أورليان جيل.. الهنود الكنديون   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

أورليان جيل: أحد زعماء الهنود السابقين

تاريخ الحلقة:

27/02/2004

- الثقافة الهندية وصراع الحضارات
- العنصرية والبطالة أهم المشاكل الهندية
- محاولات لدعم الثقافة الهندية ومحاربة العنصرية

الثقافة الهندية وصراع الحضارات

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، نحن الآن في الشمال أقصى الشمال الكندي وكما تلاحظون الثلوج تتساقط بغزارة ولكنها سوف تذوب ربما بعد شهر أو شهرين كل شيء يتغير هنا إلا مشاكل السكان الأصليين فالمجتمع الكندي يعتبر أنهم يعيشون على حسابه ولذلك لا يدفعون الضرائب نظرا للمساعدات الكبيرة التي تقدمها لهم الدولة الكندية وهم يقولون إن الغرب جاء واحتل أرضهم ما هي مشكلاتهم الحقيقية؟ ولماذا يصرون على مطالبهم؟ ولماذا يريد البعض الاستقلال؟ هذا ما سوف نعرفه اليوم هنا في الشمال الكندي من سيناتور ولكنه كان في السابق زعيما لإحدى قبائل السكان الأصليين إنه أورليان جيل.

أورليان جيل: قلت في نفسي إنه يجب أن يعرف الآخرون يوما ما أننا في داخل قبائلنا الهندية فخورون بأنفسنا وأننا أناس يناضلون ولدينا طاقات كالآخرين وقد شعرت مبكرا بهذه المسؤولية وكافحت من أجل ذلك لأبرهن أن الناس هنا جيدون وهكذا بدأت النضال منذ المراحل الأولى لمراقبتي.

سامي كليب: بالفعل أورليان جيل ناضل منذ الطفولة للحفاظ على حقوق القبائل الهندية الأصيلة أو بالأحرى لاسترجاع بعضٍ مما كان لهذه القبائل من حقوق فخلال رحلتنا إلى ما تسمى بالمحميات الهندية أو معازل السكان الأصليين بكندا استمعنا إلى روايات كثيرة عن العنصرية والمخدرات والجريمة وعلميات الاغتصاب فكندا التي تفتح أبوابها لملايين المهاجرين لم تعرف بعد كيف تضمد جروح هؤلاء الهنود الذين تضيع ثقافتهم يوما بعد يوم وهكذا كانت رحلتنا مع أورليان جيل صوب تلك الجبال التي تخفي في حناياها معازل الهنود ومحمياتهم وغالبا ما استخدمت كاميرا يدوية صغيرة لكي ندخل إلى حيث لم تدخل كاميرا عربية أو ربما كاميرا أخرى سابقة نحن هنا في منطقة لا يحب الهنود أن تفضح مشاكلهم نحن في قلب الشمال الكندي وفي عرين السكان الأصيل والحرارة اليوم تكاد تنزل إلى أربعين درجة تحت الصفر.

أورليان جيل: الآن نحن نتوجه إلى محمية بات ياميت وهي إحدى المحميات الهندية التي تعتبر أكبر المحميات مساحة في كل كندا لا أستطيع أن أقول لك كم تبلغ مساحة هذه المحمية بشكل دقيق لكنني أعتقد بأن هذه المحمية المليئة بالغابات تمتد على مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة.

سامي كليب: ليس من السهل الدخول إلى معازل الهنود بدون مرافقة رجال الشرطة خصوصا إذا كان القادم أجنبيا ولكن هنا كل الناس يعرفون ضيفنا فكان أورليان جيل زعيما للقبائل قبل أن يدخل إلى مجلس الشيوخ الكندي وقد حاولنا أن نصور من السيارة لكي لا نلفت الأنظار إلينا وبعد أن أرشدونا إلى منطقة بتسياميت التي كان أورليان جيل قد غادرها منذ سنوات طويلة نصب لنا الهنود خيمة على الثلج حيث افترشنا أغصان الشجر التي تقي من الحرارة المنخفضة بعد أن كنا قد اشترينا ثيابا عازلة تماما للحرارة لكي نبيت ليلتنا عندهم وكان ضيفنا قد دعاني للتعرف على مُحترف هندي مُحتَرف فيه الكثير من أعمال هذا الرجل التي قال إن أصولها تعود إلى مئات السنين وخطر لي في هذا المكان بالذات أن نبدأ حوارنا بالحديث عن الاتهامات التي تُساق ضد الهنود من أنهم يعيشون على ظهر المجتمع الكندي فكيف تجيب سيد جيل على هذه الاتهامات؟


المساعدات التي يتلقها الهنود من الحكومة الكندية يعتبرها السكان الأصليون تعويضا عن ثرواتهم التي استغلتها السلطات طوال الفترة السابقة
أورليان جيل: أستطيع أن أقول لهؤلاء إنه في السابق كان الصيد متوفرا للجميع وكان العمل متوفرا في الغابات حيث الهنود كانوا يصطادون وينصبون الأفخاخ للطرائد كل الناس كانوا يشتغلون بما في ذلك النساء ولكن منذ أن فُرض الحظر على الفرو والجلود ومنذ أن بوشر باجتياح الغابات من قبل المصانع وغيرها فالعمل بات ضئيلا جدا بالنسبة للهنود هذا ما وضع الهنود في المحميات وهذا ما أدى إلى وجود مساعدات اجتماعية، صحيح أن المساعدات تأتي من الحكومة ولكنها تأتي تعويضا عن الثروات الهندية الهائلة التي يستغلونها ومطالبنا اليوم كسكان أصليين هو إعادة ما لنا من ثروات طبيعية إلينا وهذا هو المطلب الكبير لنا أي أن تكون لنا حرية الوصول إلى الثروات الطبيعية كالآخريين إننا لا ندفع ضرائب في المعازل الهندية ولكن العمل شبه معدوم هنا ولكن الهنود الذين يعملون خارج المعازل يدفعون الضرائب لأنها مفروضة عليهم كالأخريين أما داخل المحميات فلا توجد ضرائب، العنصرية موجودة ربما هي غير واعية وأنا تلقيت بعض الشكاوى حول حالات تعرض أصحابها للعنصرية.

سامي كليب: طب يحكى الكثير عن محاولات لطمس حضارتكم لطمس ثقافتكم كهنود وكسكان أصليين لكندا ما حقيقة كل ما يقال في هذا الشأن؟

أورليان جيل: إننا محاطون بحضارة غربية هائلة في قارة تضم هنا في كندا 32 مليون بينما في أميركا هناك أكثر بكثير إذاً التأثير هائل من قبل الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين وهذا يعني أن التهديد يبقى حاضرا خصوصا حين يتعلق الأمر بأقلية مثلنا تضم عددا قليلا من السكان وهذا ما يضعنا أمام خطر الاندماج الكلي أو الانقراض لأن القبائل الهندية هنا باتت قليلة، قليلة جدا.

العنصرية والبطالة أهم المشاكل الهندية

سامي كليب: الهنود في كندا مهددون بالانقراض والعنصرية هذه الكلمة كلمة عنصرية كنت أسمعها مرارا كل يوم في خلال رحلتي إلى كندا ولكن ماذا عن المشاكل الداخلية للهنود؟ لماذا تغرق قبائلهم بالقتال الداخلي وبالمخدرات والجرائم وعمليات الاغتصاب كنت أود أن أطرح كل تلك الأسئلة على ضيفنا ولكن النهار كان يشارف على نهايته ورحلتنا الطويلة على الثلج كانت مُنهِكة ولكن للهنود طقوسهم حين يودون الراحة فهذه الشباك مثلا التي يقف خلفها أورليان جيل تسمى لاقط أحلام وهي ذات أشكال وأحجام عديدة وهي ترافق الهنود في طقوسهم على اعتبار أنها تحمل على التفاؤل، ومن التراث أيضا هذا الغليون المليء بالتبغ وبعض الأعشاب المحلية والتي ربما تحتوي على ما يشبه القنب يدور الغليون على الجميع لا بل أن الهنود يتبركون به منذ مئات السنين ولا فرق بين رجل وامرأة وبين عجوز وطفل أو طفلة الجميع يدخن الغليون والجميع يتحلق عند المساء إما داخل الخيم أو خارجها حيث تصبح النار المثلثة الأضلاع شعار الليل وباعثة الحرارة فيه، وفي اليوم التالي كان لقائنا في مطعم خارج المحمية الهندية وذلك لأن ضيفنا أورليان جيل أراد أن يصطحبني إلى محمية أخرى فيها فنان هندي ينشد الأغاني التقليدية ولكن لماذا لا يعمل الهنود في مهن أخرى؟ وما هو سبب البطالة؟

أورليان جيل: هناك عوامل عديدة فأنا مثلا وحين كنت شابا لم تكن مشكلة البطالة مطروحة كنا نذهب جميعا للصيد ونصنع الفرو والجلود وكنا أيضا قادرين على العيش بشكل مناسب، اليوم تغيرت الأوضاع فالغابات تُستغل من قبل شركات تجارية كبيرة، ثم إن الحصار الذي فُرِض على منتجاتنا الجلدية والحيوانية من قبل فرنسا وبريطانيا أثرت علينا ويمكنني أن أذكر لك مثلا الفنانة الفرنسية بريجيد باردو التي قامت بحملة كبيرة ضدنا لكي تمنع تصنيع الفرو إذاً حياة الهنود تغيرت وقفت أمام خطر الزوال والتلاشي فما الذي حصل لقد انعزل الهنود في المحميات دون عمل وبات الإنتاج الحرجي شبه معدوم انقلبت حياتنا رأسا على عقب ولذلك فنحن اليوم نعمل على تعزيز السياحة الإثنية الثقافية نريد أن نُعرِّف أكثر بأناسنا وثقافتنا وتاريخنا ونريد أيضا الانفتاح أكثر صوب الشعوب والحضارات الأخرى.

سامي كليب: وما هي نسبة البطالة بالضبط بين الهنود والسكان الأصليين في كندا؟

أورليان جيل: إن البطالة تصل في بعض المرات إلى نسب عالية جدا فهنا مثلا في محمية بات ياميت قد تصل هذه النسب إلى ما بين 50 و60% وهؤلاء الناس يذهبون إلى الصيد ولكنهم لا يستطيعون تصدير منتجاتهم وفي محمية ماستيموياتش التي مررنا فيها سابقا فإن نسبة البطالة تتراوح ما بين 40 و50 % هذا أمر غير مقبول خصوصا أننا نعيش في الشمال الأميركي حيث نسبة البطالة بشكل عام تقتصر على ما بين 9 و10 % إذا نحاول أن نقنع حكومتنا على المستوى الفدرالي بأن الجهود التي تُمارس لمحاربة نسب البطالة لا تزال قليلة جدا ونحن كما قلت لكم لا نشكل نسبة كبيرة من الشعب الكندي فإن عدد الهنود أي السكان الأصليين قد لا يتعدى 2% من مجمل عدد السكان الكنديين وأعتقد أن الأمور ستكون أسهل لو أن ثمة نية لحلها.

سامي كليب: هل نسبة الجريمة مرتفعة هي الأخرى بين الهنود؟

أورليان جيل: لا ولكنني أعتقد أن ما بين 75% و80% من المعتقلين في السجون الكندية هم هنود ولكن هناك القليل من المجرمين هؤلاء ارتكبوا أعمالا بسيطة مثل السرقة وغيرها، مع ذلك فهناك الكثير من الهنود في السجون.

سامي كليب: كيف ذلك؟

أورليان جيل: أعتقد أن الآراء المُسبقة تلعب دورا كبيرا في هذا الشأن فحين نرى أن هنديا يشرب الخمر فإنهم يعتقدون أنه شخص خطر ويسجنونه ثم أن هناك الكثير من الشبان الهنود في المدن وهم يحبون الخمر وحين ترى الشرطة مثلا أنه مرتدٍ ثيابا رثة فإنهم يفضلون اعتقاله ولذلك أنا قلت لك إن هناك الكثير من الهنود في السجون ولكن لا توجد الكثير من الجرائم المرتكبة فالسكان الأصليون لا يمكن أن يكونوا مجرمين هم يعيشون في الطبيعة التي علمتهم الكثير وعلمتهم خصوصا كيف يكونون ذوي طبيعة مسالمة تماما.

سامي كليب: يعني تحدثت عن الكثير من الشباب الهنود أو الأصليين الموجودين في السجون الكندية هل هذا يعني أن هناك نوع من العنصرية حيال الهنود في المحاكم وفي الجسم القضائي في كندا؟

أورليان جيل: كما قلت لك إن الهنود يحبون شرب الخمر وحين يشربونها تحصل بعض المشادات ويتم النظر إليهم كأناس خطرين ولذلك فإنهم يسجنونهم وأما بالنسبة للسرقة فبعضهم يسرق لكي يأكل، واليوم في المفاوضات نحاول أن نلغي المحميات لأنها باتت كالمعازل ولكن الأمر يطرح جدلا كبيرا ذلك أن السلطات التي كانت تعتقد أن الأمور محلولة طالما أن الهنود هم في المحميات تجد نفسها مضطرة اليوم لتغيير النظام الحالي هنا ولا أعرف ما إذا كان في الأمر تصرفات عنصرية أو غيرها ولكن هناك شبانا هنودا سجنوا لجرائم لم يرتكبوها ثم أُطلق سراحهم لاحقا فهل إن الأمر ناتج عن مجرد خطأ قضائي أم عن العنصرية الكامنة لا أستطيع أن أحدد لك ذلك لكنني أعتقد شخصيا أنه ناجم عن عنصرية أكيدة.

سامي كليب: هل لاحظت مثلا أن هناك نوع من العنصرية أيضا حيالك لأنك هندي وقادم ربما للمرة الأولى إلى البرلمان الكندي؟

أورليان جيل: لا أعتقد أنه يمكن أن أكون طريدة سهلة للآخرين ربما أن سِحنتي البيضاء ولون بشرتي يوحيان بأني لست من أصول هندية ولكنني أعرف كيف أن أدافع عن نفسي وقد حاول البعض مثلا التصرف معي من موقع فوقي من موقع أبوي ولكن الناس يعرفون أني قادم من محمية هندية وهؤلاء الذين حاولوا حمايتي لكي تسهل السيطرة علي لاحقا غير أنهم سرعان ما فهموا أني لست من النوع السهل وأنا في حقيقة الأمر لم أعانِ شخصيا من عنصرية في مجلس الشيوخ، أعرف أنه في بعض الأحيان قد تكون هناك عنصرية ولكنني شخصيا لم أعانِ أبدا من ذلك.


الحرية تُمثل للشعب الهندي التحليق، فلم ولن تهمنا في يوم من الأيام القوانين مهما كانت طبيعتها لأننا مختلفون عن الآخرين اختلافا كبيرا إننا أبناء الغابة
سامي كليب: عنصرية.. من أين أتت تلك العنصرية؟ ولماذا تُمارس على الهنود وهل تضييق هذه الأرض الشاسعة بأهلها هي التي تستقبل مئات الآلاف من اللاجئين كل عام كنت أطرح على نفسي وعلى ضيفي كل تلك الأسئلة ونحن نسير باتجاه المحمية الثانية، ولكن أمام روعة هذه الطبيعة والجبال الشاهقة المكللة بالثلوج كان الصمت سيد الكلام خصوصا أن الانتقال من المحمية التي كنا فيها إلى المنطقة الثانية تطلب هذه المرة استخدام العربات التي تجرها الكلاب، وهو تقليد جاء أيضا من قبل الهنود الذين اخترعوا ألف طريقة ووسيلة بُغية التغلب على قسوة الطبيعة هنا خصوصا حين يرتفع الثلج إلى أكثر من خمسة أمتار، وكما كانت الكلاب في السابق تجر العربات والناس فاليوم هناك طريقة أخرى تتمثل بهذه الدراجات النارية التي صُنعت خصيصا لاجتياز الثلوج، شرح لنا المشرف على هذه الكلاب إنها تستطيع أن تقطع عشرات الآلاف من الكيلومترات في اليوم الواحد دون أن تتعب وبالفعل فإننا اجتزنا من خلالها حوالي عشرين كيلومترا بُغية الوصول إلى حيث قررنا أن نبيت ليلتنا بينما الكلاب المسكينة نامت لتوها من التعب فهي كانت في الليلة السابقة قد حملت جزءا كبيرا من الخيم التي نصبها لنا الهنود بين الغابات الرائعة هنا قبل أن نصل إلى حيث القبائل الأخرى، وهذا المغني الهندي يختصر فنا يعود إلى قرون طويلة وهنا أيضا كان لابد من استخدام الوسائل التصويرية والتسجيلية الصغيرة لكي لا نلفت الانتباه.

فنان هندي: إن الحرية تُمثل للشعب الهندي التحليق إنها بالنسبة إلينا مثل الطفل الهندي لم ولن تهمنا في يوم من الأيام القوانين مهما كانت طبيعتها لأننا مختلفون عن الآخرين اختلافا كبيرا إننا أبناء الغابة ونريد أن نبقى أبناء الغابة ولا نريد أن نصبح غربيين، سأغني لك أغنية تقول كلماتها الحقيقة فهي تقول يا أيها الأب يا أبا الغذاء أعطنا السلام الملكي أيها الرب الذي أخذت شكل الأجنحة أنت الذي أعطيتنا الحياة والذي أعطيت لأولادك ولزماننا السلام.

[فاصل قصير]

سامي كليب: يغني للحرية والسلام ويشرح لي أن هذه الأصداف الموجودة على آلته الموسيقية تعبر عن الفصول فصول الطبيعة وفصول الحياة فالأطفال الذين كانوا يتحلقون حولنا وهو يُنشد لنا ولهم يعبرون عن فصل الربيع والطفولة وهو يقول إنه بات عند مشارف فصل الشتاء ولكن هل يعرف هؤلاء الصبية شيئا عن لغة أهلهم هل يمكن لصبي مثلا أن يقول لي جملة باللغة الهندية الأصيلة؟

صبي هندي: لا أعرف وأنا أفضل اللغة الفرنسية.

سامي كليب: لا يعرف كل هؤلاء الأطفال شيئا عن تراثهم وتقاليدهم فالثقافة الفرنسية طمست تقريبا كل تاريخ أجدادهم اللغة فرنسية ونظام فرنسي في هذه المنطقة من الشمال الكندي وهناك مناطق كندية أخرى لا تتحدث إلا الإنجليزية لا بل أن الأسماء مفرنسة فهذه السيدة الهندية مثلا اسمها الآن إيفيلين سانتان وكان اسمها سابقا النهر الجاري باللغة الهندية سألتها عن القوانين في كندا وفي وزارة التربية هل تساعد على إعادة اكتشاف تاريخ الهنود أم أنها ساهمت في طمس بعض ثقافتهم؟

إيفيلين سانتان: إذا ما شاهدت ماذا يوجد في وزارة التربية وكيف أن كل شيء فرنسي أجد أن اللغة الهندية باتت لغة ثانوية وأن اللغة الفرنسية أصبحت وكأنها هي اللغة الأم نحن لا نتعلم شيئا عن ثقافتنا في هذه المدارس وحين يتحدثون عن لغتنا وهؤلاء الأولاد مثلا لا يعرفون شيئا عن لغتهم الأصل يعرفون بعض الكلمات المتعلقة بأسماء الحيوانات مثلا اسم البقرة وما إلى ذلك فقط وهؤلاء الأولاد لم يروا في حياتهم مزرعة هندية حقيقية، وأنا حين ذهبت مثلا إلى المدرسة كنت منزعجة جدا لكوني من السكان الأصليين وجدت نفسي غريبة حاولت أن اختبئ عن أنظار الآخرين ثم بعد ذلك وحين ذهب أولادي إلى المدرسة بدا الأمر لهم ولي وكأن الهنود لم يوجدوا أبدا على هذه الأرض فمثلا كتب التاريخ حين تتحدث عن هندي فإنما يُكتفى بالقول أن الهندي كان فقط مجرد صياد وكأنما هذا الهندي لم يكن موجودا مطلقا، ولكن في التسعينيات ومع اندلاع أزمة هندية صاروا ينتبهون إلينا وصار للهنود مكان، وأثناء ذهابي إلى المدرسة وأنا صغيرة كنت دائما مع أبناء قبيلة الهنود لم أكن أعرف العنصرية ولكن حين وصلت إلى السنة الثانية كان الأستاذ بالمدرسة يطلب مني أن أذهب إلى غسل يداي في كل مرة قبل حضور دروس الكيمياء وفي تلك الفترة كنت بدأت أشعر بالعنصرية وبأنني مختلفة ثم صرت أشعر بالعنصرية في الخارج خارج القبيلة وبالتالي أصبحت أنا أيضا عنصرية ربما صرت كذلك لكي أنتقم من الآخرين بعنصريتي.

سامي كليب: العنصرية إذا في الخارج، في الخارج يشعر الهنود بالعنصرية وحين نتحدث عن الخارج فإنما عن خارج المحميات والمعازل الهندية فهل أن الآخرين لا يريدون قبولهم فعلا أم أنهم لا يعرفونهم؟

فنان هندي: إن الجهل هو السبب لأننا حين ننظر إلى الخلف نجد أننا عشنا ستمائة عام معا فلماذا لا يمكننا القول اليوم إننا قادرون على العيش معا أنا دائما أسأل لماذا؟ أنا أسافر كثيرا نظرا لمهنة الفن التي أمارسها ولكن في المرة الأولى التي غادرت فيها المحمية الهندية سألوني عما إذا كنت فعلا من الهنود الأصليين وكأنما شكلي لا يوحي بذلك لماذا يطرح السؤال إذاً هل نسأل رجلا أسود عما إذا كان أسود نحن هنا لا نطرح مطلقا مثل هذه الأسئلة هل يمكنني أن أسال شخصا مثلا هل أنت كلب إننا نصطنع المشاكل لأننا نبني نظرتنا على آراء مسبقة وغير صحيحة وإذا كنا حضاريين وهم كذلك أيضا حضاريين فلماذا لا يمكننا أن نمد أيدينا إلى بعضنا ونقول لبعضنا صباح الخير أو نقول بلغة الهندية (Qui).

محاولات لدعم الثقافة الهندية ومحاربة العنصرية

سامي كليب: لماذا لا يمكننا أن نقول صباح الخير لبعضنا البعض ربما لأن الهنود باتوا يعيشون فعلا في المكان الذي بات فيه مد اليد إلى الآخر صعبا فالعزلة تولد المشاكل والبطالة تفاقمها وليس غريبا والحال هذه أن تعم الجريمة والسرقات والمخدرات بعض هذه المحميات الهندية طالما أن الدولة تدفع لهم رواتب ليبقوا في محمياتهم لا بل ليس غريبا أن نجد أن الشقيق يغتصب شقيقته وأن نجد عائلة كاملة تعرضت لمثل هذا النوع من الممارسات والواقع أن أحدا لم يستطع في خلال رحلتنا أن يقدم لنا صورة فعلية عن العدد الحقيقي للهنود الأصليين أي المعروفين هنا بالأميرانديا فصفة الهندي باتت بحاجة إلى تدقيق في دوائر الدولة ذلك أن على كل شخص أن يُثبت أنه كانت له فعلا أصولا هندية لكي يستفيد من عطاءات الدولة وتسهيلاتها ولكن بعض الإحصاءات تتحدث عن سبعين ألف هندي أصيل موزعين على مناطق عديدة فقط في منطقة كيبك وهناك عشر قبائل هندية تتفرع من قبيلتين كبيرتين وكانت كل هذه القبائل تتنقل سابقا إلى حيث توجد الطرائد فالصيد والصيد البحري كانا المصدر الأول للرزق وتأتي بعده بعد أنماط الزراعة ولكي نفهم ذلك ركبنا الباخرة وكان معنا جون ميشيل وهو كندي وليس من الهنود الأصليين ومع ذلك فهو يدافع بشراسة عنهم وعن ثقافتهم وينظم كل عام تظاهرة كبيرة اسمها هاريكانا وهي عبارة عن سباق على الثلوج عبر الغابات الكثيفة هنا في مناطق الهنود وغالبا ما يُشرك فيها الكثير من أبطال العالم وهو ما يشير إلى أن المجتمع الكندي ليس عنصريا تماما كما يقول الهنود ففيه أيضا من يناصر حوار الحضارات وقد سألت جون ميشيل عن رأيه بنضال ضيفنا أورليان جيل؟

جون ميشيل: إن أورليان هو من أولئك الذين لديهم النظرة الثاقبة بالنسبة للهنود في منطقة الكيبك وهو من أفضل من يعملون حاليا بغية تشجيع السياحة في مناطق الهنود السكان الأصليين لكندا ولكن الأمر ليس سهلا ذلك أنه لا يوجد الكثير من القيادات بين الهنود الذين يعملون لأجل شعبهم والذين يعرفون إلى أين يذهبون إن النظام القائم يعود إلى أكثر من مائة وخمسين عاما وليس سهلا تغييره.

سامي كليب: وقطعنا آلاف الأمتار على الجليد والثلوج لمقابلة ميليسا تلك الفتاة الناعمة التي تخفي خلف ابتسامتها ألف قصة ومأساة وتحاول أن تخترع لها واقعا أجمل ومستقبلا يساعدها على النسيان طالما أن الماضي كان زاخرا بكل ظروف اليأس وحين وصلت لمقابلة ميليسا لم أعتقد أن هذه الجالسة هنا هي التي تعرضت لكل تلك المآسي في طفولتها ولكن هنا أخبروني أنه ليس من عادات الهنود الكلام الكثير وهي نفسها تمنت علي ألا أُخبر أحدا هنا بما ستخبرني به حتى ولو أنها وافقت على بث المقابلة في العالم العربي وقبل أن أطرح عليها أي سؤال شرحت لي كم كان حزنها كبيرا حين فقدت شقيقها الذي قُتل هنا في إحدى المحميات.

ميليسا: حين رحل فإن الأمر الوحيد والأول الذي خطر على ذهني هو أن أسأل نفسي من سيقول لي بعد اليوم أني جميلة وأنه يحبني كان كل يوم يقول لي أن لي عينين جميلتين وأن لي ابتسامة ساحرة عائلتي تقول لي ذلك اليوم ولكني كنت أحبه كثيرا.

سامي كليب: ولكن ماذا عن العنصرية كيف تعيشها هذه الفتاة الهندية الجميلة؟

ميليسا: أعتقد أن العنصرية موجودة كثيرا فأينما ذهبت في صغري كنت أعاني من العنصرية الناس لا يعرفون كيف يعاملوننا هم لا يعرفون عنا الكثير وحين تقع مشكلة معينة مثلا فإن الهندي هو المتهم دائما بكل ما هو سلبي ولو اشتبك هنديان مع بعضهما البعض فإن أحدا لا يتدخل لفك الاشتباك ثم يحكمون على كل الهنود بأنهم يتصرفون على هذا النحو بينما في الحقيقة هو تصرف فردي من بعض الأشخاص ولا يمكن تعميمه إنهم يضعون كل الهنود في سلة واحدة هناك مشاكل كثيرة في المحميات الهندية كل أنواع المشاكل موجودة من السرقات إلى الجرائم والمخدرات وعمليات الاغتصاب داخل العائلة الواحدة قسم كبير من ذلك يستند إلى الفقر وإلى الاستعمار فأنت حين تخرج خارج المحمية تصبح خارج إطارك وكأنك في مكان ليس لك وكلما كانت المحميات معزولة كلما ازدادت المشاكل يكفي أن يشرب البعض كأس بيرة حتى يتحول الأمر إلى اشتباك وعراك وعنف في كل مكان الناس هنا معزولون جدا.

سامي كليب: وحين سألت ميليسا هذه الفتاة الهندية الجميلة عما إذا كانت هي نفسها تعرضت لشيء من هذه القبيل حمل جوابها كل مأساتها؟

ميليسا: يزعجني كثيرا أن أتحدث عن الأمر أشعر بأني عاجزة عن البوح به ولكن سأطلب منك أن تعدني بعدم تكرار ما سأقوله لك للآخرين هنا فحين تُوفي والدي وعشت مع والدتي وكان أحد أبناء أعمامي تولى الإشراف علينا ولكنه جاء في أحد الأيام واغتصبني حين كنت صغيرة كان عمري سبع سنوات وكل أشقائي وشقيقاتي تعرضوا لذلك وحتى أمي تُخبرنا بأنها تعرضت للاغتصاب أيضا حين كانت صغيرة هذه بعض مشاكل المحميات الهندية التي تغرق بما يشبه الحلقة المفرغة من المشاكل.


رسام هندي: العنصرية يشعر بها السكان الأصليون سواء من خلال طريقة الكندين بالكلام عنا أو عن طريق تأليف النكات والطرائف
سامي كليب: كانت قصة ميليسا الأكثر إيلاما بين كل ما سمعته في خلال رحلتي إلى كندا ولكن أملها بالحياة يشبه أمل الكثير من أبناء جلدتها الذين يكافحون لمستقبل أفضل هم يكافحون تارة بالصوت وتارة أخرى بالعمل أو بالفن أو الرسم أكملنا الرحلة مع أورليان جيل نعبر تلك المناطق الجميلة ونتوقف في هذه المنازل الموازية للنهر الكندي والذي كان في ذاك الصباح يحمل على ظهره مئات الآلاف من الأطنان الجليدية والثلوج وكنت وبعض رفاق تلك الرحلة من المتبارين في مسابقة هاريكانا نستعد لاستقبال صباح أكثر بردا من الذي سبق ولكن أيضا أكثر جمالا وكانت محطتي الثانية مع ضيفنا أورليان جيل في معرض للصور أقيم خصيصا لنا في إحدى المحميات لكي نطلع على أحوال الفنانين الهنود وهناك التقيت برسام يعتبر من أفضل أبناء جيله وسألته عما إذا كان المجتمع الكندي يبدوا له هو الآخر عنصريا؟

رسام هندي: أستطيع القول نعم إن الكنديين في منطقة كيبك عنصريون ولكن يجب النظر إلى المسألة من خلال القوانين فهنا في كندا القوانين وضعت للسيطرة على الهنود وهذا طبيعي لأنهم يغارون منا، ثم إن الكنديين ربما يجهلون وضعنا فهم لا يعلمون الكثير عنا والحكومة لا تخبرهم الكثير وأنا أحاول أن أجد بابا للانفتاح من خلال ما أقوم به.

سامي كليب: وأنت هل تشعر بالعنصرية في المجتمع الكندي؟

رسام هندي: نشعر بها جميعا نشعر بها مثلا من خلال طريقتهم بالكلام عنا وتأليف النكات والطرائف فمنهم مثلا من يقول أنا لدي دم هندي وحين تسأله ماذا يعني بذلك يقول لك أنا صدمت هنديا بسيارتي وصار عندي دم هندي، قبل ثلاثين عاما لم يكن أحد منهم يتقبل فكرة أن يكون هنديا أما اليوم فمعظمهم صار يتمنى لو أن له جدة هندية وذلك بعد أن رأوا أن لنا مكاسب معينة من الدولة، ثم إن القانون حتى ولو كان مُوحدا بالنسبة إلى الجميع فإنه لو حصلت مثلا مشكلة بين هندي وكندي فإن المسؤولية حتما سوف تقع على عاتق الهندي فيقتادونه فورا إلى السجن، ويبلغ عدد سكان المحمية 27 ألف شخص ولكنك ستجد أن أكثر من نصفهم في السجون، صحيح أن هناك مشاكل اجتماعية داخل المحميات ولكن هناك أيضا العنصرية فلو وقعت مشكلة خارج المحمية فإن الهندي هو الذي سيذهب إلى السجن.

سامي كليب: الغريب أن هذا الرسام الهندي الأصل متزوج من امرأة كندية تماما كضيفنا أورليان جيل الذي سألته في ختام رحلتنا الجميلة عما يريده الهنود بالضبط من الدولة؟

أورليان جيل: نريد خصوصا أن نسيطر على الأشياء التي تعود لنا، نريد أن يحترمنا المسؤولون وأن تكون لنا القدرة على إدارة مصادرنا وأن نتقاسم الأرزاق التي كانت كلها لنا في السابق والآن يقاسموننا عليها لا بأس ولكن فلتكن شراكة حقيقة مع غير السكان الأصليين في مجالات الغابات وغيرها، نريد لنا مكانا تحت الشمس ونريد المساهمة في تطوير هذا البلد وأن يكون لثقافتنا المكان الذي تستحقه نحن قدمنا الكثير لكندا ربما ليس لدينا الكثير من الآثار ولكن ثقافتنا قديمة وغنية ويمكننا أيضا أن نساهم بالكثير في بلدنا وأيضا في الخارج.

سامي كليب: من هذه الثقافة الغنية اخترنا أن نختم رحلتنا مع السيناتور الكندي والزعيم السابق لقبائل الهنود والسكان الأصليين هنا أورليان جيل اخترنا أن نختم هذه الرحلة الممتعة والصعبة بحضور جزء من سباق الهاريكانا كلمة هاريكانا جاءت تيمنا بأحد أطول المعابر المائية للهنود الكنديين.

وأما هذا السباق على الثلوج وبين الغابات الكثيفة والغارقة تحت العباءة البيضاء الناصعة فإنه جاء بمبادرة من قبل الفرنسي رينينتش الذي يعتبر أحد أبرز منظمي السباق في العالم فهو الذي يشرف مثلا على رالي باريس دكار فالسكان الأصليون لكندا كانوا قبل السباق يعيشون شبه وحيدين في تلك المناطق الثلجية الرائعة ولكن بعد السباق تضاعف عدد السياح وتضاعفت فنون الهنود في توضيح ثقافتهم وشرح أصولهم خصوصا أن هذا السباق على الثلوج يمر في معظم المناطق الهندية النائية في كندا ويشارك فيه عدد لا بأس به من أبطال التزلج على الثلج في العالم وضيفنا أورليان جيل الذي رافقنا في تلك الرحلة الممتعة عبر الثلوج هو أحد المنظمين والممولين لهذا السباق وهو أنشأ شركات خاصة لهذه الغابة واللافت والطريف هو أن الهنود غالبا ما يجتازون تلك الجبال بطريقتهم الخاصة بحيث يصنعون لأقدامهم نوعا من الركيت التي يلبسونها بدلا من الأحذية لكي لا يغرقوا بالثلج بينما المتسابقون في سباق هاريكانا فإنهم يعانون الأمَرين لاجتياز تلك المناطق ذلك أن الشرط الأول للسباق هو المرور في مناطق عذراء لم تطأها أي قدم قبلهم فثمة من يغرق تحت الثلوج قبل أن ينتشله المسعفون وآخرون يتخلون عن السباق ومن يصل منهم فإنه يكون قد قطع كل الصعوبات.

وفي كل محطة كنا نتوقف فيها كان الهنود يعدون لنا المشروبات الساخنة أو يوقدون لنا النار وكان الكثير منهم يفتح لنا منازله لنبيت الليلة عنده طالما أن الهدف هو التعريف بثقافة الهنود وقد دعاني ضيفنا أورليان جيل إلى سهرة أحيتها إحدى أبرز مقدمات البرامج في كندا مع شاب كندي وذلك بغية المساهمة في التعريف بتراث وتقاليد السكان الأصليين الذين ينتمي إليهم هذا الشاب وثمة صور عرضت في السهرة وكانت تشير إلى أشكال هندية مخيفة وحين سألت عنها قيل لي إنها تعبر عما عاناه السكان الأصليون لكندا خلال غزوهم من قبل الحضارة البيضاء، ولا يكتفي أورليان جيل بإقامة السهرات والسباقات للتعريف بتاريخ وحضارة السكان الأصليين لكندا وإنما يقيم أيضا الندوات والمؤتمرات الصحفية التي يدعوا إليها زعماء قبائل الهنود الذين غالبا ما يأتون من هذه المناطق الثلجية النائية التي حرص أورليان جيل على أن نذهب إليها في خلال إحدى العواصف الثلجية القوية جدا كما تشاهدون وقد اضطررنا للاحتماء مرات عديدة قبل أن نصل إلى حيث نقصد، كما أنه دعانا في ختام هذه الرحلة إلى سهرة فنية حيث كانت الفتيات الكنديات، الفتيات من غير الأصول الهندية تؤدين رقصات فلكلورية تُنسي الهنود وغيرهم مشاكل العنصرية في البلد الذي يفتح أبوابه لكل المهاجرين وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة