الدين والدنيا   
الجمعة 1431/7/13 هـ - الموافق 25/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:34 (مكة المكرمة)، 12:34 (غرينتش)

- حقيقة الدنيا في القرآن الكريم
- تحقيق التوازن بين طلب الدين والدنيا

- ثمرات وسبل صلاح الدين والدنيا

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:77] مثلت ظاهرة الصحوة الإسلامية في الخمسين عاما الأخيرة نزوعا غلابا للعودة إلى الدين تحت وطأة هواجس اتجاهين، اتجاه الخوف على الهوية الإسلامية وإمكانات ضياعها في الهجوم الجارف للغرب وللحداثة التي يمثلها واتجاه الإحساب بالذنب لما اعتبر ابتعادا عن الدين وإهمالا لمتطلباته، وتأويل ما أصاب المسلمين في القرنين الأخيرين باعتباره برهانا لا يرد على ضرورات التغيير باتجاه العودة إلى الدين، وفي هذه الأجواء نشأت إشكالات وبرزت تحديات وقدمت إجابات حول مسائل عديدة ترجع في جملتها إلى إشكالية العلاقة بين الدنيا والدين، كصون الهوية والمعاصرة والجاهلية والحاكمية والدولة الإسلامية التي تستعيد الدين في المجال العام وتنهض به في وجه الغرب، السيل الجارف وغير ذلك. فما وجه العلاقة بين الدين والدنيا وهل فسدت دنيا المسلمين؟ وما العلاقة بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة؟ "الدنيا والدين" موضوع حلقتنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: ورد في القرآن الكريم في مواضع عدة ذم الدنيا وجاء وصفها بصفات عدة منها متاع الغرور، لعب ولهو، وزينة وتفاخر. بالمقابل كان التركيز على الآخيرة وأنها هي الدار الحياوان، الحياة الحقيقية، ما حقيقة الصورة مولانا التي يرسمها القرآن الكريم للدنيا؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على إمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد فقبل أن أبدأ حديثي لا بد أن أقول كلمة وجيزة عن إخواننا المقتتلين في قرغيزيا ومن حولها وهؤلاء إخوة من الجمهوريات الإسلامية ومن بلاد إسلامية قديمة وأنا يعني أحذر المسلمين من المؤامرات التي تحاك لهم وإن كنت لست من أنصار التفسير التآمري لكل شيء ولكن هذه حقيقة لن نستطيع أن نغمض أعيننا ولا أن نصم أسماعنا عنها، هناك أعداء المسلمين من كل جهة يتربصون بهم ويحاولون أن يوقعوا بعضهم ببعض، وهذا للأسف ما يحدث، يعني المسلمون هم الأمة الوحيدة التي أصبحت تقتتل فيما بينها في أكثر من بلد وهذا مؤسف ونحن نعلم أن الدماء محرمة في الإسلام تحريما شديدا {..أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً..}[المائدة:32] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" فالمسلم المفروض يحمي المسلم ويحرسه ويفديه بنفسه، فكيف يعني يتعرضوا لقتله، هذا ما نرجوا من الإخوة أن يعوا هذه القضية ويرجعوا إلى كتاب الله تعالى، والله تعالى يقول {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ..}[الحجرات:9] نحن عرضنا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن نخوض نحن ومن يهتم معنا بهذه القضية أن نذهب إلى الإخوة نحاول أن نصلح بينهم وأن نضمد هذه الجراح، وأن نطفئ هذه النار، نار الفتنة التي تأكل الأخضر واليابس وعسى أن يستجيب الإخوة إن شاء الله ونحن نسعى في هذا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح ذات بينهم وأن يجمع كلمتهم على الهدى وقلوبهم على التقى. نرجع إلى سؤالك يا أخ عثمان.

حقيقة الدنيا في القرآن الكريم

عثمان عثمان: حقيقة الصورة التي يرسمها القرآن الكريم للدنيا ما هي.

يوسف القرضاوي: أنت قلت أن القرآن ذم الدنيا. أين ذم القرآن الدنيا؟ القرآن حذر من فتنة الدنيا إنما لم يذم الدنيا، الدنيا ما هي الدنيا؟ الدنيا هي من ناحية المكان الأرض التي نعيش عليها وما فيها وما حولها وما بث الله فيها مما يحتاج إليه الإنسان، لأن الله سخر هذا الكون والكون هو هذه الدنيا، الدنيا هي هذا الكون، سخره لخدمة الإنسان ومنفعة الإنسان {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا..}[النحل:18] وهي من ناحية الزمان من ناحية كل فرد العمر الذي يعيشه كل إنسان ومن ناحية المجموعة البشرية منذ آدم إلى اليوم هي هذه هي الدنيا، الدنيا هذه لا تذم لانها مجموعة نعم وأشياء، إنما الذي يذم هو أنها تغر الإنسان تخدعه عن حقيقة نفسه عن رحلته إلى الآخرة عن مهمته التي خلقه الله لها، إنما ربنا خلق الأرض لنعمرها {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..}[هود:61] ولكن على ألا تكون الدنيا أكبر همك ومبلغ علمك وتنسى بها الآخرة وتنسى بها دينك وتنسى بها حق ربك عليك، فكل ما صنعه القرآن أنه حذر من فتنة الدنيا، وعرفنا أن هذه الدنيا بالنسبة لكل إنسان زائلة فهي متاع الغروب وهي متاع قليل وهي متاع زائل مهما قال فإما أن يزول عنك وإما أن تزول أنت عنه.

هب الدنيا تساق إليك عفوا      أليس مصير ذاك إلى انتقال

وما دنياك إلا مثل ظل    أظلك ثم آذن بالزوال

المحظور والمذموم هو أن تصبح عبدا للدنيا، بدل أن تكون سيدا حرا وعبدا لله وحده تصبح عبدا للدنيا ولمتاع الدنيا ولكل ما في الدنيا من هذه الأشياء، إنما أن تملك الدنيا هذا هو المطلوب، أن تملك الدنيا ولا تملكك، ولذلك كان بعض المربين يقولون لأتباعهم ومريديهم يقولن له اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وكما كان سيدنا داود ملك، وسيدنا سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وكما كان كثير من الصحابة مثل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، كانوا يملكون الدنيا ويملكون المال ويملكون الأشياء الكثيرة ولكنهم جعلوها لخدمة دينهم، جعلوها لله، لذلك الذي يحذر منه القرآن هو إرادة الدنيا أو إيثار الدنيا {فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وآثر الحياة الدنيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: 37-39] آثرها يعني جعلها أفضل من الدين وأفضل من الآخرة، وكما قال {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ..}[هود:15، 16] {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}[الشورى:20] جعل الإرادة، أما الذي لا يريد إلا الدنيا فهذا هو المذموم، كما قال تعالى {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[النجم:29] عاش للدنيا وحدها، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "الله لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" فلا تعارض في الإسلام بين الدنيا والدين، الدين والدنيا لا تعارض بينهما فهما متكاملان لا بد من الدين للدنيا ولا بد من الدنيا للدين.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ولكن ورد في بعض الأخبار ذم للدنيا حتى أن بعض المحدثين صنف جزءا في ذم الدنيا وهناك خبر يقول "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه" ما صحة هذا القول والخبر.

يوسف القرضاوي: هو الإمام الغزالي في كتاب الإحياء ومقسمه أربعة أرباع، فهناك ربع المهلكات ومن هذه المهلكات كتاب ذم الدنيا، مأخوذ مما ذكر من المحدثين من أبي الدنيا وغيره من كتاب ذم الدنيا، وكتاب أيضا ذم حب المال والجاه، وهناك منجيات مدح الفقر، ولكن هذا يعني عندما تحلل هذا الكلام تجد غير مؤسس على حقائق القرآن وحقاق السنة الصحيحة، بيأخذ بعض الأشياء ويترك بعض الأشياء. الدنيا المذمومة هي ما كان لغير الله، يقول لك "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها" يعني مذمومة، يقصد ملعونة يعني مذمومة، إلا ذكر الله ومن والاه أو عالما أو متعلما، إنما الدنيا هي التي تؤدي فيها عبادتك وهي التي تعمر فيها الأرض وهي التي تمشي في مناكب الأرض تأكل من رزق الله {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك:15] ده كله في الدنيا، فالدنيا ليست مذمومة، انظر ماذا يريد الإسلام، هذا الدعاء النبوي هو الذي يبين لنا حقيقة هذه.. كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري واصلح لي دنياي التي فيها معاشي واصلح لي آخرتي التي إليها ميعادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر" حديث في صحيح مسلم، يعني حديث ليس موضوع ولا ضعيف، فيطلب صلاح الدين وصلاح الدنيا وصلاح الآخرة، فهذا هو المطلوب من المسلم.

عثمان عثمان: ولكن هنا فضيلة الدكتور هل يمكن أن نستنتج من هذا الحديث أن صلاح الدنيا متوقف على صلاح الدين؟

يوسف القرضاوي: آه، صلاح الدنيا فعلا لتكون دنيا فعلا نافعة لصاحبها، نافعة له في الدنيا نافعة له في الآخرة يتوقف على صلاح الدين، إذا كان عايز متاع الدنيا وحده ليس متوقفا، ويروح إلى جهنم بعدها ويقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فهناك ناس يتمتعون بالدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، القرآن ذكر لنا أصناف الناس في مواقف الحج {..فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}[البقرة:200] ما له نصيب في الآخرة ولا يهتم في الآخرة ولا يطلب فيها شيء، هذا صنعف، الصنف الثاني {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[البقرة:201] يطلب الحسنتين والسعادة في الدارين، المفروض كان فيه يكون قسم ثالث هو اللي بيطلب الآخرة وما له أرب في الدنيا، لم يذكر القرآن هذا لأن هذا كأنه غير موجود، لأنه ليس هناك أحد مهما بلغ صلاحه يستغني عن الدنيا فإما يطلب الدنيا فقط أو الدنيا والآخرة، هذا هو المنطقي، أما أن يطلب الآخرة وحدها ولا يطلب من الدنيا شيئا القرآن يعتبر هذا كأنه لاغ.

تحقيق التوازن بين طلب الدين والدنيا

عثمان عثمان: يعني أمام هذين الخيارين كيف نحقق التوازن بين طلب الدنيا وطلب الدين؟

يوسف القرضاوي: هو الإسلام جاء بهذا، هذه مزية الإسلام، ربما الأديان بعد أن حرفت أصبح هناك إذا نظرت إلى التوراة تجد أنها الدنيا، كل هم الناس الدنيا، حتى العبادات والأخلاقيات وهذه مش بيقول له مثلا إذا أطعت الله حتدخل الجنة أو حينالك ثواب الله، يقول له لا، سنطيل عمرك ونخصب زرعك ونرزقك الأولاد، اللي يطيع الناموس أو يطيع التوراة أو يبر أبويه أو كذا، كل ما يعدهم به من أجزية ومثوبات هي مثوبات دنيوية، فالآخرة.. وتقرأ التوراة لا تكاد تجد ذلك الله وذكر الآخرة إلا نادرا، القرآن شوف من أول سورة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة: 1-4] وهكذا، فالتوراة لا تجد.. على عكس المسيحية إذا كانت التوراة واليهودية تبالغ في مدح الدنيا والتحريض على الدنيا، النصرانية عكسها، يعني يقول "لا يدخل الغني ملكوت السموات حتى يدخل الجمل في سم الخياط" واحد شاب جاء إلى المسيح عليه السلام وقال له أنا أريد أن أؤمن بك، قال له اذهب فبع مالك ثم تعال فاتبعني، تخلص من مالك. لا، الإسلام مافيش هذا، "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وقال "ما نفعني مال كمال أبي بكر" وامتن الله عليه فقال {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}[الضحى:8] {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً..}[النساء:5] المال هو قوام الحياة وعصب الحياة، فهذا هو موقف الإسلام بين الديانتين، ولذلك النصرانية لم يكتفوا بماجاء في الإنجيل، لا، ابتدعوا نظاما قاسيا جدا على النفس الإنسانية الطبيعية، نظام الرهبانية، نظام الرهبانية يعني خصوصا في القرون الوسطى كان نظاما عاتيا على البشر وعلى الحياة وكيف كان يعذب الإنسان نفسه، اللي يقعد قائم على رجل واحدة لساعات طوال، واللي قاعد يتعرض للشمس وللزمهرير واللي يحرم على نفسه النظافة يعني أشياء عجيبة كتب كتب عنها الكتاب في أوروبا في قسوة الرهبانية، فالإسلامي يعني لم يأت بشيء من هذا، أن يعذب البدن من أجل نقاء الروح، ليس في الإسلام شيء من هذا.

عثمان عثمان: مولانا يعني ظهر الاهتمام بالثنائية الدين والدنيا منذ زمن بعيد وإن كان القرآن الكريم قد ركز على الدنيا والآخرة، لماذا الدنيا والدين وهل هناك فرق ما بين هاتين الثنائيتين؟

يوسف القرضاوي: الدين هو أساس الحياة وجوهر الحياة وروح الحياة والدين هو غاية الغايات، لأن الإنسان ربنا لم يخلقه لهذه الدنيا لكن خلقت الدنيا للإنسان وخلق الإنسان للآخرة يعني الدنيا نقول الدنيا مزرعة الآخرة، أنت تزرع هنا لتحصد هناك، هنا العمل، اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل فانت تزرع في هذه الدنيا وتغرس لتجني هناك، فالدنيا هي مكانها هي مكان الزرع ومكان البذر فهذا موضع الدنيا، أما الدين هو الغاية، خلق الله الناس للدين وليس للدنيا إنما الدنيا لا بد لهم منها لكي يعيشوا ويؤدي وظيفتهم لا بد أن لهم من الدنيا، فليست الدنيا معارضة للدين ولا هي الغاية من الخلق ولا هي الغاية من الحياة، إنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعيشوا في هذه الدنيا قادرين على أداء ما عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات مستريحين فيها، لذلك يعني لا يتعبد الإسلام الناس بتعذيبهم ولا بإتعابهم، حتى العبادات التي فرضها الله عليهم تأخذ وقت بسيط وبعدين جعل فيها من التيسيرا ومن الرخص ما لا يشق على الناس {..مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ..}[المائدة:6] {..يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..}[البقرة:185] {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28] فهكذا يريد الله الدنيا سهلة على الناس معينة لهم على أداء واجباتهم.

عثمان عثمان: مولانا اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين. سيدي محمد من الكونغو السلام عليكم.

سيدي محمد/ الكونغو: السلام عليكم ورحمة الله. قبل سؤالي لدي عتاب على الأستاذ عثمان عثمان واسمح لي إذا ما كان في إزعاج.

عثمان عثمان: الوقت ضيق حبذا لو تطرح سؤالك الوقت ضيق.

سيدي محمد: لا. في واحد اتصل في الحلقة الماضية يسأل عن قضية المسجد في أنغولا ولم ترد على سؤاله، أنت لم تقدم السؤال للدكتور، رجاء أن تقدم السؤال إذا كان في ذاكرتك.

عثمان عثمان: إن شاء الله فضيلة الدكتور يجيب عليه. شكرا جزيلا سيدي محمد من الكونغو. عبد الحي محمود من السودان؟

عبد الحي محمود/ السودان: السلام عليكم ورحمة الله. نستفسر عن أشيا معينة، نستفسر أول حاجة أول حاجة، {.. وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..}.

عثمان عثمان: نعم، أين السؤال؟

عبد الحي محمود: يعني ماذا يمنع استمتاع في الحياة الدنيا يعني ويحب الله أن يرى نعمته على العبد.

عثمان عثمان: السؤال واضح شكرا جزيلا. أحمد عفش من سوريا.

أحمد عفش/ سوريا: السلام عليكم. هذه الحلقة مفيدة كثير للأشخاص المحبين للدنيا البعيدين عن الدين، مثلا بدي أضرب مثال، لأفرض أنا منهم كيف سأذهب إلى الجامع أو إلى محاضرة ما والشيخ أو الأستاذ أو الدكتور يعطيك محاضرة ويكرهك بالدنيا، والدنيا يعني بعملية حسابية هي الطريق للوصول إلى الآخرة السليمة وهي جنات الله يعني.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. مصطفى مشلية من فرنسا.

مصطفى مشلية/ فرنسا: السلام عليكم. لي زوجة فرنسية كانت نصرانية ودخلت الإسلام، لها سؤال لحضرة الشيخ، عندها ولدها من..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ مصطفى لو كان السؤال في صلب الموضوع تفضل وإلا سأعتذر منك.

مصطفى مشلية: معليش مش مشكلة.

عثمان عثمان: شكرا شكرا جزيلا، اعذرنا. مولانا نجيب على هذه الأسئلة إن شاء الله بعد فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا وسهلا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الدنيا والدين مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مولانا الأخ سيدي محمد من الكونغو يعني يعتب علينا الأسبوع الماضي لم نجب على السؤال، ولكن كان الوقت ضيقا، يعني هناك مجموعة من الناس قدموا حتى يحصلوا ترخيصا لبناء مسجد ولم يعط له الترخيص حتى الآن يريدون أن يصلوا الجمعة في كوخ أو في مكان عام، هل يصح ذلك؟

يوسف القرضاوي: آه، يصح.

عثمان عثمان: مافيش مشكلة.

يوسف القرضاوي: ما في مشكلة، يعني يحددوه ويصلوا فيه، هذه ضرورة أحسن ما يتركوا الصلاة خالص.

عثمان عثمان: عبد الحي محمود من السودان يقول {..وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..} يريد توضيحا حول هذه الآية.

يوسف القرضاوي: هذه يعني جزء من نصيحة قوم قارون لقارون، قارون، ربنا آتاه من الكنوز {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}[القصص:76] يعني نصحوه بعدة نصائح، يعني يريدون لا تبطر لمالك ولا تغتر لمالك {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ..} ما تعيش في الدنيا وحدها {.. وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..} مش علشان لأنك تبتغي الآخرة تحرم نفسك من الدنيا، وإن كان بعضهم يقول لا تنسى نصيبك من الدنيا من الطاعة وإنما المفروض الطاعة دي هي أساسية، إنما هي نصيحة من كان عنده مال كثير، إن لما يقولوا له نحن مش عايزين نحرمك من المال خذ نصيبك منه {.. وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ..} كما أحسن الله أحسن إلى الناس {..وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ..} لا تجعل مالك أداة للإفساد، بعض الناس يستخدم ماله للإفساد والتخريب والتدمير، فهذه نصيحة قوم قارون لقارون.

عثمان عثمان: أخ أحمد عفش من سوريا، كأنني فهمت أن غياب القدوة من العلماء ربما يفسد دين الناس.

يوسف القرضاوي: طبعا الناس لا بد لهم من قدوة والعلماء هم أول الناس الذين يجب أن يقتدي الناس بهم، إنما إذا كان العالم للأسف هو شر قدوة، المفروض العلماء ورثة الأنبياء والنبي هو قدوة الأمة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..}[الأحزاب:21] وكان العلماء في الزمن الماضي يعلمون الناس بأفعالهم أكثر مما يعلمونهم بأقوالهم، إنما إذا كان الشخص بيقول كلام وأفعاله غير هذا سيقول له يا طبيب عالج نفسك أولا،

يا أيها الرجل المعلم غيره         هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى   كيما يصح به وأنت سقيم.

فلا بد من القدوة يقينا يعني.

ثمرات وسبل صلاح الدين والدنيا

عثمان عثمان: مولانا ذكرنا في بداية الحلقة أن صلاح الدين هو يستدعي صلاح الدنيا وصلاح الآخرة ولكن اليوم نرى أن القرآن الكريم قد توعد بني إسرائيل بالذلة والمسكنة ولكن وضعهم الآن هم في أوج عزهم بينما المسلمون في مؤخرة الركب ومؤخرة القافلة كيف يمكن أن تفسر ذلك؟

يوسف القرضاوي: صلاح الدين يثمر صلاح الدنيا، هكذا قال القرآن الكريم {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2، 3] {..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}[طه:123] لا يضل في الدين ولا يشقى في الدنيا، ويقول عن المسلمين بعد غزوة بدر {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[الأنفال:26] وقال عن قوم قبل المسلمين {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ..}[آل عمران:148] وقال {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96] {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}[الجن:16] وقال في آخرين {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل:112] الاستقامة عليها الرغد والحياة الطيبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97] أما الكفر بأنعم الله والانحراف عن الصراط المستقيم ليس وراءه إلا الضنك {..فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..}[طه:124] وإلا الحياة الشقية والخوف والجوع والعياذ بالله، أما بنوا إسرائيل فهم بشر من البشر تجري عليهم سنن الله وقوانين الله، حينما أفسدوا.. الأول ربنا أنعم عليهم نما كثيرة ولكنهم أفسدوا في الأرض مرتين -كما ذكر القرآن- وفي كل مرة يسلط الله عليهم من ينتقم منهم، سلط عليهم البابليين وأخرجوهم من ديارهم وحرقوا ديارهم وتوراتهم، وبعدين سلط عليهم الرومان فضربوهم ضربة قاضية لم يقم لهم بعدها قائمة، وبعد ذلك القرآن يقول {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا..}[الإسراء:8] هم الآن واقعين تحت هذا القانون الإلاهي إذا عادوا للإفساد عاد الله عليهم بالعقاب، ولذلك قال {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ..}[آل عمران:112] أحيانا في حبل من الله كأن يدخلوا في الإسلام أو شيء من كذا، نجوا من الذلة، وأحيانا حبل من الناس زي حبل أميركا، يعني فهذا هو الحبل اللي متمسكين به، فربنا لا يظلهم، والقرآن يقول ليه ضرب عليهم الذلة والمسكنة، قال {..ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}[آل عمران:112] ليس يعني هذا ظلما من الله {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[يونس:44] فهم، الآن كما قلنا تحت قانون إن عدتم عدنا وقد عادوا وأفسدوا وذبحوا وقتلوا كما نرى في حصار غزة وكما نرى حتى السفينة، أسطول الحرية الذي ذهب ليغيث هؤلاء الملهوفين ويطعم هؤلاء الجائعين ويساعد في مداواة آلام المرضى قتلوا أصحابها وقتلوا من إخواننا الأتراك الأبطال جزاهم الله خيرا ونفع الله بهم وهذه تحية منا لتركيا وبهذه المناسبة ندعوا المسلمين إلى أن يذهبو إلى تركيا سائحين ومشجعين، من حق هذا عليهم. والله تعالى توعد اليهود فقال {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ..}[الأعراف:167] هذا مش يعني من الله سبحانه وتعالى يعني يفعل ذلك ظالما لهم أو بينه وبينهم ثأر، لا، هم خلق من خلق الله طالما أعطاهم من النعم قبل ذلك ولكنهم تمردوا عليها، فالدنيا والدين مرتبطة وفي سورة سبأ ذكر لنا القرآن قصة أهل سبأ {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}[سبأ:15، 16] وتغيرت حياتهم من حسن إلى سيء وأصيبوا بالجوع والخوف والتفرق في الأرض، قال الله تعالى {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}[سبأ:17]

عثمان عثمان: لنأخذ بعض المشاركات من الـ facebook، ناديا موشيه تقول "ساءت دنيانا لأننا ابتعدنا عن المنهج الصحيح للإسلام والهدف الذي خلقنا من أجله"

يوسف القرضاوي: صحيح هذا الكلام صحيح.

عثمان عثمان: شعيب محمد يقول "ساءت دنيا المسلمين لأنهم قصروا في الأخذ بالأسباب والسنن الكونية التي يجب الأخذ  بها للتقدم العلمي والاقتصادي.

يوسف القرضاوي: وهذا صحيح أيضا. لأنه هو فيه فهم خاطئ عن معنى الإيمان والتقوى، يعني لما يقول {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96] ما معنى آمنوا واتقوا؟ يعني ده قعد يقول سبحانه الله سبحانه الله وسبح ألفية، يقول قل هو الله أحد ألف مرة! ليس هذا هو معنى الإيمان والتقوى، الإيمان والتقوى أنك تنفذ ما قال الله، قال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك:15] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّه..}[الجمعة:10] {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}[فاطر:43] {..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..}[الرعد:11] {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ..}[الأنفال:60]  {..وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}[الأنفال:46] دي كلها لازم تأخذ هذا كله، مش تأخذ يعني أنك تجلس في المسجد وتقول أنا آمنت واتقيت، لا، هو رعاية سنن الله، الأخذ بنظام الله في الأسباب والمسببات، أن تأخذ حذرك من عدو، أن تقوي نفسك في كل.. هذا هو معنى الإيمان والتقوى.

عثمان عثمان: أيضا محمد السبكي يرى أن الظلم والاستبداد الذي يمارسه بعض الحكام الآن هو السبب الرئيسي لفساد دين الناس ودنياهم، ويسأل كيف لنا أن نحيا في ظل هذا الفساد والظلم وأن نتمسك بديينا؟

يوسف القرضاوي: هذا كلام صحيح، كل ده كلام صحيح لأنه هو ده معنى الإيمان والتقوى، إنما من الإيمان والتقوى أن يحكم الناس حكام عادلون وأن يختارهم الناس بحرية تامة وألا يفرضوا أنفسهم على الخلق، يعني للأسف كثير من بلاد المسلمين الآن يحكمها ناس رغم أنوف شعوبها، فهذا لا.. الإسلام جاء بالشورى {..وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ..}[الشورى:38] وذم الجبارين في الأرض {..وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}[إبراهيم:15] وحتى الإسلام يرفض أن يؤم الناس في الصلاة أحد يكرهه الناس، قال ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا "أحدهم أمّ قوما وهم له كارهون" يصلوا وراءه وبيكرهوه، فكيف بمن يحكم الناس، يعني ناس لا يحبونه، كما جاء في الحديث الصحيح خير أمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم" معنى تصلون عليهم يعني تدعون لهم ويدعون لكم، محبة متبادلة "وشرار أمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" العلاقة مقطوعة والعياذ بالله هذه كلها هي معنى أن الناس تعيش بدينها، دينها الصحيح، فهذا الدين الصحيح تترتب عليها ثمرات أن يحيى الناس حياة آمنة ليس فيها خوف، حياة رخية ليس فيها جوع، كما قال الله تعالى {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}[قريش:3، 4]حياة يعني مستقرة ليس فيها قلاقل ولا اضطرابات، حياة متماسكة ليس فيها تشرذم وتمزق كما نرى في بلاد المسلمين الآن يقاتل بعضهم بعضا ويعادي بعضهم بعضا، هذه كلها يعني نتائج لمقدمات ومسببات لأسباب، من جد وجد ومن زرع حصد ومن زرع خيرا حصد خيرا، ومن زرع شرا لا يحصد إلا الشر، إنك لا تجني من الشوك العنب كما قالوا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هل من سبل يقدمها القرآن الكريم لصلاح هذه الدنيا؟

يوسف القرضاوي: هي هذه السبل أنه يقدم الإيمان والتقى على أن نفهم معنى الإيمان والتقوى، مشكلتنا أننا نيسيء فهم القرآن ونسيء فهم السنة النبوية، فنأخذ بعض الأحاديث ونضعها في غير، ربما لا تكون أحاديث يعني مقبولة، أحاديث لم تصل إلى درجة الصحة والحسن، قد تكون أحاديث ضعيفة جدا، قد تكون أحاديث لا أصل لها، قد تكون أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشيع، وننسى الأحاديث الصحيحة وننسى الآيات الكريمة، القرآن الكريم الذي لا شك في ثبوته، الذي حذرنا منه الإسلام هو حب الدنيا، الذي أضعف المسلمين الآن وهم كثرة كغثاء السيل، لما قال "الأمم ستتآمر عليكم وتتداعى كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال "لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن" قالوا وما الوهن يا رسول الله، ما بيسألوش عن المعنى اللغوي، هم عارفين الوهن يعني الضعف، فبيسألوا عن علة الوهن، إيه سر هذا الوهن، قال "حب الدنيا وكراهية الموت" هو الذي يحذر منه الإسلام حب الدنيا، أن تستولي الدنيا على قلبك بحيث تنسيك كل شيء، إنما إنك تتمتع بالدنيا لا مانع، الدنيا متاع وخير متاعها الدنيا الصالحة، لا مانع تأكل من الطيبات {..كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ..}[البقرة:172] ربنا لا يمنع أن تستمتع بنعم الله في الكون، بس على أن تعرف على أن هذه النعم من الله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ..}[النحل:53] وأن تؤدي شكر هذه النعمة كما قالت تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم:7]

عثمان عثمان: نأخذ طاهرة جدو من موريتانيا.

طاهرة جدو/ موريتانيا: السلام عليكم. يتنازعني أمران عندما أنظر إلى الحياة الدنيا وأنظر إلى نفسي وإلى قرب الموت أزهد في الدنيا، لكن في المقابل عندما أنظر إلى إخواني المسلمين الذين الذين يستضعفون في العالم أحب أن يكون عندي المال الكثير وأن أعمل جاهدا لكي أساعدهم، فيما ينصحني فضيلة الشيخ؟

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور السؤال واضح.

يوسف القرضاوي: آه واضح، أنت مشكورة على هذا، يعني حينما تزهدين في الدنيا يعني جزاك الله خيرا، بس لا تزهدي بحيث تحرمي على نفسك الطيبات أو تمنعي نفسك من شيء تستطيعي أن تصلي إليه، يعني ليس معنى الزهد في الدنيا أنك مثلا لا تدرسي وتحصلي أعلى الدرجات، لا مانع من ذلك، لا تمنعي نفسك أن تتزوجي إذا جاءك الرجل الصالح، "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تك فتنة في الأرض وفساد عريض" ولكن كونك تتمني أن يكون عندك مالا لتنفعي به المسلمين تساعدي به البلاد المنكوبة والبلاد التي يموت بعض أبنائها من الجوع، هذا تمني طيب وشيء حسن وتجزين عليه وتأخذين أجره كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري أنه ذكر أربعة من الناس من هؤلاء واحد عنده مال فأدى فيه واجبه وأرضى ربه ووصل رحمه وبذل ما له في كل خير، هذا فهو في خير المنازل أفضل المنازل، ورجل آخر ليس عنده مالا ولكن عنده علم، يعني عنده بصيرة مش عنده شهادة، عنده بصيرة، فقال لو كان عندي من المال ما عند فلان لفعلت مثلما فعل، أطعمت الجائع وعلمت الجاهل وكفلت اليتم وعاونت المجاهدين وأبناء السبيل وهكذا، قال فهو مثل الآخر فأجرهما سواء بنيته. فأنت مجزية بنيتك حينما تقولين لو عندي مال علشان أساعد المسلمين المستضعفين في العالم، هذا جزاك الله خيرا.

عثمان عثمان: الأخ جمال الطواب من مصر.

جمال الطواب/ مصر: حية طيبة لكم من عند الله. السؤال ما معنى مصطلح العلمانية الذي ظهر في المعجم الحديث لهندسة المجتمع والتي تنادي بفصل الدين عن الدنيا وشكرا.

يوسف القرضاوي: أنت فسرتها، فسرتها، فهي فصل الدين عن الدنيا أو عن الحياة أو عن الدولة يعني دين بلا دولة ودين لا قوة له وليس له علاقة بالحياة، وهذا ليس من الإسلام في شيء، هذا عند الغربيين، كان عندهم الإله عند أرسطو لا يعرف في الكون شيئا ولا يدبر فيه أمرا، والإنجيل جاء فيه دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، نحن عندنا قيصر ومال قيصر كله لله الواحد القهار فلله مافي السموات والأرض ولله من في السموات والأرض والدين يجب أن يقود الدنيا وهذا ما ذكرناه في هذه الحلقة.

عثمان عثمان: مولانا ربما يكون السؤال الأخير، ذكرنا أن صلاح الدنيا والآخرة مرتبط بصلاح الدين، البعض يقول إن سوء دنيا المسلمين الآن دليل على سوء آخرتهم.

يوسف القرضاوي: لا هذا ليس صحيحا. ما معنى سوء الدنيا، يعني هذه تحتاج، يعني سوء دنيا المسلمين يعني إيه؟ يعني أحيانا هذا يعني يشمل الدولة ولا يشمل الأفراد، يعني حينما الدولة لا تستجيب لنداء الناس أن يحكموا بالشريعة أو ينزلوا على دين الله أو يربوا الأمة على الأخلاق الإسلامية أو يرفضوا الخلاعة والكذا أن يزيلوا المظالم الاجتماعية أن يحكموا الشورى وما يسمونه حتى الديمقراطية وأنا أعني بها الضمانات والإجراءات والوسائل والحاجات دي، الدولة هم الذين يسألون عن هذا ويعاقبون عليه، من يملكون،  إنما إذا كان الشعب في كثير من البلاد ينادي ويتظاهر ويدخل كثيرا من الناس في السجون فلماذا يعاقب هؤلاء، الله لا يظلم الناس شيئا، فهذا بعض المسلمين يؤدي واجبه ولكن لا يصل إلى مايريد وبعض الناس يعطى الدنيا امتحانا {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ}[المؤمنون: 55، 56] وقال عن بعض الناس {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ..}[الأنعام:44] استدراجا {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف:182،183] الإملاء يعني الإمهال، نمهلهم فتنة لهم وابتلاء واختبارا {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:44، 45] قد نرى بعض الدول تملك يعني الأشياء وأصبحت يعني تملك الأرض والسماء والبحر والجو ونظن أنه خلاص {..حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[يونس:24]

عثمان عثمان: أشكركم سيدي فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة