استئناف الرحلات الجوية بين مصر وإيران   
الأربعاء 1431/11/6 هـ - الموافق 13/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 8:20 (مكة المكرمة)، 5:20 (غرينتش)

- أهمية الاتفاقية وأبعادها السياسية والإستراتيجية
- المصالح المتبادلة وآفاق العلاقات المصرية الإيرانية


 
ليلى الشايب
مصطفى اللباد
بايمان جبلي

ليلى الشايب: وقعت مصر وإيران اتفاقا لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين وذلك للمرة الأولى من عام 1979 وبينما تعلق طهران آمالا سياسية على هذه الخطوة سعت مصر إلى التقليل من أهميتها السياسية فيما أبدت الولايات المتحدة انزعاجها مما بدا تقاربا بين القاهرة وطهران. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين، ما أهمية هذا التقارب المصري الإيراني وهل تصلح هذه الخطوة لنزع فتيل التوتر بين البلدين؟ وما الذي يعنيه هذا الاتفاق بالنسبة لطهران التي تتعرض لحملة غربية لإحكام عزلتها وحصارها؟... لم يجانب الصواب من رأى الخطوة بارقة ضوء في مسيرة علاقات القاهرة وطهران خلال العقود الثلاثة الأخيرة ظاهرها تطبيع دبلوماسي وباطنها توتر سياسي يغذيه تضارب في التوجهات السياسية لكلا البلدين فكل طرف يقف في معسكر مضاد بل على رأس المعسكر المضاد، في الأول معتدلون في النظر إلى الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة وفي الثاني ممانعون يعتبرون المقاومة السبيل للمواجهة واسترداد الحقوق والأراضي المغتصبة.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: انتظرت أرضية مطار القاهرة الدولي أكثر من ثلاثة عقود لتحط عليها أول طائرة قادمة من إيران تحمل على متنها نائب الرئيس أحمدي نجاد جاء ليضع اللمسات الأخيرة على اتفاق تعود بموجبه الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين بعد طول انقطاع، خطوة وصفت بالقوية والفاعلة ليس فقط نظرا لسنوات طويلة تداول عليها الفتور والتوتر بين البلدين وإنما خاصة لما قد تؤول إليه من طي لصفحة العداء البارد الذي اندلع بين الجانبين بعد توقيع مصر على معاهدة كامب ديفد واحتضانها شاه إيران من المنفى إلى الممات، احتضان ردت عليه طهران بإطلاق اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي على أحد شوارعها ودعم المعارضة الإسلامية لحكومات القاهرة. أثناء البحث عن دوافع التقارب المثير للهواجس الغربية توقف المراقبون عند فرضيات لم توضح تدقيقا خلفية الموقف المصري الذي بدا خارجا بنسبة ما عن التمشي الأميركي العام تجاه إيران، إيران الراغبة في كل الأحوال في التقاط أي متنفس يريحها من شيء من عبء الحصار الأميركي الغربي عليها على خلفية مشروعها النووي إذ لطالما رمت طهران بالورود صوب القاهرة قائلة إنها رقم أساسي في معادلة الشرق الأوسط مبدية الاستعداد لإعادة العلاقات رغم اختلاف وجهات النظر خاصة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، ولعل البلدين وهما يمثلان حجري الزاوية في الثقلين الشيعي والسني أدركا قيمة ردم الهوة بينهما لدرء مخاطر من بين أهمها فتنة شيعية سنية أطلت برأسها في المنطقة فسارع مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بإصدار فتوى تحرم مس الصحابة وأمهات المؤمنين ورد الأزهر التحية بأحسن منها عندما وصف الفتوى الإيرانية بالكريمة الصادرة عن عالم مسلم كبير. غزل مذهبي اقتصادي أثار حفيظة واشنطن التي حرضت مصر على عدم توقيع أية اتفاقية مع إيران قبل أن تدخل هذه الأخيرة بيت الطاعة الغربي ولم تشعر قبل ذلك بالراحة وهي ترى تنسيقا عربيا إيرانيا في أروقة وكالة الطاقة الذرية لاستصدار قرار يرغم تل أبيب على إخضاع منشآتها النووية للتفتيش ما قد يترجم عمليا وبصيغ أخرى تصريحات سابقة للخارجية المصرية أكدت أن إيران ليست هي العدو رغم كل نقاط الاختلاف معها، موقف يقع على النقيض من الأولويات الأميركية الإسرائيلية في المنطقة.

[نهاية التقرير المسجل]

أهمية الاتفاقية وأبعادها السياسية والإستراتيجية

ليلى الشايب: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة الدكتور مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية، ومن طهران الدكتور بايمان جبلي المستشار الإعلامي السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. ونبدأ معك دكتور لباد في القاهرة، ماذا تعني هذه الاتفاقية والإعلان عنها في أجواء لا توحي بمودة بين طهران والقاهرة؟

مصطفى اللباد: تعني هذه الاتفاقية أن جبل الجليد الذي كان وما زال قائما بين إيران ومصر بدأ في التكسر والاختفاء تعني أيضا أن العلاقات الثنائية بين البلدين التي هي في مستوى أدنى من المطلوب سواء مصريا أو عربيا أو إيرانيا في طريقها إلى التحسن ولكن كل ذلك لا يعني أن العلاقات بين البلدين ستعود الآن أو في فترة منظورة قادمة إلى سابق مستواها ولا تعني أيضا أن هذه العودة ستعني تغييرا في خريطة التوازنات في الشرق الأوسط لأن العلاقات المصرية الإيرانية كانت وما زالت محكومة بسقفين دولي وإقليمي وهذين السقفين يتحكمان بإيقاع هذه العلاقات وأن العلاقات شهدت تحسنا في فترة اشتراك البلدين في سقف إقليمي واحد في الثلاثينات والأربعينات والسبعينات من القرن الماضي ودائما كانت في حالة من المد والجزر ومصر في أثناء حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الخمسينات والستينات تصادمت مع إيران بسبب اختلاف السقف الدولي وإيران منذ انتصار ثورتها وحتى الآن تتصادم مع الطروحات السياسية المصرية للرئيس الراحل أنور السادات وامتداداته التاريخية الحالية، لذلك الخطوة مطلوبة الخطوة جيدة تفتح نافذة ولكن استنطاق نتائج أكثر من تسيير خطوط رحلات جوية وما يعنيه ذلك من انفراجة نسبية في العلاقات هذا الاستنطاق أكثر من ذلك لايتساوق مع الواقع الموضوعي للعلاقات بين البلدين الكبيرين في الشرق الأوسط.

ليلى الشايب: وسنكتفي في هذه الحلقة ونركز بالأحرى على السقف الإقليمي على الأقل في هذه الحلقة. أتحول إلى الدكتور بايمان جبلي، طهران تغازل القاهرة منذ فترة ما يعني أنها بالتأكيد لن تكتفي بهذه الاتفاقية ستعمل على تحقيق ما هو أكثر ولكن هل طهران على استعداد لتنفيذ الشرط أو الشروط التي حددها بصراحة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وهي أن تحسين العلاقات -حرفيا قال- يجب أن يكون في إطار شامل، هل إيران على استعداد لذلك؟

بايمان جبلي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أعتقد أن الرؤية إلى هذا التطور في العلاقات بين إيران ومصر يجب أن يكون رؤية طبيعية وواقعية ويجب أن نبقى إيجابيين ولكن إلى الحد الطبيعي فموضوع العلاقات الإيرانية المصرية بشكل عام يشكل أهمية أكبر جدا من أهمية استئناف الرحلات الجوية بين طهران والقاهرة وصحيح أن هناك يعني خلافات بين إيران ومصر في النواحي المختلفة ومنها موضوع السياسة المصرية والإيرانية حول موضوع الشرق الأوسط وموضوع فلسطين والاحتلال الصهيوني والذي شكل هذا الخلاف يعني النقطة الأساسية للمشكلة في العلاقات بين إيران ومصر ولكن هذه الخلافات رغم يعني كبرها لا تمنع النظر إلى أفق أبعد وتحديات أكبر وأكثر خطورة يعني فهذه التحديات تقتضي توسيع وتطوير العلاقات والعبور من الخلافات العابرة التكتيكية والإستراتيجية وحتى السياسية للوصول إلى نقطة المواجهة المحددة مع كل هذه التحديات، من جملة هذه التحديات موضوع التهديدات الصهيونية لكل الدول وشعوب المنطقة والتي تعرض كل المنطقة للخطر ولا تفرق بين دولة ودولة، وموضوع آخر من التحديات موضوع الوجود العسكري والسياسي الخطر جدا للغربيين وللناتو في المنطقة وفي الشرق الأوسط وموضوع آخر موضوع التهديد والهجوم المبرمج على المقدسات الإسلامية، كل هذه التحديات برأيي تقتضي توحيد الصفوف وتجميع الإمكانيات وتطوير العلاقات السياسية بين كل الدول الإسلامية ويجب أن تشكل الدول الإسلامية خاصة الكبرى منهم والتي لها تأثير أكبر في العلاقات والمعادلات العالمية والإقليمية مثل إيران ومصر وتركيا أن تشكل هذه الدول قدرة وقدرة موحدة لمواجهة التحديات الموجهة إلى المنطقة.

ليلى الشايب: طيب، دكتور مصطفى اللباد يعني بقدر ما لوحظ تخفيف الجانب المصري من سقف التوقعات التي يمكن أن يبني عليها أي أحد آمالا بالنسبة لمستقبل العلاقات بين البلدين لوحظت محاولات إيرانية لرفع سقف هذه التوقعات، هل الموقف الإيراني يلزم القاهرة بأي شيء برأيك؟

مصطفى اللباد: أعتقد أن الخطوة كانت متكافئة من الطرفين يعني كل طرف يريد تحصيل أهداف من الطرف الآخر ولكن ربما بسبب الحصار الدولي على إيران والعقوبات المفروضة عليها بسبب ملفها النووي إيران تريد بالطبع كسر هذا الحصار ومنع اصطفاف إقليمي في مواجهتها بالتوازي مع العقوبات ولذلك إيران بالطبع لها أهداف من هذه العلاقات وهو أمر مفهوم ومشروع والقاهرة لها أهداف من هذه العلاقات كما أعتقد وهو أمر بالتالي مفهوم ومشروع ولكن لوحظ بالفعل أن الجانب الإيراني كان الأكثر حماسة لهذا الموضوع ربما بسبب ضغوط العقوبات الدولية بسبب هاجس نشوء اصطفاف إقليمي في المنطقة بالتوازي مع العقوبات الدولية وأيضا ربما لأسباب داخلية إيرانية لأن الرئيس محمود أحمدي نجاد يريد الآن إظهار وكأنه سوف بصدد كسر العزلة المفروضة عليه والتي يتهمه أطراف داخل إيران بأن سياساته أوصلت لها، الملاحظ أيضا أن القاهرة تحفظت على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية عن يعني دلالات أبعد لهذه الخطوة وبالطبع الخطوة لها دلالات لأن تسيير رحلات خطوط طيران يعني ذلك تسهيل إجراءات تأشيرات الدخول للإيرانيين وهو أمر كان صعبا حتى الآن لذلك هذه الخطوة تحمل في طياتها أيضا تقاربا أعمق وهو أن الزيارات المتبادلة سوف تكون أسهل لأنه من غير المنطقي أن يتم تسيير رحلات طيران وفي طائرات فارغة لذلك بالتحديد ومن المنطقي أن يكون الطرفان اتفقا على تسهيل إجراءات الدخول مع إجراءات تسيير رحلات الطيران وبالتالي تدخل العلاقات ترتقي نقلة نوعية أفضل وأعتقد أنه من المصلحة المصرية بوضوح تنويع علاقات مصر الإقليمية لأن المصريين ما زالوا يعتقدون أن مصر قوة إقليمية في المنطقة والمنطق يقول إنه على القوة الدولية أن يكون لها علاقات مع كل القوى الدولية الأخرى بدون استثناء وحتى الآن..

ليلى الشايب (مقاطعة): ولكن هناك عقوبات دولية على إيران وحث غربي على الالتزام بهذه العقوبات، سنتطرق إلى ذلك لاحقا ولكن أشرت إلى إيحاءات دكتور مصطفى اللباد وهنا أتحول مرة أخرى إلى طهران والدكتور بايمان جبلي، إذا ما استحضرنا الثقل الديموغرافي والمذهبي لكلا البلدين إيران والقاهرة هل يمكن أن تمهد مثل هذه الخطوة لحل ربما القضية الأكبر والأوسع وهي مذهبية الطابع تحديدا خاصة وأنه يعني رأينا إلى أي مدى وصلت والاتهامات التي اتهمت بها إيران بمحاولة التشييع في عدد من الدول العربية، هل يمكن أن تسهم هذه الخطوة في كسر الجليد في هذه الناحية بالذات؟

بايمان جبلي: كما أشرت هناك محاولات واضحة لبعض الدول الغربية للحيلولة دون يعني تطوير العلاقات الإيرانية المصرية وإيحاء بعض الشبهات في هذه العلاقات أن إيران مثلا تحاول تشييع أو توسيع الشيعة يعني في مصر وكذلك يعني بعض الاتهامات الأخرى لإيران، ولكن أنا أعتقد أنه نحن كدول المنطقة وكشعوب المنطقة يجب أن نتطرق إلى موضوعات أكبر من هذه الاتهامات السخيفة يعني الكل يعرف أن المذهب السائد يعني في مصر هو قريب جدا من مذهب الشيعة في إيران وكما نعرف أن الحب لأهل البيت يعني في مصر حب كبير جدا يعني إذاً هذا لا يشكل أي نقطة خلاف بين إيران ومصر، حتى بين إيران وأي دولة عربية لا تشكل أبدا الخلافات المذهبية نقطة أساس يعني للخلافات السياسية. أنا برأيي يجب أن ننتبه إلى بعض المسائل الموجودة يعني أكبر من هذه الموضوعات، هناك الكثيرون من المحللين والخبراء الإستراتيجيين الغربيين الذين يعتقدون أن سبب عدم قدرة العالم العربي والعالم الإسلامي على حل مشاكله إنما يكمن السبب في موضوع النقص في القيادة فأنا برأيي توسيع وتطوير العلاقات بين إيران ومصر وإيران وأي دولة عربية وكل الدول العربية والإسلامية من شأنها أن تشكل أرضية مناسبة لتوحيد القيادة السياسية والإستراتيجية في مواجهة التحديات كما أشرت سابقا..

ليلى الشايب (مقاطعة): تقصد مزيدا من التنسيق بين القيادات العربية..

بايمان جبلي: ومن هذا المثال أنه يجب ألا نتحول إلى طريقة التعامل بين الأطفال أن هذا الطفل يقول أنت أول واحد طلبت مني الصداقة وأنا أول واحد اللي طلبت هذه الصداقة، لا، هذا التطوير في العلاقات وهذا تحسين العلاقات أكيد يصب في مصلحة كل طرفين ليس فقط إيران وليس فقط مصر بل توسيع العلاقات بين الدول الإسلامية ودول المنطقة دول الجوار في المنطقة التي لها حق يعني في حل مشاكلها يصب في هذا تطوير العلاقات لمصلحة كل الأطراف الموجودة في المنطقة..

ليلى الشايب (مقاطعة): طيب قبل أن أذهب إلى فاصل دكتور بايمان إذا سمحت لي أعود مرة أخرى إلى الدكتور مصطفى اللباد، رغم الحديث المستمر عن يعني مصالح الطرفين والتقاء مصالح الطرفين نتذكر أن إيران فيما سبق لعبت ما يسمى بورقة دبلوماسية القمح، اليوم أو بالأمس بالأحرى لأول مرة تصدر إيران شحنة من البنزين ما يعني تحقيقها للاكتفاء الذاتي وتفضلها ربما يمكن الآن أن تصدر لبلد مثل مصر، هل يخشى أن تكون إيران مرة أخرى ربما تلعب -وأضع هذه الكلمة بين قوسين- على الاحتياجات الاقتصادية الكثيرة لمصر بدون أن تنتظر مصر منها مزيدا ربما على أصعدة أخرى أصعدة سياسية وما شابه؟

مصطفى اللباد: في الواقع أن القاهرة متحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية كما لا يخفى على الجميع والقدرات الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية أكبر بما لا يقاس من قدرات إيران غير المنكورة ولكن لا أعتقد أن الأمور على الجانب الاقتصادي يعني في نظريات العلاقات الدولية تبدأ علاقات مقطوعة بعلاقات اقتصادية ثم ترتقي إلى علاقات سياسية يعني متوازنة وأفضل، لا أعتقد أن الموضوع الاقتصادي وإن كان بدأ الآن بين البلدين هو العامل الرئيس، المحك الرئيس هو تصادم المصالح بين الطرفين في ملفات عديدة، أمن الخليج في الوضع في العراق في لبنان وكل هذا لا يمنع من تقارب مصري إيراني، إيران بلد كبير كيان حضاري وتاريخي وليس قافزا على المنطقة بمظلات، إيران لها نفوذ لا يمكن إنكاره الآن لا يمكن تصور الشرق الأوسط بدون إيران وحضور إيران الآن وبالتالي يجب التعامل مع إيران على هذا الأساس هذا هو الواقع الموضوعي ولكن هذا التعامل لا يعني الاعتراف لإيران بكل ما تريد، إيران مد وكيان حضاري كبير لها مصالح في المنطقة، الدول العربية لها مصالح في المنطقة ولذلك الحوار هو الوسيلة الأفضل لإدارة التناقضات وليس إنكار الآخر، لا يمكن لأي طرف إنكار إيران الآن المعادلات السياسية في المنطقة إذا كان هناك تصادمات في موضوعات مذهبية كما تفضلت سينية شيعية وهي قائمة فإن القاهرة هي الطرف الأكثر تأهيلا موضوعيا وتاريخيا للقيام بدور الوساطة بين السنة والشيعة في المنطقة لأنها مقبولة من الطرفين ولكن ذلك سيستدعي إعادة تموضع لتحالفات القاهرة الإقليمية بحيث لا تكون مصطفة في اصطفاف سياسي خلف بالتحديد المملكة العربية السعودية في مواجهة اصطفاف سياسي آخر تقوده إيران، الوضع الأمثل للقاهرة في تقديري هو القيام بدور الوساطة والابتعاد عن هذا الاصطفاف وبالتالي تستطيع القاهرة لعب أدوار، إيران سترحب بذلك بالطبع وهذا يسهل عودة القاهرة إلى توازنات الإقليم هذا ربما يكون الهدف الأبعد للقاهرة من عودة العلاقات وليس مجرد صفقة قمح أو بنزين.

ليلى الشايب: هذا بالنسبة للقاهرة ولكن ما الذي تعنيه هذه الاتفاقية بالنسبة لإيران التي تتعرض لهجمة وحملة غربية لمزيد من العزل والحصار؟ نناقش هذه المسألة بعد فاصل قصير أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

المصالح المتبادلة وآفاق العلاقات المصرية الإيرانية

ليلى الشايب: أهلا بكم من جديد حلقتنا التي تتناول أبعاد الاتفاق على استئناف الرحلات الجوية بين مصر وإيران رغم الجفاء السياسي بينهما. أعود عودة سريعة إلى القاهرة مع الدكتور مصطفى اللباد حتى أعطي الفرصة لاحقا لضيفنا في طهران الدكتور بايمان جبلي. واشنطن دكتور لباد أبدت انزعاجها من هذه الخطوة وحثت مصر وغيرها على عدم توقيع أية اتفاقيات اقتصادية جديدة، كيف يمكن للقاهرة أن تدافع عن هذه الخطوة لدى حليفتها القوية واشنطن؟

مصطفى اللباد: أعتقد ربما يكون العكس هو الصحيح ربما تكون إعادة العلاقات مع إيران تحت سقف معين ولكن تحسينها هي ورقة بيد القاهرة في مواجهة واشنطن في الاستحقاقات القادمة وأعتقد أنه لا يستقيم أن إدارة أوباما التي تتحاور مع إيران سرا وعلانية تطلب من الدول الأخرى ألا تقوم بعلاقات مع إيران..

ليلى الشايب (مقاطعة): ما هي تلك الاستحقاقات دكتور مصطفى، في موضوع الشرق الأوسط؟

مصطفى اللباد: لا، لا، هناك انتخابات برلمانية قادمة في مصر وهناك انتخابات رئاسية العام القادم والإدارات الأميركية المتعاقبة دأبت على ممارسة الضغوط على النظام السياسي في مصر بشأن هذه الاستحقاقات وربما تكون خطوة تحسين العلاقات مع إيران هي ورقة في مواجهة هذه الضغوط ويعني ورقة استباقية ربما من المحتمل أن يكون ذلك، ولا ننسى أيضا أن إدارة أوباما هي الآن مأزقها الكبير في المنطقة يتمثل أساسا في عقدة إيران إما ستوجه ضربات عسكرية -لا قدر الله- إلى إيران غير مأمونة الجانب أو أنها ستقوم بحوار في النهاية مع إيران يقنن مصالح الطرفين وكلا السيناريوهين الضربة العسكرية أوالتفاهم الأيراني الأميركي سيكون له تأثيرات عميقة المدى على توازنات المنطقة فلماذا يتوجب على الدول العربية الانتظار حتى تحسم واشنطن أمرها وبالتالي تتلقى تبعات هذا التأثير؟ أعتقد أن الدول العربية أخطأت بالفعل عند احتلال العراق عام 2003 واختلال التوازنات لغير مصلحتها ولا أعتقد أنه من الصواب أوالحكمة الانتظار حتى تحل الولايات المتحدة الأميركية مشكلتها مع (الولايات المتحدة الأميركية) ومن ثم تطلب من حليفاتها العرب فعل ذلك..

ليلى الشايب (مقاطعة): سنرى مواقف أخرى غير راضية عن هذه الخطوة دكتور مصطفى اللباد، نرى ذلك مع الدكتور بايمان جبلي يعني دول أخرى عربية تحديدا خليجية ربما قد لا تنظر بعين الرضا إلى هذه الخطوة، واشنطن غير راضية إسرائيل أيضا غير راضية يعني مصر بين قوسين أزعجت كل هؤلاء، إيران ما المقابل الذي يمكن أن تدفعه وتقدمه لمصر نظير هذه التضحيات بين قوسين؟

بايمان جبلي: كما تفضلت وكما تفضل الضيف في القاهرة ليست فقط الإدارة الأميركية التي تكون قلقة بالنسبة لتوسيع العلاقات بين إيران ومصر ولكن الكيان الصهيوني كمان قلق جدا من توسيع العلاقات الإيرانية العربية بشكل عام وليس فقط العلاقات الإيرانية المصرية، فمثلا نشاهد هذه الضجة الإعلامية الكبيرة جدا في الصحف والمصادر السياسية الإسرائيلية في موضوع زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان في الأسبوع القادم فكذلك كل توسيع العلاقات بين دول المنطقة بين إيران وأي دولة عربية وحتى توسيع العلاقات بين الدول العربية بشكل عام يعني تشكل مصدرا لقلق الكيان الصهيوني لأن منفعة ومصلحة الكيان الصهيوني في تفرقة وتشتت هذه الدول الجارة في هذه المنطقة فنحن نتذكر أن رئيس الوزراء الصهيوني بينامين نتنياهو لما قال في أيلول عام 2009 إنه لا يمكن لإسرائيل التغلب وسحق إيران إلا بمساعدة الدول العربية وكذلك لا يمكن لإيران التغلب وسحق إسرائيل إلا بمساعدة الدول العربية، إذاً وجود نوع من التوحيد في الرؤى وفي السياسات بين إيران والدول العربية تشكل بشكل كبير مصدرا لقلق الكيان الصهيوني وللولايات المتحدة والغرب. ولكن نحن بغض النظر عن هذه الاتهامات الموجهة إلى هذا النوع من العلاقات بيننا وبين الدول العربية يجب أن ننظر إلى مصالحنا نحن كدول في المنطقة لكل دول المنطقة الحق في الدفاع عن مصالحها ولحل مشاكلها، لماذا نعطي أصلا ولماذا نسمح للدول الأجنبية وللدول خارج المنطقة أن يأتوا إلى المنطقة ويجبرونا على حل مشاكلنا بطريقتهم هم؟ ونحن لنا حق أكبر في حل هذه المشاكل، فمثلا الدول الأوروبية رغم كل خلافاتها السياسية والثقافية وحتى الاقتصادية ولكن يرفعون الحدود الجغرافية بينهم ويشكلون اتحادات إستراتيجية وإقليمية فلماذا نحن دول المنطقة لا نشكل مثل هذا النوع من الاتحادات ولماذا لا نحاول في تطوير العلاقات وتوسيع العلاقات ورفع..

ليلى الشايب (مقاطعة): أسئلة وجيهة دكتور بايمان. يعني عودة أخيرة إليك دكتور مصطفى اللباد، مسؤول إيراني قال العلاقات ستشهد المزيد من التطور والتعاون في الفترة المقبلة، بالنسبة للقاهرة -وفي كلمتين- ما الخطوة المقبلة للارتقاء بمستوى هذه العلاقات؟

مصطفى اللباد: طبعا أنا لا أتحدث باسم الموقف الرسمي المصري ولا أعرف بالتحديد ولكن..

ليلى الشايب: من وجهة النظر المصرية.

مصطفى اللباد: أتصور وأتخيل أن الخطوة القادمة ستكون الانتظار لتقييم ردة فعل هذه الخطوة الانتظار لردود فعل إيران في ملفات إقليمية محددة في العراق في لبنان ومن ثم إمكانية الوصول إلى تفاهمات مع إيران بهذا الخصوص، أعتقد أن القاهرة حققت أهدافها بالفعل من تسيير خطوط الرحلات الجوية أرسلت الإشارات التي تريد إرسالها ويتبقى الآن تقييم ردات الفعل الإيرانية، هي خطوة جيدة وفي الاتجاه الصحيح ولكنها محدودة ومحسوبة وتخدم مصالح الطرفين صحيح تحت سقف متدن نسبيا..

ليلى الشايب (مقاطعة): شكرا لك دكتور مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية كنت معنا من القاهرة وأشكر من طهران الدكتور بايمان جبلي المستشار الإعلامي السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ولكم تحية أينما كنتم مشاهدينا في ختام هذه الحلقة، إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة