يان إيغلاند.. اتفاقية أوسلو   
الاثنين 1429/2/12 هـ - الموافق 18/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:51 (مكة المكرمة)، 13:51 (غرينتش)

- دور النرويج في الاتفاقية
- فقدان وثائق محادثات أوسلو
- عن حزب الله وإسرائيل

دور النرويج في الاتفاقية

سمير شطارة
: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. طابت أوقاتكم بكل خير، أحييكم في هذه الحلقة من برنامج لقاء اليوم. ولقاؤنا اليوم مع السيد يان إيغلاند، نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في الأعوام من 2003 إلى 2006. يصفه البعض بأنه أحد أهم مائة رجل في وقته، ويصفه آخرون بأنه الضمير العالمي. ويرأس حالياً المعهد النرويجي لشؤون السياسة الخارجية وهي إحدى المؤسسات التي تحدد السياسة الخارجية للنرويج. أهلاً بك سيد يان إغلاند معنا اليوم. نبدأ معك من القضية القديمة المتجددة وهي اتفاقية أوسلو الشهيرة. كنتم أحد أهم الوسطاء الدوليين في تلك الاتفاقية. لكن وبعد مرور أكثر من 15 سنة عليها، بالطبع نالها الكثير من الانتقاد والاختلاف، بين مؤيد ومعارض، أين تجد بنود الاتفاقية الآن، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الراهن في الأراضي المحتلة؟ وباعتقادك الشخصي، هل ما زالت تلفظ أنفاسها؟

يان إيغلاند: اتفاقية أوسلو ماتت نهاية حقبة التسعينيات. عندما بدأت الاتفاقية وخُطّط لها، كانت اتفاقيةً جيدةً للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ولكن للأسف لم تُنجز بنودها ولم تكتمل الاتفاقية. يجب أن نتذكر أن اتفاقية أوسلو لم تكن اتفاقية سلامٍ جاهزة، وإنما كانت خطةً من أجل السلام، لعل أهمها أن يتولى الفلسطينيون تمثيل أنفسهم في أي اتفاقية سلام، وكذلك دعمهم اقتصادياً ومعنوياً. كما أنه تم تحقيق إنجازاتٍ مهمة، أهمها عودة عرفات لوطنه والاستقرار فيه، واستطاع أن يزاول عمله ويقود شعبه للمرة الأولى من الداخل، كخطوةٍ أولى في طريقه لعقد السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

سمير شطارة: وهل توافق الرأي بأن الاتفاقية ظلمت الجانب الفلسطيني؟ وأنها ناصرت الطرف القوي، المتمثّل بإسرائيل، ومارست الضغوط على الجانب الفلسطيني وهو الأضعف؟ وكيف ترى ذلك بصفتك أحد أهم شخصيات نرويجية هندست لتلك الاتفاقية؟

يان إيغلاند: دعني أوضح لك نقطةً هنا. في البداية، نحن في هذه الاتفاقية لم نكن وسطاء، نحن لم نقم بوضع هيكلية اتفاقية أوسلو ولكننا مهّدنا وللمرة الأولى في التاريخ موضعاً ومكاناً لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تجلس وتتحاور مع الإسرائيليين بشكلٍ مباشر. في اتفاقية أوسلو استطاع الطرفان أن يتفقا ويلتقيا على بعض النقاط. في اتفاقية أوسلو كذلك لم يتم التحدّث والتطرّق إلى شكل الدستور، واتخاذ القرارات النهائية لقيام الدولة أو القضايا الأكثر إثارة وهي القدس والمستوطنات ووضع اللاجئين والحدود النهائية للدولة. فالاتفاقية منحت الفلسطينيين الفرصة لإنجاز تلك النقاط التي أخبرتك عنها، وكانوا يسيرون في طريقهم إلى تحقيق سلامٍ صحيحٍ ومفيد لكلا الشعبين، ونبذ الإرهاب من كلا الجانبين. وهم فعلاً اتخذوا الخطوة الأولى من خلال العمل المشترك، وكان بإمكانهم أن يتوصلوا إلى نتيجةٍ نهائية لكلا الشعبين. ولكن بعد تعثّر استكمال بنود تلك الاتفاقية، تدهورت أوضاع الفلسطينيين وساءت إلى ما نراه الآن.

سمير شطارة: لنبق في هذه النقطة، لا سيما وأن باحثين نرويجيين اتهموا صراحةً الدور النرويجي. فمثلاً الباحثة النرويجية هيلدا هينريكسين قالت أن النرويج لم تكن تلعب دوراً حيادياً أثناء محادثات القناة السرية لاتفاقية أوسلو. وحتى يكون المشاهد معنا بتلك الأجواء، نرى الفريق النرويجي الذي هندس لتلك الاتفاقية، فهذا وزير خارجية النرويج الراحل يوهان هوست، وحضرتكم كنت تشغل وكيل وزارة الخارجية، وتيري رود لارسن الذي كان يترأس معهد فافو للسلام، وزوجته منى التي كانت مسؤولة ملف الشرق الأوسط بالخارجية آنذاك. هذا الفريق النرويجي كان عملياً فريق إنقاذ للمفاوضات وطاقم ضغط على الفلسطينيين. وفي كل مرة يتدخل الفريق النرويجي كان يقدّم أفكار الجانب الإسرائيلي وممارسة المزيد من الضغط، لإقناع الرئيس الراحل ياسر عرفات من أجل الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، دون النظر إلى ما سيلحق بالجانب الفلسطيني لصالح الجانب الإسرائيلي وهو الرابح الأكبر. هذا ليس كلامي بالطبع، ولكن هو كلام باحثين نرويجيين أنفسهم.

يان إيغلاند: أعتقد وبشكلٍ جازم أن النرويجيين كانوا محايدين من أجل الخروج باتفاقيةٍ تنصف الطرفين. لكنني أتفق معك بأن وزير خارجية النرويج الأسبق، هوست، حاول لعب دور الوسيط. وأذكر تلك الليلة المشهورة، حيث كان جالساً في إحدى القصور الملكية في السويد بصحبة وزير الخارجية الإسرائيلي بيريز الذي كان يزورها، حينها تم الاتصال بعرفات وقيادة منظمة التحرير في تونس وتم مناقشة بعض الأجزاء في الاتفاقية في تلك الليلة، التي نالتها بعض الانتقادات. كان لنا أملٌ كبير بمساعدة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير وذلك من أجل الوصول إلى حوارٍ مباشر، في الوقت الذي بقيت فيه إسرائيل ترفض الحوار مع المنظمة. كان هذا بحد ذاته انتصاراً للقضية الفلسطينية في وقتها، بأن تجلس إسرائيل مع منظمة التحرير. أنا أريد أن أثبت لك أنه لم يكن أحدٌ من العاملين في قناة أوسلو السرية منحازاً إلى أحد الطرفين الفلسطيني أو الإسرائيلي. لقد اتُهمت شخصياً في أكثر من مناسبة بأنني منحازٌ إلى الفلسطينيين على حساب الإسرائيليين، واتُهم غيري من الوفد النرويجي بالانحياز للإسرائيليين على حساب الفلسطينيين، وهذه الاتهامات كانت تعطينا صورة الطرف المحايد وليس الانحياز. فالأطراف المتحاورة كانوا متفقين والنتيجة التي حصلنا عليها عام 1993 كانت تعطينا صفة المحايدة.

سمير شطارة: لكن أطرافاً فلسطينيةً مناهضةً لاتفاقية أوسلو اتهمتكم شخصياً بالوقوف خلف إجبار الرئيس الراحل ياسر عرفات على التوقيع على بنود الاتفاقية، ما تعليقكم على مثل هذه الاتهامات؟

"
هناك أطراف قوّضت فكرة قيام الدولة الفلسطينية وأنهت الأحلام من أجل قيام شراكةٍ سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وساهمت في إيصال الشعبين إلى الوضع السيئ الآن
"
يان إيغلاند:
أنا شخصياً لم أجبر أحداً على أي شيء. فالنرويج دولة صغيرة، والنرويجيون ليسوا أكثر من الفلسطينيين في العالم، لا نمتلك أي قوةٍ أو خيارات للضغط على أي أحدٍ من أجل أن يوقّع على شيءٍ غير مقتنعٍ به. كل ما فعلناه هو أننا استخدمنا وقتاً كبيراً وبذلنا جهوداً جبارة وحثيثة من أجل جلب منظمة التحرير الفلسطينية لتجلس بشكل مباشر وتحاور إسرائيل. عملنا المستحيل من أجل الوصول إلى أن يجلس العدوّان على نفس الطاولة، ليتحاورا ويتناقشا ويتوصلا إلى حلٍّ سلمي يعود بالنفع على الشعبين. لكن في الحقيقة، الشي المؤلم أن مستقبل السلام واستحقاقات حقوق الإنسان وقيام الدولة من أجل الفلسطينيين أصبح ممزقاً وهباءاً وذلك بسبب الإرهاب من كلا الجانبين. على الصعيد الشخصي، أرى أن هناك أطرافاً قوّضت فكرة قيام الدولة الفلسطينية وأنهت الأحلام من أجل قيام شراكةٍ سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وساهمت في إيصال الشعبين إلى الوضع السيء الآن، لو قارناه بالوضع إبّان وبعد اتفاقية أوسلو. الشعب الفلسطيني والإسرائيلي يعيشان بقرب بعضهما وملتزمان ببقعةٍ واحدة جغرافية، ومتقاربان على صعيد الثقافة والحضارة، يجب عليهم أن يتعلموا كيف يعيشوا بسلامٍ وأمانٍ كجيران. خذ مثلاً، نحن النرويجيين والسويديين كجيران الآن نعيش بسلامٍ وأمان بعد قتالٍ دام بيننا لأكثر من ألف سنة. وهذا ما يجب أن يحدث في يومٍ من الأيام في منطقة الشرق الأوسط.

سمير شطارة: لنكن أكثر وضوحاً سيد إينغلند، في الدور النرويجي الذي وصفه البعض بأنه غير نزيه، وذلك بالنظر للمكاسب والمكافآت التي حصل عليها الفريق النرويجي فيما بعد، فقد ذهب البعض إلى اتهام مهندس اتفاقية أوسلو تيري رود لارسن، الذي احتل مناصب كبرى في الأمم المتحدة وكان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة عام 2006 للبنان وسورية التي امتنعت عن استقباله. وكان لارسن هو أول مبعوث دولي على مستوى عالٍ يُتاح له الدخول إلى مخيم جنين، وقد قال آنذاك أنه لا يتهم إسرائيل باتهام مذابح. كل العالم كان يرى المذابح ولارسن لا يهتم. يتهمه البعض بأنه إسرائيلي الهوى، وعرّاب السياسة الإسرائيلية في المحافل الدولية، وأنه أحد مخططي الشرق الأوسط الجديد، وراسم الخط الأزرق. ولذلك كُوفئ الرجل وزوجته عن دورهما بمناصب دولية وما زالا. كيف ترد على ذلك؟

يان إيغلاند: أنا لا أتذكر ماذا قال في وقتها. ولكن أعتقد العكس، فقد انتقد بشدة إسرائيل أثناء هجومها على جنين. وأظن أن السيد تيري رود لارسن، أكثر الأشخاص الذين يمكن لهم شرح وجهة نظره أو الإجابة عن أي استفسار، فأنا أجيب عن نفسي. ولكن ما أعرفه أن لارسن هو أول من حصل على منصب منسقٍ عام في الأمم المتحدة للشرق الأوسط بسبب علاقته الفريدة والمتنوعة في جميع المخيمات وتمكنه من التعامل مع الأطياف الفلسطينية. كما أنه عمل بشكلٍ قريبٍ جداً ومتكاتف مع عرفات وقيادات منظمة التحرير الفلسطينية والقيادات الإسرائيلية أيضاً ومع جميع دول الجوار. عمل بشكلٍ مكثّف مع جميع الأطراف وتم انتقاده من الإسرائيليين وأيضاً من قبل بعض الدول مثل سورية. ثق أنه صعبٌ جداً أن تعمل ممثلاً أو مندوباً للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، وكل من جاؤوا بعده عاشوا نفس الموقف والشعور.


فقدان وثائق محادثات أوسلو

سمير شطارة: شغلت اتفاقية أوسلو الباحثين النرويجيين بقدر ما شغلت الرأي العام العربي. ولم يكد يهدأ الجدل حولها حتى أثارته الباحثة النرويجية هينريكسين بعدما أكدت فقدان أو اختفاء وثائق القناة السرية لمحادثات أوسلو. ألا تعتبر أن اختفاء وثائق القناة السرية مسمارٌ جديد في نعش اتفاقية أوسلو؟

يان إيغلاند: كل محادثات أوسلو كانت سرية، لم يكن أيٌّ من الوثائق كُتبت في وقتها. والوثائق الموجودة هي ما كتبه المتحاورون أنفسهم من كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتم التوقيع على بنودها فيما بعد. النرويجيون لم يكتبوا أي شيء في محادثات القناة السرية. أما بخصوص الوثائق التي تم الاتفاق عليها من قِبل الجانبين، أو ما تُسمى مسودّة اتفاقية أوسلو، موجودةٌ في وزارة الخارجية النرويجية، أنا عندي نسخةٌ منها، والعديد عنده نسخةٌ منها. ولقد قمت بتسليم جميع ما عندي إلى الخارجية النرويجية، أما الأطراف الذين يملكون بعض الوثائق ولم يسلموها فيجب عليهم أن يقوموا بتسليمها للخارجية.

سمير شطارة: لكن السؤال المحيّر، أين ذهبت تلك الوثائق؟ وكيف تختفي من أرشيف الخارجية النرويجية؟ في الوقت الذي اقتبس الصحفي النرويجي أودفايت من تلك الوثائق لأكثر من 200 مرة في كتابه الحرب والدبلوماسية. يعني وثائق القناة السرية لأكبر اتفاقية تشهدها القضية الفلسطينية تختفي هكذا، وما هو موجود يعود لأرشيف خاص لشخصياتٍ نرويجية أشرفت على تلك الاتفاقية. ألا يجب أن تكون هذه الوثائق في أرشيف وزارة الخارجية النرويجية؟ أو على الأقل المؤسسات التي أشرفت على الاتفاقية؟

"
على الفلسطينيين والإسرائيليين تسليم الوثائق الموجودة لديهم إلى الباحثين كي يتم توثيقها للتاريخ
"
يان إيغلاند:
كما قلت لكن الآن، وثائق محادثات القناة السرية والتي تخص الجانب النرويجي يجب أن تُسلّم إلى وزارة الخارجية النرويجية. وإذا ما زال البعض يمتلك جزءاً من هذه الأوراق أو الوثائق يجب عليه أن يقوموا بتسليمها للخارجية كما فعلت أنا. أما الوثائق التي توجد بحوزة كلٍّ من الجانبين المتحاورين وهما الفلسطينيين والإسرائيليين فهي عندهما وملكهما، وعليهما أن يسلّما ما لديهما من وثائق إلى الباحثين كي يتم توثيقها للتاريخ، فنحن لم نكن وسطاء ولكن كنا جهةً قامت بدعوة الأطراف للحوار. في الحقيقة ليس لدي معرفةٌ كافية بما يمتكله الصحفي أودفايت ومن أين حصل عليها. كل ما أنا متيقنٌ منه، أن الوثائق القليلة التي كانت بحوزتي وهي عبارة عن محاضرة لبعض الجلسات قمت بتسليمها للخارجية.

سمير شطارة: هذا الحديث يجرنا إلى الاتهام الذي ألقاه بعض الباحثين النرويجيين للقائمين على الاتفاقية، أقصد من الجانب النرويجي. فمثلاً جاء في هذا الكتاب، (السلام في عصرنا) للباحثة آرنا أوروم، أن الأطراف النرويجية الرئيسية لها مصلحة في اختفاء تلك الوثائق، وذلك لاختفاء دورهم في مثل هذه الاتفاقية. ثم يضيف أن المسألة لا تتعلق فقط بشرف القائمين على الاتفاقية مثل هوست ورود لارسن، بل لأن محتوى هذه الوثائق المختفية سيضع تحت الشك والتساؤل سياسة النرويج في هذا السلام المزعوم؟

يان إيغلاند: أعتقد أنه إذا حدث سلامٌ في العالم فإنه لن يأتي من خلال الحشود العسكرية، أو قوة الآلة العسكرية الإسرائيلية أو بإغلاق المعابر أو باحتلال الأراضي الفلسطينية. هذا كله لن يأتي بالسلام، فالإرهاب لا يجلب السلام ولن يفرّخ إلا مزيداً من الإرهاب. لقد حققت اتفاقية أوسلو نجاحاتٍ كثيرة، فقد استطاع الفلسطينيون للمرة الأولى أن يجلسوا مع عدوهم على طاولة المفاوضات وأن تنجح منظمة التحرير الفلسطينية بأن تنتزع اعتراف إسرائيل بشرعيتها وتمثيلها للشعب الفلسطيني. أما بخصوص وثائق محادثات القناة السرية فقد أكدت لك بأنني لم أكتب شيئاً باستثناء ما ذكرته من قبل، وقد قمت بتسليمها للوزارة، وأما ما بحوزة الباقين فلا أعرف مصيرها. لقد نقلت تجربتي كاملةً وبالتفصيل حول اتفاقية أوسلو في كتابي الذي سيُطرح باللغة الإنجليزية وآمل أن تلحقها نسخةٌ عربية في مارس القادم. وسردت كيف قمنا بجمع الأطراف المختلفة إلى الحوار، ورصد مقدار الخطورة في مثل هكذا اتفاقيات وما هي الآمال المرتقبة منها. معظم الشعب الفلسطيني، تقريباً، رحّب بالاتفاقية كما رحّب بأن يقود الفلسطينيون أنفسُهم مفاوضاتهم بشكلٍ مباشر. هذه الحقائق مهدت الأجواء للأطفال الفلسطينيين للمرة الأولى في تاريخم بأنهم يتعلموا في ظروفٍ صحية، يشرف على منهج التعليم بالكامل الجانب الفلسطيني وهو المسؤول عن كل شيءٍ في السلك التعليمي. ولكن الاتفاقية لم تنجح للأسف. لقد حاولنا أن نحصل على سلامٍ محايد يضمن حقوق الطرفين في قناة حوار، وهذا ما كتبه الفلسطينيون والإسرائيليون في كتبهم بعدها.

سمير شطارة: نبقى في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، لكن بعد فاصل. مشاهدينا الكرام وقفةٌ قصيرة نستأنف بعدها الحوار مع السيد يان إينغلند أحد مهندسي اتفاق أوسلو ونائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة، فابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

عن حزب الله وإسرائيل

سمير شطارة: أهلاً بكم مجدداً مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من برنامج لقاء اليوم. في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، كنت مبعوث الأمين العام السابق للأمم المتحدة للبنان وإسرائيل، وقد أصابك الهول من الدمار الذي لحق ببعض المناطق في لبنان، ولكن وصفك بأن ما حدث فظيع، حرمك من إكمال مشوارك لإسرائيل التي تذرّعت في حينها ببعض الأعذار. فما تعليقكم؟

يان إيغلاند: فعلاً كنت أول مبعوثٍ دوليّ يصل إلى بيروت وسط أمطار القنابل الإسرائيلية على لبنان. كنت أرغب بالوقوف على حقيقة ما يحدث هناك، ورؤية كل شيءٍ بعيني وهو ما دفعني للسفر إلى جنوب لبنان. كان المنظر فظيعاً، وما حدث أنه بعد ساعتين من القصف الإسرائيلي على المنطقة، أظنه كان الأقوى والأشد في حرب لبنان، قلت متفاجئاً من هول ما رأيت إن ما قامت به الآلة العسكرية الإسرائيلية هو خرقٌ لكل القوانين الدولية وانتهاكٌ لحقوق الإنسان، وإن ما فعلته إسرائيل من استهدافٍ للمدنيين وأماكن سكنية مدنية، يُعتبر تجاوزاً لحقوق الإنسان. وهذا ما عبّر عنه المجتمع الدولي في انطباعه بما رآه عبر شاشات التلفزة. وعرفت فيما بعد من خلال الصحافة الإسرائيلية أنه تم إلغاء اجتماعي الذي كان مقرراً أن يحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. لقد كانت ردّة الفعل الإسرائيلية سلبية حيال ما صرّحت به في لبنان، وأنا كذلك انتقدت حزب الله بقصفه مناطق مدنية في إسرائيل. برأيي أن كلا الطرفين ارتكب أخطاءاً جسيمة في وقتها.

سمير شطارة: لكنك في رسالتك للمؤتمر الدولي في روما في 26، يوليو لعام 2006 اتهمتم بكل صراحة حزب الله بأنه البادئ بالحرب لاختطافه الجنديين الإسرائيليين، لكنك وقفت صامتاً أمام التجاوزات الإسرائيلية حيال المدنيين باستثناء الكلمة اليتيمة التي وصفت بها الدمار. لماذا هذا الوضوح الصريح في انتقاد موقف حزب الله، والانتقاد الخجل، إن وُجد، إزاء الاعتداءات الإسرائيلية؟

يان إيغلاند: على العكس تماماً من ذلك. فقد كنت شديد الانتقاد وطوال فترة رحلتي للمنطقة ضد إسرائيل، خاصةً إمطارها القنابل على مناطق عدة في لبنان، ووصفت ذلك بأنه خرقٌ لكافة مواثيق حقوق الإنسان. والحرب برمّتها لم تكن متكافئة، وبالتالي استخدام مثل هذه الكمية كان مبالغاً، وهذا ما أعربت عنه بكل وضوح لوسائل الإعلام، كما نقلته بصورة مباشرة للحكومة الإسرائيلية. لكنني وصفت ما قام به حزب الله بأنه ضربٌ من الجنون، فعندما يبدأ بقصف المناطق السكنية في شمال إسرائيل ويجعل المدنيين هدفاً عسكرياً، إنه خرقٌ لحقوق الإنسان، ولا أظن أنه كان تصرفاً ذكياً من حزب الله عندما قام باختطاف الجنديين الإسرائيليين.

سمير شطارة: لكنك في نفس الخطاب أيضاً اتهمت حزب الله بأنه يستهدف التجمعات السكنية في إسرائيل، فماذا تصف القصف الإسرائيلي على المناطق السكنية في لبنان، ضحايا بالجملة من الأعمار والأجناس، ولقد عاينتَ ذلك بنفسك، وعلى سبيل المثال قانا؟

يان إيغلاند: نعم، أسميتها بالمجزرة كما أطلقت على قانا الأولى بالمجزرة في وقتها، وهذا ما أثار غضب شمعون بيريز بعدما وصفتها بالمجزرة، وهذا ما وثّقه الصحفي أودفايت في كتابه. وباعتقادي أن استهداف مكانٍ يتبع للأمم المتحدة ويختبئ فيه مدنيون ويذهب ضحايا مدنيون نتيجةً لذلك القصف، لا يمكن وصفه بأقل من مجزرة. بعد الفترة التي عملتها في منطقة الشرق الأوسط أجد أفضل نصيحةٍ أقدّمها لتلك الشعوب، هي أن يفيقوا من سباتهم ويفهموا أنهم لا يعيشون في العصور الحجرية القديمة. فعندما يهاجم الطرف الإسرائيلي ويرتكب أعمالاً فظيعة يقوم الطرف الآخر بمهاجمة المدنيين الإسرائيليين، أظن أن الهجوم على المدنيين من كلا الطرفين جنون. فإسرائيل ردّت بأشرس وأقوى، وبشكلٍ خرافي على لبنان. لا تنسى أن إسرائيل أحد أقوى دول العالم عسكرياً، واستخدمت كل قوتها العسكرية في جنوب لبنان، وكذلك استخدمتها في حربها الأخيرة في غزة، وهذا أدى إلى إلحاق الأذى بالمدنيين وقتل الأطفال الأبرياء دون ذنب. أنا شخصياً كنت بحيفا أثناء سقوط صواريخ حزب الله، ورأيت كيف أن الشظايا المتطايرة من تلك الصواريخ تصيب مدنيين، فالشظايا أصابت أهدافاً مدنية ولم تصب أهدافاً عسكرية. أكثر ما يغذّي العنف والتطرف ويورّثه للأجيال جيلاً بعد جيل، هو استمرار القتال والهجمات المتبادلة، هذا الأسلوب قديمٌ وعاف عليه الزمن، وهو للأسف ما زال من الوسائل المنتشرة في الشرق الأوسط، يجب أن تنتهي ويبدؤوا في بناء المستقبل بطرقٍ سلمية.

سمير شطارة: عملتم في الصليب الأحمر النرويجي ومنظمة الأمنيستي الدولية، وعندما زرت غزة العام الفائت لتقييم الوضع بعد الاجتياح الإسرائيلي لها، أعربتم عن اندهاشكم من استهداف البنية التحتية الفلسطينية. فكيف ترى الوضع الراهن في غزة، سيما بعد الحصار؟ وما الدور المفترض أن تلعبه الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي لإنقاذ نحو مليونين من البشر هناك؟

يان إيغلاند: دعني أقول لك بأن ما يحدث في غزة هي فضيحةٌ دولية. فضيحةٌ دولية لأننا سمحنا بما يحدث في غزة، وأظن أن أسوأ وضعٍ في كل الشرق الأوسط هو وضع غزة على كافة الأصعدة وبعدها سوءاً سقوط الأبرياء في العراق. يعيش في غزة نحو مليوني مواطن في منطقةٍ جغرافيةٍ صغيرة جداً، تصغر بكثير مساحة النرويج. فلو أردنا قياس الأمر، فإن هذا المكان كان من الممكن أن يعيش فيه 50 ألف نرويجي فقط، في الوقت الذي يعيش فيه قرابة المليونين من الفلسطينين نصفهم من الشباب والأطفال. وفوق ذلك فإن إسرائيل شدّدت من خناقهم وأقفلت عليهم المنفذ الصغير الذي يعتاش منه هؤلاء الناس، وقامت بقذف المفتاح بعيداً لتقضي على أمل الشباب وتعاقب الكبار. وهذه الحالة من الضيق والحصار دفعت بالشباب، بدلاً من أن يذهبوا للتعليم والحياة المدنية وتطوير ذواتهم إلى الجنوح بعيداً إلى التطرف. ذهبوا إلى زعزعة أمن إسرائيل يبحثون بكل الوسائل لإيجاد فرصةٍ ثمينة لتأمين مستقبلهم، ولكن دون جدوى في ظل هذا الوضع الراهن في غزة. لا أحد يرغب بأن يتعامل مع المتطرفين، ولذلك سنكون في دائرةٍ مغلقة. فإسرائيل تقوم بتدمير مستقبلها بيدها، كما أن الفلسطينيين يرفضون العمل بشكلٍ مشترك فيما بينهم، وهو ما نتج عنه الصراع الأخير في غزة. ووفقاً لهذه الاختلافات فلا يمكن أن يكونوا طرفاً واحداً من أجل الحوار. أعتقد أن الخطأ التاريخي الكبير الذي وقع فيه الفلسطينيون كان هو عدم استغلال السنين الأولى من توقيع اتفاقية أوسلو، عندما كان عرفات يمتلك زمام الأمور، وكان بمقدوره أن تكون اتفاقية سلام وشراكة ومجاورة في هذه المنطقة الصعبة والمعقدة. أما الآن فيجب أن نمارس الضغط على إسرائيل للحيلولة دون تردّي الأوضاع في غزة. عندما نتكلم اليوم عن أوضاع غزة، إنها فعلاً فضيحةٌ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. فضيحةٌ دوليةٌ كبرى عندما نترك حكومةٌ تلعب بمصير شعبٍ آخر يصل تعداده إلى قرابه مليوني نسمة، حدوده مغلقة والأوضاع المعيشية والنفسية متردّية، وهذا بدوره سيخلق قنبلةً موقوتة من شعبٍ يعتصر الألم والغضب في بقعةٍ جغرافيةٍ صغيرة، على المجتمع الدولي أن يسرع في حلّها وتداركها قبل فوات الأوان. في اعتقادي الشخصي، أنه إذا ما بقيت إسرائيل على سياستها إزاء غزة، فسوف تعرّض مستقبلها للخطر، وأنها ستخسر المزيد من أجيالها القادمة نتيجةً لما تقوم به الآن.

سمير شطارة: شكراً لك سيد يان إينغلند أحد مهندسي اتفاقية أوسلو، ورئيس المعهد النرويجي للسياسة الخارجية. والشكر موصولٌ لكم مشاهدينا الكرام. وحتى نلتقي في حلقةٍ جديدة من برنامج لقاء اليوم، هذه تحية من طاقم الجزيرة في أوسلو والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة