ملف الاستيطان الفرنسي للجزائر   
الثلاثاء 1432/11/22 هـ - الموافق 18/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:58 (مكة المكرمة)، 11:58 (غرينتش)

- نزع الهوية وآفة التبعية للمستعمر الفرنسي
- الاتجاه الثوري الجزائري لمقاومة الاستيطان

- التحضير لثورة شاملة في الجزائر

- منظمة الجيش السري والأقدام السوداء

 
لحسن زغندي
موريس فايس
الأخضر بورقيبة
جاك ميار
بيار هنري بابالاردو

إسماعيل معراف/ محلل سياسي: الصورة لن تنمحي، صحيح أن الاستيطان الفرنسي خرج وفيه مدة طويلة وربما كثير من الأجيال لم تعيش و لم تعرف مرارة ما قاساه الجزائريون من استيطان و استعمار، الجزائري يمكن أن ينسى طبيعته هكذا التعذيب والقتل والمحرقات وليست محرقة واحدة كان يقوم بها الاستيطان.

[لقطات من مجازر 8 مايو 1945 بشرق الجزائر]

تعليق صوتي: الفرنسيون احتلوا الجزائر في عام 1830 وتصدوا لكل المقاومات الشعبية المختلفة للجزائريين، استقدموا إنسانا أوروبيا جديدا ووطنوه عنوة فوق ارض مغتصبة، وشيدوا له عمرانا مميزا يحاكي الطابع العمراني الأوروبي المهيأ للعيش ورغد الحياة، وها نحن في العام 1930 وقد مر على الاحتلال الفرنسيين للجزائر 100 عام، تقيم فرنسا احتفائية مشهودة، تؤكد فيها للعالم نجاحها في نزع الجزائر من أهلها الأصليين وإلحاقها بفرنسا الأم، ويصبح البلد الجديد إذن الجزائر الفرنسية Algérie française.

نزع الهوية وآفة التبعية للمستعمر الفرنسي

لحسن زغندي/ باحث في التاريخ الجزائري: هنا أرادت منه فرنسا أن تجعل منه وقفة عالمية، أولا لكسب ود من حسدوها ونافسوها على احتلالها للجزائر ثم لاستظهار بمظهر البلد الأقوى على مستوى أوروبا الذي استطاع أن يعيد لأوروبا شرفها وينتقم من العالم بأخذ أو اقتطاع أهم دولة في الإمبراطورية العثمانية الإسلامية التي كانت تسيطر على أطراف العالم مشرقا ومغربا ومنها عمق القارة الأوروبية نفسها، إذن هذه الدولة ها هي اليوم في يد فرنسا بل أصبحت مستعمرة فرنسية بل أصبحت مستعمرة اوروبية بعلم فرنسي.

أبو القاسم سعد الله/ مختص في الحركة الوطنية الجزائرية: كان الاحتفال في عام 1930 يعتبر تحديا للمشاعر الوطنية والإسلامية والعربية ولذلك في عدد من المرات في نظر الحركة الوطنية أن هذا ليس احتفالا بل هو عبارة على بداية الانهيار، بداية سوء فهم فرنسا للحركة الوطنية الجزائرية، و يؤرخون لبداية ردود الفعل العنيفة والمنظمة والتي كانت تستهدف رسالة الاستعمار يؤرخون لها من عام 1930.

لحسن زغندي: أخذت هذه الاحتفاليات طابعا استفزازيا وطابعا باعثا للحسرة وللتأسف وللأسى بالنسبة للأصيل، هنا نلاحظ ماذا؟ نلاحظ أن الدخيل استطاع خلال هذه الفترة بموجب قوانين جائرة، وبموجب أعمال لا إنسانية إبادية لماذا؟ لأنه أراد أن يصنع انقلاب في التوازن الديمغرافي وذلك عن طريق التغلب العددي بالنسبة للسكان، و هي قاعدة استمدتها معظم الدول الاستعمارية على الشعوب التي خضعت لمثل هذا الاستيطان، ولك النماذج في الأراضي المحتلة الفلسطينية وفي جنوب إفريقيا وفي غيرها، أن الدخيل دائما يسعى إلى الحضور النسبي في الجانب العددي المتقارب وذلك عن طريق إبادة الأصيل والعمل على تجهيزه وطرده ثم عزله ثم تحويله من شخص حر الذي له النزعة الحرية ونزعة الأنا إلى شخص تمحى فيه الأنا.

موريس فايس/ مؤرخ للحركة الديغولية: عندما أحيت فرنسا مئوية الحضور الفرنسي في الجزائر مباشرة بعد ذلك بسنة أي في سنة 1931، فإن التوسع الاستعماري بلغ أوجه في تلك الفترة، الأمر هنا لا يخص فرنسا وحدها، فانه بالمقابل نجد أن بريطانيا وهولندا ودولا أخرى تفكر في هذه الفترة في عمليات استعمارية كما حدث مع ايطاليا، حربا ضد إثيوبيا بين عامي 1935-1936 لاحتلال أثيوبيا، إذن ليس بمقدورنا إعادة التاريخ وتأنيب هذا أو ذاك.

أبو القاسم سعد الله: هم يدعون هكذا في أذهانهم أن الجزائر كانت خرابا، كانت الجزائر تقليدية عربية إسلامية قديمة، وفرنسا هي التي جعلت منها جزائر المعاصرة بمبانيها بطرقها بمؤسساتها إلى آخره.

لحسن زغندي: ولذلك في الاحتفال ليس بالجزائر الفرنسية فقط، وإنما الاحتفال بما أذرته هذه المستعمرة الجديدة القديمة بعد قرن من نتيجة لأنه هنا تقديم حوصلة، تقديم نتيجة 100 سنة، ماذا قدمت فرنسا لأوروبا؟ ماذا قدمت فرنسا للمجتمع المسيحي؟ ماذا فعلت فرنسا بالجزائر؟ هل استطاعت أن تجعل من هذه الأرض شبيهة لما هو في أوروبا من حضارة ومن تمدن؟ هل الإنسان الأوروبي الذي جيء به واستوطن بهذه الأرض أصبح يماثل نظيره هناك في أوروبا؟ هل أصبح يتملك؟ هل امتدت نفوذه وامتدت رسالته إلى عمق القارة الإفريقية؟ نعم، نعم.

بوعزة بوضرساية/ باحث في التاريخ المعاصر: ولكي تأخذ الطابع العام نجد أنه الذي أشرف شخصيا غلى هذه الاحتفالية أو هذه المئوية، هو رئيس الجمهورية الفرنسي آنذاك طبعا الذي هو غاسون دوميرك وفي افتتاحه لهذه الذكرى قال بالحرف الواحد: " الهدف من هذه الاحتفالات هو إبراز نجاعة وسائل الاستيطان" تتبع جيدا، لم يركز على شيء آخر، بدأ بالاستيطان قال: " الهدف من هذه الاحتفالات هو إبراز نجاعة وسائل الاستيطان في الجزائر" دون البحث عن مقارنات مع شعوب متطورة أخرى وهنا يقصد بريطانيا.

تعليق صوتي: منذ البدايات الأولى للاحتلال تعهد المحتلون الجدد بتطبيق فلسفة استيطانية سريعة وعميقة، مؤداها استبدال المالك الأصلي للأرض بتملك أوروبي جديد جاءوا به من شتات أوروبا ، كما عملوا على تكريس وعي أوروبي في مخيال الشعب برمته بدءا من اللسان والجنسية والثقافة والدين، وهكذا وجد الجزائريون أنفسهم أمام قوة سيل جارف هدفها اقتلاع جذورهم من الأصل.

أبو القاسم سعد الله: يجب أن نعرف أن المستوطنين الذين نقول عنهم فرنسيين هم مستوطنون أوروبيون ، لأن المستوطنون كانوا يتكونون من أصول أوروبية مختلفة وليسوا كلهم فرنسيين وإنما أخذوا الجنسية الفرنسية، نعم، كل من أوروبي ايطالي، مالطي، اسباني، ألماني، سويسري، كلهم يعني شاركوا في الاستيطان منذ البداية، عندما كانت فرنسا تطلب رسميا، وتوزع مناشير عن طريق قناصلها وسفرائها في أوروبا الغربية، وتطلب من الأوروبيين أن يهاجروا إلى الجزائر بدلا من أن يهاجروا إلى الولايات المتحدة الأميركية أو كندا، لأن الجزائر أقرب ولأن هواء الجزائر ألطف وأجمل، ولأن فرص العمل فيها متاحة أكثر وغيرها ذلك من الترغيبات.

لحسن زغندي: والأهم من ذلك هو فتح البنوك والشركات مكنت المستوطنين من بناء المستوطنات الشبيهة بأوروبا من استغلال الأراضي التي يحتاجونها للزراعة الاستراتيجية التجارية التي تحتاجها أوروبا هناك من صناعة خمور، من زراعة حبوب، من زراعة محاصيل متعددة، من تربية حيوانات وما إلى ذلك.

أبو القاسم سعد الله: أصبحوا يعاملون الجزائريون معاملة الخدم أو معاملة حيث أسموهم هالي بين قوسين كما كانوا يعاملون الهنود الحمر أو سكان استراليا أو ناسخين يعني أصبحوا غرباء في بلادهم ، أصبح هؤلاء المستوطنون يطالبون بأن تطبق عليهم نفس الحقوق ونفس الامتيازات التي للفرنسيين في فرنسا.

لحسن زغندي: ولهذا سنلاحظ أن الجنسيات تعددت للوصول إلى حوالي المليون مستوطن قبل الدخول في الثورة التحريرية التي جاءت بالاستقلال استولوا على مليون وستمائة وثمان وأربعين ألف وستمائة وسبعة وسبعين هكتار يقابلهم حوالي 10 مليون جزائري يعني تسعة ملايين وكذا وكسر جزائري، إذن كانوا يشكلون العشر، العشر يستحوذ على 90 بالمئة من الأراضي الخصبة للجزائر، أصبح المستوطنون أو الجيل الرابع يتمتع بشخصية مميزة، باستقلالية مالية، باستقلالية نيابية، أصبحوا يسيطرون على السياسة والقرار في باريس نفسها، أصبحت هنا لهم صحافتهم الخاصة ولهم عملتهم الخاصة ولهم ثقافتهم الخاصة ولهم امتيازاتهم الخاصة، ولهم حكمهم الخاص ولهم تدبيرهم الخاص، هنا تفطن الجزائريون وجدوا أن أركان Algérie française أو الجزائر الفرنسية قد توطدت بالقانون وبالمؤسسات الميدانية.

أبو القاسم سعد الله: أصبح هناك مجتمعان كما لاحظ بعض كتابهم في ذلك الوقت، مجتمعان المجتمع الأهلي المسحوق والمجتمع الأوروبي المكون من هذه الطوائف المختلفة والذي أصبح يدعى فرنسي، خطر ببالهم أيضا فكرة الانفصال فكرة تكوين دولة عن فرنسا يعنى منفصلة عن فرنسا وقد حدث هذا في أيام الأزمات بين الدول الأوروبية نفسها.

الاتجاه الثوري الجزائري لمقاومة الاستيطان

تعليق صوتي: لم يشعر الجزائريون بخطر ماحق ومدمر في تاريخهم كهذه المرة، فأمام واقع استيطاني غير خارطة الأرض والإنسان وجدت النخبة القليلة من الجزائريين نفسها أمام ضرورة ملحة وعاجلة لمجابهة الوضع، فالخطوة الأولى إذن تبدأ من استدراك سريع لبناء وعي وطني وفكر تحرري مستقل ينهض بمهمة دحر الاستيطان.

لحسن زغيدي: من هنا بدأت النخبة الجزائرية المتغيرة مباشرة في سنة 1981 تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كرد ايجابي سريع من طرف الشعب الجزائري من طرف النخبة الأصيلة الجزائرية على أن تقول أن الجنسية الجزائرية لم تمت إن الإنسان الجزائري لم يمت إن الثقافة الجزائرية لم تمت ولذلك رفعت ثلاثية الشعار الجزائر وطننا اﻹسلام ديننا والعربية لغتنا، وهي أسلحة فتاكة كان أخشى ما يخشاها الاحتلال.

أبو القاسم سعد الله: جمعية العلماء قبل أن تؤسس كانت حركة إصلاحية ، كانت حركة إصلاحية دعا إليها ابن بديس وغيره ولكن ابن بديس هو الذي برمج للحركة اﻹصلاحية، فبدأها مثلا بالتعليم ثم بدأها بالصحافة ثم بدأها بإنشاء مطبعة ثم بدأها بإنشاء نوادي بخطاب الشباب معين بجولات في القطر الجزائري ويبشر بفكرته وهكذا ويتصل بكل النخب وبكل الطرق الصوفية ويعني بأعيان البلاد كلهم.

لحسن زغيدر: لأن ابن باديس وجماعته رأوا أنه الهدف لا يمكن أن يتحقق في جيلهم ولذلك لا بد من العمل على تحضير جيل مستقبلي الذي يأخذ على عاتقه تحرير الوطن.

علي تابليت/ باحث في التاريخ المعاصر: جمعية العلماء للمسلمين الجزائريين هي التي غذت الروح الوطنية والحفاظ على الهوية الجزائرية واللغة العربية والدين الإسلامي في الجزائر.

تعليق صوتي: في أول محاولة لرفض الوجود الاستيطاني الفرنسي في الجزائر أسس العمال الجزائريون المهاجرون في فرنسا في العام 1926 أول حزب سياسي أطلقوا عليه نجم شمالي أفريقيا ليعبد الطريق أمام بروز حزب الشعب الجزائري لاحقا في العام 1937 بزعامة مصالي الحاج ويصبح هذا الحزب منظمة سياسية قوية وحركة وطنية قوية عرفت بقوة التنظيم والانتشار في كل التراب الجزائري.

لحسن زغيدر: هنا أيضا النجم الذي كان في حالة حل بموجب قرار من المحكمة استعاد نفسه سنة 1933 وأعاد تسمية بنجم الشمال الأفريقي المضيء وبدأ عن طريق صحافته وعن طرق خلاياه يكشف يعنى كل هذا، هنا بدأت بذور ما يسمى فيما بعد أو ما سنراه فيما بعد بجيل نوفمبر المجيد.

علي تابليت: وهذه الأحزاب طبعا لم تأت من لا شيء وإنما وقع الاحتكاك، احتكاك الجزائريين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى بين الأوروبيين وخاصة الفرنسيين مثل مصالي الحاج وبعد إنشاء نجم شمال أفريقيا ثم أيضا ظهور حزب الشعبي الجزائري وما ترتب عن هذا الحزب في الثلاثينيات والمؤتمر الإسلامي في الـ 1936 وغيره.

لحسن زغيدر: إذا كانت جمعية العلماء تعتمد على التكوين فقط فنجم شمال أفريقيا كان يعتمد على التكوين والإلزام أي تكوين الفرد ثم إلزامه بتطبيق ما تكون فيه وما تعلمه، أي تكوينه وطنيا تعريفه برسالته التي يجب أن يطلع بها ثم يلزم كمحب كمتعاطف كمناضل على أن يعمل بتجسيد تلك المبادئ وهكذا انتشر مناضلو النجم ثم من بعده حزب الشعب الجزائري الذي تأسس في 11 من مارس 1937 من بعده أصبح مدرسة بل جامعة وطنية خرجت وتخرج منها كل جيل نوفمبر بدون استثناء.

التحضير لثورة شاملة في الجزائر

تعليق صوتي: بعد عمل دءوب في مسيرة بناء الوعي الوطني وإعادة بناء الذات الممزقة استوعب جيل لاحق الرسالة الجديدة شكلا ومضمونا واستعد لفك أغلال الاستعباد عبر التحضير لإعلان ثورة شاملة انطلقت شرارتها الأولى في الأول من نوفمبر في العام 1954 وكلفت مليونا ونصف مليون من الشهداء خلال أقل من ثماني سنوات توجت باستقلال مبين.

الأخضر بورقيبة/ ضابط مسؤول أثناء الثورة 1954-1962: الثورة الجزائرية بالنسبة لنا غير الثورة الجزائرية التي تحمل اسمها الثورة الشعبية بالمعنى الواسع يعنى الثورة الشعبية، الشعب اللي كان هو الدعم الأساسي في كل شي يعنى إحنا كنا معزولين إحنا ما عنا ولا، إحنا البُسطة والراديو هذا ما عناش المذياع ما عناش، إذن الجهد هو جهد مجهود جزائري ما عناش إحنا السلاح تاعنا 99% من يد الجيش الفرنساوي، صحيح جانا شوية خذنا سلاح في أيلول ولكن لما كان بعض الولايات اللي دخلناها ولكن لما أداروا النار خلاص، خلاص ما كان يعنى الخطوط المكهربة هذي كانت حاجز يعنى رهيب جدا خلاص التموين من الخارج بالسلاح.

لحسن زغيدر: هنا نلاحظ أن الثورة الجزائرية واجهت الحكومات الخمس من عهد موديس فرانس إلى غاية شارل ديغول بمبدأ ثابت وأصيل وهو أن لا تفاوض قبل الاعتراف بمبدأ تقرير المصير والاستقلال التام.

الأخضر بورقيبة: عشنا الكثير من المأساة باعتبار أن الشعب الجزائري، كان أغلبية الشعب الجزائري كان في القرى والمداشر وفي الأدغال، وطبعا كل منطقة عانت معاناة كثيرة والشواهد كثيرة، لما توقع عملية أي عملية فدائية طبعا المجاهدين ينسحبوا، قوات الاستعمار تيجي تليم الأهالي تليم الأهالي وتختار تختار يعنى الشباب وترديهم هكذا بعنى تقتلهم في بعض الأحيان تروح للأسواق في الأسواق في المرجيه تخير تجيب كاميوات تجيب الشاحنات ويغلقوا السوق هداك يغلقوه ويخرجوه بالواحد ولا بالزوج ولا بالثلاثة ويردوه يعني يقتلوه، دائما كان الشعب هو اللي يخلص تمام، الشعب رحل فرغت المناطق في عذاب كبير يعنى معنويا ماديا صحيا في كل ما يلزم.

لحسن زغيدر: لما أجبرت فرنسا نتيجة الضغط الدولي خارجيا والضغط الداخلي من جراء الضربات القوية للثورة الجزائرية، وفي الساحة الجزائرية وفي داخل فرنسا نفسها لأنها الثورة الوحيدة التي نجحت في التجربة في نقل الثورة من أرضها إلى أرض العدو نفسه، نتيجة هذه الضربات القوية رضخت فرنسا أخيرا إلى ضرورة الاعتراف بالسيادة بقضية تقرير المصير.

بوعزة بوضرساية: أكد ديغول على أن من حق الجزائريين التعبير بحرية في تقرير مصيرهم بأنفسهم ولكن قال عليهم أن يختاروا بحرية مستقبلهم السياسي الانفصال أو إقامة نظام فيدرالي، لماذا قال هذا الكلام، لأنه أخذ الشرعية من المجتمع الفرنسي خلاص لأنه هو كان يتخوف من العسكريين والمستوطنين في الجزائر لكن من خلال الدستور حيث أصبح رئيس للجمهورية أخذ الشرعية من القاعدة الشعبية الفرنسية بمعنى أصبح له سند قوي أكثر من العسكريين، وهنا أعلن مباشرة على هذه النقطة وبالتالي أصبح بين المطرقة والسندان.

موريس فايس: الجنرال ديغول لم يكن بين المطرقة والسندان، فالجنرال ديغول عاد إلى السلطة في العام ثمان وخمسين وتسعمئة وألف بسبب حرب الجزائر فالحرب آنذاك كان قد مر عليها أربع سنوات من أجل ذلك عاد وفي نيته البحث عن حل لهذه المسألة الهامة جدا بالنسبة لفرنسا، علينا أن نعرف أن هؤلاء الأوروبيين الجزائريين كما نسميهم لم يكونوا مستوطنين فلاحين فقط بل المهم بالنسبة لهؤلاء أنهم كانوا أناسا يسكنون مدنا أو تجمعات سكنية يتشكلون من تجار وحرفيين ومهندسين وإداريين ومعلمين، وحتى أن الجنرال ديغول كان يشعر بألم وهو يتوصل إلى هذه النتيجة لحل المسألة الجزائرية واستقلال الجزائر، إن الأمر لم يكن شيئا هينا في البداية عندما وصل إلى السلطة في الأول من حزيران يوليو ثمان وخمسين تسعمئة وألف.

[لقطات من خطاب الجنرال ديغول 4 يونيو 1958 بالجزائر العاصمة]

شارل ديغول: لقد فهمتكم، وهذا يعني أننا نضمن وطنا لأولئك الذين شككوا في أن ليس لهم وطن.

جاك ميار/ نائب عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية: الجنرال ديغول وفر لحظة أمام إمكانية بقاء الجزائر فرنسية ولكن نحن نعرف أن فترات من التاريخ تدفع باتجاه ضرورة قلب الصفحة، وهناك فترات من الاستعمار كان علينا نتعامل معها بشكل مختلف وبخاصة خلال الحرب العالمية الثانية فإن كل من فرنسا وبريطانيا لم تحسنا استغلال الفرصة آنذاك للتعامل مع الوضع الجديد بشكل مغاير، للأسف لم يحدث هذا وعليه فإن الفرنسيين قد دفعوا الثمن غاليا، والفرنسيون عايشوا مآسي خاصة وأيضا الجزائر عاشت مأساة خاصة، إذن يجب أن تتوفر الشجاعة اليوم لنقول بأنه كانت هناك فرصة ضاعت أمام أعداد جيد لاستقلال الجزائر، الجزائر مستقلة الآن ولا لأحد الحق أن يعترض على ذلك، ولكن كان بإمكاننا القيام بتحضير جيد للمرور نحو الاستقلال بطريقة مختلفة تكون في صالح البلدين.

تعليق صوتي: في مراحل الثورة الأخيرة ولما تأكد المستوطنون الفرنسيون والأوروبيون أن بوادر الاستقلال لاحت في الأفق عمدوا إلى رص صفوفهم والتصدي لفكرة الاستقلال من أساسها معتقدين أن الجزائر مستوطنة بناها أجدادهم المستوطنون الأوائل متناسين أن تلك المستوطنة بين المزدوجتين حازوها فوق أرضٍ لم تكن لهم أصلاً.

موريس فايس: قياسا إلى مليون أوروبي كانوا يحوزون على حقوقٍ أكبر بكثير بالنسبة للجزائريين الأصليين الذين كان تعدادهم آنذاك ثمانية ملايين، إذن فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن الأوروبيين يسعون إلى عدم التفريط في تلك الحقوق والامتيازات والهيمنة،كانوا مستاءين من محاولات وضعهم على قدم المساواة مع الآخرين.

جاك ميار: هؤلاء كان يجب أن يكونوا جزائريين بموجب اتفاقية إيفيان لأنه وبشكلٍ موضوعي فإن السلطات الجزائرية آنذاك لم تفضل لعب هذه الورقة، وباعتقادي أنهم ارتكبوا خطأً، لقد كانت مأساةً لفرنسا كما لأولئك الأوروبيين الذين لم يكونوا جميعاً فرنسيي الأصل، لقد ولدوا في الجزائر منذ ثلاثة أجيال وفي الأخير غادروها جميعاً إنني أعتقد أنها مأساة أيضاً للجزائر نفسها لأننا ضيعنا جميعاً فرصةً حقيقية للإبقاء على هؤلاء لبناء الجزائر.

لحسن زغيدي: هنا المستوطنون قاموا في صفٍ واحد بضرورة إجهاض هذه الدولة الوطنية التي ستنشئ على أنقاض الجزائر الفرنسية التي بنوها طيلة قرنٍ ويزيد ،إذن لابد من تخريب البنية التحتية لهذه الدولة وتخريباً كبيراً شاملاً من جميع الجوانب، ولما كانت الأمور تسير نحو خط أمامي متسارع نحو تقرير المصير قاموا في 25 يناير 1961 بتأسيس المنظمة الإرهابية التي لم ير العالم نظيراً لها وهي أو آ أس التي أطلقوا عليها أو آ أس والتي شكلها لاغايار وغيره في مدريد وهذه بمجموعة ضمت، من ضمت؟ ضمت العسكريين المناوئين لديغول ثم ليدزرتير أي الذين فروا من الجيش الفرنسي، ثم النخبة المدنية الفرنسية المتعصبة المتطرفة الداعية بالجزائر الفرنسية مهما كان الثمن.

جون بيار ريسكاله/ رئيس جمعية مستوطني الجزائر/افينيون فرنسا: يجب علينا أن نعرف أن منظمة الجيش السري ولدت في أعقاب الانقلاب الموجه ضد الجنرال ديغول في العام 1961 ساعتها كنا نعيش حرب الجزائر التي انطلقت في الأول من نوفمبر 1954 وكانت جبهة التحرير آنذاك قد اختارت الإرهاب كوسيلةٍ للمعركة، وقد اتجهت إلى وضع المتفجرات في المقاهي والملاهي والحافلات المدرسية، إذن فمنظمة الجيش السري أو آ أس كانت في عامي 1961 و 1962 المنظمة الوحيدة التي دافعت عن فرنسيي الجزائر وعن الجزائر الفرنسية، وعليه فإن أغلبية الفرنسيين انضووا تحت رايتها طلباً للحماية وإذا كانت هناك مخاوف من هذه المنظمة لاستعمالها أسلوب المواجهة فإنها كانت بسبب اختيار الجنرال ديغول لجبهة التحرير الوطني كمحاورٍ وحيد دون غيرها مع أنها كانت تعتبر منظمة إرهابية، إذن فإن منظمة الجيش السري اختارت الطريق ذاته ولن نلومها على ذلك لأنها منظمة كانت في حالة دفاع شرعي.

شارج دوميناش/ مستوطن فرنسي سابق: كنت شاباً ولم أكن عضواً في الجيش السري بشكلٍ مباشر ولكنني كنت مناصراً لهذه المنظمة لأنني كنت أعتقد أن منظمة الجيش السري أو آ أس سوف تنجح في إبقائنا بالجزائر، كان ذلك هو مبدأي لأنني كنت أرغب في البقاء والاستمرار في العيش بالأرض التي ولدت فيها.

منظمة الجيش السري والأقدام السوداء

تعليق صوتي: استهدفت منظمة الجيش السري عدداً كبيراً من الجزائريين إذ قتلت سبعمئة شخصٍ وجرحت أعداداً مماثلة ونفذت سلسلة من التفجيرات قدرت بنحو ألفين وأضرمت النيران في العديد من المؤسسات ومنها مكتبة جامعة الجزائر في صائفة العام 1962 حيث أحرق أزيد من ستمائة ألف كتاب.

لحسن زغيدي: ولذلك هذه الأعمال الإجرامية، إجرامهم وعدوانهم وكراهيتهم وحقدهم على الجزائر الأصيل على الجزائر التي ضاعت من أيديهم هي التي جعلتهم يغادرون بملابسهم، أقولها للتاريخ غادروا بملابسهم التي على جلودهم ولذلك سمو وأطلق عليهم في أوروبا في فرنسا بالذات ليتنوار أي الأقدام السوداء، أطلقوا عليهم الأقدام السوداء حتى يميزون من بقية الفرنسيين الذين هم من أًصل فرنسي لأن الفرنسيين الذين هاجروا من الجزائر هم خليط ونتاج من قوميات وجنسيات ،هذه عنصرية حتى فيما بينهم.

بيار هنري بابالاردو/ رئيس جمعية فرنسا/ مغرب: ككل الأقدام السوداء الذين عاشوا تلك الفظاعة التي يعرفها الجميع وآثار الحرب الجزائرية المروعة فإنه كان علينا أن نغادر الجزائر في العام 1962 بسرعةٍ فائقة لنجد أنفسنا قد اقتلعنا من جذورنا ورمي بنا في هذه البلاد أي فرنسا التي لم نكن نعرفها أًصلاً فعائلتي كانت بسيطة وجدت نفسها في ظروفٍ غير ميسورةٍ هنا وحاولت أن تتكيف مع ظروفٍ لم تكن مساعدة وكانت صعبةً للغاية ومؤلمةً جداً وظلت الآلام دائماً تعصر القلب عندما نتذكر ما تركناه في الجزائر.

لحسن زغيدي: لما جاءت اتفاقيات أيفيان وتم تصديقها في يوم 18 مارس 1962 أقرت اختيار الجنسية له حق الاختيار لم يجبرهم لا جيش التحرير الوطني ولا الحكومة المؤقتة ولا جبهة التحرير الوطني في الداخل ولا حتى الشعب الجزائري طاردهم أو حاشرهم.

موريس فايس: اتفاقيات أيفيان لم تحترم وكانت واحدةً من الأسباب التي أدت إلى العنف وقد كان واضحاً في تلك الاتفاقيات أنه كان علينا القيام بأقصى ما يمكن لمنع أي عمليات انتقام سواء بالنسبة للطرف الفرنسي أو الجزائري ضد أولئك الأشخاص الذين كانت لهم آراء غير مطابقة للسلطة ولكن ما حدث كان هو العكس تماماً.

جون بيار ريسكاله: إن الحكومة الفرنسية قد خانت التزاماتها أما الحكومة الجزائرية فليس لدينا ضدها أي شيء لأن الجزائريين استلموا القيادة التي تركت لهم وليس لدينا أي إحساسٍ بالغيظ نحو الجزائر، لكننا مغتاظون من الحكومة الديغولية آن ذاك لأن الجنرال ديغول هو الذي كان مسؤولاً، إذن بالتأكيد نحن مغتاظون من هذه الحكومة.

ماجد نعمة/ مدير أخبار صحيفة- إفريقيا/أسيا - بباريس: عندما جاء المستوطنون بهذه القوة إلى فرنسا صدموا، ذهلوا لأن الرأي العام الفرنسي في الأرض الفرنسية في الإكزاغون كما يسمونه لم يكن متضامناً معهم حتى بعض الأجيال الجديدة من المستوطنين أنفسهم لم يعودوا يؤمنون بذلك وهناك مفاجأة هناك بعض الذين رحلوا عن الجزائر أرادوا أن يعودوا مرةً ثانية، وهناك طبعاً فئة قليلة جداً ولكن عادوا إلى الجزائر وفوجئوا أنه ليس هناك حقد حقيقي.

بيار هنري بابا لاردو: أعتقد أن جل الأقدام السوداء في فرنسا اليوم لازالوا يحتفظون في وجدانهم رغم الجراح والآلام والخوف ورغم مغادرتهم القسرية وتخليهم عن بلدهم مازالوا يحتفظون بهذا السكر والعسل والشمس وبأن الجزائر كانت يوماً لهم.

فرانس دوميناش/ مستوطنة فرنسية سابقة: نعود بانتظام إلى الجزائر عندما نحتاج إلى ذلك بمساعدة أصدقائنا في بلدية بولوين حيث عشنا ونتفقد شاطئها وسينما الماغنيو عندما كنت أمر عليها برفقة صديقي، كل هذه الذكريات لا تعود وإن كنا نحن الآن في سن التقاعد فإننا نحدث أبنائنا عن تاريخ الجزائر الذي يفهمونه جيداً مع أنهم عاشوا هناك ثماني سنواتٍ ونصف وخمس سنوات، ذاك هو الوضع.

ماجد نعمة: عندما قال مثلاً بيار إيلان بارفيه وكان مقرباً جداً من الجنرال ديغول وكان الناطق باسمه وزير الإعلام آن ذاك، عندما حاول أن يرقق قلب الجنرال عن مصير هؤلاء المستوطنين كان في كتابه، هكذا كان ديغول، الشهير جداً وهي أهم سيرة ذاتية عن ديغول صدرت حتى الآن، قال له لقد صنعت وفعلت كل ما في وسعي لكي يبقوا ويتمتعوا بحقوقهم وأملاكهم ولكنهم خيبوا أملي وتضامنوا مع هؤلاء المجرمين القتلة المتمردين، إنهم يستحقون ما حدث لهم، لن يرق قلبي لهم، هذا ديغول لذي يقول ذلك وليس الجزائريين.

بوعزة بوضرساية: العوامل التي ساعدت على اجتثاث الاستيطان لعل أهمها وأبرزها هو النضج الوطني، الوعي الوطني هذا أساسي وقد أختلف مع آخرين الذين ينظرون على أساس أن العامل أو العامل العسكري هو الذي كان وراء اجتثاث الاستيطان في الجزائر، أنا أقول قد يكون عاملا مكملا، لكن العامل الأساسي هو النضج الوطني وعندما توصل الطرفان الجزائري والفرنسي إلى مشروع لوقف إطلاق النار في 19 مارس1962من بين ما تم الاتفاق في هذا القرار هو إجراء استفتاء من أجل تقرير مصير الشعب الجزائري والذي كما يعلم الجميع فعلاً بالاستفتاء الذي انتهى بتصويت الجزائريين بالأغلبية على استقلال الشعب الجزائري وبذلك تنتهي حقبة مظلمة كانت متوجة بحركة استيطانية رهيبة جداً أتت على الأخضر واليابس بالنسبة للمجتمع الجزائري، لكن إرادة الشعوب لا تقهر وصدق الشابي عندما قال إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب للقدر، الشعب الجزائري استجاب للقدر واستطاع أن يطرد وأن يجتث حركة دامت حركة استيطانية دامت أكثر من 130 عام.

اسماعيل معراف: هناك عودة رائعة لهوية البلد في رسومات جميلة بالنسبة لهذا البلد باتجاه استعادة هذا الشيء المفقود، عندما نتطلع هكذا من الخمسين سنة التي مرت نشعر وكأن الاستعمار لم يكن وكأن الاستدمار لم يكن في هذه البلد، اللغة العربية مازالت بخير، انتماء الجزائريين إلى وطنهم العربي الكبير وأمتهم الإسلامية الأكبر خير دليل، هذه الأمة وكأنها لم تستدمر ولم تستعمر ولم يحدث فيها استيطان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة