آلان مينارغ.. أسرار الحرب اللبنانية   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)
مقدم الحلقة: سامي كليب
ضيوف الحلقة:

آلان مينارغ: كاتب وصحفي فرنسي

تاريخ الحلقة: 10/09/2004

- الاتصالات اللبنانية الإسرائيلية
- الانقلاب العسكري لبشير الجميِّل
- مسؤولية مقتل بشير الجميل
- مجازر صابرا وشاتيلا
- التجسس الإسرائيلي على بيروت

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، متى بدأت العلاقات الفعلية بين اليمين المسيحي اللبناني وإسرائيل؟ مَن الذي اغتال الشيخ بشير الجميل بعد أيام قليلة على ترأسه الجمهورية اللبنانية؟ مَن الذي ارتكب مجازر صبرا وشاتيلا؟ أسئلة حاول ضيفنا أن يجمع عنها وثائق كثيرة وضعها في كتابه أسرار الحرب اللبنانية، إنه الصحفي والكاتب الفرنسي آلان مينارغ.

[تعليق صوتي]

سامي كليب: يعتبر آلان مينارغ واحدا من أبرز الصحفيين الأجانب الذين غطوا العالم العربي وكاد أن يموت مرارا أثناء الحرب اللبنانية التي عاشها بتفاصيلها تماما كما عرف تفاصيل حياة أناس لبنان وساسته وكان آلان مينارغ عاش مع والده في المغرب وهو لا يزال طفلا وغادر المملكة المغربية وهو في الخامسة عشر من العمر ومن خلال معرفته الدقيقة بوطننا العربي بدأ بوضع سلسة من الكتب التي اخترنا منها كتابه الجديد حول أسرار الحرب في لبنان والذي أثار ضجة كبيرة ولكن متى كانت زيارته الأولى إلى بيروت وما هي علاقته الفعلية بالعالم العربي؟

آلان مينارغ- صحفي فرنسي: كان ذلك في عام 1967 كان لديَّ خال اسمه جون لوفيف وكان يعمل مديرا للتليفزيون الفرنسي الموجَّه للشرق الأوسط كان مقره في بيروت ذهبت لزيارته صيفا وكان لبنان ينعم بالاستقرار والسلام حينها، مررت بسوريا وذهبت إلى الأردن والأراضي الفلسطينية وزرت القدس التي كانت آنذاك تابعة للأردن، أمضيت ثلاثة أشهر في بيروت زيارة فريدة من نوعها لبيروت بأسواقها من سوق الحليّ إلى سوق الورد.. باب إدريس وطوال حياتي كنت على اتصال بالعقلية والثقافة العربيتين مغربيا في البداية ثم مشرقيا.

سامي كليب: إذاً تعلمت قليلا القرآن واللغة العربية؟

آلان مينارغ: القرآن موجود هنا في المكتبة مترجماً إلى اللغة الفرنسية وبالتأكيد قرأته كما تعلمت اللغة العربية لكنني أتكلم باللهجة العامية مما يسمح لي الآن بالذهاب إلى العراق أو إلى أي دولة عربية أخرى.

الاتصالات اللبنانية الإسرائيلية

[تعليق صوتي]

سامي كليب: اللغة العربية التي يفهمها تماما ويتحدثها قليلا سمحت لآلان مينارغ بالدخول إلى كواليس عالمنا العربي وهو على غِرار عدد لا بأس به من الصحفيين الفرنسيين الذين عملوا في لبنان أحب البلد وعاداته وتقاليده وعاد منه بزوجته الحالية التي يعيش معها اليوم في فرنسا فسنوات المغامرات الصحفية الخطيرة التي قادته إلى لبنان وإسرائيل والأراضي الفلسطينية وصولا إلى العراق تترك مكانها اليوم لشيء من الاستقرار العائلي في فرنسا حيث بدأ بالإشراف على واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية الفرنسية الموجَّهة إلى العالم العربي راديو مونت كارلو ولكن لماذا اختار أن يحصر أسراره الجديدة حول لبنان بالفترة الممتدة من عام 1980 حتى عام 1982 أي الفترة التي شهدت الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصول قائد القوات اللبنانية اليمينية المسيحية بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية؟

آلان مينارغ: اخترت أن أحصر كتابي في فترة زمنية بعينها وقد اخترت نقطة بدايتي هذه لحظة استطاع بشير الجميل أن يوحِّد البندقية المسيحية عام 1980.

سامي كليب: بمجازر طبعا؟


ارتكزت عملية الاجتياح الإسرائيلي للبنان على إخراج الفلسطينيين من جنوبه وتثبيت بشير الجميل في الحكم
آلان مينارغ: كانت تلك أعمالا دموية جرت أحداث عنف في لبنان في تلك الأثناء وأريقت خلالها الدماء وأصبح بشير بعدها القائد وكان يطمح لأن يكون الشخص الوحيد القادر على استهداف المعسكر المنافس داخل الموارنة.

سامي كليب: طبعا يعني أنت وثقت هذا الكتاب واتصلت بالإسرائيليين كثيرا وأيضا بالأطراف الأخرى في المنطقة، لفتني في بداية الكتاب تحت عنوان (كلمة بلغة أجنبية) أو الجار السوري أنك تقول أن إسرائيل أرادت تحييد نظام العلويين وأنها تفضل بقاء هذا النظام في سوريا، هل سمعت هذا الكلام في خلال اتصالاتك مع الإسرائيليين في خلال توثيق هذا الكتاب؟

آلان مينارغ: في الحقيقة ارتكزت عملية اجتياح لبنان المعروفة باسم سلام الجليل على كذبة وعلى حقيقة، الكذبة تكمن في أن شارون أراد الوصول إلى بيروت وكان راغبا في تثبيت بشير الجميل في الحكم وقد تم عرض القرار للتصويت على الحكومة الإسرائيلية التي صوَّتت لصالح عملية سلام الجليل معتقدة كما قيل لها أن العملية ستتوقف عند صيدا لذلك ففي ذهن الحكومة الإسرائيلية كان الأمر يتعلق فقط بطرد الفلسطينيين من جنوب لبنان لأنهم كانوا يشكلون ضغطاً عسكرياً على إسرائيل هذا يعني أن الحرب ظاهرياً وقد تم تقديمها للحكومة الإسرائيلية كانت تقضي بالتوقف عند صيدا، أما بالنسبة لشارون فقد كان مهتما خلال تحضيره للحرب بألا ترد سوريا التي كانت على علم بذلك.

سامي كليب: تقول في كتابك أنه السفير السوري في واشنطن كان أُبلِغ من قِبَّل الأميركيين أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان سيحصل، مَن الذي قال لك هذه المعلومة؟

آلان مينارغ: صلاتي في أميركا سمحت لي بالاطلاع على هذا الأمر لكن لماذا تم ذلك؟ ببساطة لأن شارون والحكومة الإسرائيلية قالا للأميركيين سندخل إلى جنوب لبنان لكننا لا نريد مهاجمة سوريا فتحرك الأميركيون وأبلغوا دمشق بأن الإسرائيليين سيقومون بالعملية في جنوب لبنان فقط وكان ذلك جزءا من الكذبة.

سامي كليب: ولكن سؤالي هل أن إسرائيل فعلا أرادت أن تبقي على النظام العلوي؟

آلان مينارغ: أعتقد هذا وذلك لسبب أساسي من وجهة نظر تل أبيب..

سامي كليب: تفكر بذلك أم لديك معلومات؟

آلان مينارغ: لدي معلومات حول هذا الموضوع وهذه المعلومات بسيطة فالكثير من الإسرائيليين وسأسمي لك أحدهم ديفد كمحي قال لي تعرف أن حافظ الأسد يلتزم بوعوده، وَعد حافظ الأسد بوقف إطلاق النار في الجولان ومنذ ذلك الحين لم تُطلَّق رصاصة واحدة وكان الإسرائيليون يعرفون عنه ذلك، إن تغيَّر النظام في دمشق فليس من المؤكد أن النظام البديل أو أن أولئك الذين سيحلون مكان حافظ الأسد سيحترمون هذه التعهدات.

سامي كليب: في 27 سبتمبر من العام 1980 حصل اجتماع تتحدث عنه وحصلت على وثائق بشأنه في سيدة البير وترأس الاجتماع بشير الجميل، أود أن أسألك من الذي حضر هذا الاجتماع ماذا كانت علاقة العماد ميشيل عون به وهل فعلا في هذا الاجتماع قرَّر بشير الجميل الاستيلاء على السلطة إما بانقلاب أو بالتعاون المباشر مع إسرائيل؟

آلان مينارغ: لم يتخذ بشير الجميل هذا القرار على حين غرة لم يقرر الاستيلاء على السلطة بين ليلة وضحاها بل قام بجمع مَن يقدمون له النصح وكان قد وظف مجموعات دراسية أو مجموعة عمل كانت قد اجتمعت عدة مرات قبل ذلك وكان ذلك الاجتماع النهائي حيث وضعوا جميع الوثائق على الطاولة، مَن الذي حضر ذلك الاجتماع؟ في البداية كانت هناك مجموعة من الذئاب الشابة إن سمحت لي باستخدام هذا التعبير مجموعة من الناشطين الشبان ينتمون إلى القوات اللبنانية التي كان قد أسسها بشير الجميل بالإضافة إلى بعض السياسيين من بين هؤلاء السياسيين كان هناك سليم الجاهل الذي كان في ذلك الوقت رئيس محكمة الاستئناف على ما أظن وكان هناك رئيس قوات الأمن وكان هناك دبلوماسي اسمه شارل مالك وكان بينهم أيضا أستاذ في الفلسفة وغيرهم كانوا كلهم أصدقاء لبشير وقرروا مساعدته في الوصول إلى الحكم وتقديم مساهمة فعالة له تساعده على الفوز بالسلطة.

سامي كليب: هل كان ميشيل عون حاضرا هذا الاجتماع؟

آلان مينارغ: لم يكن ميشيل عون حاضرا لكنه قدم وثيقة مهمة بشأن السيطرة على الحكم كان لدى بشير الجميل خياران كان يريد الوصول إلى السلطة لكن كيف؟ فهل ينتظر حتى الانتخابات المقبلة التي ستجرى مع انتهاء ولاية الرئيس إلياس سركيس أم يقفز إلى السلطة عن طريق انقلاب مسلح؟ ضمن فريقه كان هناك أناس مثل سليم الجاهل مِمَن يفضلون الانقلاب السياسي لماذا؟ ببساطة لأنهم أرادوا تحطيم النظام الدستوري القائم في لبنان والذي بحسب رأيهم يقوم على تعايش بين مجموعات مختلفة من الطوائف ولذلك كان لابد من الثورة وفضَّل آخرون تولي السلطة ضمن نطاق الدستور كما كان منتظرا ومن ثم إجراء التغييرات في النهاية وكان بشير الجميل قد طلب تحضير مخططات وملاحظات ليكون جاهزا للاحتمالين وقد تم تحضير القسم المتعلق بالانقلاب العسكري من قِبَّل ضابط كان يطلق عليه اسم جبرائيل ولم يكن في الحقيقة سوى ميشيل عون وكان قد عمل طوال شهر مع أستاذ فلسفة كان يُطلق عليه اسم نبتون وهما حضّرا الانقلاب وهي خطط عسكرية كأي خطة يحضرها جميع قادة الأركان.

الانقلاب العسكري لبشير الجميِّل

سامي كليب: إذاً لو فهمت جيدا منك أن ميشيل عون هو الذي حضَّر الانقلاب العسكري من الناحية العسكرية؟

آلان مينارغ: قام ميشيل عون بالمشاركة في التحضير للناحية العسكرية فقد كانا اثنين وكان ميشيل عون ضابطا وطنيا للغاية وأعتقد أنه ما يزال كذلك وكان قد حارب الفلسطينيين في عام 1974 في خلدة وقد كانت لديه نظرة خاصة للوجود الفلسطيني حيث كان يعتبر هذا الوجود غير متفق مع مفهوم السيادة اللبنانية وهذا ما دَفعَه للاتصال بالفريق بشير الجميل ومع بشير الجميل بالذات وإلى تحضير هذه الخطة.

سامي كليب: ميشيل عون حتى الآن ينفي أي اتصال له مع إسرائيل، هل في خلال ما بحثت عنه أنت في الوثائق حصلت على معلومات أنه كان على اتصال خصوصا أنك تروي في الكتاب أنه كان يسهِّل أمنيا قدوم بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى بيروت؟


لم تكن لإسرائيل أي مصلحة سياسية على الإطلاق في اغتيال بشير رغم الخلافات التي نشأت بين الطرفين قبل اغتياله
آلان مينارغ: المشكلة هي أنه كان عسكريا كان على علم بما يجري في لبنان، أعتقد أنه من الصعب القول أنه لم يكن مطلعا على زيارات قامت بها شخصيات إسرائيلية إلى لبنان أما عن حضوره لاجتماعات لتأمين سلامة بعض الشخصيات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية فعلى حد علمي لم يكن ذلك صحيحا، كان على علم بوصولهم وكان يعرف أنه تم الاتصال ببعض الضباط من قِبَّل القوات اللبنانية لتسهيل عبور شخصيات إسرائيلية لكنني لا أظن أنه كان شخصيا يؤمِّن هذا النوع من الحماية خاصة وأن تلك الزيارات كانت تحدث في منطقة لم تكن قواته منتشرة فيها.

سامي كليب: هناك أيضا شخصية أخرى مثيرة للجدل حول علاقتها أو عدم وجود علاقة مع إسرائيل هي شخصية سمير جعجع القائد السابق للقوات اللبنانية الموجود حاليا في السجن هو ينفي أي اتصال مع إسرائيل ولكنك تروي في الكتاب أنه بعد الهجوم على المرادة على جماعة الرئيس السابق سليمان فرنجية وقتل توني فرنجية ابن سليمان فرنجية أصيب جعجع بجروح نقل إلى مستشفى أوتلدي في بيروت ثم إلى مستشفى فينونسي في فرنسا وبعدها إلى إسرائيل إذاً الاتصال حصل، من أين حصلت على هذه المعلومات؟

آلان مينارغ: إن وضع سمير جعجع خاص للغاية ولا أريد أن أضيف أي شيء بخصوصه ومع ذلك لن أحذف كلمة واحدة مما كتبته، لا أريد التعليق على الأمر لكنني لن أحذف جملة واحدة مما كتبته حول هذا الموضوع.

سامي كليب: السيد آلان مينارغ في كتابك توثق عن أول اتصال حصل بين الجانب المسيحي اليمين المسيحي وإسرائيل تقول حصل عام 1951 وتحديدا الذي قام بالاتصال هو موشيه شاريت وزير خارجية إسرائيل وطلب منه حزب الكتائب أن يتبرع له بمبلغ مالي وبالفعل تبرع بثلاثة آلاف دولار، أولا يعني متى حصل فعلا هذا الاتصال مع مَن ومِن أين حصلت على هذه المعلومات وهل فعلا أنه موشيه شاريت تبرَّع لحزب الكتائب؟

آلان مينارغ: أكد لي ذلك بيير الجميل بنفسه وقد حكى لي كيف أراد إقامة مباراة كرة قدم بين اللبنانيين والإسرائيليين، كل ذلك حصل في فترة ما بعد الحرب لفترة استمرت خمسة أعوام بين عامي 1952 و1958 حيث كانت العلاقات بين الإسرائيليين واللبنانيين ميسورة نوعا ما ولا أقصد العلاقات السياسية، في ذلك الوقت كانت هناك رغبة في التواصل لدى الإسرائيليين ضمن إطار ما كانوا يطلقون عليه سياسة المحيط أو مساعدة الأقليات أولئك الذين يعتبرون أنهم يعيشون في أحوال صعبة في الدول المحيطة بساحة المعركة أو المحيطة بإسرائيل، إذاً تم الاتصال بالكتائب وقد أكد لي ذلك بيير الجميل وكذلك أكد لي قضية الدولارات من أجل الانتخابات كما تجدر الإشارة إلى أن الموساد أو جهاز الاستخبارات الإسرائيلي لم يكن يولي أهمية كبيرة للثقل السياسي الذي يمكن أن يكون لحزب الكتائب وعندما حان موعد اتخاذ القرار بشأن مساعدة الكتائب معنويا أم ماديا تم اتخاذ القرار على مستوى الحكومة وقد جرت مباحثات على هذا المستوى وأظن أن حزب الكتائب قد طلب عشرة آلاف أو 12 ألف دولار للانتخابات إلا أنهم لم يحصلوا إلا على ثلاثة آلاف دولار أو أكثر قليلا.

سامي كليب: ذكرت منذ قليل بيير الجميل إذاً هو مؤسس حزب الكتائب فقط للذين لا يعرفون ربما لا يذكرون كثيرا مَن هو ولكن وفق ما تذكر في الوثائق التي جمعتها أنه أول اتصال حصل بين شخصية كبيرة لبنانية وإسرائيل كانت عبر شخص رئيس الجمهورية السابق كميل شمعون بينما من الجانب الإسرائيلي إسحاق رابين الذي كان يقود المنطقة الشمالية لإسرائيل، ما الذي حصل في هذا الاجتماع وكيف حصلت على هذه المعلومات؟

آلان مينارغ: زار كميل شمعون إسرائيل في عام 1970 بسرِّية تامة ثم عاد مرة أخرى وزارها عندما اُنتخِب بيغين عام 1977، ذهب كميل شمعون ليقابل بيغين في المسكن الشهير لرؤساء الوزراء الإسرائيليين، دخل من الباب الخلفي بسبب وجود صحافيين أمام المدخل وفي نهاية اللقاء رافق بيغين كميل شمعون إلى الباب، عبر كميل شمعون بستانا صغيرا ثم استدار باتجاه بيغين وكأنه نسي شيئا وقال سيادة رئيس الوزراء هل يمكنني إسداء نصيحة لك نحن اللبنانيين قد احتفظنا بالبقاع وتركنا المسلمين فيه ولم نواجه المشاكل أعيدوا لنا الأراضي المحتلة بأسرع وقت ممكن وهكذا لن تكون هناك مشاكل فقال له بيغين أنت لا تفهم هذا أرض إسرائيل الكبرى فأجابه كميل شمعون نعم ولكنه بسبب إسرائيل الكبرى ستخسرون إسرائيل بكاملها.

سامي كليب: طبعا بشير الجميل يعني أكمل ما كان بدأه والده الشيخ بيير الجميل في الاتصالات مع إسرائيل وأيضا كميل شمعون في الجبهة اللبنانية ولكن سؤالي حول أمين الجميل هو حتى الآن الرئيس اللبناني السابق يرفض أو ينفي أي اتصال مباشر بينه وبين إسرائيل، هل قامت مثل هذه الاتصالات مع إسرائيل بينه وبين إسرائيل وهل أكمل هذه الاتصالات فيما بعد حين أصبح رئيسا للجمهورية؟

آلان مينارغ: كان واضحا أن الإسرائيليين كانوا يأتون دائما لرؤية بيير الجميل وقد حدث ذلك في يناير كانون الثاني عام 1982 قبل ستة أشهر من الاجتياح، كان أمين الجميل حاضرا كالعادة وقد عمل على نقل رسائل للإسرائيليين يقول لهم فيها أن له حضوره هو الآخر كما زار إسرائيل والتقى بديفد كمحي وهذا الأخير يؤكد ذلك بينما لم يعترف أمين الجميل بتلك الزيارة، كان يقابل الإسرائيليين قابلهم عندما جاؤوا برؤية والده بيير لكنه لم يكن يتحدث إليهم لم يُرِد التكلم مع الإسرائيليين بل كان يسلك طرقا أخرى بغية إيصال رسائله، تغير كل هذا بعد مقتل بشير فعندما جاء شارون إلى بكفية في اليوم التالي لمقتل بشير ليقدم تعازيه لبيير حضر أمين وقدم نفسه قائلا أنا أمين وسأسير على خطى شقيقي لكن شارون رد عليه بجفاف قائلا أنا هنا لتقديم التعازي وليس للتكلم في السياسة، بعد ذلك استقبل أمين الجميل عشية طرح ترشيحه في مؤسسته المعروفة بإسم بيت المستقبل استقبل إسحاق شامير الذي كان يزور لبنان للمرة الأولى مع شارون ورئيس الموساد ليشرح موقف إسرائيل وليعرف ما الذي سيحدث، كان الإسرائيليون قد بذلوا جهودا كثيرة مع بشير وبما أن هذا الأخير قد اختفى من الساحة السياسية باغتياله فقد بدؤوا الاتصالات مع شقيقة وخلفه المحتمل وخلال هذا الاجتماع الذي استمر ست ساعات في بيت المستقبل في الطابق الأرضي تعهَّد بشير الجميل بإكمال عمل أخيه.

سامي كليب: أمين.

آلان مينارغ: نعم أقصد أمين اعتذر إذاً أمين تعهد باستئناف العلاقات التي بدأها أخوه وتم طرح أفكار عديدة ثم طلب من الإسرائيليين تقديم الدعم.

سامي كليب: تقول وفق المعلومات التي جمعتها أن الشيخ أمين الجميل حاول بكل الوسائل منع وصول بشير الجميل إلى السلطة ولذلك اتصل بالجانب الإسلامي وبالفلسطينيين لمنع بشير من الوصول إلى رئاسة الجمهورية؟

آلان مينارغ: هذه قصة رواها لي الفلسطينيون أنفسهم في تونس ورواها لي أبو إياد بنفسه فعشية الانتخابات الرئاسية أرسل له أمين رسالة وكان في اجتماع في المعسكر الفلسطيني حين جاء أحدهم حاملا ملاحظة صغيرة قرأها وانفجر ضاحكا وقال هذا أخ لا يريد لأخيه الرئاسة طلب إلي أن أمنع وصول النواب السُنة في بيروت الغربية إلى صناديق الاقتراع.

سامي كليب: في خلال المؤتمر الصحافي الأخير الذي عقدته هنا في فرنسا قلت أنه أمين الجميل حاول منع بشير من الوصول إلى السلطة ولن قلت أيضا أنه لم تكن هناك أي مصلحة لا لإسرائيل ولا لسوريا في اغتيال الشيخ بشير الجميل بعد أن اُنتخِب رئيسا للجمهورية هل تشكك إذاً بأمين الجميل مثلا؟

آلان مينارغ: أولا هناك أمر أريد توضيحه لم تكن لإسرائيل أي مصلحة سياسية على الإطلاق في اغتيال بشير رغم الخلافات التي نشأت بين الطرفين قبل اغتياله بأسبوع فعشية مقتله ليلة الثالث عشر والرابع عشر استقبل بشير شارون ووضعا خطة للسلام ولم يكن السوريون قادرين على اغتياله فقد تم القضاء على كل البنى التحتية وشبكات التجسس السورية من خلال الوجود الإسرائيلي وبالتالي فإن الفلسطينيين وحدهم كانوا مَن تبقى فعلا بالجناح المسلح وشبكات الاستخبارات والجهة المسلحة التي خرج منها منفذ الاغتيال حبيب الشرتوني كانت في الحقيقة مجموعة فلسطينية.

[فاصل إعلاني]

مسؤولية مقتل بشير الجميل

آلان مينارغ: أعتقد أننا إن بدأنا بإزالة الأسماء الغير محتملة فإننا نستبعد الإسرائيليين ونستبعد السوريين الذين وإن أرادوا ما كانوا قادرين على تحقيق ذلك، فيبقى لدينا الفلسطينيون وبعض الجماعات اللبنانية ومن بين الجماعات اللبنانية قد نجد الجماعات السُنية لكن من الواضح أنه يمكننا استبعادهم نظرا لأن هذه الجماعات السياسية أو شبكات الضغط السُنية كانت تعمل تحت راية بشير إن سمحت لي بهذا التعبير وكان الكثير منها يعمل وفق هذا التوجه أما الشيعة فقد كان لديهم موقف سياسي مغاير تماما لكن كان لبشير عدد هائل من الأعداء بين اللبنانيين سواء في الشمال أو الوسط.

سامي كليب: حتى في داخل تياره أيضا؟


النائب السوري عبد الحليم خدَّام قال عندما يُعرَف من وراء مقتل بشير الجميل فإن ذلك سيخلق فضيحة كبيرة
آلان مينارغ: نعم كان هناك مَن يكرهه داخل معسكره، يستحيل تحديد الفاعل كل ما فعلته في كتابي هو إظهار بعض الخيوط وعلى اللبنانيين أنفسهم الجلوس معا وإجراء تحقيق ومعرفة الفاعل في مرحلة ما إن كنت تبني جدارا فإنك تضع حجرا ويجب على الآخرين وضع بقية الأحجار.

سامي كليب: ولكن هل يمكن أن يكون أمين الجميل متورطا؟

آلان مينارغ: لا يمكنني تأكيد أمر كهذا هناك عناصر محيرة لكنها تتعلق بأمين كما بأشخاص آخرين ولا يمكن اعتبرها أدلة على الإطلاق، بعد مقتل بشير ظهر كم هائل من المعلومات المحيرة للغاية.

سامي كليب: ولكن في خلال اتصالاتك مع الأطراف الإسرائيلية واللبنانية والفلسطينية هل طرحت السؤال مَن الذي اغتال بشير الجميل وهل حصلت على بعض الشكوك إن لم تكن إجابات؟

آلان مينارغ: بالطبع لدى كل طرف فكرة لن أبوح بما قالوه إذ أن أيا منهم لم يأتني بأدلة مادية محسوسة وقابلة للتصديق عما قالوه كل ما يمكنني البوح به هو أن عبد الحليم خدَّام نائب الرئيس السوري قال لي عندما يُعرَف الفاعل فإن ذلك سيخلق فضيحة كبيرة.

سامي كليب: في عام 1982 وقع طبعا الاجتياح الإسرائيلي وأنت في الحديث عن الوثائق في الواقع تنشر وثيقة هامة جدا في كتابك كتبها بعض مستشاري بشير الجميل ستة أشهر قبل وقوع أو حصول الاجتياح هذا طبعا يشير إلى أمر مهم أنه كان هذا الفريق على علم تماما بأن الاجتياح سيحصل وأنه استعد له، هذه الوثيقة طبعا كتبها زاهي البستاني وأنطوان نجم وسليم الجاهل ويمكن أن نقرأ منها بعض الأمور التي لفتت نظري في الواقع، تقول أنه العملية يجب أن تبدو وكأنها اجتياح إسرائيلي فقط دون تدخل طبعا من قِبَّل القوات اللبنانية وأنه سعد حداد يجب ألا يلعب أي دور سعد حداد طبعا كان قائد جيش لبنان الجنوبي الذي تعامل مع إسرائيل وتقول أيضا هذه الوثيقة أنه يجب أن تصل القوات اللبنانية إلى المسؤوليات الأولى في الدولة طبعا بما في ذلك تعيين رئيس حكومة مسيحي وليس مسلم في فترة أولى وانتخاب رئيس جمهورية يمثل فقط مصلحة المقاومة اللبنانية ويعني طبعا المقاومة المسيحية آنذاك هذه الوثيقة أيضا تؤكد أنه القوات اللبنانية كانوا على علم بحصول اجتياح.

آلان مينارغ: تماما، إن الرجال الثلاثة الذين ذكرتهم مثل ميشيل عون قد شاركوا في الدراسات ومن الواضح أن هذه الوثيقة التي وُُضِعت قبل الاجتياح بستة أشهر قد تناولت عدد من الفرضيات والرغبات من قِبَّل اللبنانيين فيما يتعلق بالتحرك الإسرائيلي، كان بشير قد اختار الطريقة الدستورية وبمساعدة من الإسرائيليين كما كان من الضروري طرد الفلسطينيين ومن هذا المنظور فإن العمل العسكري وحده كان مقبول ومن هنا تم إيجاد مجموعات تحليل وهؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم كانوا من ضمن مجموعة تحليل مهمتها دراسة أفضل الطرق كي تعود عليهم العملية الإسرائيلية بالنفع سياسيا بالتأكيد وفيما يتعلق بالمرحلة السياسية فكما ذكرت كان هناك عدد من النقاط والرغبات أو وجهات النظر وتحليلات فقد كان هذه دراسة شاملة هذا أولا أما ثانيا احتفظ بشير الجميل بالحق في وضع رجاله في مناصب حكومية تنفيذية من ضمنها الجيش ووزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد إلى أخره فهو لم يكن يشكل حكومة ليعطي السلطة لرجال غير رجاله أما فيما يتعلق بالعملية العسكرية الإسرائيلية فنظرا لأنه كان يريد أن يتم انتخابه دستوريا وهذا ما قلناه قبل قليل وانطلاقا من رغبته في الحفاظ على علاقات طيبة مع المسلمين فقد كان من الضروري أن تبقى العملية الإسرائيلية عملية إسرائيلية محضة كان يجب ألا يبدو الأمر وكأن هناك ضلعا من القوات اللبنانية فيها.

سامي كليب: العراق دخل على الخط ووفق ما تروي حضرتك في الوثائق التي جمعتها إنه في عشرين تموز عام 1981 أجرى المحامي اللبناني جبران المجدلاني أول اتصال ببشير الجميل وكان جبران المجدلاني مسؤولا في حزب البعث اللبناني ما الذي حصل في هذا الاتصال ولماذا دخل العراق على الخط؟

آلان مينارغ: كان بشير الجميل يسعى للاتصال بجميع الأنظمة العربية لذلك استعان بكل من كان بإمكانه فتح قنوات حوار وهكذا تم الاتصال بالمحامي المجدلاني فقد كان لدى المجدلاني صلات بحزب البعث العراقي، اهتم العراقيون بالرد على الدعوة لماذا؟ ببساطة لأن المنافسة كانت مستعرة بين دمشق وبغداد بين حزبي البعث في البلدين وقد رأت بغداد في تلك الدعوة فرصة سانحة لمقارعة دمشق في هذا المجال لذلك بعد أن فُتِحت قنوات الاتصال من خلال المحامي سافر اللبنانيون أنفسهم وجرى الاتصال بشكل مباشر بين القوات اللبنانية وبين العراقيين وكان إيلي حبيقة رئيس الجهاز المخابرات في القوات اللبنانية هو من ذهب إلى العراق وطلب الحصول على أسلحة مجانية بالطبع وهكذا قال له طارق عزيز اختر ما تشاء وكانت هناك معسكرات حربية مليئة بالمصفحات وما إلى ذلك فكان حبيقة يسير في الممرات بسيارة جيب ويختار ما يريد وتم تحميل كل تلك الأسلحة على متن سفينة في مرفأ أم القصر العراقي وأُرسِلت إلى لبنان لكن قبل وصولها إلى لبنان أصر الإسرائيليون على فحص الشحنة ففرغوا كل الحمولة على الشاطئ في حيفا وقاموا بفحصها ثم أخذوا منها بعض الأسلحة التي اعتبروها غير ضرورية في الحرب اللبنانية ومنها ألغام مضادة للغواصات وطائرات مروحية وقال الإسرائيليون للقوات اللبنانية أن المروحيات لا ضرورة لها وهكذا تم سحب كل الأسلحة من هذا النوع لكن لماذا اختار إيلي حبيقة هذه الأسلحة؟ التفسير الذي حصلت عليه من المسؤولين العراقيين الذين قابلتهم فيما بعد ومن بعض أعضاء القوات اللبنانية وتم تأكيده من قِبَّل الإسرائيليين هو أن إيلي حبيقة أراد الاستفادة من الفرصة والحصول على كميات من الأسلحة تزيد على حاجته كي يبيعها فيما بعد ويكون رأسمال للقوات اللبنانية لكن تمت مصادرة كل هذه الأسلحة ولا أدري ماذا فعل بها الإسرائيليون؟

مجازر صابرا وشاتيلا

سامي كليب: اسم إيلي حبيقة القائد السابق للقوات اللبنانية والوزير السابق الذي اغتيل بظروف غامضة كان قد ارتبط بمجازر مخيمي صابرا وشاتيلا التي أودت بحياة الكثير من الأبرياء الفلسطينيين بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وضيفنا الكاتب والصحفي الفرنسي آلان مينارغ شرح في كتابه الكثير حول المجزرة الرهيبة فهو كان قد دقق في الوثائق الإسرائيلية واللبنانية لمعرفة الحقيقة وغطى هذا الحدث الرهيب فماذا اكتشف؟


كان هناك شبه اتفاق ضمني بين حبيقة وشارون لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها مئات الفلسطينيين ”
آلان مينارغ: اغتيل بشير الجميل في مساء يوم الرابع عشر في الساعة الرابعة مساء وعند منتصف الليل جاء قائد أركان الجيش الإسرائيلي إلى مقر قيادة القوات اللبنانية وكان الجميع ما يزالون تحت تأثير صدمة اغتيال بشير الجميل وكانوا يفكرون فيما سيفعلونه، وصل قائد الأركان ليقول لهم سنهاجم بيروت الغربية ضعوا قواتكم في المطار وكان جواب القوات اللبنانية سنرسل رجالا لكن أعلمونا قبل بدء الهجوم، قاد الإسرائيليون عمليتهم في بيروت الغربية وفجأة أدرك اللبنانيون أن عليهم إيجاد بديل لبشير ولم يكونوا يريدون أمين الجميل، هكذا كانت المجاذبات السياسية حول هذا الموضوع، حدث كل ذلك في ليلة الرابع عشر أو في الصباح الباكر من يوم الخامس عشر ومع هبوط ليل يوم الخامس عشر دخل فريق مؤلف من 32 شخصا إلى صابرا وشاتيلا وكان هؤلاء قوات من الوحدات الخاصة الإسرائيلية الذين اشتهروا فيما بعد في الضفة الغربية من خلال الاغتيالات الموجهة ضد عدد من المسؤولين كانت لديهم قائمة بمائة وعشرين اسما واستطاعوا اغتيال 63 شخصا بطلقات نارية في الرأس بعيار ثمانية ملليمترات وتم توثيق ذلك بواسطة الطبيب الشرعي فيما بعد.

إذاً خرجت هذه الوحدات من صابرا وشاتيلا في الصباح الباكر وبعد ذلك دخل فريق جيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل دخلت نصف كتيبة طُلِب من رجالها الاستيلاء على الوثائق التي كانت موجودة لدى الأطراف المختلفة والتصرف بشكل يثير الرعب في قلوب الفلسطينيين أي بمعنى آخر قتلهم وهذا ما حدث، كان هذا الفريق مؤلفا من الشيعة الذين عانوا من الفلسطينيين في جنوب لبنان واستفادوا من هذه الأحداث كي ينتقموا وقد موَّهوا مرورهم بعد أن استعملوا أسلحة تابعة لحلف شمال الأطلسي وعيارات نارية خاصة بالحلف، أخطأ فريق جيش لبنان الجنوبي أثناء خروجهم فخرج بعضهم من مكان غير منتظر والإسرائيليون الذين كانوا يطوقون المخيم أطلقوا عليهم النار وقتلوا اثنين منهم كما قُتِل أحد الجنود الإسرائيليين من المجموعة الأولى حين داس على لغم أثناء الدخول إلى صابرا وشاتيلا.

بعد انتهاء كل هذا تم إرسال القوات اللبنانية وطُلِب منهم تنظيف المعسكر ومصطلح التنظيف هذا هو مصطلح عسكري تستعمله أجهزة المخابرات ومعناه أخذ الأسلحة واعتقال الإرهابيين وهكذا طلب من حبيقة إرسال رجاله أي المجموعات الثلاثة التي ذهبت إلى هناك وقتلت الناس وقد قتل هؤلاء الرجال اللبنانيين أكثر مما قتلوا من الفلسطينيين فقد كان يوجد حول الفلسطينيين الكثير من الشيعة الذين جاؤوا لنجدة الفلسطينيين وبعد أن دخلت القوات اللبنانية تم السماح بدخول الصحافة وكنت من بين أوائل الصحفيين دخلت مع زملائي الفرنسيين وقابلنا أناس قالوا أن مَن فعل ذلك هي القوات اللبنانية وعلى أي حال تمكنا من رؤيتهم فلم يكونوا بعيدين عنا وأعتقد حينها أنهم القوات اللبنانية وفي الحقيقة كانت المجموعة الثالثة في الواقع كانت ثلاث مجموعات متلاحقة من القتلة، قابلت إيلي حبيقة شخصيا وكان همّه الوحيد خلال مجازر شاتيلا هو ألا يصبح أمين الجميل رئيسا، كان حبيقة قد مر بموقع أرييل شارون وكان يشرف على صابرا وشاتيلا تحت أمرته وكان يرى ما يحدث لكن لم يكن يرى بعينيه لكنه كان يسمع طلقات الرصاص وما إلى ذلك ثم تكلم عبر الجهاز اللاسلكي عندما سأله أحد الرجال ماذا سنفعل بالمدنيين وكان جواب حبيقة تعرفون ما عليكم فعله وانطلاقا من عبارته هذه تم تحميله المسؤولية عن هذه الأحداث بما يفوق مسؤوليته الحقيقية.

سامي كليب: طبعا ننتظر الكتاب المقبل لك أنت توقفت في هذا الكتاب عند العام 1982 ولكن عام 1983 حصل اعتداء كبير أو عملية كبيرة على المظليين الفرنسيين في لبنان وأيضا على المارينز الأميركيين حزب الله حتى اليوم يؤكد أنه ليس هو الذي قام بهذه العملية برأيك مَن الذي فجَّر القوات الفرنسية؟

آلان مينارغ: حدث ذلك في الثالث والعشرين من أكتوبر تشرين الأول عام 1983 وبفاصل ثلاث دقائق حصدت التفجيرات 274 أميركيا في المطار و58 قتيلا من فرقة المظلين الفرنسيين، أُتهِم حينها حزب الله بالأمر وهو مُتهم حتى اليوم لكن ليس حزب الله كما نعرفه اليوم بل حزب الله في بداياته، في عام 1982 عندما طلب سركيس إيجاد حكومة وحدة وطنية وافقت الأغلبية لكن كانت هناك فرقة من حركة أمل رفضت ذلك، الحركة التي كانت تسمى آنذاك حركة أمل الإسلامية مع حسن الموسوي وحركة أمل الإسلامية حصلت على المساعدة من إيران وطوَّرت أساليب قتالية من ضمنها التفجيرات الانتحارية كانت تلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها تفجير انتحاري يقوم به رجل في سيارة مليئة بالمتفجرات يفجِّر نفسه في مكان ما قبل ذلك كانت تحدث تفجيرات بالسيارات المفخخة كان يتم توقيف السيارة ثم يخرج منها السائق وبعد ذلك تنفجر إذاً فقد كانت تلك أول تفجيرات انتحارية وتزايد عدد هذه التفجيرات فيما بعد ضد الإسرائيليين في جنوب لبنان وداخل إسرائيل وفي مناطق أخرى والآن تجري في العراق، طريقتان مختلفتان تماما تم الدمج بينهم مع البنية السياسية وازداد استخدام هذه الأساليب القتالية وبالتأكيد كانت هناك ثلاث أو أربع جماعات شيعية إسلامية متطرفة تجمعت لينتج عن تجمعها حزب الله.

التجسس الإسرائيلي على بيروت

سامي كليب: تروي في كتابك في هذه الوثائق إنه إسرائيل كانت صوَّرت كل بيروت قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان كيف كانت تقوم بذلك هل كان لديها جواسيس مصورين لبنانيين أم كان الإسرائيليون مباشرة يأتون ويصوِّروا في بيروت؟


كانت توجد ثلاث فرق بكل منها شخصان مهمتها الطواف في شوارع بيروت بسياراتها في الصباح الباكر تلتقط الصور وترسلها لإسرائيل
آلان مينارغ: منذ 1948 عام كان الإسرائيليون يعتبرون لبنان دائما بلدا عدوا لذلك كانوا يسعون للحصول على أكبر كم من المعلومات ومنذ اللحظة التي بدأت فيها فكرة التدخل في لبنان تترسخ في أذهان العسكريين كان من الضروري الحصول على معلومات لذلك كان لابد من العمل للحصول عليها وفيما يتعلق ببيروت فأنا أعرف وقد أكد لي الإسرائيليون أنفسهم ذلك أنه كانت توجد ثلاث فرق كل منها مؤلف من شخصين وكانت مهمتها كل صباح وقبل أن يخرج الناس في سياراتهم إلى الشوارع أقصد عند طلوع الشمس وظهور الضوء كانت مهمتهم الطواف في الشوارع واحدا تلو الآخر بالترتيب وكانت لديهم في الشبك الأمامي للسيارة بين المصابيح الأمامية آلة تصوير تلتقط الصور بعد ذلك قاموا بالتصوير من الجو بالطائرات إذاً كانت لديهم صور من الجو وصور أرضية وبما أن البنايات كانت مرقمة في الصور الجوية والأرضية على السواء فقد أصبحت لديهم مخططات جوية وأرضية تساعدهم في تحديد البناء لضربه فكما تعلم أحيانا لا تظهر بعض التفاصيل في الصور الجوية وتحديدا صور المعابر وما إلى ذلك وقد تم كل ذلك خلال فترة امتدت لثلاث سنوات على ما أظن.

سامي كليب: من قِبَّل الإسرائيليين؟

آلان مينارغ: نعم من قِبَل الإسرائيليين عادة يتم جمع المعلومات العسكرية من قِبل العسكريين الإسرائيليين ولم تكتف المخابرات الإسرائيلية أو الموساد باختراق أنظمة الدفاع اللبنانية فقد كان ذلك سهلا جدا بل اخترقت السورية أيضا واليوم يعرف الإسرائيليون مثلا أي طائرة يتم تشغيلها في سوريا فقد اخترقوا تماما الأنظمة الإلكترونية للدفاعات السورية.

سامي كليب: كيف عرفت ذلك؟

آلان مينارغ: عن طريق أحد الأشخاص الذين شاركوا في ذلك.

سامي كليب: إسرائيلي؟

آلان مينارغ: نعم إسرائيلي.

سامي كليب: هكذا إذاً كانت إسرائيل تتجسس على لبنان ومن قلب بيروت وكانت قد اخترقت أيضا الأجهزة السورية إذا ما صحَّت المعلومات التي جمعها الكاتب والصحفي الفرنسي آلان مينارغ والذي أدخلني إلى مكتبه الذي تشهد الصور الكثيرة فيه على المغامرات الصحفية الخطيرة التي قادت آلان مينارغ إلى الكثير من دولنا العربية والعالم وقد دفعتني صورته مع العماد ميشيل عون الذي كان قد أُخرِج من لبنان إلى فرنسا بهجوم عسكري سوري لبناني عليه لسؤاله عما إذا كانت فرنسا شاءت آنذاك وصول ميشيل عون إلى رئاسة الجمهورية.

آلان مينارغ: كانت هناك في فرنسا مجموعات فكرت في مساعدته على القيام بشيء ما، على أي حال كان يتلقى المعدات العسكرية منذ عام 1957 لكن الحكومة في ذلك الوقت وضعت نهاية لذلك وقطعت المساعدات عنه تماما الشيء الوحيد الذي قبلت به فرنسا هو لعب دور إنساني والقبول بتقديم حمايتها له في السفارة، من الواجب وضع كل ذلك في إطار ميزان القوى السياسية الإقليمية في المنطقة وكان لسوريا وزن مهم وهو على الأخص وزن اقتصادي أكبر بكثير من ميشيل عون لكنه حصل على مساعدة إنسانية ولا أظن أنه حصل على مساعدة سياسية على الأقل خلال تلك الفترة.

سامي كليب: هل كان سهل عليك أن تقرأ أرشيف الاستخبارات الفرنسية؟

آلان مينارغ: لم أقرأ أرشيف الاستخبارات الفرنسية فهي تبقى سرية طوال ثلاثين عاما لكن من جهة أخرى كنت أعرف شخصيات تعمل في جهاز الاستخبارات الفرنسي كما أعرف شخصيات في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية واللبنانية والأميركية كانت موجودة على الساحة وكان الجميع قادرين على رؤيتها بالطبع لم يكونوا يحملون بطاقات تعريف بهم وكان بإمكان جميع الصحفيين مقابلتهم.

سامي كليب: آلان مينارغ الذي عرف كيف يُقنع كل هذه الأجهزة بفتح بعض ملفاتها له لديه اليوم معلومات أيضا حول الجهة التي وقفت خلف اغتيال السفير الفرنسي في لبنان لوي دولامار في خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

آلان مينارغ: انطلق لوي دولامار في برنامج طموح للغاية يتماشى تماما مع السياسة الفرنسية في ذلك الوقت وهي التقريب بين الطوائف اللبنانية أو التقريب بين الأخوة الأعداء اللبنانيين ولم يعجب ذلك السوريين فاغتالوه.

سامي كليب: كيف عرفت ذلك؟

آلان مينارغ: منذ مقتله ظهرت تفسيرات كثيرة ودعني أذكرك بأن مرتكبي جريمة اغتيال دولامار قد قتلا بدورهما على يد الاستخبارات الفرنسية في طرابلس بعد ذلك بعامين وتم التعرف عليهما وتمكنت الاستخبارات الفرنسية من معرفة قائدهما كل هذا هو الجزء الخفي من القصة لكن القصة معروفة وتم نشرها على كل حال.

سامي كليب: قلت في مؤتمر صحافي لك إنه الإسرائيليين حاولوا الضغط عليك حاولوا الحصول على بعض الوثائق التي تملكها وربما سرقوا لك بعض الوثائق حين ذهبت إلى إسرائيل ما الذي حصل؟

آلان مينارغ: هذا جزء من قواعد اللعبة أعتقد أن في هذه الأمور وفي مواضيع حساسة كهذه نجد مجموعة من الأشخاص يحاولون معرفة مدى المعلومات التي لديَّ وعلى الأخص نوعية الوثائق التي أمتلكها وقد قابلت الكثير من الأشخاص من العاملين في جهاز الموساد وقد قبلوا بلقائي فقط كي يعرفوا ما هي أسئلتي في البداية رفضوا إعطائي الإجابات لكنهم رغبوا في معرفة المعلومات التي لديَّ وجلسنا معا وتحاورنا في ذلك ومع الوقت بدؤوا يهتمون أكثر بما أقوم به ثم جاءني أشخاص وقدَّموا لي عرضا لشراء كتابي ومعه أرشيفي الكامل لكنني رفضت وبينت عدم اهتمامي بالعرض ولكني لم أتعرض لأي تهديدات مباشرة، كان لديَّ مفكرة عليها أرقام هواتف وأسماء أشخاص أعرفهم في إسرائيل وقد سُرِقت مني لكن كان هناك محفظة مليئة بالنقود إلى جانبها لم يلمسوها بل أخذوا أرقام الهواتف والأسماء لا أظن أنها ستفيدهم كثير فقط كانت أسماء لأشخاص إسرائيليين مع أرقام هواتفهم وكان باستطاعتهم العثور عليها في دليل الهاتف وكانت تلك نسخة واستطعت الحصول عليها مرة أخرى باختصار هذا جزء من قواعد اللعبة ولا أولي هذه الأمور الكثيرة من الاهتمام.

[تعليق صوتي]

سامي كليب: قد تكون كل المعلومات التي أوردها آلان مينارغ في كتابه صحيحة وقد يكون بعضها قد خضع للعبة التسريبات التي أتقنت إسرائيل تفاصيلها ولكن في الحالتين فإن هذا الكاتب والصحفي الفرنسي المغامر الذي اعتاد على المطبخ اللبناني حتى حين يكون في فرنسا سعى لمعرفة حقيقة تلك الحرب اللبنانية اللعينة ودور الأطراف الأخرى فيها بينما الكثير من كُتّابنا اللبنانيين والعرب يكتفون بتبادل الاتهامات.

آلان مينارغ: في لبنان عندما نرسم صورة من قطع البازل ننهي الصورة ويبقى لدينا قطع إضافية نستغرب ذلك فنفكك كل شيء ونعيد الكَرة فيبقى لدينا قطعا أكثر من المرة السابقة عندما حصلت على هذه الوثائق ملأت الفراغات وأكتمل كل شيء وهذا كان أمرا رائعا أن نستطيع أن نرى صورة مكتملة قدر الإمكان أن نقرأ قصة نرى فيها تطور الشخصيات وتطور نفسياتها وتفكيرها وعلى الأخص أن نتمكن من تفسير ما حدث.

[تعليق صوتي]

سامي كليب: بانتظار أن يُصدِر آلان مينارغ الجزء الثاني من كتابه حول أسرار الحرب اللبنانية فإن كتابه الأول هذا والذي ضمَّنه الكثير من الوثائق أحدث في لبنان ضجة كبيرة وأخاف مسؤولين كثيرين خصوصا من بين أولئك الذين انتقلوا من أحضان إسرائيل على حضن السلطة والقرار في لبنان وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة