فاروق الشرع .. طبيعة العلاقة بين سوريا وأميركا   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

فاروق الشرع : وزير خارجية سوريا

تاريخ الحلقة:

30/06/2003

- مرحلة ما بعد الحرب على العراق على المستويين السوري والعربي
- حقيقة تباين العلاقات السورية الأميركية في ظل الوضع السياسي بالمنطقة

- طبيعة التعامل السوري مع الولايات المتحدة

- النظرة السورية لرؤية بوش لفصائل المقاومة الفلسطينية

- أسباب تراجع مستوى العلاقات السورية الأميركية

- آفاق النظام الرسمي العربي وضرورة إصلاح الجامعة العربية

- ثوابت ومتغيرات السياسة الخارجية السورية

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين، سلام الله عليكم، عناصر أربعة بينة في المنطقة حالياً زلزال عراقي بكل تداعياته وتطورات مثيرة في الملف الفلسطيني، هيمنة أميركية ليست خافية على منطقتنا ومعظم قرارها الرسمي، ونظام عربي رسمي يثير التساؤلات كي لا نقول الحيرة، هذا كله وارتباطاته بسوريا قراراً واستراتيجية وسياسة خارجية نتناولها في (لقاء خاص) مع معالي وزير الخارجية السوري السيد فاروق الشرع، مرحباً بكم سيدي الوزير.

فاروق الشرع: أهلاً وسهلاً.

مرحلة ما بعد الحرب على العراق على المستويين السوري والعربي

غسان بن جدو: سيدي، أنتم عارضتم الحرب في العراق، حصل ما حصل. انهزم نظام صدام حسين، انتصرت أميركا عسكرياً كيف تنظرون لمرحلة ما بعد الزلزال العراقي على المستويين السوري والعربي؟

فاروق الشرع: لا شك أن ما حدث في العراق، خاصة في التاسع من نيسان سقوط بغداد هو زلزال، لكن هذا الزلزال لم ينطلق من فراغ، أولاً سبقه ما جرى في أفغانستان، وسبق ما جرى في أفغانستان أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول عام 2001 ثم قبل ذلك يجب ألا ننسى غزو العراق للكويت في عام 90، وخروج العراق من الكويت في عام 91، من خلال الحرب، أيضاً على العراق. ولا ننسى قبل ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي انطلقت في أيلول من عام 1980، إذن كل هذه التمهيدات والإرهاصات أدَّت إلى هذه النتائج، إضافة إلى ذلك.. هذا فيما يتعلق في المنطقة.. إضافة إلى ذلك بعد الحادي عشر من أيلول الولايات المتحدة بدأت تنظر إلى العالم نظرة مختلفة عن النظرة التي كانت سائدة في داخل الولايات المتحدة لفترة ما بعد الحرب الباردة أو حتى الفترة التي كانت سائدة بعد الحرب العالمية الثانية، من يعرف أميركا ما بين الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد إطلاق مشروع (مارشال) في عام 47، و11 أيلول عام 2001 يجد أن الولايات المتحدة اختلفت اختلافاً جذرياً، لا يمكن أن يُتوقَّع لإنسان زار الولايات المتحدة مراراً وتكراراً خلال الـ 30 أو الـ 40 سنة الماضية أن يعتقد أن هذه الولايات المتحدة التي تصرفت على هذا النحو في العراق هي نفس الولايات المتحدة التي كان لها سياسة خارجية خلال الـ40 سنة الماضية، منها عملية السلام ومنها معالجة قضايا في وسط أوروبا في كوسوفو ويوغسلافيا السابقة وحتى في الصومال وفي مناطق عديدة من العالم، كان المزاج مختلفاً كلياً، كانت الأطماع مُستَّرة كثيراً، وكان النهج أقل عنفاً، الآن نحن نجد أننا أمام سياسة خارجية أميركية بقدر ما فيها من الهيمنة بقدر ما فيها من سوء الحسابات، التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، أي عكس ما يريده المخططون لهذه الحروب.

غسان بن جدو: هل تلاحظون هذا الأمر الآن عملياً في العراق؟

فاروق الشرع: واضح في العراق، هذا لا يعني أن العراق سيستمر إلى الأبد هكذا، لكن هناك غموض شديد في العراق، الولايات المتحدة لا تعرف تماماً ماذا سيحصل بعد ستة أشهر في العراق، لا تستطيع أن تقرر من الآن أنها ستشكل حكومة وطنية أو ستساهم في تشكيل حكومة وطنية ينتخبها أو يختارها العراقيون في ضوء دستور تضعه حكومة مؤقتة، وخلال جدول زمني محدد، الولايات المتحدة لا تريد أن ترتبط بجدول زمني محدد، ماذا يعني ذلك؟ يعني أن بقاءها في داخل العراق مسألة ليست محسومة من حيث المدة الزمنية، وهذا نفسه يلقي ويطرح أسئلة عديدة.

غسان بن جدو: هل تنظرون لهذا الأمر بسلبية أم بشكل عادي طبيعي؟

فاروق الشرع: هذا يتوقف على السياسة الأميركية، إذا كانت هذه السياسة تهتم فعلاً ببعض الشعارات البراقة التي طرحتها أنها تريد مصلحة الشعب العراقي، تريد تحرير العراق، تريد أن يشارك مختلف فئات الشعب العراقي في حكومة وطنية يختارها بنفسه في إطار دستور للبلاد هذا شيء إيجابي، ولو أنه انطلق من شيء سلبي.

غسان بن جدو: احتلال.

فاروق الشرع: هو الحرب، دائماً الحروب منطلقاتها سلبية، المهم في نتائجها. إذا لم تكن النتائج كذلك ووجدنا أن فقدان الأمن سيستمر ويتعمق وغياب الاستقرار أيضاً سيتعمق ويتسع ووجدنا ابتعاد كثير وكبير عن إمكانية لملمة واقع الشعب العراقي بمختلف فئاته وطوائفه وانتماءاته، في الشمال، في الوسط، في الجنوب، توحيد العراق مسألة مهمة وحيوية، لا نعرف الآن إذا كانت الإدارة ما تُسمى الإدارة المدنية تستطيع أن تقوم بشيء إيجابي في هذا المجال هناك أيضاً شعب عراقي يتوق إلى التعامل مع الدول العربية مع الشعب العربي، لا تهمه الأنظمة كثيراً، نحن مثلاً لا يهمنا النظام في بغداد بقدر ما يهمنا الشعب العراقي مستقبله، أمنه، وحدته الوطنية، علاقاته مع الدول العربية، كل ذلك هو شأن عراقي بالدرجة الأولى، ولكنه يمتد ليصبح شأناً عربياً وعالمياً في نهاية المطاف.

غسان بن جدو: طيب معالي الوزير، بالمعنى الاستراتيجي والسياسي والأمني عراقيا وإقليمياً وحتى دولياً من نستطيع أن نقول إنه الخاسر الأكبر، ومن نستطيع أن نقول إنه الرابح الأكبر؟

فاروق الشرع: هذا السؤال إذا أجبنا عليه بطريقة مباشرة وسطحية نقول: الرابح الأكبر هو الولايات المتحدة، إسرائيل، والأكراد في شمال العراق، إذا تعمقنا في هذا السؤال قليلاً ودخلنا إلى كنه الأشياء ونتائجها وتداعياتها قد نجد أن كل ما نراه على السطح قد يتغير ويتحول وتصبح إسرائيل المتحمسة لتدمير العراق مثلاً وإلغاء العراق كبلد تشعر بأنها لم تربح من ذلك، بل على العكس قد خلقت بؤرة ازداد فيها العنف وازداد فيها الإرهاب وازدادت فيها غياب الحسابات التي كانت تحسبها بعض الأوساط الصهيونية، وتجد أن حساب البيدر لم يطابق على حساب -كما يقال- السرايا، كذلك الوضع بالنسبة للولايات المتحدة، الولايات المتحدة لا شك أنها حققت انتصاراً عسكرياً سهلاً، ولكن هل نستطيع أن نقول أو نضمن أن هذا الانتصار العسكري السهل سيتحول إلى انتصار سياسي سهل؟ وأنا لا أقصد بالسهولة هنا غداً، أقصد حتى بعد سنة، هل تستطيع أن تنجح الولايات المتحدة بتحقيق نجاح سياسي أي تساهم وتساعد على تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في العراق؟ حكومة وطنية يختارها الشعب العراقي تحافظ على وحدة وسيادة وسلامة الأراضي العراقية؟ هذا هدف..

غسان بن جدو: مشكوك فيه.

فاروق الشرع: مشكوك فيه..، كُتَّاب أميركيون يقولون ذلك، كُتَّاب يهود يقولون عن إسرائيل أنها يجب أن تخشى مما يحصل، المبالغة فيما يحصل قد ينعكس سلباً على إسرائيل بالذات، يُقال أن سوريا قد تكون من بين الخاسرين، مبدئياً صحيح، ولكن على المدى البعيد لماذا نكون من الخاسرين، نحن والنظام السابق في بغداد لم نكن على علاقة طيبة خلال ثلاثة عقود من الزمن، كان حاجزاً كان هذا الشخص حاجزاً بيننا وبين العراق، حاولنا أن نتوحد لم نستطع، حاولنا أن نكون جبهة شرقية لم نستطع، حاولنا أن نصبح بعلاقات طبيعية بدأت هناك شكوى من أجل الفرات بيننا وبين العراق، حتى على الحدود، حتى في موضوع العنف وإرسال هدايا ملغومة إلى سوريا، كل ذلك عانينا منه نحن، ولذلك سوريا احتضنت المقاومة العراقية خلال العشرين سنة الماضية.

غسان بن جدو: أي مقاومة.. المعارضة العراقية؟ نعم.

فاروق الشرع: المعارضة.. أقصد المقاومة للنظام، أي المعارضة العراقية بعد.. وخاصة بعد احتلال الكويت في عام 90 الآن أي حكومة تأتي لماذا تكون على عداء مع سوريا؟ أي حكومة وطنية عراقية من الشمال.. من الوسط.. من الجنوب، موحدة في إطار دستور وطني عراقي علماني أو إسلامي أو قومية عربية، لماذا تكون سوريا خصم؟ على العكس أنا أعتقد وأنا متفائل في مستقبل العلاقات السورية العراقية على المدى المتوسط والبعيد، الآن توجد إشكالات تخلقها بعض الأصوات في الولايات المتحدة، يريدون قطع صلة الرحم بين سوريا والعراق، وهذا لا يستطيع أحد أن يمارسه، لا يستطيع أحد أن يفرض، لأنه هاي العلاقة بين الشعوب هل يستطيع أي إنسان أن يفصم عُرى العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا إذا كان الأوروبيون في الأساس هم الفاتحون للولايات المتحدة؟ إن جاز التعبير.

غسان بن جدو: لكن صحيح أنه هناك من يريد أن يقطع صلة الرحم بينكم وبين العراق، ولكن القضية ليست فقط تواصل بين الشعوب، هذه الأوساط الأميركية تخشى من أن تكون سوريا خاصرة -لو صح التعبير- خلفية للعراق المقبل الذي يراد له أن يكون جزءاً من الآلة الأميركية ومتعاون مع إسرائيل أو على علاقة طيبة على الأقل مع إسرائيل؟

فاروق الشرع: هذه وجهات نظر، البعض يعتقد أن أميركا تستطيع أن تفعل ما تشاء في العالم، وبالتالي تستطيع أن تتعامل مع الدول كما يتعامل الخباز مع كتلة العجين أنا لا أعتقد أن في هذا الأمر موضوعية ولكن صحيح قوة الولايات المتحدة لا خلاف على جبروتها، لا خلاف على قدرتها التدميرية، تستطيع الولايات المتحدة أن تدمر عشرة أضعاف العالم واستخدمت هذه القوة في.. في الحرب العالمية الثانية واستخدمتها في أفغانستان واستخدمتها في العراق وفي كوسوفو وفي أماكن أخرى، فيتنام إلى آخره، لكن أنا أقول أنها.. أن استخدام القوة شيء وحدود القوة شيء آخر لبناء بنية سياسية، لإقامة بنية سياسية في بلد ما، هذا ليس من السهل، يعني بدون الشعب العراقي مهما كانت قوة الولايات المتحدة جبارة لا تستطيع أن تفعل شيء مهم داخل العراق بدون تعاون الشعب العراقي، وإذا تعاون الشعب العراقي مع سلطة الاحتلال الأميركية في العراق، هذا يعني أن كثير من رغبات الشعب العراقي يجب أن تلبيها الولايات المتحدة، وإذا لبت الولايات المتحدة هذا الكثير من الرغبات المنبثقة عن إرادة الشعب العراقي، فبالتأكيد سيرضي ذلك سوريا، وستكون أي حكومة في العراق ناجمة عن هذا الترتيب البنيوي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للعراق على مودة وصداقة وجيرة حسنة مع سوريا، لذلك نحن مطمئنون على المستقبل.

حقيقة تباين العلاقات السورية الأميركية في ظل الوضع السياسي بالمنطقة

غسان بن جدو: فيما يتعلق بالعلاقات السورية الأميركية بعد الزلزال العراقي لاحظنا أن ثمة نستطيع أن نقول نصفها بهجمة أميركية على سوريا هجمة.. هجمة ضغوط وبعدها هدأت والآن كأنها رجعت، إلى أي شيء يعود هذا الأمر، هل لأنكم بدأتم في التعاون مع أميركا في البداية وأوقفتم تعاونكم أم ماذا بالتحديد؟

فاروق الشرع: هذه الهجمة جزء منها غير عقلاني، جزء منها يتناول كل المنطقة، ولا أريد أن أسمي الدول التي يتناولها بين الحين والآخر، وجزء منها مرتبط بالوضع في العراق وفي فلسطين يعني كلما زاد الضغط على القوات الأميركية داخل العراق، كلما زاد التحرش بسوريا، وكأنهم يعتقدون أن ما يعانون منه داخل العراق سببه سوريا وهذا ليس دقيقاً.

ثانياً: كلما زاد الضغط على حكومة (شارون) من قِبَل الانتفاضة والمقاومة يحملون المسؤولية لسوريا، وهذا أيضاً غير دقيق وغير موضوعي، والدليل على ذلك أن قادة المقاومة بعد أن تركوا سوريا وأغلقوا المكاتب هنا في.. في سوريا، تضاعفت العمليات الاستشهادية تضاعفت عمليات المقاومة، تضاعفت الانتفاضة عدة مرات، وهم ليسوا في سوريا الآن، إذن هذا مؤشر كافي ودليل واقعي على أن هذه العمليات التي تجري داخل الأرض الفلسطينية المحتلة لا تخطط ولا تنفذ بسوريا، لكن هم لا يريدون أن يصدقوا ذلك لأن يريدون أن يعطوا دائماً تبريرات لماذا هم جيش كبير كالجيش الإسرائيلي قوي يملك من السلاح ما لا يملكه أي جيش عربي بل يملك من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية ما يتفوق فيه على مجموع السلاح العربي، لا يستطيع أن يهزم مجموعة من البشر صغيرة بدون جيش، بدون شرطة؟ هم يشعرون بحرج، هؤلاء الإسرائيليون يشعرون بحرج كبير، والتاريخ سيؤكد أن هذا الإحراج الذي يعانون منه الآن، ولا يتحدثون عنه كثيراً، سيخرج مؤلفات كبيرة وكثيرة في المستقبل من قبل إسرائيليين بالذات.

غسان بن جدو: نريد أن نفهم ما الذي تعاونتم فيه مع الولايات المتحدة الأميركية بعد الزلزال العراقي؟ طالبوكم بأشياء، ما الذي تعاونتم فيه؟

فاروق الشرع: نحن تعاونَّا قبل.. قبل الزلزال العراقي، هذا بعد 11 من أيلول، نحن لنا موقف من طالبان، قلنا هذا الموضوع بصراحة، كان لنا موقف من القاعدة وقلنا هذا الموضوع بصراحة، ونحن من الدول القليلة التي لم تعترف بحكومة طالبان في عام 96، ولم يكن الأميركيون مهتمين بهذا الموضوع في ذلك الوقت، نحن رفضنا أن نعطي مقعد أفغانستان لحكومة طالبان خلال 10 سنوات أو 8 سنوات.

غسان بن جدو: معظم دول العالم لم تكن تعترف بحكومة طالبان.

فاروق الشرع: ليس للأسباب التي كنا نحن نذكرها.

غسان بن جدو: لكن اسمح لي معالي الوزير...

فاروق الشرع: وإدانتنا لأحداث 11 أيلول مباشرة وبنفس اليوم يرسِّخ هذه القناعة.

غسان بن جدو: اسمح معالي الوزير، أميركا بطبيعتها البراجماتية العملية الواقعية لا تريد فقط مواقف، تريد تعاوناً عملياً، يعني ما الذي تم التعاون فيه على مكافحة الإرهاب فيما يتعلق بالعراق إلى آخره؟ هذه المطالب المعلنة من قبل الإدارة الأميركية، ليست مطالب خافية أو سرية، هل تعاونتم مع أميركا وثم تراجعتم وأميركا تراجعت عن هدنتها أم ماذا بالتحديد؟

فاروق الشرع: أنا أريد أن أقول جملة واحدة، إذا أرادت الولايات المتحدة مهما كانت قوتها جبارة أن تنجح في سياستها الكونية، فيجب أن تكون أقل غروراً وأكثر تواضعاً، الدول ليس أدوات لتتعاون بما تريد أميركا سواء ضد مصالحها أو لا، إذا كان لنا مصلحة نتعاون، وإذا لم تكن لنا مصلحة فنحاول أن نتحاور من أجل أن نتبين أين هي مصلحتنا في ذلك، المصالح المشتركة هي الأساس في التعاون، نحن عندما تعاونَّا ضد الإرهاب لأننا كان لنا مصلحة، لم نناقش الأميركيين في.. في هذه المصلحة، هي واضحة جداً، أما إذا أرادوا الارتقاء بهذا الموقف إلى درجة من التعاون الإيجابي عندها يجب أن يكون لنا مصلحة في ذلك، وألاَّ نصبح أتباع، وسوريا لا تقبل أن تكون تابعاً أبداً، في تاريخها الطويل رفضت التبعية، ورفضت الهيمنة، بالتأكيد عندما نتحدث عن ثوابت سوريا هذه هي هذه الثوابت، رفض التبعية، ورفض الهيمنة الأجنبية، ونحن مع تطبيق القانون الدولي مبادئ ومضامين، وأيضاً مع الشرعية الدولية ومع ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك نحن نتصرف على هذا الأساس، إذا حصدنا نتائج سلبية فهذا يعود إلى قِصَر نظر الآخرين الذين لا يحللون تماماً عدالة الموقف السوري وموضوعية الموقف السوري وواقعية الموقف السوري، نحن واقعيون ولا.. لا نتبجَّح ولا نختلق مواقف لا نستطيع الصمود أمامها، نحن لا.. لا نطالب إلا بحق وبالدفاع عن مصلحة، وأيضاً هذا الحق وهذه المصلحة مرتسمان في.. في.. في قواعد القانون الدولي، وبالتالي دفاعنا عنهما هو دفاع مشروع.

طبيعة التعامل السوري مع الولايات المتحدة

غسان بن جدو: طب بصراحة معالي الوزير في هذا الإطار طالما أنكم ترفضون التبعية والهيمنة وغرور الطرف الآخر، هل أن استراتيجيتكم تقوم على مواجهة الولايات المتحدة الأميركية؟ على مجابهتها أم لا؟

فاروق الشرع: لا أبداً.. لا أبداً، نحن منذ زمن حتى عندما كانت المجابهة مع الولايات المتحدة شيء عادي في السبعينات، في الثمانينات، وطيلة فترة الحرب.. فترة الحرب الباردة، مع ذلك سوريا لم تكن مع المجابهة مع الولايات المتحدة، وعندما كان السوفييت أصدقاؤنا في ذلك الوقت، وفي أوج قوتهم في منتصف السبعينات لم تكن المواجهة رائدنا، بالعكس من قام بمساعي من أجل التوقيع على فصل القوات في الجولان هو الجانب الأميركي، علماً أن علاقتنا مع السوفييت كانت قوية جداً في عام 74، عندما.. أعطيك مثالاً آخر: عندما التقى الرئيس الراحل حافظ الأسد (بريجينيف) في عام 77، التقى بعد أشهر قليلة بالرئيس (كارتر) في جنيف، كانت دايماً سوريا حريصة على هذا التوازن، لأننا نحن بلد صغير، صحيح تاريخنا عميق وكبير وغني وحضارة تمتد إلى آلاف السنين، ولكن أيضاً نحن نعلم أن هذا الموقف يحتاج إلى حماية، والحماية تكون باستخدام العقل أفضل استخدام، واستخدام.. استخدام الاتصالات الدولية أفضل استخدام، وخلق نوع من التوازن على الأقل السياسي والإعلامي والذهني، والفهم المتبادل لحماية المصالح الوطنية والقومية لسوريا.

غسان بن جدو: أشرتم قبل قليل إلى أنه في التعاطي الأميركي مع سوريا، إما أنها سياسة غير عقلانية أو أن المعطيين الملفين الفلسطيني والعراقي يدخلان على الخط لو صح التعبير، أشرتم إلى الملف الفلسطيني، ولكن في الجانب العراقي، ما الذي تخشاه أميركا من سوريا تحديداً؟ هل تخشى أنه سوريا تفتح أبوابها للمتطوعين العرب مثلاً؟ هل أنها ستدعم المقاومة؟ هل؟ ما الذي تخشاه أميركا من سوريا بالتحديد؟

فاروق الشرع: لا نحن أعلنا أننا لن نفتح أبوابنا من أجل، لا، ذلك، أما ما يتعلق بفلسطين فهناك حديث بدأ الجانب الأميركي والجانب الأوروبي يأخذه بعين الاعتبار وبجدية، خارطة الطريق هي خارطة فلسطينية إسرائيلية، نحن غير معنيين بها، هذا لا يعني أننا لا نريد أن نكون معنيين بها، ولكن لكي نكون كذلك يجب أن لا تكون سوريا هامشية في هذه الخارطة، ويجب أن يكون دور سوريا محوريا ليس لأخذ أدوار الآخرين أو التعتيم على أدوار الآخرين، وإنما لكي نستطيع أن نقلع معاً ومع كل الأطراف الأخرى، وعلى كل الجبهات والمسارات باتجاه عملية سلام شاملة وعادلة، لأنه دون الشمولية والعدل لن يتحقق سلام، هذه قناعتنا منذ 20 عاماً، وثبتت الوقائع صحة ذلك، ولا داعي لأن أقول لك أن.. أن الدول والأفراد الذين ساهموا في توقيع اتفاقات منفردة هم أكثر حماساً لتحقيق هذا السلام الشامل، لأنهم يفتقدونه حتى الآن.

غسان بن جدو: فيما يتعلق بالملف العراقي (السكرتير الشخصي للرئيس السابق العراقي صدام حسين) عبده حمود نُقِل عنه إنه أعلن بأنه هو وقصي صدام حسين وعدي صدام حسين دخلوا إلى سوريا، وسوريا أرجعتهم، ما صحة ما نُسِب إليه؟

فاروق الشرع: يعني هنا التفاصيل ليست هامة، وثانياً: أنا لا أعرف كيف يمكن أن أعطي مصداقية لشيء لم أره ولم أقابله ولم أتحدث معه، ولا يكفي أن يقول الأميركيون أنهم التقوا بفلان وقال لهم فلان هذا الشيء حتى نصدق ذلك، لكن أقول لك أنه ربما دخل كثير من المسؤولين العراقيين وخرجوا، وهم لم يستقروا في سوريا لأنهم يشعرون بأن ربما يشعرون بأن من الأفضل لهم أن لا يكونوا في سوريا، التي كان يمكن أن تحتضنهم لو كانوا دائما إيجابيين معها.

غسان بن جدو: هذه القضية بالتحديد ليس لديكم لا.. لا نستطيع أن نؤكد أو ننفيها.

فاروق الشرع: لا أيضاً أنت لا تؤكد ولا تنفيها، وأنا لا أستطيع أيضاً أن أؤكد أو أنفي الرواية التي تتحدث عنها.

النظرة السورية لرؤية بوش لفصائل المقاومة الفلسطينية

غسان بن جدو: نعم، فيما يتعلق بالجماعات الفلسطينية إذا كنا نتحدث عن الجماعات الفلسطينية (بوش) الرئيس الأميركي (جورج بوش) تحدث بشكل واضح وصريح ، لا يكفي أن بعض الجماعات خاصة جماعتي حماس والجهاد الإسلامي أن تعلن الهدنة، ينبغي ضرب هذه الحركتين ونزع أسلحتهما هل تعتقد بأن هذا الأمر ممكن، واقعي يؤدي فعلاً إلى تسوية أم لا؟

فاروق الشرع: هناك أشياء كثيرة يختلط فيها الوهم مع الواقع، وتختلط التمنيات مع قسوة الوقائع، طبعاً تبسيطاً للأمور يستطيع الإنسان أن يقول أن لو انتهى العنف لتحقق السلام، لكن هذا تبسيط للأمور، ثم يصبح التبسيط فيه نوع من السذاجة إذا قلنا أن حماس هي سبب العنف في الأراضي المحتلة متناسيين هذه.. هذه الأرتال من الدبابات الإسرائيلية التي تتوغل يومياً داخل كل بيت وقرية فلسطينية، تقتل من تصادفه في طريقها، ترسل الطائرات لتقصف بالصواريخ أفراداً وسيارات وتغتالهم، تجرف مزروعاتهم، تغلق الحياة عليهم، وليس فقط الاقتصاد، أنا ببساطة أقول لك أن العنف- إذا أخذنا العنف بالتجريد، ولا أريد أن أتحدث عن المقاومة والحق المشروع للشعوب فيها، أتحدث في التجريد- هناك حماس لديها قدرة على ممارسة العنف، وهناك جيش إسرائيلي مدجج بالسلاح لديه درجة وقدرة على ممارسة العنف، ما هي درجة ما تستطيع حماس أن تمارسه ودرجة ما يستطيع الجيش الإسرائيلي يمارسه؟ نسبة واحد لألف، هذا شعب أعزل، شعب يبحث عن الرغيف وأي بندقية مهترئة، وعندما لا يجد هذا كله أو أي شيء من هذا يفجر نفسه، لأن أخاه قتل وأباه قتل، ولأن أقرباءه قتلوا، ولأنه يعاني يومياً من ظلم الاحتلال، الاحتلال أخطر أنواع الإرهاب إن جاز التعبير، الإنسان الرازح تحت الاحتلال، لا حول له ولا قوة إلا أن يفجر نفسه وأن يفعل أي شيء لا عقلاني، لأنه هو يهرب من هذا الواقع المرير الذي لا يستطيع أن يتحمله العقل الإنساني بالقيام بأشياء يكاد الإنسان يقول أنه تُفقِد العقل، أنها تفقد العقل.

غسان بن جدو: لكن عذراً معالي الوزير، القضية لم تعد الآن أن أشخاصاً ربما يأسوا مما هو حاصل، ويقومون بهذه العمليات، وحتى وإن اعتقدوا أن هذه العمليات في نهاية الأمر ستؤتي أُكُلها، الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى أنها بدأت حراكا سياسياً دبلوماسياً جدِّياً كما يقول الرئيس جورج بوش، وهناك خريطة طريق، وهناك حملة الآن موجودة وما يحصل يُخرِّب على هذا المسار، فالقضية أصبحت سياسية أكثر منها عسكرية، حتى أن أنظمة عربية رسمية تدفع بهذا الاتجاه وتدعم هذه المسألة، فما رأيكم في هذه القضية بالتحديد؟

فاروق الشرع: سوريا ليست مغلقة على أي شيء إيجابي، إذا رأت في تصريح الرئيس بوش شيئاً إيجابياً ستقول أن هذا الشيء إيجابي، عندما تحدث عن دولتين قلنا أن فكرة الدولتين شيء إيجابي، وإذا دخل إلى نفوسنا الشك فلأن الدولة إحدى هاتين الدولتين مُعَرَّفةٌ حدودها وهي إسرائيل، وأيضاً تتوسع إلى الأكبر وإلى تمديد هذه الحدود، ودولة لم تُعرَّف حدودها وهي فلسطين، يمكن أن تكون بحجم صغير ويمكن أن تكون بحجم حدود 67، لذلك التشكيك هو ليس على الفكرة، لا ينسحب على الفكرة، التشكيك ينسحب على تعريف الدولة وعاصمة الدولة، ومن سيسكن في هذه الدولة؟ وحق اللاجئين في العودة، ثم عندما يقال بأن.. بأنهم يريدون سلاماً عادلاً وشاملاً مبنياً على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومرجعية مدريد، نحن نرحب بذلك، لكن إذا وضعوا هذه العبارة في آخر 4، 5صفحات تتحدث عن خارطة طريق إسرائيلية فلسطينية، ثم نسوا هذا الموضوع كلياً، هذه الأسس التي كان يجب أن يكون في المقدمة نسوها كلياً، فلا نستطيع نحن أن نستمر بحسن النية، لأن حسن النية في هذا الحال يعتبر سذاجة، فلا نستطيع أن نستمر بالسذاجة حتى يوضحوا أمرهم ويقولون أنكم.. ويقولون لنا أنكم أن شكوككم ليست في مكانها، نحن نقصد هذا فعلاً وسنعمل من أجل ذلك، سيتحول القول إلى فعل، عندها سنقول أشياء إيجابية عن السياسة الأميركية، نحن لا يحرجنا قول أشياء إيجابية عن السياسة الأميركية عندما تكون هذه الأشياء إيجابية، أبداً، وأنا قبل يومين أو أسبوع ربما قلت عندما ظهر بيان الرباعية، قلت أن فيه.. رحبنا في هذا البيان، وعندما صرح (كولن باول) وزير خارجية الولايات المتحدة بأنه مهتم بالمسارين اللبناني والسوري أيضاً قلنا أن هذا شيء إيجابي إلى حدٍ ما.

غسان بن جدو: وقلتم نقطة هنا أود أن أسأل عنها معالي الوزير، قلتم إن سوريا مستعدة لامتحان السلام، أي امتحان للسلام أنتم مستعدون إليه عملياً؟

فاروق الشرع: الامتحان.. هذه الأسس.. هذه الأسس.

غسان بن جدو: عملياً ما الذي تطالبون به الإدارة الأميركية الآن أو إسرائيل حتى نبدأ في هذا المسار؟

فاروق الشرع: أقول: إذا افترضنا جدلاً أن هناك الآن فرصة للسلام، وأن إسرائيل مستعدة لاغتنام هذه الفرصة فنحن مستعدون لاغتنام هذه الفرصة، وحبذا لو كل الأطراف مستعدة لاغتنام هذه الفرصة بما فيها الطرف الأميركي والأوروبي طبعاً فالأوروبيون متحمسون، الآن نجد حماساً أميركياً لا نعرف كُنه هذا الحماس نتمنى أن يكون حقيقياً مستمراً متواصلاً، وأن لا يكون مرتبطاً بالعراق أو غير العراق، لأنه في هذه الحالة يصبح البارومتر السلام بدل أن تقيسه مثلاً في دمشق أو بيروت أو رام الله أو القاهرة تقيسه في بغداد أو البصرة أو الموصل وهذا غير ممكن.

غسان بن جدو: طب المسارين السوري واللبناني مجمدان تماماً، عندما نقول إن سوريا مستعدة للبدء في هذا الملف في هذه العملية، عملياً ما الذي تطلبه من أميركا وإسرائيل، إذا أردنا أن نحدد أجندة معينة، خطوات معينة حتى تبدأ سوريا وتدخل في هذا المسار بالتحديد؟ لأنه واضح من كلامكم أن الكرة في ملعب الطرف الآخر وليس في ملعبكم، طيب ما الذي تطالبونه بالتحديد؟

فاروق الشرع: نحن نطالب باستئناف عملية السلام على كل المسارات، المسار الفلسطيني واضح أنه أبدى استعداده أكثر من مرة، وأبدى تشاؤمه أكثر من مرة، وكلما تحدث الجانب الإسرائيلي عن التهدئة وإتاحة فرصة للتهدئة ولوقف إطلاق نار ولهدنة تجد أن حكومة شارون.. تقوم فوراً بقصفٍ ما، بقتل فلسطيني ما، بتدمير منزل فلسطيني ما، لأنها لا تريد عملية السلام، إذا كان لذلك نحن نمتحن جدية إسرائيل من الآخرين.. من تصرفها مع الآخرين مع الفلسطينيين، نحن لسنا بمعزل عن الفلسطينيين، لأنه لا تستطيع إسرائيل أن تقيم سلاماً مع جانب عربي وتخوض حرباً مع الجانب الآخر، معنى ذلك أنها لا تفكر إطلاقاً بسلام حقيقي عادل وشامل يؤدي إلى أمن لجميع الأطراف.

غسان بن جدو: شارون أخيراً قدم نفسه رجل سلام، هناك حتى من وصفه داخل إسرائيل بأنه (ديجول إسرائيل)، بصراحة معالي الوزير هل تثقون في (أرييل شارون) أم لا؟

فاروق الشرع: طبعاً يعني إذا أردت جواباً مباشراً لا نثق، لأنه التجارب كلها تدل على عدم وجود مثل هذه الثقة، ليس بالنسبة لنا بالنسبة لآخرين عرباً وأجانب، أما إذا أردت البحث في عمق السلام، فالسلام يُصنع بين الأعداء ولا يُصنع بين الأصدقاء، ولذلك أنا أستغرب عندما يقولون أنه يجب أن تنتهي حماس وتنتهي.. ينتهي حزب الله وتنتهي الجهاد وتنتهي كل المقاومة لأننا بعد ذلك سنصنع السلام، يُصنع السلام مع الخصوم مع الأعداء وبين الأعداء، وإذا أرادوا سلاماً فيجب أن ينظروا إلى كل هذه المعطيات دفعة واحدة، السلام هو الذي يجلب الأمن وكلما أمعنَّا في هذا الفهم الخاطئ بأنه الأمن هو الذي يجلب السلام فستكون المنطقة بدون سلام حتى بعد عشر سنوات أخرى.

غسان بن جدو: عن آفاق الوضع العربي الرسمي وخاصة ما يتعلق بإصلاح الجامعة العربية نناقشه بعد هذا الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أسباب تراجع مستوى العلاقات السورية الأميركية

غسان بن جدو: معالي الوزير، إذا أردت أن ألخص جوهر ما تفضلت به فيما يتعلق بالرؤية السورية تجاه الولايات المتحدة الأميركية رغم إشاراتكم السلبية، رغم بعض انتقاداتكم، لكن واضح أنه -حسب فهمي- الاستراتيجية السورية تريد أن تتعاون مع أميركا ولا تريد أن تجابهها ولا حتى أن تعرقل بعض استراتيجيتها الأساسية، لكن أين العلة في التعاطي الأميركي مع سوريا؟ سوريا تبدو غُيبت عن قمة شرم الشيخ، عن قمة العقبة، حتى في مؤتمر (دافوس) وزير الخارجية كولن باول استبعد عما سماه بخريطة الطريق الاقتصادية سوريا تماماً، أين العلة؟

فاروق الشرع: أقول لك بكل وضوح أن العلة ليست في دمشق، لقد عُقدت مؤتمرات عديدة في شرم الشيخ، لا أذكر العدد، لكن أيضاً لا أذكر النتائج الملموسة التي تمخضت عنها تلك الاجتماعات أبداً، عُقِدت اجتماعات في مدن أخرى حاولت أن تتحدث عن مشاكل وهموم الشرق الأوسط وعملية السلام، في غياب سوريا لم يحصل شيء، لم تعطِ نتائج أو النتائج التي كانو.. التي كانوا يتوخُّونها، لماذا؟ أنا أسأل هذا السؤال، يعني أن.. لا يكفي أن يسأل هذا السؤال وزير خارجية سوريا، يسأل هذا السؤال أي مواطن سوري، أي مواطن عربي، وحتى أي مسؤول أجنبي، هذا السؤال يجب أن يسأله بالدرجة الأولى السيد كولن باول (وزير خارجية الولايات المتحدة) عندما ذهب إلى شرم الشيخ أو إلى العقبة أو إلى دافوس، أو إلى أي مكان ما آخر وليست.. وسوريا ليست هناك، ولبنان ليس هناك، ألم يسأل نفسه لماذا؟ هل يستطيع أن ينجح بدون سوريا ولبنان و.. ويقود سلام شامل؟بالتأكيد هو آخر يوم بالفعل شعر بأنه يجب أن يقود سلاماً شاملاً، أما في الأيام الأولى أي اليوم الأول والثاني واليوم الذي كان فيه في إسرائيل يتحالف مع شارون لم يفطن أبداً كولن باول إلى السلام الشامل، متى شعر بأهمية السلام الشامل؟ في آخر يوم لأنه استمع أن هذه الاجتماعات وهذه المقترحات وهذه التصورات وهذه المفاهيم لا يمكن أن تقود إلى السلام الذي يريده بدون سوريا ولبنان، ثم تقول لي أن نحن نقول أشياء إيجابية عن السياسة الأميركية لكن لا نجد تجاوباً أميركياً، هذا صحيح، متى كانت الولايات المتحدة تتجاوب مع مصالحها بشكل مباشر وعفوي؟ هي التي تفعل ذلك هي أحياناً عدوة نفسها، أنا أقول.. قلت هذا الكلام قبل الحرب على العراق، إذا كانت أميركا تريد النفط العراقي فهل النفط العراقي هو بيد الاتحاد السوفيتي السابق حتى يحرم الغرب أو الولايات المتحدة من نعمة هذا النفط؟! بالتأكيد لا، هو جزء بسيط من أوبك، وأوبك لا تخرج في قراراتها عن قرارات الأمم المتحدة، -عفواً- الولايات المتحدة، إذن السيطرة الأميركية على النفط قائمة شئنا أم أبينا، أما إذا قلت لي أنها بدافع الهيمنة، بدافع الرغبة في السيطرة على الشرق الأوسط أولاً وعلى العالم ثانياً، ثم وجود بضع عقود لهذا الشخص أو لذاك تؤمَّن عن طريق احتلال العراق يمكن أن يكون هذا الشيء واقعياً، ولو أنني لا أتهم.. لا أتهم لأن الاتهامات لم تثبت حتى الآن، أما فيه كلام كثير عن هذا الموضوع وعن عقود وعن صفقات داخل الكونجرس الأميركي وفي الصحافة الأميركية وفي مرشحين للرئاسة الأميركية من الحزب الديمقراطي، فليس من المعقول أن نكون نحن كعرب وكسوريين معنيين بما يجري في العراق وفلسطين أكثر خوفاً من أعضاء في الكونجرس الأميركي و.. وأعضاء ومواطنين أميركيين عاديين من أصحاب بعض مؤسسات إعلامية أو سياسية أو اجتماعية في الولايات المتحدة، لذلك أنا أقول ما أقول بصدق، باستقامة، بوضوح ليس الهدف منه لا خلق كراهية ولا شحن الناس بأي عمل تحريضي، نحن نقول أن المصلحة الأميركية تتطلب تعاونها مع جميع دول المنطقة دون استثناء والحرب لا تعطي هذه النتائج التي.. التي هي تبحث عنها، هذه حروب أفراد ومجموعات ضيقة الأفق نتمنى أن لا تكون الإدارة الأميركية مُنفذة لمثل هذه السياسات.

آفاق النظام الرسمي العربي وضرورة إصلاح الجامعة العربية

غسان بن جدو: طيب في هذا الواقع معالي الوزير، ما هو المطلوب أو المنتظر من النظام العربي الرسمي؟ اسمح لي في هذا الكلام إذا.. إذا رجعنا إلى تاريخ النظام العربي الرسمي لعله الآن من أسوأ ما يمر به حتى في تاريخ نكبة فلسطين لا نستطيع أن نلوم النظام العربي الرسمي، آنذاك معظم الدول كانت محتلة، أو بعضها مغيب، هذه المرة حصل ما حصل في العراق وأنا لا أود أن أدخل.. أتدخل فيما حصل في العراق بالتحديد لعل جزء كبير من الشعب العراقي مرتاح لما حصل لأنه تخلص من نظامٍ باغٍ، لكن في نهاية الأمر هناك بلد محتل، بلد عربي محتل تحت أنظار الجميع، هذا النظام العربي الرسمي يصيب المواطنين العرب بالحيرة، أين العلة أيضاً معالي الوزير في النظام العربي الرسمي؟ هل في الجامعة العربية؟ هل في هيكلها؟ هل في قراراتها؟ هل في تشتتها؟ في ماذا أين بالتحديد؟

فاروق الشرع: العلة موجود في مكامن ومواضع عديدة، ليست فقط في الجامعة، وليست فقط في الأنظمة رغم صحة ذلك، وإنما في أماكن أيضاً أخرى، لنأخذ مثلاً الجامعة العربية، الجامعة العربية هي مرآة تعكس حالة الوضع العربي، وحالة الأنظمة، لأن الجامعة العربية هي اللي بتمثل الأنظمة، وكل نظام يعبر عن آرائه في الجامعة العربية، مجموعة الآراء هي مجموعة مواقف الأنظمة، وبالتالي تجد هذا الخليط العجيب أحياناً، الذي يمكن أن تكون محصلته صفراً، وأحياناً إذا أصبح هناك نوع من المناورة والتكتيك البعض من الأنظمة الذي وافق على هذا القرار سلفاً أدرك واعتقد أنه بينه.. بينه وبين نفسه لن يطبق هذا القرار، ولذلك وافق عليه، ولذلك تجد الخلل إن هذا القرار صدر بالإجماع ولكن بعد فترة ولا كأن.. ولا كأنه بالإجماع أبداً، كأنما هذه الدولة أو تلك الدولة لم تصوِّت على هذا القرار، نقطة أخرى.

غسان بن جدو: وهذا ثبت بالممارسة؟

فاروق الشرع: بالممارسة طبعاً، بالممارسة في.. خاصة في الفترة التي سبقت الحرب على العراق تجد أيضاً في الممارسة أن هناك من يقول أنا مع الإجماع وينتظر ما هو.. ما هي محصلة آراء بقية الدول العربية ثم ينضم إليه، إذن هو غير مكترث سلفاً، ويعلن أنه غير مكترث وغير مهتم وغير معني، أي أنه لن يقاتل من أجل أن يتحول هذا القرار إلى حقيقة، إذن هنا يأتي دور الالتزام، نأخذ قرارات ثم يصبح الالتزام مسألة أخرى كأنه لا.. لا علاقة لها بالقرار.. البعض يلتزم والبعض لا يلتزم فتزداد المشكلة تعقيداً، درجة ثالثة أن هذا الالتزام حتى لو أردت أن تلتزم لا توجد آلية من أجل أن تدفعك باتجاه تحقيق هذا الالتزام على أرض الواقع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي التي هي كلها من نشاطات الجامعة، فتضيع المسألة كلياً. إذن هناك من لا يؤمن بالقرار، هناك من لا يلتزم به، وإذا التزم به البعض فلا يجدوا الآلية المناسبة لتنفيذه.

غسان بن جدو: هل نفهم من ذلك أن الإصلاح بات ضرورة.. إصلاح الجامعة العربية.

فاروق الشرع: أنا بتقديري الإصلاح أكثر من ضرورة، والإصلاح هي يجب أن يُبنى على ما أخذناه من دروس وعبر خلال الفترة الماضية، ألاَّ نوافق على قرار إلا بعد أن نكون مقتنعين به، وإذا وافق بعضنا ونحن ندرك أنه وافق محرجاً فيجب أن يُحرج إعلامياً قبل الموافقة، لأنه لا يستطيع أن يكسب مرتين يكسب في داخل الجامعة أنه وافق على قرار بالإجماع ويكسب لأنه لم يسأله أحد خارج قاعة الاجتماع هاي بأن هل هذه الموافقة حقيقية أم هي مجرد مزاودة أو للتعمية؟

غسان بن جدو: وهل تخيف بعض الحكومات العربية من هذا الأمر؟

فاروق الشرع: لا تخيف، إذن لا نأخذ قرارات، لا نأخذ قرارات، لأنها أفضل هذه.. هذه الجامعة إن استمرت في اتخاذ قرارات لا نلتزم بها ولا نضع آلية لتنفيذها ستودي.. ستودي بنا مرحلة وراء أخرى إلى كوارث أبداً، يعني لن يبقى الموضوع حبراً على ورق، سيتحول هذا الحبر إلى دم في مرحلة ما.

غسان بن جدو: ربما نحن بحاجة إلى جامعتين عربيتين حسب التقسيم الأميركي، جامعة عربية للمعتدلين المتعاونين، وجامعة عربية للراديكاليين المتشددين غير المتعاونين مع إسرائيل ومع واشنطن..

فاروق الشرع: لأ من قال.. ما.. ما هو التعريف؟ نحن نعود إلى تعريف من هو المعتدل ومن هو الراديكالي، من هو الإرهابي ومن هو المقاوم؟ أنا بتقديري.. بتقديري الشخصي نخطئ كثيراً إذا تصورنا أن التعريفات التي تطلقها أميركا هي تعريفات واقعية وصحيحة وموضوعية هي ليست كذلك، المعتدل ممكن أن يكون مستسلم، والمعتدل ممكن أن يكون صلباً ثابتاً لا يتراجع عما اتُّفق عليه، لا يتنازل عنه، هذا اعتدال هو ألا يتنازل عن شيء.. عن عهد قطعه على الآخرين؟ هذا تطرف؟ هذا اعتدال، يجب أن نميز بين الاعتدال والاستسلام.

والراديكالية ما هي.. الراديكالية الآن لا يوجد راديكاليون بتقديري أنا بالوطن العربي كان يوجد نوع من.. كان يوجد نوع من المتهورين، يوجد نوع من المغامرين، نوع من الذين لا يستخدمون العقل كثيراً في حساباتهم، أنا أعرف فيه يوجد..

غسان بن جدو [مقاطعاً]: من بالتحديد؟ يعني أنتم مصنفون كراديكاليين؟

فاروق الشرع: لا.. أنا.. أنا لا أريد أن أتهم الآن..

غسان بن جدو: أي نظام أو جماعة؟

فاروق الشرع: نظام.. نظاماً أصبح بائداً، لا أريد أن أتهمه الآن، انتهى يعني، نحن عندما كنا نتهمه كنا نتهمه وهو حي يُرزق، والشجاعة أنك تتهم إنسان وهو حي يُرزق، وليس بعد أن يغادر الحياة لكن أقول أن وصف الاعتدال يجب أن يكون موضوعياً، المعتدل.. كلمة معتدل من العدالة، لماذا يقال عن فلان معتدل؟ لأنه عادل، ينصف فلان وينتقد فلان الذي يخرج عن القانون ويخرج عن الشرعية الدولية، فهل يسمى من يخرج عن الشرعية الدولية ويقبل ما تعرضه عليه إسرائيل بأنه معتدل؟ هذه مصيبة يعني ... أن نصل إليها في إطار فهمنا العربي الخاطئ لعبارات ومفاهيم لا يجوز أن نقع في ذلك.

ثوابت ومتغيرات السياسة الخارجية السورية

غسان بن جدو: أخيراً معالي الوزير وبعناوين كلية، بعد ما حصل في هذه المنطقة لأنه لا يمكن أن نكون لا مبالين وبعد كل ما شرحته من هذه السياسية الأميركية الواضحة، ما الذي بقي من عناصر السياسة الاستراتيجية الخارجية السورية وما الذي تحول أو في طريقه إلى التحول؟

فاروق الشرع: في السياسة الخارجية السورية ثوابت لا شك في ذلك، لكن أيضاً فيها متحولات، والمتحولات هي في الأسلوب وفي التكيُّف مع الوقائع الجديدة، السياسة الخارجية السورية واقعية، لكنها تقرأ الواقع ليس لتقبله كما هو، وإنما لتحاول تغيير ما هو سيئ منه إلى الأفضل، لذلك نحن في ديناميكية مستمرة وفي حركة مستمرة لتحسين الوضع الراهن السيئ إلى شيء أفضل، لسنا مغرورين ولسنا واهمين، ولسنا سُذَّج لنعتقد أن كل شيء واقعي سيئ نستطيع أن نغيره في اليوم التالي لا أحيانا الموضوع قد نفشل في تغييره وقد يستغرق الأمر مراحل طويلة من الزمن، ويجب أن نميز بين ما هو قريب الأجل وما هو بعيد الأجل هو شيء استراتيجي، يمكن التغيير في الرؤية الاستراتيجية، أنا على سبيل المثال في الرؤية الاستراتيجية أشعر بتفاؤل كبير، يغمرني التفاؤل..

غسان بن جدو [مقاطعاً]: في المنطقة؟

فاروق الشرع: في مستقبل المنطقة يغمرني التفاؤل بمستقبل المنطقة، لكن إذا قلت لي الآن وفي المدى المنظور أنا لست متفائلاً، لأنه فيه أشياء كثيرة غامضة، حتى أصحاب القرار الأساسيين في الحرب والسلام في المنطقة في العراق وفي فلسطين وإسرائيل، هم لا يعرفون تماماً ماذا سيفعلون في عام 2004، وأنا أضع ذلك على المحك، ولا أقول أو أطلق هذا الكلام جزافاً.

غسان بن جدو: معالي زير الخارجية السوري السيد فاروق الشرع، شكراً جزيلاً لك على هذا الوقت.

شكراً لكم أعزاءنا المشاهدين على حسن متابعتكم، مع تقديري لكم غسان بن جدو من دمشق، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة