يتوهم أو من هو ساذج يعتقد إنه حجارة أطفال فلسطين كافية وحدها لتحرير الأراضي المحتلة، إنما رهان أطفال فلسطين والقيادات الفلسطينية على الصورة المعولمة التي تنقل إلى العالم كله وتحضر انتفاضة أطفال الحجارة وماسأة.. شعب فلسطين وطغيان إسرائيل وتجبر إسرائيل، تحضرها على مستوى العالم أجمع..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب.. نعم.

جورج طرابيشي [مستأنفاً]: فأنا لا أستطيع أن أتجاهل هذا الجانب من العولمة.

جميل عازر: طيب.. سيد نجيب ساويرس، يعني قيل أنك لم تطلع على بيان الخمسة عشر في القاهرة، كيف يمكن إضفاء الطابع الإنساني على ظاهرة العولمة؟

نجيب ساويرس: الحقيقة أنا ما أعرفش هو جاب المعلومة فين إن أنا لم أطلع على البيان ده؟ أنا عايش في القاهرة، بالعكس أنا ما جاتش لي فرصة إن أنا أوضح إن.. إحنا لازم نغرق بين العولمة وبين رد الفعل بتاعنا إحنا كدول عالم تالت أو كدول نامية، اجتماع الـ 15 اللي كان في القاهرة دا رد فعل إيجابي لمحاولة وجد [إيجاد] تكتل من دول شبيهه في اقتصادياتها بطريقة متحضرة، لوضع الخيار أمام العولمة وتأثيراتها على بلادنا واقتصادنا أنا مجرد بأعترض على إن الناس تمشي في الشارع تكسر محلات، وتدمر ممتلكات ناس لا حول لهم.. يعني إيه ذنب واحد عنده محل في جنوة مثلاً أو عنده.. كان قاعد في سياتل وقت ما.. فأنا بأعترض فقط على هذا الشق.

أما الادعاء الإنساني والناحية الإنسانية، الناحية الإنسانية ما تيجيش بالتمني والنوايا الطيبة والنوايا الحسنة، هل النهارده إحنا عايزين نعمل إحسان للشعوب ولا عايزين كل واحد بكرامة يجد فرصة عمل ويساهم في نمو بلده؟ إذا كان عندنا هو دا الاستعداد فلنطرح الخطة وطلباتنا بوضوح أمام العالم المتقدم أو أوروبا أو أميركا، ونقول لهم: أدي خطتنا، ونطلب منهم مثلاً كمثال يعني وده رأيي الشخصي.. إن مثلاً.. قارة كإفريقيا لن ترى النور إلا بمشروع زي مشروع (مارشال) الاقتصادي يقوم الأول بـ 3 جوانب يكافح الأمراض المزمنة اللي هنالك، يعمل تنمية اقتصادية حقيقية، ويكافح الفساد، ولا يتذرع بالفساد إنه كسبب إنه ما.. ما يمولش أو ما يساعدش البلاد دي أنا شخصياً كنت في القارة دية بقى سنتين تلاتة ووصلت إلى قناعة إن لا أمل إلا بمثل هذا المشروع، فنتقدم بطلباتنا، لكن.. ويكون عندنا البديل. وإحنا كمنطقة هنا أو كشعوب هل إحنا خلقنا كيانات برضو قوية تقدر تتعامل مع.. مع العولمة دي؟ بقى لنا 15 سنة بننادي بالوحدة العربية الاقتصادية أو فتح الحدود وفتح الجمارك ولا عملنا أي حاجة.

جميل عازر: طيب، أستاذ منير، يعني كان من من النقاط الرئيسية التي وردت في البيان المشترك الذي صدر عن قمة الثماني في جنوة مثلاً مسألة معالجة الفقر في العالم ثم معالجة قضية الديون، وهنا لابد أن نشير إلى أن هاتين النقطتين –يعني- مهمتين جداً في سبيل تطوير الاقتصاديات في الدول دول العالم الثالث، وخاصة الدول الفقيرة جداً أو الأكثر فقراً. يعني هل نؤاخذ قمة الثماني بأي شكل من الأشكال على إدراج مثل هذه النقاط في ضمن برامج عملهم أو.. التوصيات أو الاقتراحات التي يوصون بتنفيذها؟

منير شفيق: بتصوري أن العولمة الآن في أسوأ حالاتها، والعولمة فقد حجيتها وفقدت حتى القدرة على الإقناع، فما أراه أنا وما أقرأه من مؤتمر الثمانية أنه مؤتمر اعتذاري ومحاولة للقول للناس تقول لهم إنه إحنا مهتمين بالفقر، مهتمين بقضايا المرض مهتمين بقضايا البيئة، وهم سبب أساسي من أسباب الفقر والمرض والبيئة وخاصة في العشر سنوات الأخيرة التي تعتبر هي عشر سنوات العولمة. ولهذا أنا أخالف.. الأستاذ جورج إنه يخلط بين الثمانينات أو السبعينات والتسعينات، التسعينات فقط هي فترة العولمة في ذلك.. في المرحلة السابقة كان هناك حرب باردة، كان هناك معادلات اقتصادية أخرى وعلاقات أخرى.

النمور الآسيوية التي أشار إليها هي ابنة الحرب الباردة، ابنة المواجهة مع الصين وفيتنام وتشجيع هذه الدول تماماً كمشروع (مارشال) في أوروبا، ولكن في عصر العولمة ضربت النمور الآسيوية والآن لا توجد نمور آسيوية، هي الآن في الحضيض في الأرض ما عدا ماليزيا، وماليزيا خرجت من المأزق لأنها عارضت البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتصدت لإملاءات العولمة لذلك الإشكال الأساسي الذي يجب أن نواجهه أن قيادات الدول الصناعية الآن غير قادرة أن تدافع عن العولمة مثلاً في إفريقيا خلال العشر سنوات الماضية، ما نسمعه الآن عن إفريقيا مثلاً بانتشار الإيدز والفقر وهبوط مستوى المعيشة إلى درجة أن أفريقيا الآن معرضة للإبادة هي بالضبط تضاعفت في فترة العشر سنوات الماضية، وليس العكس، يعني حتى في المراحل السابقة التي كان الغرب أو كانت الرأسمالية ترهق.. إفرقيا وتستنزفها، في العشر سنوات الماضية تضاعف الأمر، وفي الحقيقة بتصوري أن هنالك الرأي الذي تقول به (سوزان جورج) في كتابها حول تقرير (لو كانو): أن العولمة تحمل سياسة لتشجيع الإبادة البشرية، لأنه هنالك فائض بشري، من وجهة نظر –هذه تقدير، وأنا أوافق عليه- هناك فائض بشري في هذا العالم يجب التخفف منه إذا كانت العولمة تريد أن تسير..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب أستاذ منير، يعني هذا هذا طرح خطير جداً، دعني استمزج رأي الأستاذ جورج طرابيشي في.. في الموضوع. هناك فائض بشري أستاذ جورج، ومن هنا فإن العولمة ستتحمل –يعني- عبئاً ومسؤولية ربما تفوق كل التصورات.

جورج طرابيشي: لست أدري ما المقصود بهذا الفائض البشري، العالم تضاعف خلال القرن العشرين وحده لم مليارين إلى ستة مليارات، ومرشح خلال الخمسين سنة القادمة يصير تعداده 12 مليار إنسان، يعني البشرية تضاعفت بشكل هائل وهي تتضاعف في ظل العولمة، ولست أرى العولمة منجلاً للموت سيجتز الرؤوس لكي يخفف هذا الفائض البشري.

ما قيل عن النمور الآسيوية أنها بنت السبعينات والتمانينات وليست بنت العقد الأخير عقد العولمة، لأ، أعتقد صحيح أن النمور الآسيوية مرت عام 97 بأزمة ولكنها الآن تجاوزتها وعادت تسترد نفس إيقاع النمو الاقتصادي الذي كانت عليه، الرأسمالية تاريخها أزمات وتجاوز للأزمات، مرت أوروبا مرت أميركا بأزمات خطيرة عام 29 كما مرت النمور الآسيوية بعام 97 ولكنها تجازوتها، وها هي النمور الآسيوية تتجاوزها. وبفضله عصر العولمة أو عقد العولمة تحديداً اللي هو التسعينات لم يعد الأمر مقتصراً على دول صغيرة مثل هونج كونج أو سنغافورة أو كوريا، إنما الآن الصين عملاق العالم اللي يشكل وحده خمس البشرية، واحد من كل خمسة الناس، من كل خمسة من خمسة.. إنسان في العالم صيني، فالآن الصين بمليار و300 مليون بفضل عصر العولمة تقتحم حاجز التخلف، وتدخل مرشحة الآن في خلال نصف القرن القادم لتصبح العملاق الكبير في العالم العملاق الأول، فلست أرى كيف إن العولمة هي فقط عصر قبر الآخرين، قصر اجتزاز الفائض البشرية، وفيما يتعلق بالفقر..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب أستاذ جورج.

جورج طرابيشي [مستأنفاً]: طبعاً الفقر ظاهرة مريعة وما يجري في في إفريقيا مذهل ومخيف ومذل الإنسان ولكرامة الإنسان، ولكن لولا العولمة هل كنا سنسمع بما.. بما يحدث في.. في أفريقيا؟ لولا هذه التكنولوجيا التي وحدت العالم وجعلت منه قرية كبيرة هل كنا سنعلم ببؤس الأفارقة؟ إفريقيا بائسة.

جميل عازر: طيب أستاذ.. نعم..

جورج طرابيشي: منذ خمسة قرون ومنذ عشرة قرون، ولكن من كان يسأل عن بؤسها، اليوم في عصر العولمة يسأل ونطالب العالم بأن يكون مسؤولاً عما يحدث في إفريقيا.

جميل عازر: أستاذ جورج.. أستاذ جورج، أستاذ جورج، أستاذ جورج.

جورج طرابيشي: ومن المؤسف إن التدهورات اللي وقعت في جنوه منعت المؤتمر أن يتوصل إلى.. إلى الضغط على أميركا لإلغاء ديون العالم الثالث، ولكي تخفف التلوث، ولكي توقف توقف تصدير السلاح إلى العالم، مؤتمرات القمة هذه كانت وسيلة ضغط وليست مؤامرة عالمية عولمية ضد البشرية، إنما الذي حدث إنه ما استطاع الأطراف التانية في عملية العولمة الشركاء يفرضوا ما فيه الكفاية من القوة على أميركا لكي تقدم التنازلات المطلوبة.

جميل عازر: طيب أستاذ جورج، أستاذ جورج.

جورج طرابيشي: ولذلك أنا أعتقد ليست التظاهرات ضد العولمة، وإنما بالعكس الرؤية الواقعية لما يحدث في العالم تمكننا وتتخذ من مؤتمرات القمة نفسها وسيلة للضغط على أميركا وعلى من.. من يحاولون أن يبقوا العالم هو قائم..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب أستاذ جورج.

جورج طرابيشي: ولذلك أنا إنسانا واقعي، وأعتقد إنه فوتت فرصة تاريخية لإنجاح مؤتمر القمة هذا.

جميل عازر: طيب أستاذ جورج، ولكن أليس من الغريب –مثلاً – أنت أشرت إلى الصين وأنها تساوي.. عدد سكان الصين يساوي خمس عدد سكان العالم في الوقت الراهن، أليس من الغريب أن استثني الصين لحد الآن من –مثلاً- منظمة التجارة العالمية ومن القرارات الأساسية التي أسست لهذا النظام الجديد؟

جورج طرابيشي: الواقع الصين هي في فترة انتقالية من تاريخها.

جميل عازر: ومعها الهند.

جورج طرابيشي: نحن نعلم أنها ورثت النظام الشيوعي الذي عاشت عليه خمسين سنة، وهي الآن تدخل النظام الرأسمالي من عمقه، ولكن من المستوى الاقتصادي لا من المستوى السياسي، وبالتالي هذا الموروث الكبير من.. من الإيدولوجية الماركسية ومن الحكم الماركسي الذي ما استطاعت بعد القيادة الصينية تتخلص منه، ولا تفتح البلد ديمقراطياً، فهي تريد أن تغلق الحدود سياسياً وتفتحها اقتصادياً، هذا تناقض أساسي في الصين يجب أن تتغلب عليه الصين والشعب الصيني والقيادة الصينية لكي تستحق الصين فعلاً المكان الذي يعود إليها وهو مكان هائل. والواقع إنه استبعاد الصين جرى من قبل وليس من اليوم، وإنما ما يحدث اليوم إنه أميركا نفسها تضطر لأن تفتح أبوابها للاقتصاد الصيني وللبضاعة الصيني لكي تغزوها كما غزتها من قبل البضائع اليابانية.

ظلم تاريخي للشعب الصيني إنه حتى الآن مازال مستوى الدخل في ألف دولار سنوياً، ولكن لا نستطيع أن نقول بدول مؤتمر القمة الثمانية، هؤلاء مستوى الحياة فيه باستثناء روسيا من 20 ألف دولار إلى 35 ألف دولار للفرد في السنة، فأدخلوا روسيا أدخلوها ضيفاً على مؤتمر السبعة فصار اسمها المجموعة الثماني بإدخال روسيا، مع إن روسيا لا تلبي كافة الشروط المطلوب تنفيذها من حيث التطور الصناعي ومن حيث ارتفاع مستوى الحياة. ولكن أنا بأعتقد إنه إذا استطاعت الصين تتابع المسيرة اللي دخلت فيها من خلال العشر سنوات الأخيرة، فخلال ربع قرن الصين ستصبح واحد عضواً أساسياً ومركزياً في مجموعة الثمانية اللي بيصبح عمرها 3 أو 10 أو الـ15.

جميل عازر: طيب أستاذ منير، يعني استمع إلى هذا البيان:
التاريخ الحديث أو جد سوقاً عالمية، وتم تدمير كل الصناعات الوطنية العريقة، فقد حلت محلها صناعات جديدة تستهلك منتجاتها في.. في كل ركن من العالم، وبدلاً من الحاجات القديمة نجد حاجات جديدة تتطلب تلبيتها منتجات دول ومناخات بعيدة، وقد زالت جميع العلاقات الثابتة الراسخة، كما أن كل العلاقات الحديثة العهد أصبحت بالية قبل رسوخها، فكل ما هو صلب أصبح يتبخر في الهواء، ولكن هذا..

منير شفيق: هذه.. هذه لماركس هذه..

جميل عازر: هذا ما ورد بالفعل في (المنافيستو) Manifesto الذي أسس –يعني- العقيدة الشيوعية وورد قبل 153 عاماً. هل ينطبق هذا في الواقع على المرحلة الراهنة التي يعيشها العالم من حيث أنه كان يتحدث عن ثورة في حقيقة الأمر؟

منير شفيق: هو في التأكيد هذا –يعني- يعبر عن اتجاه في الرأسمالية أنا بالعكس بأقول إنه حتى الرأسمالية نفسها في الغرب ولدت من خلال السيطرة السابقة لها على المستعمرات وعلى نهب الثروات، وهذه لعبت دوراً حتى في تنمية الرأسمالية، فالرأسمالية الغربية منذ الولادة هي عالمية وهي تحاول أن تهيمن على الوضع العالمي وتقتسم العالم. ولكن اسمح لي بنقطتين أساسيتين.

جميل عازر: اتفضل.

منير شفيق: الأولى: أنا بتصوري يجب التوقف عند الطريقة التي يطرح بها الأخ جورج قضية سيادة الدول، قضية الاعتداء على سيادة الدول، وعدم حماية سيادة الدول، والاستمساك بها، مسألة خطيرة جداً ولا يمكن أن نقبل بها، لأن التدخل في الشؤون الداخلية للدول من قبل أميركا ومن قبل الدول الأقوى هو.. هو تدخل مشبوه ومعروف أهدافه، وبالتالي أعتقد أن مبدأ الحفاظ على سيادة الدول واستقلالها مسألة مبدأ يجب أن نتمسك به ولا نقبل بالموضوعات الآن الأميركية التي تريد أن تنتهك هذه السيادة.

النقطة الثانية: أريد أن أوجهها للأستاذ نجيب، الأستاذ نجيب ألمح إلى موضوع الوحدة العربية وأين الوحدة العربية؟ هو باعتباره رجل اقتصاد يجب أن يقتنع قناعة تامة أن لا تطور اقتصادياً في بلادنا إلا بالوحدة العربية.. بالسوق العربية المشتركة، إلا بالتضامن، أما التطور على مستوى قطري أو مثلاً مصر عولمة فلن تتطور مصر، مصر تتطور إذا الرأسمالية في مصر أدركت إدراكاً عميقاً أهمية السوق العربية المشتركة وقاتلت من أجلها، وكذلك كل الرأسماليات وكل المشاريع العربية، مسألة السوق العربية المشتركة باعتقادي أنها قصة حياة أو موت بالنسبة لإمكانية التنمية في بلادنا.

أما جعل التنمية مرتبطة بمن هم في الخارج وبالعولمة بمعناها الأميركي وبالمعنى.. أنا بتصوري هذا لن يخرج منه أي فائدة إلا بعض السماسرة ممكن أن يستفيدوا منه وبعض الذين يريدون أن يكونوا ملحقين للشركات الكبرى، أما عمل تنمية حقيقة، عمل استقلال حقيقي، عمل قوة لمصر، قوة للبلاد العربية، هذا لن يكون إذا لم نعزز التضامن، إذا لم نعزز السوق العربية المشتركة، وأكثر من ذلك ومنها إلى سوق إسلامية أوسع من هذا، فتبقى نقطة -إذا سمحت لي- كمان للأستاذ جورج عندما تقول إن الدول الغربية لم تستطع أن تضغط على أميركا، إذا كان فعلاً السياسات الأميركية المهددة للبيئة، المهددة لقضايا الديون، المهددة لمشاريع مكافحة الفقر، هي رأس هذه الإشكالية وأن الدول الأوروبية، وأنا أوافق على هذا، ممكن أن تكون عامل موازن في الموضوع، ولكن أقول: بلا أميركا لا توجد عولمة، يكون هناك نظام آخر، لأن العولمة مرتبطة بالهيمنة الأميركية، شرط العولمة هو أن تكون أميركا مهيمنة، إذا أميركا لم تهيمن على منظمة التجارة العالمية وانقلب السحر على الساحر فسوف تحطم منظمة التجارة العالمية كما تحطم أية منظمات أخرى، لا تكون كلمتها هي النافذة.

جميل عازر: ربما كما يحدث بالنسبة لبروتوكول كيوتو في.. مسألة المناخ.

منير شفيق: خد مثلاً أهم من هذا.. أميركا وضعت قانون اسمه "قانون مساعدة الصناعات التصديرية" في أميركا، السنة الماضية فقط الدولة حمت الصناعات أو شجعت الصناعات بأربع مليارات دولار، سمحت لها بمنافسة أقوى لأوروبا نفسها، أوروبا اشتكت إلى منظمة التجارة العالمية، هيئة تسوية الخلافات في هذه المنظمة اعتبرت القانون الأميركي مخالف لقوانين منظمة التجارة العالمية، لما أخذت هذا القرار قال ممثل أميركا في هذه المنظمة، قال: "هذا بمثابة قنبلة نووية تلقى على أميركا". بمعنى أن أميركا إذا بدها تمضي أوروبا بهذا المجال ولا تفعل ما تريد أميركا سوف تخرب منظمة التجارب العالمية، وتقيم نوعاً من النظام تسميه عولمة، تسميه غير.. ما شئت، أنه ليس نظام العولمة الذي تم التحدث عنه في التسعينيات.

جميل عازر: طيب سنتناول موضوع التدخل في الشؤون القومية والوطنية والقرار القومي والوطني.

[فاصل إعلاني]

العولمة والتدخل في السيادة القومية للدول

جميل عازر: وأتوجه إلى نجيب ساويرس في القاهرة. سيد نجيب، أولاً كيف يمكن منع الشركات العملاقة التي –يعني- لها نفوذ اقتصادي هائل جداً، ميزانياتها تعادل أضعاف ميزانيات دول، كيف يمكن منعها من أن تؤثر أو تتدخل في الشؤون القومية في القرارات الوطنية التي يمكن أن تخدم مصالح شعوب هذه الدول؟

نجيب ساويرس: أنا أعتقد إن يعني فيه All Ready اتهام مسبق للشركات دي إنها داخلة تعمل سياسة، أعتقد الشركات دي داخلة تعمل أرباح، داخلة تبيع سلع، لا أعتقد أنها لها أي رغبة في التدخل في الشعوب أو عاداتها، هو البديل هو إقامة كيانات وطنية محلية على المستوى الإقليمي بجودة وأداء يتساوى مع السلع اللي جاية من الخارج. وعلى كل مساوئ العولمة.. العولمة ليها أيضاً إيجابيات وهي إنها بتفتح السوق للمنافسة، وبتجبر الكيانات المحلية على أنها تحسن من أدائها، بتقلل من تكلفة حتى الصناعات المحلية، لأن الحماية بتؤدي إلى زيادة التكلفة في حالات كثيرة، وبالتالي ده.. ده.. المنطق، إنما أنا لا أعتقد إن الشركات دي داخلة تعمل سياسة، يعني داخلة تبيع سلع وتكسب.

جميل عازر: طيب لنأخذ مكالمة هاتفية من الدكتور خالد الحروب في بريطانيا، اتفضل دكتور خالد دكتور.. دكتور خالد، طيب سنعود فيما بعد إذا تمكننا إلى دكتور خالد الحروب في بريطانيا.
دكتور منير، يعني ربما يوجد سوء فهم أو ارتباك حول قمة الثماني، يعني هذا هذه المجموعة من الدول، الزعماء لا يتخذون ما تعتبر قرارات، إنما يتخذون توصيات يقدمون توصيات لبرامج عمل ربما تقبل من طرف وربما ترفض من طرف آخر. أين تستمد هذه التوصيات في اعتقادك مصداقية قبولها ومصداقية.. ومصداقية تساعد على.. على تنفيذها؟

منير شفيق: في الحقيقة الذي ألحظه أن العلاقات الأميركية الأوروبية الآن من الناحية الاقتصادية بصورة خاصة متأزمة، وهنالك إشكالات فعلية تهدد ما قامت عليه منظمة التجارة العالمية، وهنالك إشكالات تتعلق بالوضع الدولي الذي له علاقة بنوع من أنواع سباق التسلح إلى آخره، فلهذا يمكن رئيس أحد حكومات الولايات في ألمانيا نصح.. وهو رسمي، وهو زعيم الديمقراطي المسيحي المعارض نصح أن يكون مؤتمر جنوة آخر مؤتمرات قمة الثمانية، لأنه وجد إنه عملياً هذه القمة أصبحت تدور في حلقة مفرغة، والهدف الأساسي الذي قامت من أجله عام 1994م عندما كانت أميركا قادرة أن تبسط هيمنتها بصورة أكثر من الآن فقد معناه، أصبحوا الآن يتداولون ويتناقشون في قضايا لا يستطيعون حلها، لأن إذا أميركا وأوروبا لم يحلوا مشاكلهم خارج المؤتمرات في داخل المؤتمر لا يستطيعون أن يحلوا مشاكلهم. يعني خلافات القاضي [القضايا] المتعلقة بالحمايات الزراعية التي تمارسها أوروبا واليابان وتمارسها أميركا وما يفعلونه ببعضهم بهذه النواحي، هذه القضايا لا تحل في المؤتمرات إذا لم تحل في الخارج، وها نحن الآن نرى منذ عدة سنوات هذه لم تحل، وبالتالي أظن أن كل الذين تحدثوا عن العولمة عليهم الآن أن يلحظوا المتغيرات العالمية الجديدة وتأثيرها على العولمة، لأنني لا أرى أن العولمة فقط هي إنترنت ويعني هاتف نقال، هذه تبسيطية وخفيفة، إنما العولمة بالأساس لها علاقة بموازين

القوى العسكرية، موازين القوى السياسية، وموازين القوى الاقتصادية، وحتى الثقافية، وبالتالي ما نشهده الآن في الوضع العالمي هو ليس الوضع السابق، وعندما لا تكون أوروبا قادرة أن تملي على أميركا وأميركا غير قادرة أن تملي على أوروبا إذاً أصبح هناك من التعادل الذي قد يشل منظمة التجارة العالمية.

جميل عازر: طيب.. لنأخذ مكالمة هاتفية الآن من إسماعيل زاير في هولندا، اتفضل يا أخ إسماعيل.

إسماعيل زاير: مساء الخير.

جميل عازر: مساء النور.

إسماعيل زاير: متابع فقط للدكتور منير أنا أعتقد أن هنالك تضخيم واسع لفكرة الإشكالات التي تسود العلاقات الأوروبية الأميركية، يمكن فقط فهم هذه الإشكالات من خلال متابعة دؤوبة وعملية للميكانيزمات وآليات العلاقات الاقتصادية السياسية.
الذي –حصل منذ.. خصوصاً أثناء الحرب الباردة عام 1989م- تحول كبير أفضى إلى تجسيد نظام عالمي أكثر.. أكثر سهولة وأكثر انسجاماً مع الآليات المستقبلية، المشكلة لدينا خصوصاً في العالم التالت والعالم العربي المليء بالأيدلوجيين –للأسف- أكثر من العمليين هو أننا نستقبل الظواهر الاقتصادية والسياسية بعد أن تكون قد أنجزت و(أنجزت) نفسها وعبرت عن ملاحمها. العولمة أنجزت خلال سنوات طويلة، ولذلك نحن الآن ننتقد ظاهرة تكرست ولا.. ولم نساهم فيها ولم نصنعها، نعود إلى مشكلة العلاقات الأوروبية الأميركية، المشكلة هي أن هنالك مصالح اقتصادية مصالح سياسية وشراكات وتداخلات واسعة، هذان الطرفان: الولايات المتحدة وأوروبا لهما مصلحة كاملة في الحديث والانغمار بجدية في الجدل وحل مشكلاتهما، ليست هناك إشكالات غير قابلة للحل.

جميل عازر: طيب هو أستاذ..، سيد إسماعيل، هو المشكل في الموضوع هو أن في نظام العولمة الكاسب هو القادر أن يدافع عن مصالحة القومية، بمعنى أن العولمة لم تزل مسألة اعتبارات مصالح قومية، فهذا القول إن نظام العولمة بالنسبة للدول الفقيرة للدول الضعيفة، يعني نظام سيستهلكها عن بكرة أبيها.

إسماعيل زاير: وما الذي سوف تخسره؟ هذه الدول الفقيرة بأشد الحاجة إلى التقنيات الرفيعة، وبأشد الحاجة إلى نظام من التكافؤ.. والتبادل الاقتصادي الذي يتيح لها الحصول على منتجات من دون أن تدفع ثمن غالي لها. دعني أورد مثلاً بسيطاً على على الديماجوجية السياسية التي تسبح بها منطقتنا، مثلاً: الصين لسنوات طويلة رفعت شعار جذاب جداً للأيدلوجيين وهو "الاكتفاء الغذائي" سنوات.. عشرات السنوات مضت قبل تقتنع بكين بأنها نفقات إنتاج طن من القمح هي أربع أضعاف شرائها من السوق العالمية، ولذلك هنالك تبديد لا لا داعي له للطاقات وبإمكانية تطوير الاقتصاد الصيني من خلال عدم التركيز على هذا الشعار الذي يبدو من الخارج جذاباً.

الدول الفقيرة بإمكانها أن تجد لنفسها مكاناً في ظل نظام العولمة من دون أن تدفع الكثير، لأن السوق الذي.. التي تحتاج إليها أنظمة العولمة.. السوق لا تبصر الجنسية، ولا تبصر اللون، ولا تبصر النظام السياسي، تبصر العلاقات الاقتصادية الواضحة والجلية.

جميل عازر: طيب سأعطي الكلام للأستاذ منير شفيق ليرد على بعض ما جاء في المداخلة، اتفضل أستاذ منير.

منير شفيق: الحقيقة أولاً بدي أوقف بس على مثل واحد على توفير التقنيات الرفيعة لدول العالم الثالث، وأتحدث عن نقطة واحدة فقط وهي التي تتعلق بالدواء الخاص بالسرطان الذي يُعطى للأمهات حتى لا –يعني- يتجنب الطفل المحمول أو..

جميل عازر: الجنين.

منير شفيق: الجنين أن ينتقل إليه المرض، قامت جنوب إفريقيا وقامت البرازيل بإنتاج المصل هذا، أميركا احتجت على ذلك، وحاولت إجبارهم من خلال منظمة التجارة العالمية ألا يفعلوا لذلك، لأنها تريد أن تفرض عليهم شراء الدواء الذي فيه براءات اختراع عالمية، ولو كان ثمن لك عدم قدرة هذه البلاد أن تشتري هذا الدواء ويتسبب بموت ملايين الأطفال، طب يا أخي إذا كنتوا أنتوا بدكم تعطوا المعلومات والتقنيات ليش عم تعملوا احتكارات للاختراعات والبراءات؟! طبعاً هم يستطيعون أن يجبيوا على ذلك، إنه إحنا طيب دفعنا واستثمرنا إلى آخره، ولكن طيب إذا كان ثمن هذا الربح هو المحافظة، هناك ملايين من الأطفال بدهم يموتوا، أين نقف؟ وأين يمكن أن نحدد موقفنا؟ هذه فضيحة.. فضيحة أنا لم أسمع المدافعين عن العولمة صرخوا في وجه الغرب وأميركا، ولذلك جاء (شيراك) لينقذ الموقف وجاء بهذا الاقتراح لتأمين الألف مليون أو 1200 مليون وصولاً إلى عشرة آلاف مليون دولار للقضايا الصحية، ولكن حتى هذه سوف تذهب بمعظمها لأنها يراد أن تجمع هذه الأموال لشراء الأدوية من الشركات الكبرى، طيب يا أخي إذا فيه دواء تستطيع الدول الصغيرة أن تنتجه بكفاءة، لماذا لا يعطى لها فترة سماح تحصر في بلادها، تحصر في البرازيل، تحصر في جنوب إفريقيا، تحصر في إفريقيا، كل هذا التباكي على إفريقيا وتقفون هذا الموقف، هذا ألا يدل هذا على نفاق؟ هذه النقطة الأساسية.

جميل عازر: طيب، دعونا نأخذ مكالمة من دكتور محمد ظاهر في فرنسا، تفضل أستاذ محمد.

محمد ظاهر: آلو، السلام عليكم.

جميل عازر: وعليكم السلام.

محمد ظاهر: بأرحب بضيوفك الكرام في هذه الحلقة الشيقة، أول شيء أحب إذا ممكن أعلق على كلام الأستاذ جورج طرابيشي على ما أعتقد بأنه العولمة هي مع.. مع الشعوب الفقيرة، مع الانتفاضة، يعني العولمة معروفة هي تكديس من الأموال، مزيد من الأموال، مزيد من الفقر.. فقر للدول الفقيرة، وهذا يعني يؤدي إلى أن الدول الغنية تمارس ما يسمى سياسة (...) أي أن سياسة الابتزاز ضد الدول الفقيرة.
يعني أعطيك مثال: الكونجرس الأميركي منذ فترة أعلن بأن الانتفاضة إذا لم تقف فإنه يقف سوف يوقف المساعدات الأميركية للانتفاضة، وأنا أخاف إن السلطة الفلسطينية تقبل بهذا الحل. وبعدين من ناحية أخرى بالنسبة –يعني- لسياسة الولايات المتحدة الأميركية معروفة سياسة الولايات المتحدة الأميركية ضد الدول الفقيرة.. الدول.. ضد الدول العربية، وأتصور أن حدث مثلاً ما يسمى (فوديو) أو عملية اندماج بين شركة (بوينج) وشركة (إيرباص)، في هذه الحالة سوف يصعب على الدول العربية أن تعمل حصار اقتصادي ضد الشركات الأميركية، لأنه نحن نأمل إن الدول العربية الآن -خاصة دول الخليج- أن تعمل حصار ضد الشركات الأميركية، معنى ذلك أن العولمة سوف يصعب جداً على –يعني- عملية حصار هذه الشركات الأميركية.

بالنسبة لقضية العنف، المعروف أن.. الشرطة الإيطالية مارست العنف ضد المتظاهرين، يعني صحيح هناك ناس كسروا لكن فيه ناس تظاهروا بشكل سلمي وأتوا ليتظاهروا بشكل سلمي ولربما (برنسكوني) حاقد على الفقراء فكان رد (برنسكوني) رد عنيف جداً، ويعني هذا الرد أعتقد كان لم نشاهده من قبل لا في الولايات المتحدة الأميركية، ولا في كندا، ولا في أي دولة أخرى. هذا من ناحية. من ناحية أخرى أنا أقول.. أذكر جورج طرابيشي بالمزارع الفرنسي البسيط (جوزيف بوفيه) أعتقد أنه يعرفه، هذا المزارع الفرنسي البسيط تحول إلى بطل ضد العولمة، وهو طبعاً قاد السياسة ضد (الماكدونالز) في فرنسا وضد تصدير الولايات المتحدة الأميركية للمنسوجات اللي بيسموها (...) أي المنتوجات المهجنة زراعياً اللي أعرف..

جميل عازر: طيب دكتور محمد..

محمد ظاهر: نعم.

جميل عازر: دكتور محمد، دعني –يعني- أحيل هذه الملاحظات إلى دكتور جورج طرابيشي لأنك توجه الكلام إليه على ما يبدو، دكتور.. أستاذ جورج.

جورج طرابيشي: فيه.. لي ملاحظة بسيطة جداً وهي: ما قيل عن القرار الذي أوشك الكونجرس أن يتخذه، فأنا أقول: بالعكس، لأنه العولمة وسيلة حتى للضغط على الكونجرس الأميركي وليس العكس، الكونجرس الأميركي وإسرائيل يتصرفان وخاصة الكونجرس وإسرائيل بشكل دائم يتصرفان من موقع مضاد للعولمة، ومن موقع ما سماه الأخ منير "السيادة القومية المطلقة"، في حين العولمة تخترق هذه الحدود، وهي وسيلة قد تكون وسيلة للضغط حتى على الكونجرس الأميركي، وخاصة على إسرائيل، لأنه لو آمنا بفكرة السيادة القومية، فمعناها إسرائيل حرة بأن تفعل بالشعب الفلسطيني ما شاءت.. الواقع إنه فكرة السيادة القومية مفهوم تاريخي، ظهر في التاريخ، وولد في التاريخ، وتطور مع التاريخ، وسينتهي في التاريخ، ليست مطلقاً فوق التاريخ، والسيادة القومية مرحلة عابرة..

وهناك اليوم يتحدثون في أوروبا عن سيادة المواطن، وليس عن السيادة القومية، لأنه لا يحق للدولة باسم هذه السيادة القومية أن تقمع –فرضاً- المهاجر، المهاجر في أوروبا مازال حتى اليوم مستبعد من العملية السياسية والانتخابية والقدرة التشريعية، والحال إنه هناك أصوات تطالب أن يعطى المهاجر الذي لا يحمل الجنسية حق التصويت الكامل بما فيه الانتخابات الشرعية. فليس هناك سيادة قومية، السيادة القومية اليوم في بلادنا خلال خمسين سنة من عبادة الدولة القومية في.. نحن نعلم أنها لم تؤدي إلا إلى ديكتاتوريات ذابحة للأمة، خانقة للأمة، وقاتلة للأمة، فلست أدري مفهوم السيادة القومية هذا ما الذي بات يعنيه اليوم مع تطور العالم؟ طبعاً في مرحلة من المراحل يمكن أن يلعب دور إيجابي، ولكن في مرحلة أخرى يصبح دوره رجعي وتخلفي تماماً، فأنا لست نصيراً مطلقاً للسيادة القومية، ولست طبعاً خصماً لفكرة السيادة القومية ما دامت تأخذ مكانها الطبيعي.

فالعالم اليوم فيه ظاهرتان نتيجة العولمة، إما ارتداد من الدولة القومية إلى ما دون الدولة القومية، إلى الدولة الإثنية وإلى الدولة الطائفية، وهذا تهديد خطير للسيادة القومية، أخطر بكثير من الانتقال الذي تحققه –على سبيل المثال- أوروبا بانتقالها من مستوى الدولة القومية إلى مستوى الدولة الأوروبية الموحدة ما فوق القومية، فها هنا بنلاحظ إنه السيادات القومية ما نحرت وما ذبحت، وإنما أصبحت تتكامل لتحقق شيء أعلى من فكرة السيادة القومية، أنا شخصياً اليوم السيادة القومية تخيفني، لأننا لو تركنا السيادة القومية لدولة مثل إسرائيل فإنها تستطيع بكل بساطة أن تبيد الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه..

جميل عازر: طيب، نعم، نعم، نأخذ مكالمة هاتفية أخرى من محمد عبد الحكم دياب في بريطانيا، اتفضل سيد محمد.

محمد عبد الحكم دياب: أهلاً، مساء الخير.

جميل عازر: مساء النور.. تفضل.

محمد عبد الحكم دياب: الحقيقة على فكرة أخونا جورج طرابيشي له سوابق في إدانة الدولة القومية، وهذا حقه ما حدش يستطيع إنه يتكلم فيه لكن أنا عايز أبدي بعض الملاحظات، الملاحظة الأولى: إن العولمة القائمة هناك عولمة مضادة، واللي إحنا بنشوف مظاهرها في أوروبا وبنشوف مظاهرها في أوروبا وبنشوف مظاهرها في شيء اللي هو ما فوق الدولة القومية اللي هي التكتلات الإقليمية، ولو بيتابع ويرى ويشوف التكتلات الإقليمية في جنوب شرق آسيا، وفي مجموعة أميركا الشمالية، وأيضاً المحاولات اللي بتتم، حتى في المنطقة العربية، ومحاولات حتى إن إسرائيل نفسها تقود تكتل قومي تحت اسم "الشرق أوسطية" دا ممكن إدراجه فيما يسمى العولمة المضادة، لكن هذا لا ينفي إن الدولة القومية مازالت لها وظيفة ومازال لها وجود.
الجانب الآخر: إن العولمة نفسها الآن –أعتقد- بتشجع الديكتاتورية، لأن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي انفراد أميركا بالسيادة بدأ التشدد الغربي يزيد عن حده، وفي نفس الوقت بنرى العنف، العنف الآن هو عنف غربي تماماً، والآخرين بيحاولوا يدافعوا عن نفسهم، وأنا هأدي مثل حتى الموجود في فلسطين: هذا المثل بيؤدي.. معروف إن قرار الحرب دوماً مربوط بمصدر السلاح، وأيضاً صاحب السلاح بيضع تحفظات كثيرة جداً على استخدام سلاحه، ودي شاهدناها أيام ما كان هناك الصراع السوفيتي -الأميركي، الأمور دي كلها.. الآن بنرى إن السلاح الإسرائيلي، اللي هو مصدره أميركي حر تماماً في إبادة العرب، والسلاح العربي مقيد تماماً ولا يستطيع أن يفعل شيء حتى في الدفاع عن نفسه..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب شكراً.. نعم..

محمد عبد الحكم دياب: من هنا.. أي..

جميل عازر: شكراً سيد محمد، سيد نجيب ساويرس في القاهرة، هل.. ألا يبدو لك أننا نشهد بداية مرحلة شيوعية التجارة واحتكار رأس المال والاستثمارات؟

نجيب ساويرس: يعني مش فاهم السؤال حضرتك..

جميل عازر: يعني بمعنى أنه التجارة تكون مفتوحة وحرة بما ينطوي عليه ذلك من.. يعني فائدة للجانب الأقوى، بينما هناك احتكار لرأس المال والاستثمارات من حيث أن كون الاستثمارات انتقائية في بلد معين، تحت شروط معينة، إلى آخر ذلك.

نجيب ساويرس: لا أعتقد.. يبقى كده فهمنا اتفاقية التجارة الحرة غلط، اتفاقية التجارة الحرة بتقول: إن كلنا بنفتح أسواقنا لبعض بطريقة متعادلة، الصادرات مختلفة طبعاً صادرات الدول النامية بتعتبر صادرات تقليدية، صادرات الدول الصناعية بتعتبر صناعات تكنولوجية أو حاجات متطورة، وبالتالي دا مفروض على المدى الطويل يعمل نوع من التوازن يعني، دي نظرة ضيقة إن إحنا نبص نقول: لأ، دول هم هيجوا..، بالعكس يعني إحنا فيه حاجات مش شايفنها في كده، إنما المهم مش كده، المهم هو مبدأ إن إحنا يبقى عندنا كيانات وطنية محلية أو إقليمية عربية، على مستوى معين، تستطيع أن تتعامل مع العولمة بندية وتكافؤ، والحقيقة إن إحنا ما خلقنا شي المناخ في منطقتنا النهاردة اللي.. اللي بيسمح بهذا.

يعني أنا مش عايز أدي أمثلة شخصية، لكن في.. في مجالات كثيرة بنخش فيها الشروط كلها بتعوق أي كيان عربي ناشئ بيحاول يجد له مكاناً بندية أمام الكيانات العالمية، لأن مازلنا برضو عندنا عقدة الخواجة، ومعتبرين إن اللي جاي من بره أحسن من اللي من جوه، ما عندناش ثقة في شبابنا العربي وقدراته إنه يقدر يعمل أي حاجة، سواء في المجالات المقاولات أو مجالات التكنولوجيا، أو الهاتف النقال -زي ما الأستاذ منير بيقول- يعني إحنا بس لو نثق في نفسنا هيبقى عندنا ندية. لكن كمان تعال نبص على المستوى الإقليمي النهارده، أوروبا عملت عملة واحدة، وعملت الوحدة الأوروبية، وأصبحت كبديل عن الهيمنة الأميركية، وأنا بأقول إن الانقسام اللي حاصل دلوقتي ده للخير، لأن إحنا إذا بصينا على القضية الفلسطينية مثلاً، هنلاقي إن أوروبا النهارده موقفها ابتدى شوية يبقى مع الحق، ومش منحازة الانحياز الأعمى بتاع أميركا ده، لكن.. فلنجد فيهم بديل، ولنصنع كيان إقليمي عربي قوي، يعني إحنا بنسمع عن الوحدة الاقتصادية وكده، وقرارات ومؤتمر اقتصادي، وحتى أما ينجي نعمل مؤتمر اقتصادي ندعو فيه إسرائيل تقولش ناقصين إسرائيل إحنا؟!!

يعني المسألة إن إحنا ما حاولناش بالفعل نجيب رجال الأعمال العرب اللي عندهم انتماء وطني عربي واضح، وهم اللي يصنعوا الكيانات القوية دي اللي تقف قدام العولمة، دايماً نلاقي السياسيين يجتمعوا، يقول لك هنعمل مؤتمر اقتصادي، طب السياسيين.. طب انتوا السياسيين ما هم ما عملوش حاجة، طب على الأقل نيجي إحنا نعمل وحدة اقتصادية، ونواجه بيها العولمة دي، إنما.. إنما إذا كان الكلام علشان نوضح الصورة بقى بنتكلم شيوعية أو رأسمالية؟ لأ، رأسمالية طبعاً.

جميل عازر: طيب سيد نجيب يبدو أنك أنت تضع اللوم من نظام العولمة على كاهل الدول المعنية في الأمر.

نجيب ساويرس: لأ، أنا مش بأضع.. أصل أنا مش.. أنا..، يعني أنا مش مقتنع إن العولمة كلها شر، يعني نمرة 1، ومش مقتنع كمان إن إحنا العولمة دي نروح نقاومها بإن إحنا نكسر المحلات ونعمل.. ما فيه ناس اتظاهروا في جنوة، وقلنا بطريقة سلمية متحضرة ودا من حق كل واحد، وبعدين اللي معترض على حكومته.. ما ينتخبهاش أنا مش بأقول كده، أنا بأقول: إن إحنا هنا هو لابد إن.. إن نحتاط لهذا ومجموعة الـ 15 كويسة، والأحسن من كل ده اتحاد عربي، على الأقل لو إحنا كلنا اتفقنا على مبدأ وحدة اقتصادية هنبقى كيان قوي جداً، عندنا البترول عندنا رؤوس أموال، عندنا شباب متعلم، عندنا لغة واحدة ودين واحد، يعني مش فاهم إحنا ناقصنا أيه.

[موجز الأخبار]

العولمة والهيمنة الأميركية على العالم

جميل عازر: وأود أن أوجه سؤالين للأستاذ جورج طرابيشي في باريس وردا على الإنترنت الأول من محمد سليمان كشكول من سوريا، ويقول: الرجاء إعلامي ما هي العولمة؟ ولماذا دعيت بهذا؟ وهناك سؤال آخر مماثل. أرجو من حضرتكم أن تشرحوا لنا شيئاً عما تعنيه كلمة "العولمة" أستاذ جورج.

جورج طرابيشي: العولمة بدلالتها الاشتقاقية بالذات "صيرورة العالم عالماً واحداً" ليس لها من مفهوم آخر على الإطلاق، وبأعتقد إنه الإنسانية عاشت بما فيه الكفاية من التاريخ، وبلغت سن الرشد الكافي، لتدرك في النهاية إنها إنسانية واحدة، بشرية واحدة، لا قوميات ولا ألوان ولا ديانات بل هي تستطيع أن تجمع كل ذلك وتتجسد في الإنسان باعتباره قد يكون مسيحياً، مسلماً، بوذياً، أبيض أسود، أميركياً، عربياً، إلى آخره، ولكنه في الوقت نفسه إنسان، فصيرورة العالم الواحد هي هذا الدمج لمختلف الهويات التي يتألف منها العالم لإعادة اكتشاف هوية واحدة لهذا العالم، لا تلغي تلك الهويات الأخرى، بل تدمجها وتركبها.

فليس –أعتقد- للعولمة من تعريف آخر سوى.. العولمة صيرورة العالم واحداً، وأعتقد إنه العولمة أيضاً ليست ظاهرة ميكانيكية أو بيولوجية أو حتمية جغرافية إلى آخره، هي علاقة دينامية، أشبهها أكثر ما أشبهها برقعة شطرنج، في رقعة الشطرنج عندنا فيل، عندنا برج، عندنا فرس، عندنا بيادق وملك وملكة، ولكن في حالة صراع باستمرار يستطيع أحياناً البرج إذا حاصر الملكة يضربها، تستطيع الملكة تغلب الشاه ويموت الشاه، واللعبة متنقلة باستمرار، وليس فيها نهائيات، وليس فيها حتميات.
والغرب –إذا أخذنا مثال على الغرب- الغرب مسيطر على العالم منذ خمسة قرون منذ عام 1500م، وأميركا مسيطرة على الغرب على الأقل منذ القرن التاسع عشر، هذه.. هذه حتميات قامت في التاريخ، ولكن أعتقد إنه العولمة تستطيع من خلال رقعة الشطرنج الجديدة التي تطرحها للعالم كله إنه هذه البيادق تتحرك لتحتل مواقع الأبراج، الأبراج تتحرك لتحتل مواقع الملكة، الملكة تتحرك لتحتل .. محل الشاه، والعكس بالعكس في لعبة دائمة مفتوحة وليست ومغلقة، وبالتالي ليس فيها حتميات، وليس فيها ثنائيات: خير مطلق وشر مطلق، العولمة ظاهرة موضوعية، مسرحها العالم الحديث كله، ونحن نستطيع أن نحدد.. هي تريد أن تحدد مواقعنا في هذا العالم، ونستطيع نحن بالمبادرة أن نحدد موقعنا في هذا العالم، فهي تفتح لنا هامشاً كبيراً من الحرية يحررنا من الحتميات التي عشنا عليها حتى الآن، ولا سيما منها حتمية الاستعمار، حتمية الاحتكار الغربي لكل مسرح العالم.

جميل عازر: طيب.. أستاذ منير يعني نحن نتحدث عن العولمة وكأنما هي شيء أو ظاهرة جديدة، ولكن التفاعلات الاقتصادية والتجارية والسياسية، الحروب حتى –يعني- قائمة منذ بداية المجتمع الإنساني.

منير شفيق: أولاً: هنالك خلط شديد بين العالمية والعولمة، في الماضي كان هناك دائماً (يسار) إلى طرح موضوع الأممية، العالمية، هذا الموضوع، ولكن لماذا استبعد هذا المصطلح، واستخدمت كلمة العولمة؟ العولمة استخدمت لتعبر عن هيمنة دولة واحدة على العالم، تسيطر على شركات متعددة الجنسية أو أغلب الشركات الكبرى المتعددة الجنسية، وتحاول أن تفرض ثقافة واحدة، وقيم تسمى بين قوسين (قيم كونية)، وهي قيم أدنى من الكونية، بعضها يرجع إلى آلاف السنين للخلف، وتحاول.. يعني هذا الفهم لمفهوم العولمة يجب أن يرى في بعد العولمة كنظام عسكري، نظام سياسي، نظام اقتصادي، نظام اجتماعي، نظام ثقافي، وأيضاً العولمة تحمل أيديولوجية، يعني ما يطرحه الأستاذ جورج الآن من تعريف هذا التعريف أيديولوجي صرف، يعني عندما تقول: صيرورة العالم عالماً واحداً، إنسانية واحدة، بشرية، لا ديانات ولا ألوان ولا إلى آخره، هذا موقف أيديولوجي، وهم.. الكل يقول: لا هم اتخلصوا من الأيديولوجية، ولكن أنا أعتقد أن أكبر أيدولوجية الآن ينطبق عليها الاسم هم الذين يحملون هذه الأفكار المتعلقة أو التي صاحبت مفهوم العولمة، والتي أريد منها تخلي الدول عن سيادتها.. لمن؟ ليس تخلي إسرائيل عن سيادتها، وإنما تخلي الدول الأخرى عن سيادتها لأميركا، وإلى حد أقل للشركات متعددة الجنسية، ليس صحيح أن أميركا وضعت جميع الدول وقالت لهم: تعالوا نتخلى عن سيادتنا..

لا أحد بستطيع أن يقترب من سيادة أميركا ولا من سيادة إسرائيل، إسرائيل سيادتها محمية من أميركا، وعندما تقول: إنه الدفاع عن سيادة إسرائيل، لأ، هو ليست سيادة إسرائيل هي المهددة، وإنما السيادة العربية مهددة، سيادة دول إفريقيا مهددة، سيادة دول آسيا مهددة، حتى السيادة الأوروبية مهددة، فبالتالي لا نستطيع أن نتحدث عن العولمة باعتبارها صيرورة للبشرية، وإنما العولمة هي النظام العسكري إلى آخره، الذي عرفته الذي خرج من النظام السابق، والذي يحمل ملامحه أو جزء من ملامحه، ولكن هو ليس ذاك، وبالتالي نحن لا نريد عولمة للعالم، وإنما نريد عالماً لكل الثقافات، عالماً متعدد السيادات، عالماً لا توجد فيه دولة تتحكم بالعالم كله وتفرض إرادتها ومصالحها على العالم كله، نحن ندعو إلى نوع.. إلى شيء من المساواة العالمية، ولكن ضمن تبادل ندِّي وحر.

وهنا أريد أن يعني.. يعني أؤيد الأستاذ نجيب عندما يقول: إنه نحن نريد اتحاد عربي، ونريد موقف ندي مع العولمة، هذا الموقف هو سليم، أن نقوم باتحاد عربي، بسوق عربية مشتركة، بموقف عربي موحد، لنواجه العولمة، وبصورة أيضاً ندية ونرفض الخضوع.

كذلك الموضوع الإثني، موضوع الخوف من الدولة الإثنية، أنا برأيي المنظمات (المدنية) بين قوسين التي تثير قضايا الطائفية في مصر، التي تثير قضايا الإثنية في الجزائر، تثير قضايا أخرى، وتشجعها وتعطيها الضوء الأخضر لتفاقم الوضع، الخطر من الدولة الإثنية والدولة الطائفية آتٍ من العولمة، وليس آتٍ من الحفاظ على السيادة.. السيادة القومية.

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب سنعود إلى.. إلى موضوع السيادة القومية مرة أخرى والتكتلات الإقليمية كرد على العولمة، أو كوسيلة لحماية بعض الدول من تبعات العولمة هذه..

ولكن في البداية معنا مكالمة هاتفية من الولايات المتحدة من الأخ فرات الديواني.. اتفضل الأخ.

فرات الديواني: سلام عليكم..

جميل عازر: وعليكم السلام.. لا بل من..

فرات الديواني: تحية طيبة أستاذ جميل..

جميل عازر: من ألمانيا..

فرات الديواني: لك ولضيوفك الكرام.

جميل عازر: نعم.. اتفضل.

فرات الديواني: في الواقع لدي مداخلة أو تعليق على طرح الأستاذ نجيب فيما يتعلق بتكوين تكتل عربي إسلامي واتحاد عربي، والواقع أعتقد إن تجربة الوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية وهو ما بات يعبر عنه بالاتحاد الأوروبي لم يأت فقط نتيجة لوجود إرادة حقيقية لدى حكومات هذه الدول في تحقيق الوحدة، بل سبقه –من وجهة نظري- اتفاق على النظام السياسي، حيث نرى أن هذه الدول تتبنى –من حيث الجوهر- نظاماً سياسياً متشابه إلى حد ما، وأعنى به النظام الديمقراطي، معنى ذلك أن الوحدة الاقتصادية المراد إقامتها هي تحصيل حاصل للوحدة السياسية، حيث أني أعتقد أن الاستقرار السياسي يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار الاقتصادي، الأمر الذي لا تتوفر عليه الدول العربية على صعيد الحكومات والأنظمة. فتحقيق الوحدة الاقتصادية يلزم –في عقيدتي- أن يسبقه استقرار اقتصادي.. سياسي، وذاك لا يتم إلا من خلال اعتماد الديمقراطية كنظام أو كآلية لإقامة الحكومات ومراقبتها، وليس بالنداءات والقمم الصورية ما هو حال الدول العربية، وإن ما عنيت بالديمقراطية آلية حسب ما يتم طرحه في أدبيات الحركة الإسلامية – المعتدلة طبعاً- التي تنظر إلى الديمقراطية على أنها آلية يمكن من خلالها إقامة الحكومات فأعتقد.. أعتقد أن إقامة اتحاد عربي نقدي أو اقتصادي يلزم.. أو يسبقه أن يلزم أن يسبقه اتحاد سياسي، وشكراً.

جميل عازر: طيب، شكراً سيد ديواني.

[فاصل إعلاني]

مواجهة تبعات العولمة والموقف العربي منها

جميل عازر: أتحول إلى أستاذ جورج طرابيشي في باريس، أستاذ جورج، بالنسبة للسيادة القومية يعني أنت أشرت إلى أن العولمة تعني تقريباً اضمحلال شيء اسمه "سيادة قومية"، بينما نشاهد أن -مثلاً –هناك خلافاً حاداً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن يعني السياسة الزراعية، فكيف يمكن أن –يعني- نتوقع نسيان الاعتبارات القومية في ظل نظام العولمة هذا؟

جورج طرابيشي: لا نستطيع أن نتناساها أو نتجاهلها، فالواقع القومي قائم الآن في العالم، وهو جزء مكون من العالم، ومن الوهم أن نتصور إنه العولمة تمت وانتهت، العولمة صيرورة طويلة الأمد، قد تستغرق قرناً أو قرنين من الزمن، وهي لا تعني.. لا تعني الآن اضمحلال السيادة القومية، قد تعني ذلك بعد مائتي سنة اضمحلال السياسة [السيادة]، ولكنها تعني في الوقت نفسه إنه السيادة القومية لم تعد سيادة مقدسة قداسة مطلقة متعالية على كل تدخل من خارجها. فاليوم العالم يتعمد بالإضافة إلى مبدأ السيادة القومية.

اللي ما تخلى عنه بعد مبدأ تدخل عند الضرورة لما يقع انتهاك كبير لحقوق الإنسان، عندما يقع انتهاك كبير لحقوق الشعوب، عندما تقع اعتداءات على الكرامة الإنسانية من حيث هي الكرامة إنسانية، فعندها تتحول.. يحدث مبدأ التدخل، فهناك مبدأ سيادة قومية قائم على الأرض ولكنه لم يعد يوفر الحماية للذين يحتمون وراءه، إنما هناك اليوم أيضاً بفضل العولمة تكنولوجيا العولمة، قوانين القانونية، المحاكم الدولية، الصورة العالمية المعولمة كل ذلك وسائل للتدخل، فما عادت الحكومات باسم السيادة القومية حرة بأن تفعل ما تشاء بشعوبها، ولا حتى طبعاً في أميركا نفسها، لأنه صيرورة العولمة تنطبق اليوم على أميركا، اليوم العالم كله يطالب أميركا بإلغاء عقوبات الإعدام، اللي أميركا اللي هي أكبر.. أكثر دولة تنفذ عقوبات الإعدام بين دول العالم، هناك الآن ضغوط عالمية على أميركا للحد من تلويثها للطبيعة بواسطة الغازات الصناعات، للتخفيف من إنتاج وتوزيع الأسلحة، سواء حتى في الداخل الأميركي أو.. في على مستوى العالم، فحتى أميركا..، طبعاً أميركا في الواقع مسيطرة على العالم.

حتى الآن نحن لا ننكر ذلك، ولكن هذه الهيمنة نفسها قابلة للاختراق بواسطة العولمة. نحن عشنا حتى الآن وما استطعنا، لا نستطيع أن نكتفي أن نشتم أميركا، أو نسب أميركا، أو نهاجم أميركا، حتى تكف أميركا عن أن تكون هي أميركا، أميركا قائمة في الواقع، فهي أكبر دولة في العالم، أغنى دولة في العالم، أقوى دولة في العالم، هذا لا نقاش فيه، ولكن كيف نستطيع أن نحد من هذا، ليس عن طريق فقط الشتم والسب لأميركا، وإنما عن طريق تطبيق المبادئ اللي قد تطالب فيها نفسها هي في عملية العولمة، فالعولمة تستطيع أن تقمع أو أن تحد من هيمنة العملاق الأميركي وتلزمه بعض القيود، ليس أكثر من ذلك.

جميل عازر: طيب.. طيب، نجيب ساويرس في القاهرة، يعني أنت أشرت إلى التكتلات الإقليمية كوسيلة للتعامل مع ظاهرة العولمة، ولحماية مصالح الدول الإقليمية، ولكن عندما نرى إلى.. ننظر إلى تكتلات من قبيل الاتحاد الأوروبي، من قبيل اتفاقية التجارة الخاصة بأميركا الشمالية.. (النافتا)، من قبيل دول الآسيان، التجمع الذي يربط بين دول الآسيان والولايات المتحدة وبعض دول أميركا الجنوبية، ألا يكمن في مثل هذه التكتلات – في اعتقادك- بذور ربما تؤدي إلى كارثة عالمية كنشوب حرب بسبب المنافسة التجارية وتضارب المصالح التجارية؟

نجيب ساويرس: لأ، ما هو البداية إن إحنا يكون الأول عندنا تكتل، ما هو أن متفق مع الأستاذ منير إن إحنا لو ما فيش حاجة خالص ما إحنا هنتاكل يعني، هنبقى زي السمك الصغير والسمك الكبير هياكلنا، في هذا أنا متفق معاه إذا ما قدرناش نساعد على قيام الكيانات دي، فالأول يبقى لنا كياننا، وبعدين نبقى نقلق إذا كنا هيحصل حرب أوكده إحنا من المنطقة دي؟

لكن أنا لا أعتقد هذا، بدليل إن السوق الأوروبية المشتركة نموذج ناجح، الدول الآسيوية نموذج ناجح، أنا حتى الواحد علشان يبقى يعني Fair يعني إحنا حتى في المنطقة العربية فيه اتفاقات تجارية ابتدت تقام بين الدول وبعض، وابتدت الخلافات على الصادرات الزراعية تبان برضو، وده جو صحي وده المطلوب، بس المطلوب إن الإسراع بهذه الوحدة الاقتصادية وإدخال رجال الأعمال العرب كعنصر فعال في هذه الوحدة الاقتصادية، لأن أنا مختلف مع الأخ محمد اللي اتصل وقال لازم وحدة سياسية الأول، ما إحنا بقى لنا عشرين سنة مستنيين الوحدة السياسية دي وما حصلش فيها أي تقدم، فلنحاول إن إحنا نتحد اقتصادياً على الأقل يعني.

جميل عازر: طيب، أستاذ منير شفيق، يعني كلمة أخيرة، هل من وسيلة أخرى لمواجهة تبعات نظام العولمة وانفتاح الحدود أمام التجارة بالنسبة للدول العربية؟

منير شفيق: بأتصور أولاً: مبدأ أن تفتح الحدود على مصاريعها أمام التجارة العالمية ليس من المصلحة الوطنية، إذا كانت أميركا تقوم بالحمايات، ولا تفتح حدودها للتجارة العالمية، وهي الدولة الغنية والقوية والكبيرة، ولكي لا يقال أنني أهجو الإمبريالية أيضاً أعرف كيف أمدحها. ولكن المشكل إنه أميركا نفسها –مثلاً- لو أخذت قانون اللي بيسموه الـ Dumpping هذا قانون الإغراق.. ضد الإغراق، شو هذا؟ هذا القانون يمنع التصدير إليها، يمنع الاستيراد، يعني إذا أنت أرسلت بضائع لأميركا فهي تحت هذا القانون تستطيع أن تقول: لأ، أنت عمالك تعمل إغراق في السوق. إذا أميركا عمالة تعمل الحمايات لصناعتها التصديرية، عم تعمل حماية لزراعتها، فبالتالي كيف عمال نيجي إحنا نطلب من شعوبنا نقولها افتح الأسواق وخليهم يدخلوا ويسرحوا. حتى أكثر من هيك الحقيقة إنه أميركا الآن عم بتحاول شراء الثروات الوطنية، مش بس فقط الدخول في.. يعني منافسة حرة، فمن هنا بتصوري إنه يجب على بلادنا ألا تخضع لإملاءات وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن تكون لها سياساتها، أن تقيس خطواتها، مثلاً الصين تفعل ذلك، الآن أوروبا تفعل ذلك، الجميع يفعل ذلك، أما نحن نقول: اتفضلوا ادخلوا، اسرحوا، امرحوا، ودمروا صناعاتنا الوطنية ودمروا ثقافتنا ودمروا سيادتنا الوطنية تحت حجة إنه نتكيف مع العولمة.. نقطة واحدة بس أريد أن أقوله.. أقولها.

جميل عازر: باختصار.

منير شفيق: أن في مرحلة التسعينات كان المطلوب من الناس أو من الدول أن تتكيف مع العولمة، الآن النفس الجديد في العالم أن تتكيف العولمة مع حاجات الشعوب وحاجات الدول.

جميل عازر: الأستاذ منير شفيق شكراً، والآن لا يسعنا إلا أن نشكر ضيوفنا في الدوحة الدكتور منير شفيق، وفي باريس الأستاذ جورج طرابيشي، وفي القاهرة نجيب ساويرس، كما نشكر الإخوة المشاهدين الذين شاركوا أو حاولوا الاتصال للمشاركة ولكن لم يسعفنا الوقت للاستماع إلى آرائهم. تحية لكم جميعاً، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة