مستقبل العلاقات الفرنسية السورية   
الأحد 1429/6/12 هـ - الموافق 15/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)

- طبيعة وأسباب التحول في الموقف الفرنسي
- مستقبل العلاقات الفرنسية السورية وانعكاساتها


خديجة بن قنة
 ماثيو غويدر
 مروان قبلان

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا وسهلا بكم. نتوقف في هذه الحلقة عند المنحى الذي ستأخذه العلاقات السورية الفرنسية بعد بوادر الانفتاح الفرنسية الأخيرة على دمشق والدعوة التي تلقاها الرئيس بشار الأسد لحضور احتفالات العيد الوطني لفرنسا في الرابع عشر من الشهر المقبل. نطرح في حلقتنا تساؤلين اثنين، ما هي طبيعة التغيرات الحاصلة في العلاقات بين باريس ودمشق، وهل تعكس تحولا حقيقيا في الموقف الفرنسي إزاء سوريا؟ وهل تكون زيارة الأسد لباريس بداية فك طوق العزلة الذي تحاول واشنطن فرضه على دمشق؟.... انفتاح مثقل بتركة من التوتر شابت العلاقات الثنائية منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري قبل ثلاث سنوات، هكذا تبدو صورة العلاقات الفرنسية السورية قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس السوري بشار الأسد إلى باريس، زيارة لا يتردد المراقبون في تأكيد صلتها الوثيقة بجهود فرنسا لإنجاح مشروعها المتوسطي من ناحية وأيضا بالمفاوضات السورية الإسرائيلية من ناحية ثانية.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: الرئيس السوري بشار الأسد ضيفا على احتفالات فرنسا بعيدها الوطني، زيارة بدعوة من قصر الإليزيه ما كان لها أن تتم لو لا انفراج شهدته العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة. الدعوة شملت خمسين من رؤساء وملوك دول أوروبية ومتوسطية تعتبرهم باريس معنين بمشروعها المتوسطي المفترض إطلاقه في الثالث عشر من الشهر المقبل. انتظرت فرنسا انتخاب الرئيس اللبناني ميشيل سليمان حتى أعادت اتصالاتها المقطوعة مع دمشق منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، يومها وجهت باريس شكوكها القوية نحو دمشق بالضلوع في عملية الاغتيال وبتعطيل محاولات ملء الفراغ الرئاسي بعد ذلك، أجواء سياسية ملبدة أخذت في الانقشاع مع زيارة لوزير الثقافة السوري رياض نعسان آغا إلى عاصمة الأنوار، هي الأولى من نوعها لمسؤول حكومي سوري منذ ثلاث سنوات مضت. لم يعد لبنان القضية إلى حد ما فالتركيز الفرنسي ينصب الآن على مشروع ساركوزي المتوسطي، مشروع يشمل عشرات الدول من بينها إسرائيل وعدد من الدول العربية، فكرة طموحة يريدها الفرنسيون فاتحة عهد جديد من التعاون المتوسطي على مختلف الصعد، إلا أن بعض الدول العربية كليبيا والجزائر لا تراه كذلك، تحفظت عليه الجزائر ورفضته طرابلس بشدة لقفزه فوق القضية الفلسطينية وما يتعلق بها من إشكاليات تاريخية مع تل أبيب، واشنطن من جهتها لم تبد حماسا يذكر للانفتاح الفرنسي تجاه سوريا داعية باريس لتوجيه ما وصفته بالرسالة الصحيحة إلى ضيفها المرتقب، رسالة مفادها لا تضيع فرصة المفاوضات الجارية سرا في أنقرة. سوريا المنهمكة بعيدة عن الأضواء في مفاوضات مع الدولة العبرية شاركت في القمة العربية المصغرة في ليبيا وواكبت النيران غير الصديقة التي أطلقها العقيد القذافي على المشروع المتوسطي، لم تقل نعم، لكنها أيضا لم تقل لا.

[نهاية التقرير المسجل]

طبيعة وأسباب التحول في الموقف الفرنسي

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة من دمشق الدكتور مروان قبلان الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة دمشق، ومعنا من باريس الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي ماثيو غويدر، أهلا بكما ضيفين على هذه الحلقة. أبدأ معك سيد ماثيو غويدر، ما فات مات وصفحة جديدة من العلاقات بين فرنسا ودمشق كيف لنا أن نفهم هذا التحول في هذه العلاقات سيد غويدر؟

ماثيو غويدر: طبعا هناك تحول كبير في العلاقات حاليا وهي صفحة جديدة بالفعل لكي نفهمها لا بد أن نرجع وأن نعود إلى ما حصل في الأزمة اللبنانية والتي لم يكن أن تحل لو لا الجهود الفرنسية السورية والاتفاق الفرنسي السوري الذي سبقها وإلا لما تم حل هذه الأزمة، فلكي نفهم كل هذه التحولات لا بد أن نعود إلى حل الأزمة اللبنانية ثم بعد ذلك إلى الأوضاع الأخرى.

خديجة بن قنة: طيب أنت دكتور قبلان كيف يمكن لك أن تفسر هذا التحول السريع في العلاقة بين سوريا، أو هذا الانفتاح الفرنسي على سوريا هل هو فعلا بفضل حل مسألة الفراغ الرئاسي في لبنان كما قال سيد غويدر؟

الرئيس الفرنسي تقدم بمشروع المتوسطي لأنه أدرك أن فرنسا خسرت مواقع كثيرة خاصة بعد غزو العراق

مروان قبلان:
أنا أعتقد بأن الموضوع يتجاوز لبنان بكثير، يعني الرئيس نيكولا ساركوزي هو بالنسبة له الموضوع اللبناني هو نوع من المراعاة لحلفائه الأميركيين وبعض العرب أكثر منه بوابة عبور إلى سوريا، أنا أعتقد أن الموضوع مرتبط بالاتحاد المتوسطي الذي تحول فيما بعد إلى الاتحاد من أجل المتوسط ولم يستقر حتى الآن على صيغة له، أنا أعتقد بأن هذا المشروع كان ومنذ انتخاب ساركوزي، لا بل قبل انتخاب ساركوزي أصبح هاجسا حقيقيا بالنسبة إلى هذا الرجل وعندما وصل إلى السلطة بدأت سياسته الخارجية ترتكز بشكل شبه كلي اتجاه المنطقة على هذا الموضوع وذلك لعدة اعتبارات، أنا أعتقد أن أهمها هو إدراك الرئيس الفرنسي بأن فرنسا خسرت مواقع كثيرة لها في المنطقة خلال السنوات الماضية خاصة بعد غزو العراق وخوفها في ظل الانكفاء الأميركي في المرحلة الأخيرة من أن تملأ قوى أخرى أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وغير أوروبية، آسيوية، مثل الهند وكذلك روسيا، أن تملأ هذا الفراغ، لذلك نجد بأن الرئيس الفرنسي يتقدم بهذا المشروع وهو يتجاوز كل العقبات التي تمنعه من الوصول أو التواصل مع الآخرين على أمل إنجاح فكرته التي كما ذكرت بدأت على غير ما انتهت عليه، يعني بدأت على أساس شراكة تجمع الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط مع دول جنوب المتوسط ثم تحولت إلى شراكة أوروبية متوسطية بفضل الضغط، أو بسبب الضغط الألماني بالدرجة الأولى. أنا أعتقد أن ساركوزي أيضا يحاول من خلال هذا المشروع إيجاد حل لمشكلة تركيا كما أنه بشكل من الأشكال وهو ليس من الأدعياء الأقوياء لفكرة الاندماج الأوروبي يعتقد بأن أوروبا ربما ارتكبت خطأ كبير بتوجهها شرقا في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة وأهملت الجنوب الذي يعتبر بالنسبة إلى فرنسا أهم بكثير من دول أوروبا الشرقية وذلك لاعتبارات مرتبطة بموضوع الطاقة، بموضوع الهجرة، بموضوع الأمن، بمواضيع أخرى كثيرة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): نعم يعني دكتور قبلان طرحت عدة نقاط، سيد قبلان أنت طرحت عدة نقاط دعنا نأخذها نقطة بنقطة والآن أحول هذا السؤال إلى السيد غويدر في فرنسا، من ضمن هذه النقاط التي طرحها الدكتور قبلان نقطة مهمة جدا، وهي أن فرنسا اليوم تسعى إلى استعادة مكانتها في الشرق الأوسط مستغلة الفشل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط أو الفراغ الأميركي، وفرنسا أدركت اليوم حجم الدور السوري أو فاعلية الدور السوري في الشرق الأوسط مرورا من فلسطين إلى لبنان إلى العراق يعني كل الملفات في الشرق الأوسط لدمشق يد التحكم فيها، هل أدركت فعلا فرنسا ذلك؟

بطاقة الدخول إلى مشروع المتوسط كانت لبنان، ولولا الجهود التي قامت بها سوريا في نطاق الأزمة اللبنانية وتنازلها عن بعض الأشياء وقبولها للحل السياسي الذي قدمته فرنسا لما دخلت في المشروع المتوسطي

ماثيو غويدر:
نعم هذا يمكن أن نقوله ولكنني أختلف مع الأخ في أن نقطة الدخول، بطاقة الدخول إلى مشروع المتوسط كانت لبنان، لولا أن الجهودات التي قامت بها سوريا في نطاق الأزمة اللبنانية وتنازلها على بعض الأشياء وقبولها للحل السياسي الذي قدمته فرنسا لما دخلت أيضا في المشروع المتوسطي وهنا لكي نتحدث عن المشروع المتوسطي لا بد أولا بأن نؤكد على شيء ما وهو أن سوريا غير أكيدة يعني وغير ضرورية لنجاح هذا المشروع فعندما نقول اليوم إن سوريا لا بد من حضورها وأن الجميع فهم وضعها هذا شيء أظن من الدبلوماسية، سوريا أيضا في حاجة إلى المشروع المتوسطي، سوريا بحاجة إلى هذا المشروع المتوسطي لأنه يجعلها تخرج من عزلتها السياسية، يجعلها ترجع في موقف الدول المتوسطية وهو منعطف إستراتيجي حسب رأيي في نطاق السياسة السورية بما أنها خرجت من الخليج ودخلت في صلب ثاني وهو المتوسط.

خديجة بن قنة: إذا كانت سوريا بحاجة إلى هذا المشروع المتوسطي، دكتور قبلان كيف أو لماذا إذاً إلى الآن لم نلمس موقفا سوريا واضحا من هذا المشروع؟

مروان قبلان: أنا أختلف مع الضيف من فرنسا، أنا أعتقد بأن سوريا ضرورية وضرورية جدا بالنسبة لمشروع ساركوزي المتوسطي وإلا لماذا هذا الإلحاح والإصرار الفرنسي على حضور سوريا للقمة المقرر عقدها في 13 من الشهر المقبل؟ يعني هناك دعوة رسمية إلى سوريا وجهت وهناك موفدون فرنسيون يأتون إلى دمشق مطلع الأسبوع المقبل..

خديجة بن قنة (مقاطعة): ولكن سوريا لم ترد بعد، لماذا هذا التكتم على الموقف السوري؟

مروان قبلان: هذا صحيح، أنا أعتقد أن هناك بعض التحفظات السورية المرتبطة بالمشروع أهمها أن لا يستخدم هذا المشروع كنوع أو سبيل لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، يعني سوريا تقول بأن هذا المشروع أو عملية برشلونة التي يجب أن تكون الأساس لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط فشلت عمليا بسبب فشل حل الصراع العربي الإسرائيلي وعدم إمكانية عقد اتفاقيات سلام بين إسرائيل وبين العرب، لذلك سوريا تعتقد بأنه إذا هذا المشروع كان هدفه النهائي هو التطبيع مع إسرائيل فإن لها تحفظات وتحفظات قوية جدا على هذا الموضوع، طبعا هناك تحفظات أخرى مرتبطة باسم المشروع، هناك تحفظات مرتبطة بالآليات، مرتبطة بالأهداف التي يجب أن يركز عليها إلى آخره من الأمور، لكن النقطة السورية الرئيسية باعتقادي هي خوفها من أن تتحول هذه العملية إلى عملية تطبيع خاصة وأن الفرنسيين طرحوه في البداية وكأنه مستقل عن عملية برشلونة يعني طرحوه بشكل على أنه فكرة جديدة يجب أن تتجاوز البعد السياسي المرتبط أي أن تتجاهل موضوع الصراع العربي الإسرائيلي لأن الفرنسيين يقولون صحيح إن عملية برشلونة فشلت بسبب الصراع العربي الإسرائيلي لذلك يجب أن نتجاهل هذه الصراع ونبدأ بالتركيز على مسائل أخرى مهمة بالنسبة لنا مثل التنمية والأمن والهجرة وغيرها من هذه الأمور، أنا أعتقد بأن سوريا لها تحفظات شديدة على هذه الفكرة.

خديجة بن قنة: طيب سيد غويدر يعني يبدو وكأن هذا التحول في النهاية هو تحول تكتيكي وليس حقيقيا، تحول تكتيكي فقط من أجل إنجاح مشروع ساركوزي المتوسطي؟

ماثيو غويدر: لا، قبل كل شيء لا بد أن نذكر أن سوريا ليست الدولة الأكثر تشددا ولا الأكثر معارضة للمشروع المتوسطي، فكلنا يذكر كلام القذافي، والجزائر أيضا متحفظة، فسوريا ليست من المتحفظين الكبار، فيما أن الأخ في سوريا يحدثنا عن تخوفات سوريا من أن تكون هذه العملية، المشروع المتوسطي، أن يكون هو لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، هل ينسى بأن سوريا هي بصدد التفاوض مع إسرائيل؟ وأن مشكلة التطبيع مسألة شكلية بحد ذاتها بالنسبة لسوريا بما أن المفاوضات يعني جارية وأن حتى الحكومة الإسرائيلية صرحت بأنها قبلت بالتفاوض بهذا، فلا أظن أن المسألة  بالنسبة لسوريا، المسألة الأساسية ليست دخول أم لا إسرائيل.

خديجة بن قنة: إذاً سيد غويدر معنى ذلك أن المفاوضات السورية الإسرائيلية بالوساطة التركية ساهمت هي أيضا في دفع إنعاش العلاقة الفرنسية السورية؟

ماثيو غويدر: طبعا أنا متأكد أن العلاقة الفرنسية السورية لا بد أن ينظر إليها من جهتين، لأننا ننظر إليها الآن من الجهة العربية فقط، والمشروع يتعدى المشكلة العربية إلى المشكلة الإقليمية أولا، من الناحي الإقليمية لا بد أن نرى أن هذا المشروع يخرج سوريا من عزلتها في المنطقة ويجعلها تلحق بالدول المتوسطية، أما من ناحية أخرى فهو يخرجها من محور، المحور الذي تحدث عنه الرئيس بوش وهو محور الشر، المحور الشيعي، محور إيران، فيجعلها هذا تلتحق بالركب العربي وفي نفس الوقت يعزل إيران عن المحور الذي كونته معها، ففي نفس الوقت هذا المشروع المتوسطي هو يعني رابح للجميع، رابح بالنسبة لفرنسا لأنه يمكنها من تحقيق مشروعها.

خديجة بن قنة: طيب، نعم ولكن عودة العلاقات هل ستساهم في فك الطوق أو الحصار أو العزلة التي تحاول واشنطن فرضها على سوريا؟ ذلك ما سنتابعه بعد وقفة قصيرة فلا تذهبوا بعيدا.

[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقات الفرنسية السورية وانعكاساتها

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها مستقبل العلاقات الفرنسية السورية على ضوء بوادر الانفتاح الفرنسي على دمشق. دكتور قبلان، كيف إذاً يمكن لسوريا استثمار عودة الدفء إلى العلاقات السورية الفرنسية لكسر الحصار الأميركي على دمشق؟

مروان قبلان: يعني اسمحي لي قبل أن أجيب على هذا السؤال أن أرد فقط على ضيفك عندما قال بأن التطبيع ما هو إلا أمر شكلي، أنا لا أعتقد أنه أمر شكلي على الإطلاق وإلا لماذا اعتبر أحد أهم العناصر الأربعة في أي اتفاقية سلام بين إسرائيل وما بين سوريا، ثم لماذا هذا الإصرار الإسرائيلي الشديد ومن ورائه الإصرار الأميركي على التطبيع بين الدول العربية وبين إسرائيل؟ هناك حقيقة كثير من المراقبين في المنطقة العربية يعتقدون بأن كل مشروع ساركوزي عمليا هو محاولة بشكل من الأشكال لإيجاد طريقة إلتفافية لإدماج إسرائيل في المنطقة، فإذا غابت سوريا وغابت ليبيا وغابت الجزائر، فمع من ستطبع إسرائيل؟ هل ستطبع مع أوروبا أم مع تركيا أم مع من تماما؟! لذلك أعتقد أن موضوع التطبيع ليس هو موضوعا شكليا، بل هو أمر أساسي. عودة إلى السؤال المرتبط بموضوع العزلة المفروضة على سوريا وفيما إذا كان هذا المشروع سوف يفيد سوريا في الخروج من عزلتها، أنا أعتقد أن هذه العزلة بدأت تنفض شيئا فشيئا خاصة في الفترة التي أعقبت مشاركة سوريا في مؤتمر أنابوليس للسلام في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر من العام الماضي، هناك طبعا تضارب شديد كما نعرف في وجهات النظر الأوروبية فيما يتعلق بالانفتاح على سوريا وهناك بدون شك محاولات أوروبية حثيثة لبدء هذا الانفتاح خاصة بعد الإنفراج الذي حصل في الأزمة اللبنانية التي أعتقد أنني في البداية لم أقلل من أهميتها وإنما حاولت أن أقول بأن العلاقات السورية الفرنسية لا تنحصر أبدا بالموضوع اللبناني وحتى لو فشل موضوع انتخاب رئيس في لبنان فهذا لا يعني أن الرئيس ساركوزي سيتخلى عن فكرة الاتحاد من أجل المتوسط لمجرد أنه لم يتم انتخاب رئيس في لبنان. أنا أعتقد نعم الدعوة الفرنسية لسوريا لحضور القمة ثم لعقد اجتماع ثنائي مع الرئيس ساركوزي سيساهم إسهاما كبيرة عمليا في عودة علاقات طبيعية بين سوريا وفرنسا وربما من ورائها أوروبا بشكل عام لأننا نعرف أن فرنسا كانت الطرف الأساسي الذي يضع فيتو على عملية توقيع اتفاق شراكة بين سوريا وبين الاتحاد الأوروبي، يمكن استثمارها على نطاق واسع للحصول على علاقات أدفأ مع أوروبا ومن ورائها بقية دول العالم.

خديجة بن قنة: طيب سيد غويدر، هل هذا ما يفسر إذاً اللامبالاة الأميركية من موضوع عودة الدفء إلى العلاقات السورية الفرنسية؟ يعني واشنطن لم تعر أي اهتمام لمسألة الانفتاح الفرنسي على سوريا، كيف تفسر أو كيف ترى أنت أو ترى فرنسا هذه اللامبالاة الأميركية لعودة العلاقات الفرنسية السورية؟

ماثيو غويدر: طبعا قبل شيء يمكن أن نقول إن ما تسمينه اللامبالاة هي في حد ذاتها شيء إيجابي لأن أميركا عندما لا تبالي بشيء فيمكننا أن نقوم بشيء ما على المستوى الدبلوماسي، وهنا هذه اللامبالاة هي السكوت علامة الرضا كما يقال، فأود أن ننظر إلى هذا المشروع على أنه طريقة دبلوماسية ذكية تخرج في نفس الوقت سوريا من عزلتها وفي نفس الوقت تكسر المحور السوري الإيراني حتى تتمكن أميركا من حل المشكل الإيراني الذي هو مشكلها الأول وليس المشكل السوري بالدرجة الأولى.

خديجة بن قنة: يعني سيد غويدر إذا رأيت أنت اللامبالاة مسألة إيجابية ربما المصطلح الأصح هو امتعاض، يعني هناك حديث كبير عن امتعاض أميركي من الانفتاح الفرنسي على سوريا وأيضا من مسألة اعتماد فرنسا لنقل لهجة أقل عدائية أو أكثر هدوءا مع إيران، ألا يعكس ذلك انزعاجا أميركيا واضحا من السياسة الفرنسية التي كانت حليفة إلى وقت قريب، حليفة جدا لواشنطن؟

ماثيو غويدر: أظن أن المسألة لكي نفهمها اليوم في العلاقة الفرنسية الأميركية شيء، والعلاقة الفرنسية العربية شيء آخر، ما يحصل اليوم هو بالضبط نفس ما حصل عندما قرر ساركوزي أن يستقبل القذافي في فرنسا وعندما قرر تطبيع العلاقات مع ليبيا وعندما قام بجولته ثم استدعى القذافي إلى باريس واستقبله بشكل جيد. ما يحصل اليوم مع سوريا هو نفس الشيء ونحن رأينا نفس المبادرة ونفس طريقة الامتعاض كما تتحدثين عنه من الناحية الأميركية وفي الحالتين توصلنا إلى نفس الحل وهو أن أميركا رأت مصلحتها أيضا في هذين الحلين، فهي لا يمكنها أن تطبع علاقاتها لا مع ليبيا ولا مع سوريا مباشرة وهي بالضرورة يعني مضطرة شيئا ما أن تمر بحليفها الإستراتيجي وهو فرنسا حاليا بما أن ساركوزي قرر أن يكون الحليف الإستراتيجي لأميركا في أوروبا.

خديجة بن قنة: طيب دكتور قبلان إلى أي حد يمكن أن نضع كسقف تفاؤل لتطور هذه العلاقة الفرنسية السورية علما أنه من زمن قصير كانت هناك شروط فرنسية لسوريا بدون هذه الشروط لا يمكن أن تعود هذه العلاقات، إنجاح أو المساهمة في إنجاح المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، علاقات ندية ما بين دمشق وبيروت وفتح سفارة للبنان في سوريا وما إلى ذلك؟

مروان قبلان: يعني أنا أعتقد بأن الرئيس ساركوزي هو رئيس براغماتي للغاية يعني هو قرر أن يقفز على حدود الأيديولوجيا وهدفه الأساسي من وجهة نظري هي خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية الفرنسية بالدرجة الأولى. انظري إليه على سبيل المثال خلال الأشهر الماضية، كان يحمل معه حقيبة يوزع فيها الاتفاقيات النووية على كل دولة تقريبا يزورها، أنا أعتقد بأن الرئيس ساركوزي قرر أن يضع كل هذه الأمور خلفه وأن ينظر إلى علاقاته خاصة مع دول حوض جنوب المتوسط ومع دول الشرق الأوسط والخليج العربي كذلك من منظار جديد، منظار العودة، أو عودة فرنسا إلى المنطقة والعودة بقوة من خلال البوابة الاقتصادية والبوابة السياسية، لذلك أنا أعتقد أن كل الشروط الفرنسية تكاد تكون غير موجودة من وجهة نظري سواء فيما يتعلق بالعلاقة مع سوريا أو ما يتعلق بالعلاقة مع كل الدول الأخرى التي كانت تربطها بفرنسا علاقة غير طيبة كليبيا ودول أخرى، لذلك يعني أنا أعتقد بأن ساركوزي هذا هو الاتجاه الذي بدأه وهو يطمح في نهاية المطاف إلى أن تعود فرنسا إلى الموقع الذي كانت عليه اقتصاديا على الأقل إن لم يكن من باب آخر إن لم يكن من الباب السياسي، يعني هو يعرف بأن فرنسا اقتصاديا تدهورت إلى مراتب متدنية بين الدول الكبرى في العالم وهو يحاول فعلا أن يستعيد بعض هذه المواقع في دول مهمة في المنطقة وهناك يعني أنا أعتقد بأن هناك تنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية في هذا الموضوع، الانزعاج الأميركي لا يعني فك عرى التحالف الفرنسي الأميركي، لا تنسي بأن دولا أقل أهمية من فرنسا يعني حاولت إغضاب أميركا، دول إقليمية في المنطقة لم تكترث كثيرا للولايات المتحدة الأميركية، نعرف بأن أميركا الآن تعيش في لحظة ضعف شديدة، هناك حالة انكفاء أميركي شديد في المنطقة تحاول كل الدول أن تستفيد من فسحة الزمن التي تفصلنا الآن عن وصول إدارة أميركية جديدة وأن تلعب ضمن هذا الهامش دون الاكتراث كثيرا لما تقوله واشنطن وإلا كيف حصلت المفاوضات السورية الإسرائيلية؟ كيف تدخلت تركيا لرعايتها؟ كيف حصل اتفاق الدوحة؟ كل ذلك حصل من وجهة نظري بغير رضا واشنطن، ولكن كما ذكرت كل هذه الأطراف تحاول أن تستفيد من فسحة الوقت التي تفصلنا عن الانتخابات الأميركية لتحقيق مصالحها بغض النظر أوافق ذلك الأميركيون أم لم يوافقهم.

خديجة بن قنة: إذاً سيد ماثيو، رئيس براغماتي، ساركوزي رئيس براغماتي، وسياسة فرنسية براغماتية توازن في علاقاتها بين حليفين أساسيين أميركا وإسرائيل وبين علاقات جيدة أيضا مع العالم العربي ومن بينها سوريا؟

ماثيو غويدر: نعم الرئيس ساركوزي أظن أنه أيضا براغماتي ولكنه لن يتخلى عن المبادئ الفرنسية، مبادئ حقوق الإنسان، مبادئ المحكمة الدولية، أكد عليه حتى عند زيارته للبنان وقال إنه سيبحث في هذه المحكمة إنه لن يتخلى عن المبادئ الأساسية، الآن يمكننا أن ننظر إليه كبراغماتي ولكنه أساسا عنده دبلوماسية ذكية في المنطقة وهي أنه يرى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط هي منطقة أوروبية ذات نفوذ فرنسي قبل كل شيء، وليست منطقة نفوذ أميركي، فنعلم أن الخليج هي منطقة نفوذ أميركي وهذا هو أهم شيء وهنا أتفق مع الأخ السوري في أن الفترة الآن سانحة للدخول في هذه اللعبة الدبلوماسية وللقيام بمجهودات حتى يتم لكل طرف أن يستفيد بمصالحه فالانتخابات الأميركية تسمح بهذا ولأنها في انتظار الرئيس الجديد وفي انتظار تغيير الإدارة الأميركية، لكل الدبلوماسيات النشطة أن تقوم بمشاريع وأن تقدم هذه المشاريع إلى أن يتغير الأمر.

خديجة بن قنة: أشكرك جزيل الشكر الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي ماثيو غويدر وأشكر أيضا ضيفي من دمشق الدكتور مروان قبلان الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة دمشق، شكرا جزيلا لك. وبهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم كالعادة المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net غدا بحول الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، أطيب المنى والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة