أوضاع الطفل العراقي   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

عاصمة سعيد رشان: مديرة روضة أطفال
د. نعمان سرحان علي: طبيب نفسي للأطفال
د. حقي إسماعيل الراوي: خبير نفسي تربوي

تاريخ الحلقة:

09/05/2003

- الآثار النفسية للحرب على الطفل العراقي
- آثار الحرب وخطورة انطباعاتها على شخصية الطفل العراقي

- كيفية تخفيف وطأة الحرب وآثارها على الطفل العراقي

- ظاهرة اقتراب الطفل العراقي من الجندي الأميركي وخطورتها على شخصيته

محمد كريشان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (العراق ما بعد الحرب) تأتيكم من العاصمة العراقية بغداد، ذات يوم قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة (مادلين أولبرايت) إن موت زهاء النصف مليون طفل عراقي ربما يكون ثمناً يتوجب دفعه في سياق محاربة النظام العراقي السابق، وبغض النظر عن ما يمكن أن يقال في هذا التصريح إلا أن الأكيد بأن هذا العدد ارتفع بكل تأكيد سواء بسبب استمرار الحصار أو بسبب الحرب، التي جرت على العراق والتي خلفت ليس فقط ضحايا وإعاقات، وإنما أيضاً خلفت جروحاً غائرة، من الصعب أن تندمل، وستظل تصاحب الطفل العراقي وهو يكبر ليصبح أباً وجداً.

حلقتنا اليوم سنخصصها للطفل العراقي، ولو أن الاتفاقات الدولية تتحدث عن الطفل لكل من هو دون الثامنة عشرة، لكن ربما سنقتصر في الحديث عن الطفل ما دون السن الثانية عشرة سواء في المدرسة، سواءً في البيت، سواءً في الشارع، نحاول أن نستعرض وضعه الحالي والآثار النفسية ومختلف الجوانب المتعلقة بوضعه الحالي في سياق كل ما جرى للعراق.

يسعدنا أن نستضيف في هذه الحلقة معنا هنا في الأستديو الدكتور نعمان سرحان علي وهو (طبيب نفساني خاص بالطفل)، معنا السيدة عاصمة سعيد رشان وهي (مديرة روضة للأطفال في العاصمة العراقية بغداد)، ومعنا كذلك في هذه الجلسة الدكتور حقي إسماعيل الراوي وهو (خبير نفسي وتربوي).

معد البرنامج عبد السلام أبو مالك حاول أن يصاحب عودة بعض الأطفال إلى المدارس، سنحاول أن نستعرض بعض الجوانب المتعلقة بالدراسة وبعض الجوانب الأخرى، عبد السلام أبو مالك تابع عودة الأطفال العراقيين إلى المدارس وأعد التقرير التالي.

تقرير/ عبد السلام أبو مالك: العودة إلى المدارس في بغداد لم تكتمل بعد، فبعض المدارس فتحت أبوابها قبل أسبوعين لكن عدد الملتحقين بها من التلاميذ قليل، وبعضها لا يزال مغلقاً، والبعض الآخر كان أحسن حالاً، وبدت فصوله أكثر امتلاءً.

قيم الاعتزاز بالدين والانتماء للوطن والأمة معانٍ سامية لا تزال ترسَّخ في أذهان هؤلاء الصغار، الذين فتحوا أعينهم على وطن محاصر ومدمر، لكنهم يكنون له كل الحب، بعضهم لا يزال يحتفظ في ذاكرته بصور المشاهد المرعبة، ودوي بالانفجارات، وبعضهم يدرك تماماً ما يجري حوله، ويطالب بما يطالب به الكبار.

طفلة عراقية: أتمنى يوفروا لنا الأمن والعمل والنظام.. يعني أملي يوفروا الأمن والماء والكهرباء والنظافة، مو مثل الوضعيات هسه.

طفلة عراقية: أتمنى أن تكون لينا حكومة، وشعب يصير عظيم وحكومة وشعب ونتمنى إن تدينا الماء والكهرباء والمستشفيات، وأتمنى أن أصير طبيبة حتى أداوي الجرحى، وأداوي شعبي وأساعد شعبي بكل ما.. يصير.

عبد السلام أبو مالك: وإذا كانت تنشئة الأطفال على حب القائد أمراً مسلماً به في كل المؤسسات التعليمية، فإن التحولات الحاصلة تفرض على المسؤولين في هذه المؤسسات محو كل ما يمتُّ بصلة للنظام السابق من ذاكرة الأطفال، وطمس معالمه المتبقية على الجدران.

طفل عراقي: أتمنى إنه يسوي لنا مناهج جديدة لأن المناهج القديمة كليتها كانت على الحكومة السابقة، وأرجو أن تلبوا طلباتي من الناحية العلمية والدينية والإسلامية وحب الوطن.

عبد السلام أبو مالك: ورغم التركة الثقيلة التي خلفها جيل الآبار للأبناء، تبدو الآمال في مستقبل أفضل أكثر إشراقاً في أعين الصغار.

عبد السلام أبو مالك -(الجزيرة)- لبرنامج (العراق ما بعد الحرب)- بغداد.

الآثار النفسية للحرب على الطفل العراقي

محمد كريشان: سيدة عاصمة سعيد، تابعنا في هذا التقرير العودة إلى المدارس، وما يصحبها من مشاعر تخالج الطفل في هذه المرحلة، ماذا عن الطفل الصغير؟

أنت مديرة روضة، كيف كانت هذه العودة؟ إن كانت هناك عودة ربما الآن.

عاصمة سعيد رشان: الحقيقة لم نبدأ للآن باستقبال الأطفال، ربما بكرة السبت، إن شاء الله، هيأنا الروضة لاستقبالهم لأن راجعوا كثير من الأهالي يودون الرجوع.

محمد كريشان: نحن اليوم زرناكم في الروضة، وكانت يعني مرتبة على صعيد الاستعداد لهذا الحدث، ماذا على صعيد الاستعداد التربوي والنفسي؟ هل الآن استعداداتكم لاستقبال طفل ربما مهزوز بعد كل الذي جرى تختلف عن استعداداتكم السابقة؟

عاصمة سعيد رشان: أكيد أتوقع أنه الأولاد حسب شدة الظرف، ووعي الأهل ستكون وطأة الحرب على هذا الطفل، يعني اللي تعرض للقصف مباشرة، أو فقد قسم من أفراد العائلة، أو عُوِّق، غير الطفل اللي مثلاً مجرد سمع صوت أو..، الأهل إن كانوا مثقفين أو واعيين تخف الوضع على الطفل، يعني بجلد، جلد الأهل هم قوة جأشهم يعني ما مثل الأهل الـ..

محمد كريشان: يعني هل لديكم استعدادات خاصة لرعاية بعض الحالات، ربما سمعتم عنها قبل العودة، أم ستكتشفون الحالات بعد العودة؟

عاصمة سعيد رشان: أكيد هي هذه مو أول مرة، قبل 10 سنوات أيضاً تعرض الطفل إلى مثل هيك هزات، وكنا في الدوام يعني، فأكيد راح تكون أكو حالات طفل مرعوب، طفل تعرضوا أهله إلى الأذى، فراح نشوف الحالة وعلى ضوئها تكون التصرف.

محمد كريشان: دكتور نعمان مثل ما أشارت السيدة عاصمة ليست هذه أول حرب والطفل العراقي في سنوات الحصار ومنذ 91 وضربة 98، هل أصبحت نفسية الطفل العراقي مهيأة أكثر للتفاعل مع هذه الأحداث؟

د. نعمان سرحان علي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحرب تترك آثار نفسية على الجميع، وبالأخص على الأطفال، هذه الحرب تختلف عن سابقاتها بحجم الدمار اللي صار، وطبيعة ما جرى من قتال أغلبه جرى داخل المدن وصارت .. دواخل المدن خلينا نقول هي مسرح العمليات العسكرية، الطفل حساس جداً وراح نتوقع كثير من الأزمات النفسية أو الأعراض النفسية اللي راح تنتج، الآن الوقت إحنا خلينا نقول مبكر المدارس بعد ما بدأت، وإذا بدأت قسم منها فوصول عدد الطلاب يمكن للمدارس يمكن 50% مثل ما شفنا أو أقل، ليش الطلاب ما بيجون المدارس، عامل الأمن أهم عامل، وأكو عامل آخر هو الخوف من مفارقة الأهل قسم من الأطفال يصيبهم نوع من الخوف إحنا نسميه (Separation exiting) يخاف يفارق أمه، لأنه ما يحس بالأمان.

محمد كريشان: صعب.. صعب المعلمة تعوض هذا الإحساس، يعني ما..

د. نعمان سرحان علي: إذا.. إذا قدرت المعلمة تساعد نعم تقدر بالمستقبل أن تعوض، وخوفه على أمه ليكون يرجع ما يلقاها، لأن الظروف اللي مر بيها كانت ظروف عصيبة، ظروف كليش صعبة، من الأعراض الأخرى اللي قد تظهر عندنا هي فاد أنماط سلوكية جديدة، لا تتلاءم مع مرحلة نمو طفل، يعني طفل نشوفه نظيف ومسيطر على إدراره في مراحل النمو ونضج نفسي نشوفه من بداية القصف، لما بدأت الحرب بدأ بمجرد سماع صفارة الإنذار، مجرد أن يسمع صوت الإطلاقات يبدي يتبول على نفسه، وقسم منهم بدأ ينصاب بعيب لساني أو تأتأة خلينا نسميها، أو تظهر عنده عادات ما موجودة، بيدأ يرجع يمص أصابعه أو تظهر على شكل كوابيس ليلية.. اضطرابات في النوم، يعني أرق مبكر أو ينهض الطفل مذعور بالليل، مو حتى الطفل حتى كبار ينهض مذعور جداً في الليل ويحتاج إلى.. إلى وقت يمكن نص ساعة أو ساعة أو أكثر إلى يطمئنه أهله، ويرجع للنوم، وهاي الكوابيس تتكرر بشكل متكرر، يصيب الأطفال أيضا نوبات من القلق والاكتئاب بتتكرر، ويصيبهم أيضا ضعف بالتركيز وعدم الرغبة بمزاولة قسم النشاطات، هذا يفسر.

محمد كريشان: يعني ضعف التركيز يؤثر حتى على المردود الدراسي بالتأكيد.

د. نعمان سرحان علي: نعم.. نعم أكيد راح يؤثر، وطبعاً مثل ما قالت الست عاصمة درجة التأثر نسبية فيه مناطق مثلاً تأثرت أكثر من غيرها، فيه مناطق في العراق ما صار عليه هذاك القصف الجوي ولا دخلته قوات عسكرية، ولهذا نشوف درجة التأثر راح تكون متفاوته، لكن أنا أتوقع إنه عدد كبير من أطفال العراق، راح يصابون بهذه الأعراض إضافة إلى أعراض أخرى إحنا نسميها أعراض جسدية نفسية المنشأ اللي هي آلام جسدية مثلاً آلام البطن أو آلام الرأس، اللي ما إلها فاد خلينا نقول أساس عضوي، المدى البعيد إحنا نتوقع راح تصير تبدل في قسم من سلوكيات الأطفال على المدى البعيد، إحنا قسم من ها الأعراض اللي نذكرها من ضمنها سرعة (الاستدرار) إحياناً، قسم الأعراض قد تكون وقتية وتاخد وقت أسبوعين، 4 أسابيع وربما أكثر شوية، لكن تدريجياً بمعونة الأسرة تخف، لكن قسم منها تبقى على مدى بعيد ر بما تدوم أشهر، ربما تمتد سنوات..

محمد كريشان: ربما تترك حتى بصماتها.

د. نعمان سرحان علي: هو هذا ما نسميه اضطراب عقدة الكرب الروحي، اللي هو مصنف عالمياً ويصير عقب تعرض الأشخاص إلى كوارث طبيعية.

محمد كريشان: نعم.. دكتور حقي أنت مختص في إدارة الأزمات النفسية، الآن ما هي الأشياء في ضوء ما ذكره الدكتور نعمان وهو طبيب ويعالج حالات مباشرة يراها يومياً ربما في المستشفى أو في العيادة، على الصعيد النفسي التربوي في الأزمة الحالية الآن، ما هي الأشياء التي يمكن القيام بها للتخفيف من وطأة ما جرى على الطفل العراقي؟

د. حقي إسماعيل الراوي: شكراً أستاذ محمد، بسم الله الرحمن الرحيم، اللي تفضل به دكتور نعمان كان وارد جداً، لكن يحتاج ذلك إلى طبيب أو قائد تربوي يعالج، أو ينقل هذا الحديث إلى حيز التطبيق، ففي إدارة أزمة الصدمات النفسية يتطلب تضافر الجهود المشتركة لتحقيق هدف مشترك في الوقت الحاضر، لا يعمل المعلم بمفرده والمديرة بمفردها، والطبيب النفسي بمفرده، والعائلة بمفردها، وإنما الكل تتكاتف لتحقيق هدف مشترك وهو كيفية إزالة هذه الآلام اللي والمخاوف اللي يحس بها الطفل نتيجة تعرضه إلى نقول إلى الاضطراب النفسي أو الإيذاء النفسي أو الأصوات المزعجة التي.. التي لم يعتد عليها ولو أن الطفل العراقي قد اعتاد على مثل هذه من 90 لحد الآن... نعم.

محمد كريشان [مقاطعاً]: عفواً عندما نقول الطفل العراقي اعتاد، هل اعتياد الطفل في حد ذاته على أزمات.. هذا القبيل، هو في حد ذاته أزمة يعني عندما يصبح الطفل يرى صوت القنابل أمر عادي، أصبح يميز أصوات الطائرات، أصوات الرشاشات، في عُمر.. عمر يفترض فيه أن يلعب ويمرح، أصبحنا نقول هذا أصبح أمراً عادياً، هل هذا أيضاً في حد ذاته يمثل أزمة؟

د. حقي إسماعيل الراوي: نعم يمثل أزمة، لكن هو في نفس الوقت علاج، وقاية، أنه الشخص عندما يتوضح له الأمر هذه هي إطلاقه، وهذا مدفع، وهذا صوت مدفع، وهذا صوت صافرة الإنذار، توضح له الأمر، يكون.. يكون تعرضه للحالة غير مفاجئ، لأن الصدمات النفسية psychological shock أو الـ Trauma يمكن الدكتور واختصاصه الدكتور نعمان، إنه الصدمات النفسية لما نجي لتعريفها، هي العجز النفسي في مواجهة الحوادث، نتيجة تعرض الطفل أو الفرد إلى حالة مفاجئة تهدد أمنه وسلامته، يصاحب ذلك خوف مستمر في التعامل مع الأشياء، إذن هو عندما تهدد أمنه وسلامته، إذن بما أنه هو .. يعتمد الطفل يعتمد على الراشدين في حمايته يعني توفير.. توفير الحماية، إذن هو من انفقدت، إذن الواقع.. الواقع ما هو؟ هو هذا الواقع الكبير مظلة، يعني ما حمى من هذا.. من هاي الأصوات وهاي الإيذاءات، إذن هو تعرض إلى صدمة نفسية، إذن هو أصيب بصدمة نفسية، إذن هو أساساً البناء السيكولوجي للـ (Adjustment) للتوافق النفسي تغير، ما هو البناء النفسي للـ (Adjustment)؟ لو ثرنا هذا السؤال، لنقول أنه الإيمان الموجود بالقلب في التعامل مع الأشياء، فقد هي من الإيمان يحمل خمسة أشياء في التعامل مع الأشياء حتى يتوفر الـ (Adjustment) هو الأمن والأمان والأمانة والائتمان والاستئمان، لماذا هذه الأشياء ترتبط بالـ (Adjustment) لأنه عندما يتوفر الأمن يزول الخوف، وعندما يتوفر الأمان يزول التردد وعندما يتوفر.. تتوفر الأمانة تزول الخيانة وعندما يتوفر الائتمان [الاستئمان] يزول التهديد، وعندما يتوفر الائتمان يزول الحذر، إذن عندما تتوفر هذه الأشياء يصبح الـ Adjustment يعني تعامل الطفل مع الأشياء تصبح في كامل قواها، أما عندما تنتقص هذه الأشياء، أي عنصر من هذه العناصر الخمسة، إذن يحتاج إلى رعاية نفسية.

محمد كريشان: سيدة عاصمة في ضوء حديث الدكتور نعمان والدكتور حقي يجعل من مهمة الروضة ومن مهمة المدرسة مهمة صعبة جداً يعني.

عاصمة سعيد رشان: أنا هذا ما أحاول أن أقوله الآن، أنه في البداية ما أعتقد الوقت مسموح أو العيادات مفتوحة، سواء على مستوى المستشفيات أو العيادات الخاصة، بحيث الأهالي بهذا الكم الغفير راح ترتاد مثل هيك أماكن، الآن يقع العبء الكبير على المعلم وعلى الهيئة التدريسية، باحتضان هؤلاء الأطفال، والمحاولة المستميتة إلى أنه ما راح أقدر أقول محو آثار هذا الخوف، ولكن تخفيف شدته على الطفل، وشعورة بالأمان وهو بين أحضانهم في المدارس، سواء من مستوى الروضة إلى المستوى... يعني الأكبر الأكبر والأكبر، ففي هذه المرحلة العبء على الوالدين كان في البداية، والآن على المدرسة.

محمد كريشان: لكن مثلاً في المرحلة الأولى بعد العودة بالنسبة لأطفال صغار، هل تفضلون مثلاً أن.. أن تبقى بعض الأمهات إلى جانب أطفالها، ربما هذا يساعد في الروضة، أم ربما من الأفضل ترك الأمر لكِ ولبقية المدرِّسات؟

عاصمة سعيد رشان: لأن الأطفال هم بالبداية يعني إحنا مبدأنا في رياض الأطفال أن المعلمة تكون حضن بديل عن الأم، فأنا جوِّيني يعني أطفال صغار بهذه الفترة من كنت بعد.. يعي دا أهيئ الروضة..، فمن الباب يعني الأطفال فاتحين أحضانهم، ويروحون يقفزوا إلى صدر المعلمات، وإلى أحضاننا، فالطفل يعني ما يحتاج في ها الفترة أمه بقدر ما يحتاج أنه معلمة صلبة، ومتفهمة نفسيته توفر له جو من الأمان.

محمد كريشان: نعم، موضوع الأمن والأمان من بين المسائل التي ركز عليها الذين اتصل بهم عبد السلام أبو مالك، بعض المديرات.. مديرات المدارس سألهم عن ظروف عودة الأطفال إلى المدارس، وأغلبهم ركز على هموم تختلط فيها المسائل في المجتمع العراقي مع تركيز واضح على الأمن، نتابع.

مديرة مدرسة: أني مديرة مدرسة، طلابنا أيضاً بالبداية التحق يعني تقريباً 50%، لكن الآن الحمد لله 100%، عانينا من عدة سلبيات، وعدم الأمان، صعوبة وصولنا للمدارس، طفلنا مظلوم من العائلة، الأم أيضاً تخاف على أطفالها، تأخير تشكيل حكومة شنو هذا السبب، وشنو المبررات، ما نريد نحكي معاناة الـ 35 سنة، لكن نريد يعني الواقع نشوفه، فطفلنا يعاني من سوء تغذية، قلة الغذاء، ضعف الحالة الصحية، سمعنا مساعدات.. وين هذه المساعدات؟ شنو اللي وصل للطفل هذا أو في واقع الحال أطفال العراق كمدرسة ابتدائية، الطفل بالحصار يجي يلتحق للمدرسة بدون رأيه، وهسه بالسابق ونقولها ربما كان أكو (...)، يعني تواجد هم من نتدارك أمور، العراق مكيف نفسه، لكن هسه شنو اللي صار، فصراحة يعني إحنا كمديرة مدرسة وكمربية لهذا الجيل نريد نلمس بعدين ذلك، وأيضاً كعراقية نحب أرضنا، ونحب وطننا، وهذا الواقع اللي كل العالم دا يشوفه، يعني إحنا نريد تعجيل الحكومة، ونريد يا الله أن خيارنا هو اللي يحكمنا، وما نريد نحكي معاناة النظام السابق.

مديرة مدرسة: عندنا سلبيات كثيرة، وحدثت يعني صعوبة بالنسبة إلى الكادر التدريسي، وبالنسبة إلى الإدارة، وبالنسبة إلى التلاميذ والتلميذات، بسبب.. لأسباب كثيرة متعددة، أولها: نقدر نقوله: إحنا أعلنا في الجوامع، لكن كنا نتمنى من الإذاعة والتلفزيون أن يحددون فاد وقت للدوام، وحتى وقت إلى الامتحانات، إلى حد الآن، احنا ما سمعنا ها الشيء بالإذاعة أو بالتليفزيون حتى يكونون التلاميذ على علم.

مديرة مدرسة: طبعاً مدرستنا إحنا (...) جيد، نعاني إنه الأطفال التعليم قل نصهم بدءوا يجوا للمدرسة، لأنه انعدام البنزين، انعدام الأمن فمو بالسهل يجوا من مناطق بعيدة، اللي يجون محدودين يمكن 100 طالب يجي باليوم، مع هذا الدراسة ماشية يأخذوا هم محاضرات، والأمور ماشية ok، لكن تبقى الوضع اللي إحنا به مو سهل، نريد أمن، نريد استقرار، نريد حكومة، مو هيك سايبين إحنا، نريد إنه حتى أطفالنا يجون يحسون بالأمان، يحسون بالراحة بالمدرسة، يعني عايشين ما نريد نقول، جو رعب، بس جو يخوُّف، مو.. مو مو سليم.. مو سليم للدراسة، الست الناظرة مالتنا دا يجون من الأهالي يحرسون المدرسة، يبقون بالإضافة للحارس مال المدرسة، بس ما يقدرو يشيلوا السلاح، يعني ممكن واحد يجي يفوت يضرب قنبلة بالمدرسة ويطلع، والنتيجة شنو؟ فإحنا نريد فاد أمن استقرار، يوفروا لنا البنزين، كهرباء، إحنا طابق ثاني، الجو اللي فوق كليش حار، الطابق الثاني كليش حار، بالمفروض يكون عندنا كهرباء حتى أطفال يجون يقعدون، قاعة باردة، مي بارد، هاي كلها ما عندنا إحنا، إحنا نريد تكمل هاي السنة الدراسية، لأنه حرامات إحنا شنو مخلصين المناهج 90%، ومعلوماتنا (كانت) كلهم مسيطرين على المادة، وظروف الحرب إحنا يعني هاي فاد شيء انفرض علينا، شيء مجبورين صار علينا، فما بأريد هاي السنة تضيع على الأطفال، حرامات يعني، الجيل اللي يجي وراه شو راح يكون مصيره يعني؟ فإحنا نريد.. نريد تكمل هاي السنة، نريد امتحانات، نريد كل شيء.

آثار الحرب وخطورة انطباعاتها على شخصية الطفل العراقي

محمد كريشان: إذن كانت هذه النظرة حول الطفل في المدرسة، ولو أن الطفل لا يوجد فقط في المدرسة، يوجد كذلك في البيت، يوجد كذلك في الشارع، وهذه المسائل التي سنحاول أن نسلط عليها الضوء مع ضيوفنا الثلاثة هنا في الأستوديو.

دكتور نعمان، الخمس سنوات الأولى يقول الخبراء النفسيون إنها الفترة الأصعب والأهم في تحديد شخصية الطفل، الآن في ظل الظروف التي عاشتها العراق، ما هي الأشياء التي يُخشى أن تترك بصماتها في شخصية هذا الجيل العراقي الحالي؟

د. نعمان سرحان علي: والله البصمات أو الآثار اللي نتوقعها هي خطيرة بالحقيقة وكثيرة، مرحلة نمو الطفل هاي اللي تفضلت بها الخمس سنوات مرحلة حساسة جداً، الطفل يحتاج الرعاية، يحتاج الأمان، يحتاج الحنان، ويحتاج أمور كثيرة توفرها إله الأسرة، وحسن المعاملة والاستماع إلى مشاكله، بنفس الوقت هي مو بس مسؤولية الأسرة يمكن إذا كان بيروح إلى.. إلى حضانة أو إلى روضة، أيضاً أكو دور تكمله الروضة أو الحضانة، ويجب أن يكون -خلينا نقول- التوجه واحد، ففي مرحلة النمو هذه، ويتعرض الطفل إلى ها المخاطر.. المخاطر طبعاً كبيرة مخاطر الحرب، قد يعي قسم منها، وقد لا يعي القسم الآخر، لكن ما يشاهده من مناظر دمار، وربما قسم منهم شاهد مقتل ذويه أو.. أو -خلينا نقول- قصف مسكنه أو ما شاهده من مناظر على التلفاز من مناظر قتل أو مناظر..

محمد كريشاان: ربما ليسوا أيضاً في حاجة للتلفاز، لأنه الأجوار والحديث في البيت كله عن فلان وفلانة، والبيت الفلاني.

د. نعمان سرحان علي: كله يدور حول.. نعم، فلان بيته انقصف، فلان بيته نُهب أو انسلب، فلان مثلاً أُسر، فلان قتل، فلان بها الوضع الأمني.. الفلتان الأمني خلينا نسميه أنه انسلبت سيارته أو انقتل أبوه، وما شابه، هاي قصص مروعة، التأثيرات (...) خطرة على أطفال العراق، التأثيرات قسم منها تدوم لفترات طويلة جداً، نعم، قسم منها تقدر الأسرة تتعامل وياها بالتطمين، بتشجيع الطفل، بتفهم مشاعره وتكمل المدرسة، المدرّسة التربوية اللي تقدر تكمل الدور، وتعي أن هو هذا الطفل لما بيشاكس مو هو سيئ السلوك، وأنه ماذا بيعكس فاد معاناة معينة، ما قدر يترجمها إلى كلمات، القدرة اللغوية قد.. قد اللغة قد ما تكون عنده قوية تبين عنده على سلوك مثلاً: عصيان، عدم إطاعة أوامر، فرط الحركة، إيذاء الآخرين.

محمد كريشان: رغبة في التمرد يعني؟

د. نعمان سرحان علي: رغبة في التمرد، هاي إحنا لازم نكون واعين إلها، وبدل ما نجابه ها السلوك بالعنف أو بالضرب أو العقاب الجسدي، يجب أن نكون واعين متفهمين، ونفهم ليش ها الطفل بيتصرف بهاي الطريقة، الضرر اللي يصير مو فقط على أطفال العراق في ها المرحلة، فيه كثير حسب ما سمعت دراسة جداً حديثة أو ملاحظة لزملائنا إنه حتى أطفال في دول عربية، ظهرت على.. عليهم علامات تبدل مزاج نحو الاكتئاب في دول هم بعيدة عن العراق لكثرة ما شاهدوه من مناظر خراب ودمار ومناظر أطفال في عمرهم، يشربون المي من السواقي، أو في المستشفيات يعانون من الجراح ويئنون، وهو تعاطف الطفل مع الطفل، الآثار النفسية نعم قد تبقى لسنوات، وإحنا عندنا الآن من البالغين اللي عانوا من حرب سنة الـ 80 وحرب الـ 91 لا تزال آثار موجودة لديهم، من بينهم المعوقين، ومن بينهم أسرى الحرب اللي ظلوا يعانون سنوات طويلة من سوء المعاملة في السجون، وإضافة إلى سوء التغذية، وكثير من الأمور، والبعد والانقطاع عن الأهل.

محمد كريشان: نعم، هو على كل دكتور، هذا انعكس حتى في نوعية اللعب، ونوعية الألعاب لدى الطفل، وهو ما سنسعى إلى التطرق إليه.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: سيدة عاصمة، في ضوء ما قاله الدكتور نعمان، الحق في اللعب هو حق مقدس للطفل.

عاصمة سعيد رشان: نعم.

محمد كريشان: ومرحلة الروضة مرحلة ربما يكون فيها الطفل يرغب أكثر من أي مرحلة أخرى في.. في اللعب، هل هذه الأجواء تنعكس حتى عن.. على طبيعة اللعب، مثلاً قبل يومين شاهدت في الشارع فتاة صغيرة، وتلعب على أساس أنها مقاتلة وبالرشاش، وخلف المتاريس، مع أن هذا النوع ربما يلتصق أكثر بالذكور أكثر منه بالإناث، فهل لمستِ في السابق أو تتوقعين أن تلمسي مع عودة الأطفال تبدل في نوع حتى الألعاب التي يميلون إليها؟

عاصمة سعيد رشان: أستاذ محمد، همي.. همي أنا الأساسي في التعامل مع الأطفال في هذه المرحلة هدفين:

الهدف الأول: هو كيفية لا أقول محو، ولكن تخفيف هذا الخوف، يعني إن كان أكو شيء يُخاف منه على الطفل فهو الخوف، فراح تنسحب عل كل مراحل الحياة، ويتطور مع تطور بنائه النفسي والعقلي والجسمي، وينسحب على كل الحياة، فدور المعلم الآن يعني كيف يخلي هذا الطفل الذي شاهد ما شاهد وسمع ما سمع، سواءً عن طريق الأهل، أو التلفاز، أو.. أو الواقع، كيف يتعامل مع الحياة وينظر لها بمنظارها الواقعي، وليس الأسود القاتم اللي كان فعلاً؟ فهل ستستطيع المعلمة أو المربية، وخاصة -مثلما تفضل الدكتور نعمان- الخمس سنوات الأولى هي تشكيل شخصية الإنسان، واللي تكون مثل النحت على الصخر، يعني كثير من الأشياء إحنا الكبار سواءً بالإيجاب أو بالسلب ما نحبها يعني ما.. أريد أن أمحيها، لكن ما أقدر، كيف أتت؟ لماذا هي بهذا الالتصاق بي؟ هي نتيجة الخمس سنوات الأولى في حياتي.

محمد كريشان: لكن سيدة عاصمة مثلاً على افتراض أنك تجدي بعض الأطفال في الساحة يلعبون على أساس أنهم مقاتلون، وجنود، ودبابات، يعني كيف ستتصرفين، هل ستطلب منهم الإقلاع عن هذه الألعاب، هل تحاول أن تشرحي لهم بأن الحرب شيء مقيت عليهم ألا يقلدوه، يعني عملياً كيف يمكن لكِ أن.. أن.. تستوعبي الظاهرة؟

عاصمة سعيد رشان: نعم، أستاذ محمد، أي شيء مهما كانت جسامة الشيء السلبي فيه أو فظاعة الأمر، فيه شيء إيجابي، وإن كان أكو بهذه الحرب شيء إيجابي هو غرس في ذهن هذا الطفل بشاعة الحرب، وهل يوجد شيء في الحياة يستحق أن يقتل إنسان أخاه الإنسان، أو أن ييتم به الأطفال، أو يقتل طفولة الأطفال؟ هل يوجد من شيء في الحياة يستحق؟ أعتقد لأ فإن كان أكو شيء إيجابي، فعلى المربي اليوم أن يغرس بشاعة الحرب في أذهان هذا الجيل اللي شاهدها كواقع وكحقيقة، ويحاول يكون من المدافعين عن السلام وعن العيش بسلام وأخوَّة، ليس في العراق فحسب، بل في العالم أجمع.

كيفية تخفيف وطأة الحرب وآثارها على الطفل العراقي

محمد كريشان: نعم، دكتور حقي، هل.. هل يمكن الجزم بأن هؤلاء الأطفال سُرقت منهم طفولتهم؟ وعندما تسرق الطفولة بكل هذا الدمار وبكل هذه المآسي، هل هناك ما يمكن أن يعوضها، أو على.. لنقل ما يمكن أن يخفف من وطأة هذا.. هذا السرق للطفولة.. هذه السرقة للطفولة؟

د. حقي إسماعيل الراوي: شكراً أستاذ محمد.. الأشياء اللي يعاني منها الأطفال، ليس طفل الروضة فقط، وإنما من سنة واحد إلى.. إلى 8 سنوات، أو إلى 7 سنوات، ومن سن 8 إلى 18 سنة أكثر ما.. أكثر ما يتعرض إليه الأطفال والمراهقون في.. في مرحلة (...) أو (adolescence) يعني بداية المراهقة أو نهاية المراهقة، يتعرضون إلى هاي الأشياء، اللي تحدثت عنها الست عاصمة، وتحدث عنها الدكتور نعمان، لكن هناك أشياء لمعالجتها كثيرة، هو أنه كيف نستقبل هؤلاء الأطفال في المدرسة، المدرسة تعد في الوقت الحاضر ديمومة الحياة للطفل، وبداية الحياة الجديدة للطفل، بعد أن أصابه ما أصابه من ويلات تعرض لها.. لها خلال هذه الفترة، وهي القصف.. القصف الشديد للمنازل، والقصف الشديد للمدارس، والقصف الشديد للمؤسسات، وكذلك الشوارع، وكذلك ما حدث من تخريب.. أعمال تخريب وحرق لمؤسسات تربوية، حرق لمستلزمات التعلم، من الرحلات وكذلك كتب مدرسية ولوازم، إذن.. إذن أصاب ما أصاب هذا الطفل، وهناك ردود أفعال لما أصابه، وهي ردود أفعال طبيعية، منها مثل ما تطرق إلها الدكتور أنه الصعوبة في التحدث، الهروبية، الانسحابية، القلق، الخوف، اللعب.. اللعب بأجهزة أو معدات خطرة، هاي احتمال كليش وارد، أنه.. تصاحب هذا الطفل، وكذلك الحال هو الأهم في الوقت الحاضر بما أن.. أننا ها الحديث اللي يدور في الوقت الحاضر هو عن المدرسة، هو يصاب بضعف القدرة على التركيز، وهو ما يسمى بالـ (IDD) أو إذا يتطور.. إذا تتطور الحالة عند شخص شاف المشاهد بشكل مستمر يصير عنده الـ (IDHD)، وهو (Attention Deficit Disorder) أو (Attention Deficit Hyper Disorder) ضعف القدرة العالية على التركيز، إذن كيف يمكننا معالجة ذلك؟ في المدرسة عندما نستقبل هذا الطفل الذي عانى من هذا.. من هذه الصدمات النفسية، أو عانى من هذا الخوف، أو.. قد تهدد أمنه وسلامته، لا نستقبله بالدراسة، بمعنى الدراسة التكاملية، لأنه هو هسه قليل.. قليل القدرة على التعلم، لأنه هو أصيب بضعف القدرة على التركيز، إذن كيف يكن أن نستقبله؟ نستقبله باللعب.. بأنشطة اللعب، أنه نكثر من أنشطة اللعب حتى تعيد علاقته..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ما هو.. اللعب أيضاً اللعب المدروس، لأن أيضاً هذا..

د. حقي إسماعيل الراوي [مستأنفاً]: نعم، اللعب المدروس..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هذا.. هذا فن وهذا..

د. حقي إسماعيل الراوي [مستأنفاً]: نعم.. اللعب المدروس..

محمد كريشان: قد.. قد لا يجيده الكل يعني..

د. حقي إسماعيل الراوي: وليس اللعب -نقول- الهامشي اللعب المدروس هو شنو؟ اللعب التعاوني أنه شلون نعيده إلى المجموعة، وهناك ألعاب كثيرة من اللعب التعاوني، يعني على سبيل المثال من اللعب التعاوني هو أنه تصير حلقة من الطلاب، حلقة من الطلاب يمسكون كل شخص بإيد الثاني ويقف الطالب الذي يعاني من الصدمة النفسية بعد تشخيص من قبل المعلمة أو الوالدين أو اللي هنشوفه هو ضعف القدرة العالية عنده على التركيز أو ضعف القدرة على التركيز، فيصبح هذا الطفل، يصبح في وسط هذه الحلقة بين أقرانه ويبدأ يميل نفسه وين.. يميل نفسه إلى أحد الأطراف من الحلقة، فالطفل الثاني يسنده إله، حتى لا يقع، فيحس هنا بالأمان ليش؟ لأن الطفل أصبح بعد أن فقد الأمن أو فقد العلاقة اللي كانت بينه وبين الأطفال الآخرين، إذن أيش لون يعيد العلاقة؟ إذن من وقع الطفل الثاني حماه من الوقع والطفل الثالث حماه وهكذا، هاي لعبة من الألعاب اللي تعيد العلاقات.

محمد كريشان: نعم.. دكتور نعمان يعني هذا الجيل وهذه الأطفال.. هؤلاء الأطفال الذين تعرضوا لهذه المحنة، إما أن يصبحوا مهزوزين ومعقّدين بالخوف -مثلما أشارت السيدة عاصمة، وقالت علينا.. علينا نخاف من الخوف- وإما أن يصبحوا قساة وغلاظ الطبع بحيث ينشأون على، يعني كل.. كل الجوانب الإنسانية الدافئة يفتقدونها، أين.. أي الكفتين ترجح بالنسبة لمستقبل أطفال العراق؟

د. نعمان سرحان علي: الحقيقة إحنا في ها.. خلينا نقول الحوار أو الندوة، إحنا ندق جرس إنذار، إنه أكو ظواهر كثيرة راح تصير، لكن مو كل الظواهر اللي نذكرها هي راح تدوم لفترات طويلة، قسم منها وقتية وطبيعية، ردة فعل طبيعية، الخوف طبيعي عند الإنسان، وعند الطفل هذا الخوف وما يصاحبه من كوابيس ومن اضطرابات قلق أو ما شابه، قد تدوم لعدة أشهر، وتختفي إحنا اللي نخاف منه هو الأعراض اللي تترك آثار على المدى البعيد، وهي طبعاً هذه مع مرور الزمن العدد مالها أو نسبتها تقل، بتوافر العلاج.. بتضافر الجهود..

محمد كريشان [مقاطعاً]: بتغير أوضاع البلد يعني إذا.. إذا.. إذا كان هناك بالمستقبل استقرار وازدهار اقتصادي و..

د. نعمان سرحان علي: بالضبط، وكلما تدخلنا بسرعة، إحنا عندنا عامل أساسي هو توفير العلاج أو التدخل السريع متى ما تدخلنا بسرعة، وفي المراحل المبكرة لهذه الأعراض، ضمنّا نجاح الخطة العلاجية، متى ما تأخرنا المردود راح يكون سلبي ونتيجة العلاج تكون.. ما تكونش النتيجة الجيدة، إذن الأساس إنه نتدخل.

الآن إحنا عبرنا مرحلة الصدمة، يقسموها مراحل الكرب أو (Stress) إلى مرحلة الصدمة و (impact) مرحلة الحرب وما تلاها من.. من سلب ونهب، خلينا نقول تعدينا مرحلة الصدمة الآن، نيجي (...) نيجي نستكشف نسوي الإحصائيات، نسوي مثل ما نقول (Surveyes) نشوف شنو حل المشكلة نعم.. مثل ما تفضل..

محمد كريشان: تقدير الموقف.

د. نعمان سرحان علي: أكو تأثيرات تبقى على المدى البعيد، قسم منهم يسلك سلوك الهروب إحنا نسميه (escapist) يعني يهرب إلى من.. من يكبر يهرب إلى التدخين، يهرب إلى المخدرات إن توفرت في البلد، يهرب إلى الكحول، وأحياناً يهرب إلى سلوكيات هي متناقضة مع المجتمع نعم، الحرب قد تترك آثار طويلة على المدى البعيد في كلا الاتجاهين، في نمو أو نضج الشخصية، وفي وجود عدد قد يكون نموهم الشخصي وتوافقهم مع أسرهم ومع الناس اللي يعملوا معاهم يكون مو ذاك التوافق.

الآن إحنا نتحدث عن أطفال عمرهم 5 سنين أو 10 سنين، لكن هادول هم جيل المستقبل، هادول جيل المستقبل بعد 10 - 15 سنة، يجب أن تكون الصورة واضحة أمامنا، يجب أن نوفر لهم الدعم والعون الكافي، ولكن بشكل مبكر وسريع حتى نتلافى النتائج السلبية.

ظاهرة اقتراب الطفل العراقي من الجندي الأميركي وخطورتها على شخصيته

محمد كريشان: دكتور، هناك أيضاً انتهت الحرب، ولكن الطفل يشاهد الدبابات الأميركية والجندي الأميركي في كل شارع، وفي كل زقاق، وفي ربما بجانب بيته، وهناك لاحظت -أقول- نوع من الفضول لدى الأطفال في التعرف على الدبابة، في الحديث مع جندي يتحدث لغة غير اللغة التي عهدوها، كيف تتابع هذه الظاهرة؟ هل تدعو إلى القلق؟ كيف تراها أنت؟ لأن..

د. نعمان سرحان علي: والله قبل ما أجاوبك على السؤال أردت أعقب على موضوع اللعب مال الأطفال، سمعت قبل فترة أنه في أحد المحافظات يجون الأطفال وأكو ناس عندهم سلاح، بندقية آلية، ويجي طفل يستعمل البندقية، ويطلق طلقة واحدة مقابل مبلغ 250 أو 500 دينار، كواحدة من اللعب الخطرة جداً.

الظاهرة اللي تفضلت بها ظاهرة تجمع الأطفال حول الدبابات أو الجنود الأميركان هو الطفل..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وبعضهم حتى يستمتع بأن الجندي سمح له بأن يرى الدبابة من الداخل..

د. نعمان سرحان علي: نعم.. نعم، حب الاستطلاع لدى الأطفال والفضول يدفعهم إلى هاي الشيء، حب الاستطلاع أحياناً يوقع أطفالنا في مشاكل كثيرة، وتسمعون في.. يمكن في الأخبار إنه يومياً طفلين أو ثلاثة تنفجر عليهم إما قنابل عنقودية أو قنابل غير متفلقة، عتاد مال.. مال الهاون أو قنبلة صاروخ أو ما شابه، وفضوله يدفعه أنه يجي يلعب بها بدل ما إحنا.. المفروض إحنا الآن ننبه الطفل، ونعلمه لما يشوف شيء غريب لا يتقرب منه، ولا تتقرب من الدبابة الأميركية، لأن هذه أيضاً قد تكون هدف، قد تكون عرضة لإطلاق نار أو ما شابه، وفيه خطورة كبيرة على طفلنا.

الطفل العراقي ما يشاهد دبابة تفوت في الشارع قد يكون شاف عسكري، سيارة عسكرية، بندقية، لكن أن تصل الدبابة إلى قرب بيته والجندي الأميركي يتجول يشوفه فاد شيء يعني، فاد شيء غريب ويمكن يتقرب عليه بدافع الفضول، مو أكثر يعني. وأعتقد أنه اجتماعهم على الدبابات ظاهرة يعني خطيرة ومسؤولية الآن المدارس إذا داوموا، ومسؤولية الأهل أن ينبهوهم، حفاظاً على سلامتهم.

محمد كريشان: سيدة عاصمة كيف ربما تتعاملون مع هذه الظاهرة إذا ما طرحت.. هو طرحها الأطفال يعني؟

عاصمة سعيد رشان: والله.. طبعاً أنا عند أولاد، وعندي أحفاد أيضاً.

محمد كريشان: الله يخليهم لك.

عاصمة سعيد رشان: الله يرضى عليك، فأنا محذرة من هذا الشيء، أنه لا.. خاصة إحنا من البيوت التي قُصفت، وفيها كثير من الشظايا.

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني بيتك قصف؟

عاصمة سعيد رشان: أي نعم، فوصيت الأطفال أنه لا أحد يشيل أي من هذه الشظايا لأن قد تكون بها شيء غير مفجر بعد أو شيء من هذا القبيل، لكن ما تقدر تمنع الأطفال أن يطلع إلى الشارع أو يشوف جندي أو فاد دبابة، لأن في هذه المرحلة أنا ضمن أنه تعاملي مع الأطفال خمس سنوات أسميها مرحلة السؤال، اللي هي عبارة عن الطفل يسأل عن كل شيء، لماذا؟ وماذا؟ وكيف حدث، ومن هذا فمن فيشوف ظاهرة يعني، بدون أن يسأل، يريدون يشوف شنو..

محمد كريشان: هناك ربما أسئلة حائرة مثلاً: كيف يمكن أن.. أن تشرح للطفل طبيعة هذا الوجود العسكري الأجنبي في بلده؟ يعني ربما أنتِ تصورين له بأن هذا جندي احتلال وجندي كريه، بينما هو يراه لطيفاً وحبَّاباً مثلما تقولون ويعطيه الحلوى ويتحدث إليه، إذن هناك مفارقات بالنسبة للطفل، ستزيد من شكوكه يعني؟

عاصمة سعيد رشان: أستاذ محمد، الشيء اللي قلقني قبل أن أبدأ الدوام، لأن راح أتعرض إلى أسئلة الأطفال، فمثلاً إذا سألني الطفل: لماذا قامت الحرب؟ ولماذا علينا بالذات؟ ماذا أجيب؟ مَنْ هو الجاني في هذه الحرب؟ ماذا أجيب؟ هل ممكن أن تحدث لنا مرة أخرى؟ ماذا أجيب؟ كيف أتقي هذه الحرب، أو أقي نفسي؟ لا.. ليس عندي أجوبة لهذا، أو أحاول أن ألقي جواب، لمثل هكذا أسئلة من الأطفال.

محمد كريشان: نعم، دكتور حقي، هذه الأسئلة الحائرة كيف يمكن التعاطي معها؟

د. حقي إسماعيل الراوي: نعم، أستاذ محمد شيء طبيعي أنه الطفل في هذه المرحلة يسأل، يسأل ولكن لا يدرك، وما شفناه إحنا بالـ title بأنه طفل يتحدث عن تغيير المناهج في المستقبل، هذا.. هذا مو طفل، الطفل لا يدرك تغيير المناهج، يعني لا يدرك المستقبل وتغيير المناهج، وإنما هذا الطفل مُدرَّب يعني مدرب لأن يقول هذا الكلام، وإنما طفل هذه المرحلة هو يطرح السؤال لأنه لا يدرك المستقبل فيطرح السؤال، لهذا نشوف إحنا شيء طبيعي إنه يتعامل مع الدبابة، يجي (يم) الدبابة، لأنه لا يدرك من هؤلاء، ولا يدرك من، ولكن بعد أن يسأل ويتعرف على هؤلاء يصبح.. يصبح أنه متعلم، من هذا؟ إذن.. إذن أنه نعلمه كيف يتعامل -مثل ما تفضل الدكتور نعمان- كيف يتعامل مع الحدث؟ مع الواقع؟ الدبابة الأميركية أو الجندي الأميركي والجندي على سبيل المثال محتل فكيف يتعامل معه؟ الدبابة الأميركية خطرة مكان وجودها، ربما تتعرض لحادث، وربما يكون هناك حادث معين، التعامل مع القذائف، التعامل إذن.. إذا.. ربما يكون هناك مصائد مثل ما يطلقون عليها مصائد للمغفلين يسموها يعني، يعني لعبة جميلة أو كرة هي.. هي قنبلة عنقودية أو هذا إذن نحذر الأطفال في التعامل مع هذه الأشياء أولاً، ثم نتركهم إلى اللعب للنشاطات اللي.. مثل.. مثل ما تحدثت قبل.. قبل..

محمد كريشان [مقاطعاً]: على ذكر اللعب، بدأت في العراق تنتشر الأطباق الفضائية الدشات، وأصبح الطفل العراقي بإمكانه أن يرى أطفال العالم كيف يعيشون بمرح.. بانشراح، بأجواء للأسف الشديد هو يفتقر إليها الآن، هل هذا يلقي بظلال تعمّق الأزمة لدى الطفل العراقي؟

د. حقي إسماعيل الراوي: الطفل العراقي يشاهد كل شيء، أو الطفل مو شرط العراقي لم يكن وحدة فقط، وإنما كل طفل.. يتمتع لمشاهدة كل شيء لكن يستمر بهذا التمتع في.. في كسب هذا التمتع، ومع الأشياء اللي يتمتع نفسياً، يحس بها.. أكو لذة نفسية، يعني يشاهد الأطفال، لكن لا يدرك كيف أيضاً هو.. لأنه هو يكون فكره محدود إلى.. تفكيره يكون محدود إلى.. إلى مدى معين أو Range معين، فلا يمكن أن يفسر تفسيرات عميقة مثل ما إحنا ندرك الأشياء في التعامل مع الدش، إذن يقع العبء الكبير على.. على العائلة في توجيه أطفالهم لمشاهدة الأفلام أو البرامج الثقافية اللي.. اللي.. اللي تؤهله للنمو المستقبلي أو اللي تؤهله للتعامل مع الحياة الاجتماعية، هذا..

محمد كريشان: نعم، دكتور نعمان في أقل من دقيقتين، مع نهاية البرنامج من كل ضيف يحاول أن يقدم تصور ربما أو فكرة سريعة هكذا كمقترح.

د. نعمان سرحان علي: والله هي مقترحات أو توصيات، وأريد أستغلها لأوجه نداء يعني إلى كل المهتمين في مجال الصحة النفسية من العراقيين والعرب، بمد يد العون لأطفال العراق بكل الوسائل الممكنة اللي يتمكنون عليها، وحسب ما أعرف أكو اجتماع للجمعية الطبية العراقية في بريطانيا بعد غد يوم الأحد، في (إيلينج هوسبيتال) وأتمنى أن يسمعوا ندائي هذا ويخلون هذا المحور جزء من اهتماماتهم.

نعم، نحن لدينا الخبرة الكافية، ولكن ما تعرضنا إليه من نهب وسلب المستشفيات، ترك قابليتنا محدودة جداً.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لضيوفنا الكرام. هنا في الأستوديو الدكتور نعمان سرحان علي وهو (طبيب نفساني للأطفال) نشكر أيضاً السيدة عاصمة سعيد رشان (مديرة روضة أطفال) والدكتور حقي إسماعيل الراوي، ولو أنكما لم تدليا بكلمة أخيرة، الوقت أدركنا، شكراً جزيلاً لكم جميعاً في نهاية البرنامج -عفواً- في نهاية البرنامج أيضاً نشكر الطاقم الفني حسن مفتاح، فهد المحمودي، فهد السويدي، بقيادة المخرج فريد الجابري، تحية طيبة، وفي أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة