في العلمانية والدين والديمقراطية لرفيق عبد السلام   
الأحد 1429/5/28 هـ - الموافق 1/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:45 (مكة المكرمة)، 12:45 (غرينتش)

- مفاهيم العلمانيات وسياقاتها التاريخية
- العلمانية بين الاستبداد والديمقراطية

مفاهيم العلمانيات وسياقاتها التاريخية

رفيق عبد السلام
رفيق عبد السلام:
الكتاب هو معنون بالعلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات. أما القضايا الأساسية التي يتناولها الكتاب فهي مثلما يوحي بذلك العنوان هي قضايا أو مفاهيم العلمانية والدين والديمقراطية مع البحث عن تحديد صيغ العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاث، نوعية العلاقة التي تربط هذه الظواهر أو هذه المفاهيم الثلاث ببعضها البعض. الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا الكتاب هي أن هذه المفاهيم مركبة وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة بين هذه المفاهيم، ليست بسيطة وليست نمطية هي بدورها مركبة ومعقدة أيضا. كما ذكرت في سياق الكتاب العلمانية ليست واحدة، العلمانية هي علمانيات متعددة ولذلك لعله من الأنسب تناول هذا الموضوع ضمن سياقاته التاريخية والاجتماعية بدل التركيز على الجانب النظري المجرد، لأنه لا توجد علمانية في حد ذاتها هنالك علمانيات منطبعة بالتجارب التاريخية المختلفة والسياقات التاريخية المختلفة. لدينا مثلا النموذج الفرنسي وإلى حد ما النموذج السوفياتي، هذا نموذج تدخلي، هناك علمانية جذرية تراهن على تأميم الحياة العامة وتسلط الدولة على الدين من بعض النواحي. العلمانية السوفياتية مثلا تقوم على إلغاء الدين أو إبعاد الدين من الحياة العامة وكذلك الأمر بالنسبة للائكية الفرنسية هي لائكية تدخلية لا تراهن على تحييد الدولة أو المؤسسة السياسية من المجال الديني ولكن تراهن على سيطرة الدولة على الحقل الديني أو على مجالات التعبير الديني. هنالك علمانيات أخرى أكثر حيادية، تجارب مثلا إسكندنافيا وإلى حد ما سويسرا، هذه علمانية حيادية تقوم على فتح المجال أمام مختلف التعبيرات الدينية ومختلف الظواهر الدينية وأن تلتزم الدولة بشيء من الحياد إزاء التعبيرات الدينية والثقافية. هنالك نموذج ثالث يمكن أن نسميه نوع من الربط الوظيفي بين الديني والسياسي وبين حتى الدين والدولة، النموذج البريطاني إلى حد ما إيطاليا وإيرلندا، هذه الدول قد جمعت بشكل أو بآخر بين الدين والسياسة أو تحديدا حتى بين الكنيسة والدولة، في بريطانيا إلى حد الآن ما زالت الملكة تتولى تمثيل التاج البريطاني وفي نفس الوقت رئاسة الكنيسة الإنغليكانية، الكنيسة في إيطاليا ما زالت تتدخل بشكل خفي وأحيانا بشكل معلن في الحياة السياسية الإيطالية. الولايات المتحدة الأميركية رغم أنها أقرت من الناحية الدستورية ما يسمى بإقامة جدار جيفرسون الفاصل بين الكنيسة والدولة ولكن في واقع الحال هناك تداخل بين الديني والسياسي وحتى بين الكنيسة والدولة في بعض المناحي حقيقة، لا يمكن تصور مثلا الأحزاب السياسية بمعزل عن نفوذ الكنائس وحضور الكنائس ولا يمكن تصور مثلا ظاهرة مثل ظاهرة المحافظين الجدد بدون تأثير الكنائس خاصة في الحزام الجنوبي للولايات المتحدة الأميركية. طبعا قضية علاقة الدين بالسياسة قضية مركبة وتختلف من بلد إلى آخر، في الولايات المتحدة الأميركية الحياة العامة وحتى الحياة السياسية منطبعة بالتأثيرات الدينية البروتستانتية ولذلك الملاحظة التي قالها ألكسيس نيوتوكليل منذ وقت مبكر في معرض مقارنته بين الثورة الفرنسية والثورة الأميركية قال بأن الكنيسة تعتبر أهم مؤسسة سياسية فاعلة في الولايات المتحدة الأميركية وربما هذا يعود كما ذكرت إلى سياقات التاريخ، الولايات المتحدة الأميركية هي منتج المستوطنين البروتستانت بالأساس الذين هاجروا من أوروبا وخاصة من بريطانيا هروبا من الحروب الدينية والاضطهاد الديني فالقضية الأساسية في الولايات المتحدة الأميركية ليس تخليص الدولة من سيطرة الكنيسة أو تخليص الديني من سيطرة السياسي القضية الأساسية في الولايات المتحدة الأميركية كيف يمكن الحد من سيطرة الدولة على المجال الديني وعلى الحياة الاجتماعية والثقافية.


العلمانية بين الاستبداد والديمقراطية

الغرب مركب لا نستطيع أن نقول إن الغرب علماني بالكامل كما يصور في الكثير من الأدبيات العلمانية وربما حتى الأدبيات الإسلامية يصور الغرب كأنه كافر ليس له صلة بالمواريث التاريخية والدينية
رفيق عبد السلام:
وربما من هذه الناحية هنالك بعض أوجه التشابه، أنا لا أريد أن أقول بأن هنالك نماذج مكتملة وناجزة بالنسبة للعالم العربي يعني أن نستنسخ النموذج الأميركي باعتباره النموذج الأمثل ولكن يبدو لي أن التجربة الأميركية تبدو أقرب للعالم العربي والعالم الإسلامي حيث أن المشكلة الأساسية في الرقعة العربية والإسلامية لا تتمثل في تخليص السياسي من سيطرة الديني ولا تخليص الدولة من سيطرة الكنيسة لأنه لا توجد كنيسة أصلا ولكن بالأساس تخليص الديني من سيطرة السياسي وسيطرة الدولة. المعضلة الأساسية التي نعانيها في العالم العربي هي تسلط الدولة على الدين ومختلف التعبيرات الثقافية والمقدرات الاجتماعية والتعبيرات المادية والرمزية في العالم العربي، الدولة كما تريد أن تستأثر بالمصالح المادية تريد أن تستأثر أيضا بالمصالح المعنوية والرمزية التي يمثلها الدين والمؤسسات الدينية. الغرب مركب لا نستطيع أن نقول إن الغرب هو علماني بالكامل كما يصور في الكثير من الأدبيات العلمانية وربما حتى الأدبيات الإسلامية يصور الغرب كأنه كافر ليس له صلة بالمواريث التاريخية والدينية أو أن يصور أيضا أن الغرب أنه ديني بالكامل لم يحدث أي انتقال أو أي قطيعة في السياقات التاريخية والثقافية الغربية. الغرب يبدو لي مزيجا مركبا فيه أنواع أو أنماط من الاستمرارية مثلما فيه وجوه أيضا من القطيعة والانفصال مع الميراث المسيحي الكنسي، ولذلك يجب أن نميز هنا بين جانبين اثنين، بين علاقة الديني بالسياسي وهي ما زالت مركبة جدا وهنالك صلة كبيرة بين الديني والسياسي في الفضاء العام، في الصورة العامة للدول الغربية والمجتمعات الغربية، أما في علاقة الكنيسة بالدولة فالاتجاه العام يميل إلى الفصل أو إقامة نوع من الانفصال الوظيفي بين الكنيسة والدولة، التاريخ الأوروبي والتاريخ الغربي مركب هنالك دول مثل فرنسا بحكم أن تجربتها التاريخية منطبعة بميراث الثورة الفرنسية وهي ثورة انفجارية وبالغة العنف، حدث نوع من الشرخ في التاريخ السياسي والتاريخ الديني الفرنسي، لا شك أن الثورة الفرنسية قامت على فكرة القطيعة والحسم مع الميراث السياسي والميراث التاريخي الفرنسي الذي كانت تمثل الكنيسة العنصر الأبرز فيه. في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية لم توجد مثل هذه القطيعة أصلا لأن الولايات المتحدة الأميركية بلد حديث العهد لا يزيد عمره عن أربعة أو خمسة قرون على الحد الأقصى وبالتالي لا توجد مثل هذه الفكرة، فكرة القطيعة. الجيل الأول الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية كانت الفكرة الأساسية والمهمة لهم هي استعادة ما يسمى بأمجاد أثينا وروما وبالتالي كان معطى التاريخ أو الذاكرة التاريخية فاعلة وموجهة جدا للآباء المؤسسين وللهوية العامة للولايات المتحدة الأميركية. إذاً لا أستطيع أن أقول إن الغرب هو علماني بالكامل كما لا أستطيع أن أقول إنه غرب مسيحي كنسي بالكامل هو مزيج مركب فيه وجوه من الاستمرارية مثلما فيه وجوه أيضا من القطيعة والانفصال.

العلمانية نشأت في الرقعة العربية والإسلامية ضمن سياقات انفجارية، هي منتج الاجتياح الاستعماري الغربي وبالتالي لم تكن منتجة فعلا للوفاقات الاجتماعية والسياسية، تحولت هذه العلمانية إلى معمق للانقسامات الاجتماعية والثقافية ولذلك ليس غريبا أن نرى أن أكثر الدول العربية علمنة وتحديثا هي الأكثر انقسام اجتماعي وثقافي. العلمانية في المنطقة العربية والإسلامية لم تأت حاجة فعلية، تعبير عن حاجة أو مطلب داخلي بقدر ما كانت تعبيرا عن مطلب خارجي ربما تقاطع مع مصالح ومطالب بعض النخب الداخلية ولكنها تبقى مطلبا نخبويا في نهاية المطاف وتبقى عاجزة عن تأسيس الوفاق الاجتماعي والسياسي. المقولة السائدة في الأدبيات الغربية أن العلمانية شرط من شروط الديمقراطية أو أن العلمانية تتقاطع بالضرورة تلتقي بالضرورة مع قيمة التسامح، لكن يبدو لي الأمر أكثر تعقيدا في العالم العربي لأن العلمانية اقترنت إلى حد كبير بأنماط تسلطية مخيفة ولذلك ليس غريبا أن تكون أكثر دول العلمنة والتحديث هي الأكثر تعثرا على صعيد الديمقراطية والأكثر استبدادا وتسلطا.

"لقد غدا أمرا لازما تجريد الديمقراطية مما ألصق بها من صبغة أيديولوجية وتحريرها من آفة الاحتكار والاستبعاد ومن ثم افتكاكها من بين أيدي النخبة وبسطها بين أيدي الناس والإلقاء بها في قلب حركة المجتمع حتى تتوفر الفرصة الكافية لاختبارها على أرض الواقع، فيحتفظ النظام الديمقراطي بما يمكن الاحتفاظ به ويعدل ما يراه بحاجة إلى تعديل وهذا الأمر يقتضي تغليب الخبرة الحية على الأيديولوجيا إلى جانب فك العلاقة الاعتباطية والمزعومة بين الديمقراطية وما يسمى عادة بالثقافة الديمقراطية والتأكيد بدلا من ذلك على طابعها الإجرائي الوظيفي".

لا أستطيع أن أقول العلمانية هي الحل لسبب رئيسي هو أن مصطلح العلمانية إشكالي بحد ذاته، إشكالي مصطلح العلمانية وربما لا يساعد على إدارة حوار صحي وبناء في العالم العربي والإسلامي ولكن أقول حيادية الدولة، حياد الدولة إزاء الخيارات الثقافية والدينية قد يكون هو الحل في العالم العربي والإسلامي خاصة حين يكون هنالك تعدد ديني أو طائفي أو مذهبي فمهمة الدولة ليس التدخل في الحياة الثقافية أو الدينية أو فرض خيارات ثقافية ودينية معينة بل مهمة الدولة حماية الأمن العام والمصالح العامة للمجتمع ولذلك أقول ربما يكون الحل حياد الدولة إزاء القضايا الثقافية والدينية بدل الدولة التدخلية والتسلطية.

[معلومات مكتوبة]

في العلمانية والدين والديمقراطية

تأليف: رفيق عبد السلام

فهرس الكتاب

جذور العلمانية

العلمانية والحداثة

الإعلام والعلمانية

العلمنة في العالم الإسلامي

العلمانية نمطا استبداديا

اللائكية الفرنسية

الديمقراطية الإجرائية

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة