المواجهات بين الأمن التونسي ومجموعات سلفية   
الأحد 1433/12/20 هـ - الموافق 4/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)
محمد كريشان
محمد الحداد
محمد هنيد

محمد كريشان: اندلعت سلسلة مواجهات خلال الأيام الماضية بين الأمن التونسي ومجموعات سلفية كان آخرها في منوبة، بعدها قرر الرئيس التونسي تمديد العمل بحالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر. 

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه من زاويتين: كيف يبدو المشهد التونسي بشكل عام في ظل التطورات الأمنية الأخيرة خاصة مع السلفيين؟ وهل سيتأثر المسار السياسي للبلاد بما يجري، لاسيما مع اقتراب وضع اللمسات النهائية للدستور؟ 

السلام عليكم، أسئلة كثيرة مطروحة في الشارع التونسي بشأن الوضع الأمني في البلاد خاصة بعد تعدد المواجهات بين الأمن والسلفيين، أطراف عدة تحمل هؤلاء السلفيين المسؤولية عن أخطر الحوادث في البلاد، منها الهجوم على السفارة الأميركية في سبتمبر/ أيلول الماضي، بالإضافة إلى حوادث متفرقة كان آخرها في منوبة في ضواحي العاصمة، بالتزامن مع ذلك تطرح أسئلة أيضا عن العملية السياسية في البلاد التي تقترب من وضع دستورها الجديد، وهل من علاقة بين التصعيد الأمني في الشارع والخلافات السياسية بين النخبة؟ 

[تقرير مسجل] 

نبيل الريحاني: 3 شهور أخرى طوارئ في تونس، قرار اتخذه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي يدل على أن سفينة فاتحة الثورات العربية لم تصل بعد إلى شاطئ الأمان، كثيرة هي الدلائل التي تثبت ذلك، آخرها أحداث عنف شهدها حي خالد بن الوليد في منطقة دوار هيشر بضواحي العاصمة، مواجهات قيل أنها اندلعت بين السلفيين وباعة خمور انتهت إلى اشتباك بين السلفيين وعدد من عناصر الدرك الوطني أسفر عن سقوط قتيلين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة بينهم عناصر من الدرك، تكفلت التحقيقات بالبحث في حقيقة ملابسات تصعيد أمني وضعه المتابعون في خانة العلاقات المتقلبة بين الحكومة التي تهيمن عليها حركة النهضة والسلفيين الذين تعتبرهم المعارضة العلمانية على وجه الخصوص خطرا داهما يتهدد أمن البلاد. ليس السلفيون وحدهم من يشغل بال الدولة والمجتمع في تونس ما بعد الثورة، فالحديث يتجدد بين حين وآخر عن أيادٍ خفية تربك الأوضاع وتدفع بها نحو مزيد من الانفلات السياسي والأمني دون أن تقدم أي جهة رسمية أو غير رسمية على كشف أدلة تثبت هذه الفرضية، المحامي محمد شريف الجبالي فعلها منذ أن أماط اللثام أمام الحكومة وعامة التونسيين عن أدلة قال إنها دامغة تثبت من وجهة نظره تورط رجل الأعمال المثير للجدل كمال لطيّف في مؤامرة نفذت وما تزال تخطط للمس من الأمن القومي التونسي، سعيا بالتنسيق مع شخصيات عامة معروفة لقلب الأوضاع وتغيير موازين القوى التي أفرزتها انتخابات المجلس التأسيسي. ليست المرة الأولى التي تطول فيها الشبهات لطيّف، الصديق المقرب من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي لفترة طويلة، المشهور عنه نفوذه الواسع وعلاقاته المتشعبة في الداخل والخارج، وهي العلاقات التي لم ينفها لطيّف وإنما درج في المقابل على نفي التورط في أي تآمر على تونس ومن يحكمها هذه الأيام، بلاد استغرق نخباها السياسية نقاش حاد آخر محوره توطئة الدستور الجديد على مسافة في نظر منتقديها من واقع اقتصادي صعب أثقل كاهل الفئات الفقيرة أكثر من غيرها. 

[نهاية التقرير] 

المشهد التونسي العام في ظل التطورات الأخيرة 

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من تونس الكاتب والأكاديمي محمد الحداد ومن باريس محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السربون، أهلا بضيفينا، نبدأ من تونس وسيد الحداد، ما هي أبرز ملامح الصورة الآن في تونس مع تشعب هذه المواجهة بين السلطات والتيار السلفي في تونس؟ 

محمد الحداد: شكرا، والله ما يحصل اليوم في تونس هناك تمديد حالة الطوارئ، ولكن يمكن أن أؤكد لك أن هذا الإجراء أصبح إجراءا روتينا وأن أغلب التونسيين ربما لم يهتموا به، بالمقابل هناك اهتمام بما وقع في ضاحية منوبة من مواجهات بين مجموعات تحسب على السلفية وبين قوات الدرك، وهذا الأمر يحير التونسيين أولا لأنه هناك استعمال عنف وهناك قتل، وثانيا لأن هناك غموض حول الأطراف وحول الدوافع وحول النوايا وهناك كثير من التشويش على المعلومات في هذا المجال كما في مجالات أخرى، وأعتقد أن الحكومة قد تأخرت بتقديم المعلومات الدقيقة فيما يتعلق بهذا الملف الذي يسمى عامة ملف السلفية مع العلم أن كلمة سلفية كلمة واسعة ويمكن أن تشمل أشياء كثيرة جدا وهناك طبعا كثير من السلفيين لا علاقة لهم لا بالعنف ولا بكل هذه الأمور هذه تسمية واسعة جدا تطلق بطريقة لا يستطيع معها المواطن التونسي أن يفهم بالضبط ماذا يحصل؟ وما هي الدوافع؟ وما هي الجهات المحركة. وما هي المسؤوليات في هذه الأحداث؟ لكن هناك لا شك حالة من الرعب في هذه المناطق التي هي مناطق فقيرة جدا، والتي هي فيها مشاكل اجتماعية كبرى، ومناطق لم يتحسن وضعها بعد الثورة بل ربما ازداد سوءا، ولهذا فإن هذه الظواهر مرتبطة أيضا بالفقر والبؤس وبشعور شريحة من المجتمع أنها لم تستفد إلى حد الآن من الثورة، وربما أن هذه الشريحة تعتبر أنها ساهمت في الثورة وأنها كان لها دور في هذه الثورة ولكن لم تستفد منها بعد. 

محمد كريشان: أشرت أستاذ حداد اسمح لي  أشرت أستاذ حداد إلى أن هناك حالة من الرعب في بعض المناطق، وهنا أسأل السيد هنيد في باريس يعني حتى أن هناك تحقيقات في الصحافة التونسية، جريدة le presse الحكومية العريقة مثلا أشارت إلى وجود مناطق تقريبا عمليا خارج القانون مع تجميع لأسلحة بيضاء في المساجد ودعوات في المساجد ومن على المنابر ومن على المآذن للجهاد وللتصادم مع قوات الأمن، هنا أسألك سيد هنيد، هناك وجهة نظر في تونس تقول بأن الحكومة تأخرت كثيرا حتى استطاعت أن تدخل في مواجهة مع هذا التيار، وأن ما وصلنا إليه هو نتيجة ما وصف بتسامح أو مجاملة لهذا التيار، هل تعتقد بأن الصورة بهذا الشكل؟ 

محمد هنيد: أهلا أستاذ محمد وشكرا لك على الدعوة ومرحبا بضيفك الكريم ومشاهديك الكرام، المشهد شديد التركيز وعناصر كثيرة فيه، ما ذكرته سيدي الكريم من أن هناك بؤرا موجودة في تونس اليوم وأصبحت تقريبا خارجة على القانون وهي ظاهرة تفسر تقريبا أزمة النخب اليوم، النخب الحاكمة والنخب المعارضة، كل هذه النخب التي كنا نعتقدها جزءا من الحل أصبحت اليوم جزءا من المشكلة، يعني المشهد في تونس تقريبا كنا ننتظر أن تحرر النخب وتساهم في تحرير الشعب، قام الشعب بتحرير هذه النخب، اليوم هناك حالات انفلات هذه الحالات يقودها أساسا مواعيد انتخابية يعني الجميع ينتظر مواعيد انتخابية، السلطة من هم في السلطة لا يستطيعون تطبيق القانون بصرامة لأنه قد يقضي على بعض المطامع الانتخابية القادمة، المعارضة تستفيد بعناصرها المتحركة والثابتة في تأجيج الوضع لأنه يخدم مصالحها دخلت على الخط أطراف أجنبية تحرك عناصرها الداخلية وتحاول أن تبث الفوضى لكي نعود إلى ما قبل 17 ديسمبر، والمشهد في تونس كما ذكر ضيفك الكريم من تونس معقد خاصة المناطق التي ذكرت أنه يسود فيها الرعب هي مناطق فقيرة أساسيا، يعني المكان بمحتوياته بمكوناته يكشف حجم الظاهرة ويكشف لماذا أغلب الشباب يرتد إلى ظواهر مثل الظاهرة السلفية أو غيرها من الظواهر التي يمكن أن تلبي رغبات لم يجدها في واقعه. 

محمد كريشان: ولكن هل هناك سيد حداد من يتحمل المسؤولية في هذا الوضع؟ لأن هذا التيار السلفي كان مقموعا بالكامل أيام بن علي، كان في السجون أو كان ساكتا، يفترض بعد ثورة توفرت فيها حريات أن يعبر عن نفسه كأي تيار آخر دون أن يصطدم بالضرورة مع الدولة وأن يلجأ إلى العنف، ما الذي جعله يصل إلى هذه المرحلة بتقديرك؟ 

محمد الحداد: عندما قلت منذ قليل أن الحكومة قد تأخرت لم أكن أقصد أنها تأخرت فقط بالرد الأمني، هي تأخرت في محاولة تحليل هذه الظاهرة وفي فهمها وفي التعامل معها تعاملا سليما، يعني هؤلاء أنا أولا أعتقد أنه لم يحصل حوار حقيقي معهم، ما حصل هو حوار حزبي بين حركة النهضة وهؤلاء، وكان لغايات حزبية لفائدة حركة النهضة، ولم يحصل حوار وطني، وأنا كنت قد دعوت سابقا في تونس إلى حوار وطني مع هؤلاء حتى يفهم الناس من هم هؤلاء، ويفهم هؤلاء أيضا ما هي الحدود الموضوعة أمامهم، مثلما قلت أن هناك اليوم حريات وبالتالي أن الوضع قد تغير، في حين أن بعض تصرفات هذه المجموعات هي لم تتغير، هي ما زالت تتعامل وكأننا ما زلنا في فترة الاستبداد وكأننا ما زلنا في فترة بن علي وكأن حتى المصطلحات المستعملة الطاغوت وغير ذلك تظل مستعملة إلى اليوم مع إن الحكومة هي حكومة منتخبة وشرعية إلى غير ذلك، كان ينبغي أن يوجد حوار وطني شفاف واسع أولا حتى يستطيع التونسيين أن يفهموا هذه الظاهرة التي هي بالنسبة إلى تونس ظاهرة جديدة حتى وإن كانوا هم موجودين في عهد بن علي فكما ذكرت كانوا مقموعين وليس هناك أخبار حولهم، والمواطن العادي يعني ممكن المختصين والصحفيين يعرفون ولكن المواطن العادي لا يعرف شيئا، ولهذا هناك اليوم نوع من الخوف لأن المواطن العادي لا يعرف هذه المجموعات ولا يعرف ما هي الدوافع ولا يعرف ما هي الأفكار. 

تردد غير مبرر في مواجهة السلفية

محمد كريشان: المواطن أيضا ربما لا يعرف ولكن أيضا سيد حداد المواطن مستغرب، عندما تتابع القنوات التلفازية التونسية الكل يقول بأنه لا يفهم لماذا وزارة الداخلية وعلى رأسها أحد قيادات النهضة السيد علي العريّض، تبدو وكأنها لم تحسم أمرها بعد في أن تأخذ الأمور بجدية وبصرامة أمنية ومهنية، هل تعتقد بأن، كما تقول المعارضة على الأقل بأن وجود شخصية حزبية نهضوية على رأس وزارة الداخلية لعب دورا في تعفين بين قوسين هذه الظاهرة؟ 

محمد الحداد: والله شوف هو عندما ترى أنت المواقع التابعة لحركة النهضة ترى أنه كثير من هذه المواقع هناك شعار كان مطروحا منذ بداية الثورة يقول النهضة والتحرير والسلفية جميعا ضد العلمانية، ولهذا هناك واضح أن هناك شريحة لا أدري ما حجمها داخل النهضة وداخل الأوساط القريبة من النهضة التي تؤمن بما يسمى بوحدة العمل الإسلامي وتؤمن بأنه ينبغي أن تكون هناك جبهة واحدة بين هؤلاء، ولذلك أنا أفهم أن وزير الداخلية الذي هو من النهضة حركته ستكون صعبة إذا كان هناك أناس في حزبه يرون الأمر بهذه الطريقة، ولكن مرة أخرى أنا لست من دعاة الحلول الأمنية أنا أعتقد أنه يمكن إذا وضعنا الحوار ليس بين حركة النهضة والسلفيين ولكن بين مجموع الشعب التونسي يعني في المجتمع التونسي والسلفيين وعندما يصبح الحوار شفافا وبعيدا عن الاستخدامات الممكنة للسلفيين سواء من هذا الطرف أو من ذاك، آنذاك نستطيع أن نصل إلى نتائج أفضل، إلى حد الآن. 

محمد كريشان: خاصة وأن الكل وهنا اسمح لي بالانتقال إلى السيد هنيد، خاصة وأن الكل يجمع على أن التيار السلفي أولا ليس واحدا، هناك العنيف وهناك غير العنيف، وهناك من يقول بأن كلمة السلفية عامة وهناك حتى بعض أصحاب السوابق وبعض المجرمين وحتى بعض تجار الممنوعات دخلوا هذا التيار حتى يستطيعوا ربما لمآرب أخرى، هل تعتقد بأن الظاهرة بمثل هذا التعقيد سيد هنيد؟ 

محمد هنيد: نعم أستاذ محمد هي أيضا أكثر تعقيدا حتى من ذلك، هناك ما ذكرته سيدي الكريم التوظيف، المسألة ليست في الظاهرة، الظاهرة يمكن فهمها المشكلة أساسا في التوظيف، هناك عناصر في الداخل وفي الخارج تستطيع أن توظف هذه الجماعات المتحركة، تستطيع أن تخترقها كما اخترقت جماعات أخرى، تستطيع أن تلبي رغبات لا يمكن لها أن تقوم بها في المجتمع هذا من ناحية، من ناحية السلفيين، من ناحية أخرى هناك هذا التردد، هذا البطء الغير مبرر، بالنسبة لوزارة الداخلية وغيرها من السلط التي تملك اليوم السلطة وتملك قدرة التنفيذ في تونس، وهناك حسابات انتخابية سابقة لأوانها، النوايا لا تفيد في هذه المرحلة، لا بد أولا بالنسبة، ذكر ضيفك الكريم أنه ضد الحلول الأمنية، لا بد من علو القانون، لا بد من تطبيق القانون لأنه لا يمكن أن تعم الفوضى لأهداف عناصر خارجية هذا من ناحية، من ناحية السلفيين المساجد، إن المساجد لله فلا تدع مع الله أحدا، المساجد هي فقط للصلاة والعبادة هي ليست للتوظيف السياسي، هناك عناصر تريد الدخول على داخل الظاهرة السلفية لكن أعتقد أن الحل هو أساسا حل تربوي، حل وفاق وطني وما ذكرته أستاذ محمد من التوظيف الإعلامي خاصة وأذكر لك أن ما يسميه التونسيين تندرا واستحقاقا لإعلام العار الوطني والحكومي يساهم في تضخيم هذه الظاهرة، لدينا من ناحية تكبير لظواهر صغيرة وتصغير لظواهر بارزة، هذا التوظيف لا نعرف لمصلحة من يخدم، ليس هناك حوار وطني بين النخب، هناك غياب كبير للبدائل، هذا الغياب الكبير للبدائل على مستوى الواقع وعلى مستوى النظرية يسمح لظواهر مرضية وعناصر خارجية بالدخول على الخط وبوأد الربيع العربي في مهده تونس. 

محمد كريشان: والوضع ربما يزداد سوءا لأن هناك استحقاقات، هناك دستور جديد للبلاد، هناك انتخابات يفترض أن تجري في وسط هذا العام المقبل لنا عودة إلى التداعيات السياسية للوضع الأمني في تونس، بعد فاصل نرجو أن تبقوا معنا. 

[فاصل إعلاني] 

المسؤول عن تعكير الأجواء الأمنية والسياسية

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد ما زلتم معنا في هذه الحلقة التي نتناول فيها الوضع الأمني والسياسي في تونس خاصة مع هذه المصادمات بين سلطات الأمن والسلفيين، سيد محمد الحداد هناك بعض التساؤلات الحائرة عما إذا كانت هناك بعض الأطراف ربما في تونس تحرك هذه المصادمات خاصة عندما تتزامن مع تسريبات هنا وهناك، تسريبات لمكالمات هاتفية، لقاءات، لجلسة بين السيد الباجي قائد السبسي والسيد الجبالي لأشياء تتعلق بمحاولة أو ما قيل عن أنها محاولة للتآمر على أمن الدولة، هناك جو أمني وسياسي غير صحي، هل هناك ربما البعض من مصلحته أن يعكر هذه الأجواء؟ 

محمد الحداد: بالنسبة لمسألة التآمر على أمن الدولة، أعتقد أنها مجرد فقاعة وسيقع تجاوزها بعد أيام وقد استعملت هذه الفقاعة أكثر من مرة، أما وجود أطراف تريد أن تشوش على مسألة الدستور فهذا أعتقد أنه موجود، هناك أطراف عديدة وهي في موقع الأقلية وهي إما أنها لا تعترف بالانتخابات أو أنها تعرف أن حظوظها في الانتخابات ليست حدودا مهمة وهي تريد فعلا أن تعطل مسار كتابة الدستور وتريد أن تجعل المناخ مشحونا بما لا يمكن من مناقشة عميقة لهذا الدستور وإذا لم يناقش الدستور مناقشة عميقة فيعني ذلك أنه فيما بعد سيقع الطعن فيه وسيصبح وكأنه دستور طرف معين دون طرف آخر وبالتالي سنستمر في حالة لا يحمد عقباها، ولهذا أعتقد أن أطرافا عديدة من موقع أنها أقلية تتحرك وليس بالضرورة لأنها قوية وقادرة على أن تغير الأشياء في تونس. 

محمد كريشان: يعني هذه الأقلية تقصد بها المعارضة الموجودة الآن في مواجهة الحكم القائم؟ 

محمد الحداد: لا ليست المعارضة المؤسساتية يعني الموجودة في الأحزاب، فهذه المعارضة تؤمن باللعبة الديمقراطية وهي مستعدة لخوض الانتخابات، لكن هناك مجموعات صغيرة، يعني في تونس هناك فسيفساء معقدة جدا وهناك مجموعات صغيرة تنتمي إلى الأقصى أقصى اليسار أو أقصى اليمين وغير ذلك، هي تعرف أن ليس لها حدود حقيقية إذا ما استقرت الأوضاع وإذا ما أصبحت هناك انتخابات وإذا ما أصبح الأمر عاديا كما هو في البلدان العادية الديمقراطية، هي تستفيد من الوضع الحالي ولذلك من صالحها أن يستمر هذا الوضع أكثر ما يكون وأن يحصل هذا التشويش حتى تتأخر عملية الدستور أكثر ما يمكن وبالتالي تتأخر الانتخابات القادمة التي لا يمكن طبعا أن تحصل إلا بعد انتهاء الدستور.  

محمد كريشان: نعم، أشرت إلى أن الدستور يحتاج إلى نقاشات معمقة وفي هذه الحالة سيد هنيد كيف يمكن لهذا الدستور أن يشهد نقاشات بهذا العمق وهناك وضع أمني مضطرب وهناك محاولة كما يعتقد البعض لشيطنة تيار معين وهو التيار السلفي أو الدخول معه في صراع مفتوح بينما البعض مثلا الدكتور المنصف المرزوقي استقبل بعض رموز السلفية وتحاور معهم، كيف يمكن التوفيق بين جو سياسي واجتماعي هادئ وتعميق النقاش في موضوع الدستور للمرحلة المقبلة؟ 

محمد هنيد: نعم أستاذ محمد يعني أعتقد من ناحية أن القول بأن هناك من يريد أن يؤخر مسألة الانتخابات ليست في صالحه لأنه حتى لو أخر ذلك إلى مرحلة إلى سنتين ستبقى نسبة الأقلية وحظوظ فوزه بالانتخابات ضعيفة جدا، هذه هي النقطة يعني الجماعة يبحثون عن نسف العملية السياسية مطلقا، يعني بحثهم استئصالي، وليس جزئي للتحسين، هذا من ناحية، لنسمي الأشياء بأسمائها أستاذ محمد، الأقليات التي يتحدث عنها الجماعة هم التجمعيون يعني هم أنصار بن علي في الإعلام في الثقافة في السينما، البرجوازية رؤوس الأموال رجال الأعمال، السياسيون، يعني ثوار ما بعد الثورة، كل هؤلاء يريدون تعطيل المسار الانتخابي لأنه ليس في صالحهم، يريدون قلب البلاد والعودة إلى الخلف، مهما كانت التوطئة، مهما كان الدستور فإنه لن يناسبهم هذه نقطة، النقطة الثانية أن المشكلة بالنسبة لي ليست في النص، المشكلة بآليات تطبيق النص، لأن بيان 7 نوفمبر نص جميل وشاعري لكنه نعرف إلى ماذا أسس إلى مرحلة دكتاتورية كبّلت تونس والتونسيين وأنت تعرف كيف كانت الحياة السياسية والثقافية في تونس، ثم أيضا كتابة الدستور، الدستور التونسي حتى في زمن بورقيبة كان جميلا وشاعريا ينص على أن تونس لغتها العربية ودينها الإسلام لكن نعرف أنه كانت آليات تطبيق هذا النص هي آليات استئصاليه بالدرجة الأولى لركائز الهوية وهي اللغة العربية والدين الإسلامي ومجموع القيم الأصيلة لتونس، يعني تونس لديها تاريخ طويل في كتابة الدساتير ليست هذه المشكلة، المشكلة كيف نهيئ مجتمعا ونخبا وآليات وهيئات قادرة على تفعيل هذا النص يعني أن نخرج النص من الكتابة من الدلالة إلى الواقع المرئي، نقطة أخيرة أستاذ محمد وهي هيئات موازية كان لا بد لها أن تبدأ في الاشتغال وهي هيئات موازية لكتابة الدستور، هيئات بالقضاء لتطهير القضاء أو إعادة تأهيل القضاء، ثم هيئة ثانية للإعلام وهيئة ثالثة للإعداد للانتخابات، هذه الهيئات ما زالت إلى اليوم معطلة. 

محمد كريشان: نعم. 

محمد هنيد: يعني هناك هذا التردد الكبير والجميع إلى ماذا ينظر؟ ينظر فقط الثوب المرئي من كل هذا وهي الظاهرة السلفية. 

محمد كريشان: نعم، أيضا سيد هنيد هل تعتقد بأنها ستتمكن تونس في النهاية من وضع حد لهذا الوضع غير المستقر وأن تنصرف برأيك في الأسابيع المقبلة إلى تعميق الحوار حول موضوع الدستور وأهم القضايا المطروحة فيه؟ 

محمد هنيد: أعتقد ذلك ونحن نعول أستاذ محمد على الشعب التونسي العظيم وليس غير، يعني نعول على الطبقات المسحوقة يعني على الطبقات الصغرى، النخب لا أمل فيها لأنها رأس حربة الثورة المضادة اليوم ولا أستثني أحدا، الحاكم والسلطة ومن هو في المعارضة، هذا من ناحية من ناحية ثانية أعتقد أنه لو يوجد حوار وطني وينتهي الصراع على الكراسي والصراع على المناصب والصراع على هذه الكعكة اليوم بسبب هذه الثورة اليتيمة فنستطيع أن ننتقل فعلا إلى مجتمع ديمقراطي خاصة إنها فرصة تاريخية لتونس لن تعود إلينا حتى بعد ألف سنة، اليوم إن لم ننجح اليوم في الانتقال إلى مجتمع ديمقراطي مجتمع قانون مجتمع عدالة، مجتمع يعترف بالآخر ويعترف بحق الآخر في التعبير وفي الاعتقاد وفي اللباس وفي كل شيء فإن ذلك سيؤسس بدل ذلك إما إلى تدخل أطراف أجنبية أو إلى صراع دموي على النموذج الجزائري أو إلى أن نعود إلى شكل جديد من أشكال الاستبداد نخسر معه الثورة والثوار ودماء الشهداء. 

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك سيد محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السربون كنت معنا من باريس، شكرا أيضا لضيفنا من العاصمة التونسية الكاتب والأكاديمي محمد الحداد، بهذا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، دمتم في رعاية الله وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة