بورقيبة والإسلام.. الزعامة والإمامة   
الثلاثاء 1426/8/2 هـ - الموافق 6/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:28 (مكة المكرمة)، 13:28 (غرينتش)

- بورقيبة.. أتاترك المغرب العربي
- بورقيبة وموقفه من جامع الزيتونة

خالد الحروب: أهلا بكم إلى هذه الحلقة من برنامج الكتاب خير جليس حيث نطالع معكم أربعة كتب، الثلاثة الأولى نستعرضها استعرضا سريعا ونتوقف عند رابعها بتوسع مع ضيوفنا في الأستوديو، الكتاب الأول عنوانه الحركة الكردية المعاصرة دراسة تاريخية وثائقية وهو من تأليف الدكتور عثمان علي ويقدم فيه وفي أكثر من ثمانمائة صفحة تأريخاً توثيقيّا للقضية الكردية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ويعتمد في ذلك على عدد كبير من الوثائق الغربية وأرشيفات وزارات الاستعمار والخارجية في الحِقب المعنية وفيه نقرأ عن موقع الكرد في الصراع الروسي العثماني.

 ثم الصراع العثماني البريطاني وقيام الحكومات الكردية المتعاقبة واندلاع الثورات والجهود الدائمة لتحقيق استقلال كردستان، ثم تقسيم الإقليم بين تركيا والعراق وسوريا وإيران وفقا للاتفاقيات الدولية وخاصة في محادثات لوزان للسلام عام 1923، الكتاب الثاني عنوانه سوريا من منظور مختلف وهو من تأليف خلدون زريق وشريف رفاعي ورانيا سمارة وآخرون وكما يشير العنوان يحاول الكتاب تسليط الضوء على جوانب لا يتم الاهتمام بها في الوقت الراهن، لكنها تقدم صورة مختلفة عن سوريا فبعيدا عن السياسة والحرب وطبولها، يهتم جزء من الكتاب بالإبداع الأدبي ويعالج مثلا إنتاجات محمد الماغوط ونزار قباني وسليم بركات وزكريا تامر وسعد الله ونوس وغيرهم وفي نفس الوقت يتناول بإيجاز موقع سوريا في النظام الإقليمي الجديد في ضوء الاحتلال الأميركي للعراق ويتحدث كذلك عن مشروعات الإصلاح الاقتصادي المطروحة فضلا عن تحليله لصورة سوريا في الإعلام العربي وسلبيتها.

 أما الكتاب الثالث فهو عن السعودية وعنوانه العربية السعودية في الحرب وهو بالفرنسية من تأليف أنطوان بصبوص، يقول الكتاب إن النظرة إلى السعودية في الغرب بعد إرهاب الحادي عشر من سبتمبر حُكمت بتنميط يقول إنها أرض تنتج الإرهاب وأن تلك النظرة اختلط فيها التحليل العلمي بالأحكام السابقة والتشويه، يحاول المؤلف في هذا الكتاب عقلنة التحليل والنظرة بعمق إلى تكوين الواقع السعودي من دون إهمال البنية التاريخية التحالفية بين العرش والمؤسسة الدينية الوهابية، لكن من دون الوقوع في أسر التبسيطية التي تستند إلى هذا التحالف في تفسير كل ما له علاقة بالسعودية، أما الكتاب الرابع الذي نناقشه مع ضيوفنا هنا في الأستوديو فعنوانه بورقيبة والإسلام الزعامة والإمامة وهو من تأليف الكاتب التونسي لطفي حجي، يناقش الكتاب السؤال الكبير الذي قسم الرأي العام إزاء بورقيبة وهو فيما إن كان المجاهد الأكبر اللقب الرسمي لبورقيبة مجددا للإسلام أم خصما له وهل كانت اجتهاداته في حظر تعدد الزوجات وفي تحديث التعليم وتقليص دور التعليم الديني وتقليص موقع جامع الزيتونة تنطلق من الدين أم أنها خارجة عليه، لمناقشة الكتاب أستضيف في الأستوديو المؤلف الكاتب الأستاذ لطفي حجي من تونس فأهلا وسهلا به أهلا وسهلا لطفي.

لطفي حجي- كاتب تونسي: أهلا بك أهلا وسهلا.

خالد الحروب: كما استضيف الكاتب الأستاذ عبد الوهاب بدرخان نائب رئيس تحرير جريدة الحياة في لندن والمتابع للشأن التونسي، فأهلا وسهلا به أيضا، أهلا وسهلا عبد الوهاب.

عبد الوهاب بدرخان- نائب رئيس تحرير جريدة الحياة في لندن: أهلا.


بورقيبة.. أتاترك المغرب العربي

خالد الحروب: لطفي، إذا بدأنا معك عن ماذا يدور الكتاب؟

"
الكتاب يعتبر محاولة لإعادة قراءة علاقة بورقيبة بالإسلام، حيث لم تكن علاقة عادية، بل كانت علاقة مركبة وهو ما جلب له الكثير من الخصوم والانتقادات
"
لطفي حجي
لطفي حجي: الكتاب هو محاولة لإعادة قراءة علاقة بورقيبة بالإسلام، لأن علاقته لم تكن علاقة عادية، كانت علاقة.. إن شئنا علاقة مركبة وعلاقة معقدة، هو لم يترك الإسلام وشأنه وإنما حاول منذ الأيام الأولى للاستقلال أن يبدي رأيا أو يبدي قراءة جديدة في الإسلام، هذه القراءة لم تتركه سالم بل جلبت له الكثير من الخصوم، الكثير من الانتقادات من تونس وخارجها وجعلته ينعت في العالم العربي الإسلامي على أساس أنه أتاترك المغرب العربي ومنهم من ذهب إلى حد تكفيره، يعني هذه العلاقة رأيت بعد هذه المسافة الزمنية التي أصبحت تفصلنا عن بورقيبة رأيت إنها جديرة بإعادة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: النظر إليه..

لطفي حجي [متابعاً]: القراءة انطلاقا من النصوص التأسيسية أي من الخطب ومن الخطاب البورقيبي ذاته بعيدا عن الإشاعات، لأنه في كثير من الأحيان كثير من الإشاعات أو من النعوت تصبح وكأنها..

خالد الحروب: سوف نأتي لها لطفي يعني.. تقريبا إشاعة أو تهمة، لكن عبد الوهاب بدرخان أين تمُوضع هذا الكتاب في إعادة فهم أو تأهيل ربما بورقيبة؟

عبد الوهاب بدرخان: أعتقد بأن الكتاب فيه جهد وجدية كبيرين وبالتالي يعطي فكرة جيدة عن الموضوع، كما أنه لا يمكن قراءة هذا الكتاب الذي فيه كثير من الإنصاف سواء لبورقيبة أو لخصومه والانتقادات التي وجهت إليه ولكن لا يمكن قراءة الكتاب إلا بإسقاطه على الواقع.. يعني المعركة بين بورقيبة والإسلام، بين بورقيبة والمؤسسة التعليمية المستندة للإسلام، مؤسسة القضاء المستندة للإسلام، بورقيبة والمرأة، كل ذلك هو من المواضيع التي.. المطروحة عام 2005 بينما هو يعني كان يواجهها في منذ منتصف الخمسينات وخصوصا في الستينات، إذاً بهذا المعنى الكتاب مهم لمعرفة معركة رئيس دولة، رئيس دولة كان متأثرا بالغرب وكان واجه باكرا جدا موضوع الإصلاح، يعني قبل أن يواجهه أي حاكم آخر.

خالد الحروب: نعم، هذا الإصلاح لطفي إذا سمحت تَذكر في الفصل الأول ثم الفصل الثاني ومحاولة النظرة إلى بورقيبة هل كان مثلا علمانيا هل كان أتاتركيا وتقول أن الإصلاحات التي اقترحها.. اقترحها من داخل الدين وعلى مربع الدين وهذا هو الفرق الأساسي بينه وبين أتاترك، فسر لنا ذلك.

لطفي حجي: هناك بالفعل فرق كبير بين بورقيبة وأتاترك على الرغم من القول السائد بأن بورقيبة هو أتاترك المغرب العربي، يعني بورقيبة مثلا انتقد أتاترك انتقادا شديدا في مسألتين اثنتين، المسألة الأولى هي في موقفه من الدين، اعتبر صراحةً أن إلغاء أتاترك للدين هو خطأ شنيع وقال هذا في خطاب شهير بسنة 1965 في أنقرة وكاد أن يتسبب في أزمة دبلوماسية مع تركيا لأن نقد أتاترك في تركيا يعتبر من الكبائر، النقطة الثانية في الخلافية وهي ربما غير معروفة كثير لدى الناس والباحثين هو أن بورقيبة انتقد موقف أتاترك من حل الخلافة الإسلامية، يعني وهذه قد تستغرب من بورقيبة لكن انتقد باعتبار أنه كونه الرجل المريض من المفروض أن نداويه أحسن من أن نقتله، لأن الخلافة بالنسبة إليه هي خيط جامع للمسلمين من المفروض أن نطورها، يعني كان هناك خلاف شديد بين بورقيبة وأتاترك، أتاترك ألغى الدين في حين أن بورقيبة أراد أن يوظف الدين بطريقته الخاصة.

خالد الحروب: نعم، نبني على هذا عبد الوهاب ما رأيك أولا في هذه المسألة إنه هل كان أتاترك تونس بورقيبة؟ والسؤال الآخر أيضا مرتبط بمناقشة عميقة طرحها لطفي في الكتاب تقول أن هذه الاجتهادات.. اجتهادات بورقيبة تقريبا هي استمرار لحركات الإصلاح والاجتهاد في الإسلام وليست خارجة عنه أو مفروضة عليه أو تريد أن تنحيه من الفضاء العام؟

عبد الوهاب بدرخان: صحيح، يعني هو يختلف عن أتاترك بشكل بشيء أساسي، إن بروقيبة نفسه ليس عسكريا ويعني حاذر طوال عهده أن يجعل من العسكر نوع من بديل في الحكم أو إنه يعطيهم دور أساسي، دائما كان العسكر في المستوى الثاني، ربما..

خالد الحروب: لكن ربما يقول قائل كان يعني في النهاية كانت دولة أمنية وكانت دولة بوليسية وليس فرق كبير يعني فيها.

عبد الوهاب بدرخان: نعم يعني كانت دولة جندرما وليست دولة عسكرية والأمر الآخر هو أن بورقيبة كان متأثرا أكثر بالثقافة الفرنسية، بمعنى أنه لا يريد أن.. لا يؤمن بإبادة شيء بمعنى أنه وهنا يعني هو علماني بالمعنى الطهوري أو بالمعنى الأساسي للعلمانية، أنه.. طبعا هو يريد أن يجدد، يريد أن يحيد الإسلام قليلا عن تطوير الحياة المدنية ولكن في نفس الوقت لا يريد أن يقتل هذا الدين أو أن يتجاهله وهو ما فعله أتاترك وعلى أي حال الأحداث أثبتت بعد بضعة عشرات من العقود أن أتاترك نفسه كان مبالغا في موضوع الدين، لأن الدين عاد فأخذ مكانه في المجتمع، يعني الموضوع الآخر الذي يختلف فيه عن أتاترك أنه أراد أن يؤسس إصلاحا على أساس حقائق المجتمع وليس على بالتمرد على حقائق المجتمع.

خالد الحروب: نعم تفضل.

لطفي حجي: يعني في هذا السياق بورقيبة استطاع أن يوظف ثلاث عناصر أساسية، يعني استيعابه لفكر عصر الأنوار الغربي باعتبار أن بورقيبة درس في مطلع القرن العشرين في الغرب وكان في فترة حساسة كانت فيه حركية سياسية وفكرية كبيرة استطاع أن يستعيبها هذه النقطة أفادته كثير، ثاني شيء هو أنه كان على إطلاع بالتاريخ الإسلامي، إطلاع دقيق وبمدارسه الفكرية وبالخلافات التي كانت سائدة ولم يحصر نفسه في تيار أو مذهب بعينه بل استوعب هذه التيارات، النقطة الثالثة والتي ربما لم يفعلها أحد غيره من الحكام العرب هو أنه وظف جهاز الدولة لتحقيق هذا التمازج بين الفكر الإسلامي وبين فلسفة عصر الأنوار، كان معه جهاز دولة في بعض الأحيان استعمله بصفة قصرية تعسفية لتحييد خصومه لكن وظفه.

خالد الحروب: لنبدأ بجهاز.. نعم، لطفي لنبدأ كيف استخدم جهاز الدولة بهذا الفصل وبدايات إقرار مجلة الأحوال الشخصية القضية الخلافية الأكبر حظر تعدد الزوجات بعد ثلاث أشهر كما تذكرون من استقلال تونس أقر هذه اللائحة القانونية التي منعت التعدد وهي تذكر هنا أيضا في الكتاب أنه ليس الموقف الأول سبقه الطاهر حداد ومحمد عبده، عدنان الفاسي في أيضا تقريبا تبني نفس الموقف إزاء التعدد، ما هي مركزية هذا التوجه في الفكر التجديدي بين قوسين لبروقيبة إزاء حظر تعدد الزوجات؟

لطفي حجي: شوف، هو الفكر البورقيبي في علاقته بالإسلام كان يقوم على مبدأ أساسي هو مبدأ التوظيف، توظيف الإسلام يعني.. ووظفه بطريقتين مختلفتين، الطريقة الأولى كانت في بداية في عهد الاستعمار مرحلة الكفاح الوطني أو التحرير الوطني في هذه المرحلة لم يريد بورقيبة أن يدخل في صدام أو في صراع مع الفهم الديني السائد بل بالعكس برز كسلفيين كتقليديين دافع عن كل القيم وكل المواقف الموجودة دافع عن الحجاب، دافع عن ما نسميه نحن في تونس الشاشية.. القابوس الذي يغطي الرأس وكان يدافع عن هذه العناصر بعتبرها رمز الهوية التونسية ويعتقد أن المس بهذه الهوية يعني ذوبان التونسي في المستعمر، في هذه المرحلة كان هناك نوع من التناغم بينه وبين المؤسسة التقليدية في بناء الدولة الوطنية، تغير موقفه واصبح يريد أن يحقق مجموعة من الأفكار التي يتبناها..

خالد الحروب: التي أسميتها أنت في الكتاب معركة ضد التخلف، معركة ما بعد الاستقلال..

لطفي حجي: نعم، كان يسميها الجهاد الأكبر كان يستعمل حتى مصطلحات دينية، معركة التنمية بالنسبة إليه يسميها الجهاد الأكبر ليقترب من أذهان الناس، فبدأ مجموعة من القوانين الجديدة كانت أولها قانون الأحوال الشخصية الذي حذر بموجبه التعدد الزوجات وحتى في هذا بغض النظر عن الموقف الديني، يعني هناك مثلما تعرف اجتهادات وهناك مواقف لكن بغض النظر عن الموقف الديني حتى في هذه القضية انطلق من المفهوم الديني ومن التفسير السائد في الدين

خالد الحروب: وحاول أن يجد لها تفسيرات يمكن

لطفي حجي: وتبرير من نوع {ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ} إلى غير ذلك وهي فتاوى وجدت في تراثنا العربي الإسلامي لم تكن الأولى..

خالد الحروب: نتابع أيضا ما زلنا في موضوع المرأة لكن بعد هذا التوقف، مشاهدينا الكرام نتواصل معكم بعد هذا التوقف القصير.


[فاصل إعلاني]

بورقيبة وموقفه من جامع الزيتونة

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم ثانية نواصل معكم نقاش كتاب اليوم بورقيبة والإسلام الزعامة والإمامة، عبد الوهاب نحن الآن أمام الفصل الذي يتحدث عن موقف بورقيبة تجاه جامع الزيتون وهناك طبعا تهمة كبيرة ضد بورقيبة بأنه دمر الدور التقليدي للتعليم الديني ولجامع الزيتونة، ما رأيك في هذا الفصل استنادا إلى تلك التهمة؟

"
تطلع بورقيبة للتعليم في البلاد فوجده برعاية جامع الزيتونة وكان متخلفا وليس فيه علوم حديثة تواكب العصر، فعندما حاول فك التعليم عن الزيتونه اصطدم بعلماء الدين
"
عبد الوهاب بدرخان
عبد الوهاب بدرخان: يعني من موضوع المرأة إلى موضوع جامع الزيتونة الذي يمكن اختصاره بموضوع التعليم والتربية، واضح أنه حاكم مهووس بالإصلاح والتنمية في بلد صغير ليست فيه موارد، أصبح ينظر أين هي العناصر التي يمكن أعتمد عليها بسياق التوظيف الذي تكلم عنه لطفي، نصف المجتمع معطل، المرأة معطلة تقريبا تعدد الزوجات ماذا يعني.. كان يعني أن هناك كثير من الرجال ليس لديهم القدرة ولكنهم كانوا يعددون الزوجات، إذاً هذا مخالف للدين، بعدين تطلع إلى التعليم وهو يريد أن ينمي القدرة البشرية الموجودة في البلد، وجد أن التعليم برعاية جامع الزيتونة كان متخلفا جدا ومتخلفا على العصر ليس فيه علوم حديثة، ليس فيه تنظيم كان السياق واضحا، ثم أنه عندما سنتكلم لاحقا ربما عن موضوع القضاء فهذا يعني أن هناك سلسلة مترابطة كان كلها يصل بينها جميعا الدين وبالتالي يعني اصطدام بورقيبة مع الدين حتمية، لأن الإصلاح كأن لم يكن كان لابد أن يمر..

خالد الحروب: اسأل لطفي أيضا وأطلب منك إذا سمحت الإشارة إلى بعض ما أشرت إليه هنا في هذا الفصل لأنه فصل مهم، مِن أن مثلا نقمة بورقيبة على جامع الزيتونة تاريخية أيضا بسبب موقف بعض العلماء التخاذلي إزاء الحماية الفرنسية، إزاء مثلا الصراعات العائلية.. عائلة العاشور، النيفر إلى آخره وهناك أيضا صراعات ريفية، كل هذا داخل هذه المؤسسة التي عندها رومانسية أحيانا جذابة عند من هم خسروه.

لطفي حجي: ما ذكرت هي عناصر وظفها فيما بعد بورقيبة في محاججته لمشايخ الإسلام الذين دافعوا عن جامع زيتونة، لكن الموقف من جامع الزيتونة هو يأتي ضمن الصراع الذي كان سائدا سواء في تونس أو في العالم العربي الإسلامي بين رغبة الإصلاح وإرادة المحافظة إن شئنا، يعني هناك مؤسسة زيتونية تعليمية صحيح أنها لعبت دورا كبيرا في الماضي وكانت بمثابة المنارة العلمية التي يحج إليها من جميع أقطار العالم الإسلامي، إلا أنها تعثرت في فترة من الفترات وأصبحت مطالب الإصلاح من داخل الزيتونة نفسها، إلا أن المشايخ المؤثرين والفاعلين والماسكين بزمام هذه المؤسسة تغافلوا عن دعوات الإصلاح، فتآكلت المؤسسة من الداخل وأصبحت قابلة للانهيار أو يصدق عليها ما سماه المفكر الجزائري المعروف مالك بو لبيب القابلية.. الاستعمار في سياق آخر، هذه أصبحت قابلة للانهيار فبمجرد أن جاء بورقيبة وأراد أن يطورها انهارت هذه المؤسسة وهناك خطأ شائع في العالم العربي الإسلامي، أن بورقيبة دمر جامع الزيتونة وأغلق الزيتونة إلى غير ذلك وهذا غير صحيح لأن بورقيبة نقل التعليم الديني من فضاء المسجد إلى فضاء كلية عصرية وأدخل فيه مجموعة من المواد الحديثة مثل اللغات، مثل التاريخ، مثل العلوم الإنسانية التي كانت مطلبا لطلبة الجامع ولعدد من مشايخ الجامع منذ نهاية القرن التاسع عشر في تونس لكن لم يستمع إليها.

خالد الحروب: نعم، إذا انتقلنا إلى المعركة.. إحدى المعارك الكبرى ربما المعركة الأكبر وهي معركة الصوم مع بورقيبة وأنت هنا تذكر في الكتاب أن هذه كانت الحلقة الأضعف في علاقة بورقيبة بالإسلام ودعني اقتبس الحقيقة هنا في صفحة 92 شيء مهم، أنه اعتمد في تبريره إلى ذلك على أن هذا جهاد.. العمل هو جهاد وإذا الصوم عاق العمل فيجوز الإفطار وأحيانا ربما يجب واستند أو أشار إلى فتوى طه بن عاشور سنة 1939 التي أجازت الإفطار للجنود التوانسة الذين كانوا يخدمون في الجيش الفرنسي، فقال إذا كان جائز أمام.. خلال الحماية الفرنسية فلا يجوز خلال العمل والبناء وإلى غير ذلك عبد الوهاب تعليقك؟

عبد الوهاب بدرخان: وهو استند هون كمان لإجازة الرسول للمسلمين الإفطار قبل فتح مكة، يعني استند لمسألتين ولكن في هذا الموضوع اعتقد أنه كان أتاتوركيا متهورا، يعني حتى في الدول العلمانية لا أحد يستطيع أن يفرض على الناس أن يصوم أو لا يصوم وهذا التقليد يعني بينه وبين ربه، اعتقد أنه كان من الأخطاء الفادحة التي أرتكبها بورقيبة ولم يكن لها لزوم بالحقيقة لأنه لم يكن قادرا على كسر تقليد عمره كذا قرن يعني ثلاثة عشر أو أربعة عشر قرن يعني.

لطفي حجي: هي سميتها الحلقة الأضعف لأنها اتسمت بقدر كبير من الاستفزاز، ما كان هناك داعي أن يشرب بورقيبة كأس من الماء أو كأس من العصير في اجتماع عام كانت تنقله الإذاعة ويشرب أمام الناس يعني في استفزاز لمشاعر المسلمين، لذلك صب الناس غضبهم على بورقيبة في هذه المسألة.. يعني هو فقد الكثير من شرعيته التاريخية التي كان يحظى بها لدى الناس، لكن بورقيبة مثلما تفضل الأستاذ عبد الوهاب فسر هذه.. دعوته فسرها بأنها نوع من العمل ما نسميه بقياس الشاهد على الغائب، قاسها بالرسول أمر الرسول أصحابه في الفترات الصعبة بالإفطار لأنه يعتبر تونس في مرحلة جهاد والجهاد الأكبر يتطلب منهم الإفطار، لكن في هذه كان هناك نوع من الاستفزاز مثلما ذكرت، لكنه حتى في هذه النقطة تعامل معه تعاملا سياسيا برجماتيا، ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه لما وجد ردود الأفعال كبيرة وعنيفة تجاه ما أقدم عليه..

خالد الحروب: تراجع عن هذا الموقف..

لطفي حجي: وأمره بعض أصدقائه المقربين بأن يتراجع..

خالد الحروب: أو طلبوا منه..

لطفي حجي: طلبوا منه نعم، تراجع عن موقفه في ظرف أشهر وجيزة وألقى خطاب جديد قال أنا لم أقل لكم أن الصوم ليس واجب هو واجب وسيبقى واجب إلى قيام الساعة.

خالد الحروب: نعم، لطفي إذا انتقلنا إلى مجموعة من التحليلات التي تذكرها إزاء لماذا فشل المشروع البورقيبي؟ يعني هذا الجهد وهذه نوايا الإصلاح باستخدام جهاز الدولة ومحاولة الاعتماد على التأويلات الدينية وشرعنة كل السياسة، مع ذلك كما تقول في الكتاب لم ينجح هذا المشروع، أسأل عبد الوهاب يذكر هنا لطفي عدة أسباب منها شخصية بورقيبة ربما الديكتاتورية غير ذلك، لماذا لم ينجح هذا المشروع وفق ما قرأت؟

عبد الوهاب بدرخان: لأن بورقيبة يعني كان يطرح الأفكار ولم يكن يتصرف كجمهوريا بالمعني الحقيقي، يعني كان معتبرا نفسه وكأنه مرشد للثورة وليس شخصا يعمل وبالتالي لم يعتمد على مؤسسات لم يجتهد كثيرا لإيجاد هذه المؤسسات، اعتقد أيضا أن النخبة التونسية التي كانت قريبة جدا من أفكاره لم تكن أيضا لديها قابلية العمل لتطوير هذه الأفكار أو لجعلها مشروعا وطنيا يجتهد الجميع في تجسيده في الحياة اليومية، هناك أيضا ناحية أنه فعلا كما قلت أنا أنه لم يعسكر النظام ولكنه اعتمد كثيرا على الجهاز الأمني وبالتالي الخلافة الوحيدة التي جاءت بعده كانت خلافة تقريبا عسكرية.. يعني أنه أعطى الحكم بعدين لعسكري، إذاً عدم وجود مؤسسات عدم وجود واقعية في الطروحات.. يعني لماذا الذهاب إلى(Extreme) يعني إلى الأقصى..

خالد الحروب: الأقصى نعم..

عبد الوهاب بدرخان: هناك خطوة.. خطوة يمكن أن تنفذ والمجتمع كان لديه قابلية في ذلك الوقت لأنه كان يرى في هذا الرجل أنه يطرح الأفكار الصحيحة، يطرح المشاكل الصحيحة ولكنه لا يعتمد الحلول الصحيحة، عناصر كثيرة أهمها اعتقد أنه لم يستطع لا أن يخلق النخبة التي تواكبه في العمل وفي نفس الوقت لم يعني.. لم يركز على أمر واحد يشكل عنوان إصلاحي..

لطفي حجي: هو في هذه النقطة لو سمحت أستاذ خالد..

خالد الحروب: أسأل لطفي أو أنت تقول هنا ربما تضخم الأنا البورقيبية كان يقول أنا النظام..

لطفي حجي: هو في هذه النقطة في تضخم الأنا البورقيبية.. يعني الثغرة التي يعني أضعفت هذا المشروع، هي ما سميته في الكتاب بدولنة الدين، يعني بورقيبة اعتبر أن الدولة والدولة هو.. في بعض الأحيان يقول الدولة أنا الدولة هو، الدولة هي الوحيدة التي لها الحق أن تتحدث باسم الدين، أن تفتى في الدين باعتبارهم في بعض الأحيان يقارنوا رئيس الدولة بأمير المؤمنين الذي لا يحق له الاجتهاد في الدين والدولة هي التي تعين الأئمة وتعطى أجورهم إلى غير ذلك، فهذه الدولنة المفرطة التي هي عكس العلمانية.. يعني هو أقام علمانية معكوسة، هذه العلمانية المعكوسة هي التي جعلت بورقيبة.. يعني مشروعه يكون محدود في هذه المسائل ولم تطور النخبة المستنيرة النخبة الإصلاحية التي يمكن أن تواصل هذا المشروع حين ذلك.

خالد الحروب: نقطة إذا سمحت لأنه شيء مهم، أنت في صفحة 173 تقول أن هذا الفشل كان ضده أو الاستراتيجية الأسلم التي كان من المفترض تبنيها كانت تتطلب ترتيبا أفضل للفضاء الديني يسمح له بالتعامل مع رؤيته بطريقة أسلم، ماذا تقصد؟ فيها قدر من الغموض يعني ترتيب أفضل للفضاء الديني.

لطفي حجي: ترتيب الفضاء الديني يعني إخراجه من هيمنة الدولة، لأنه إذا كان أنت تعيب على الناس أن يحتكروا القول أو الحديث باسم الإسلام، لا يمكن للدولة أن تحتكر هذا الحديث بالإسلام، نحن بحاجة إلى نخب إلى مؤسسات إلى هيئات تكون هي الضمانة لهذه.. بين قوسين لهذه الاستقلالية الدينية إن شئنا حتى تنتج المعنى باستمراره ولا يقف المعني ولا يقف الإصلاح بمجرد ذهاب الزعيم الملهم أو ذهاب الشخص الذي يعتقد أن له القول والفصل في الدين وهذا ما عجزنا عنه إلى حد الآن.

خالد الحروب: شكرا لطفي شكرا جزيلا وشكرا لكم مشاهدينا الكرام وكنا معكم في نقاش كتاب اليوم بورقيبة والإسلام الزعامة والإمامة من تأليف الكاتب التونسي لطفي حجي الذي كان في الأستوديو وأشكره على حضوره ومشاركته، كما أشكر الأستاذ عبد الوهاب بدرخان نائب رئيس تحرير جريدة الحياة في لندن وأشكر منتج البرنامج الزميل عبد المعطى الجعبة وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل تحية ودمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة