السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

راشد الغنوشي: مفكر إسلامي، رئيس حركة النهضة - تونس
محمد أركون: أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة السوربون

تاريخ الحلقة:

24/06/2003


- الجديد الذي أضافه المؤلف في الكتاب

- معالجة الترابي لمعضلة العلاقة بين الدين والسياسة

- مدى الاختلاف بين السياق الإسلامي والسياقات غير الإسلامية

- معالجة الكتاب لموضوع الحرية والمساواة

- الابتعاد عن استخدام المصطلحات المعاصرة في الكتاب

- علاقة الدولة المسلمة بالمسلمين في خارج حدودها

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج (الكتاب خير جليس)، نقدمها لكم من لندن.

الشعب المؤمن هو مصدر السلطان، تشكيل الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية يجب أن يكون ممارسة حرة من دون ترخيص من الدولة، والحرية هي أصل الاجتماع الإنساني، هذه بعض أفكار كتاب هذا اليوم، الذي هو بعنوان: "الحكم والسياسة.. النُّظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع"، الكاتب هو (المفكر الإسلامي السوداني) حسن الترابي، هذا الكتاب الضخم في حجمه كُتب في السجن ومازال كاتبه قيد الإقامة الجبرية الحكومية وهو لا يقدم فقط إسهاماً فكرياً مُهماً وإشكالياً خاصاً بالسياسة والدين، بل يشير أيضاً ولو بشكلٍ غير مباشر إلى خلاصة تجربة حركية إسلامية مهمة في العالم العربي والإسلامي هي تجربة الإسلاميين السودانيين بنجاحاتها وفشلها، النص الذي يقدمه الترابي عميق وشامل ومستفز للإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، فهو يعاند مسلَّمات الفكر التقليدي الإسلامي ويكسر جمودها ورتابتها بما يثير حفيظة كثير من الإسلاميين، وهو أيضاً ينهل من التجربة الغربية في الحكم صوراً وأشكالاً وإعجاباً، ويؤسلمها بما يثير تساؤلات العلمانيين عن جدة مشروعه وطروحاته أصلاً.

ضيفانا اليوم لمناقشة الكتاب هما الأستاذ راشد الغنوشي (المفكر الإسلامي التونسي ورئيس حركة النهضة التونسية) والذي يعيش لاجئاً سياسياً في بريطانيا، وكذلك البروفيسور محمد أركون (المفكر الإسلامي الجزائري) المقيم في فرنسا، فأهلاً وسهلاً بهما.. أهلاً وسهلاً، وكنا قد حاولنا في الواقع الاتصال بالأستاذ حسن الترابي في مقر إقامته الجبرية الحكومية في الخرطوم ولكن السلطات السودانية لم تسمح بذلك مع شديد الأسف، فلزم التنويه بذلك.

لذلك نبدأ مباشرة من دون أي مساهمة من المؤلف، السؤال الأولي شيخ راشد هو هذا الإضافة الضخمة والمهمة التي بين أيدينا، كيف تراها بشكل مجمل قبل أن نبدأ النقاش وما هو.. ما هي الإضافة فيها وما هو النقص فيها؟

الجديد الذي أضافه المؤلف في الكتاب

راشد الغنوشي: على كل حال بعد بسم الله فأنا أبدأ بإلقاء تحية عطرة على الأستاذ المجاهد العلامة الدكتور حسن الترابي وأهنئِّه لهذا الإنجاز الضخم الذي كنت أتمنى عليه مراراً أن يقوم بمثله على أمل أن يكون امتداداً لعلم وتجربة العلاَّمة ابن خلدون الذي به بعض شبه مع الدكتور الترابي سواء من حيث الاهتمام بالعلوم السياسية أو من حيث الممارسة السياسية، فأن ينتهي ابن خلدون إلى إنجاز مقدمة يلخِّص فيها تجربته وعلومه والأدوية التي يقدمها لمشكلات الأمة أن يفعل الترابي شيئاً من ذلك أحسب أن هذه الخطوة مهمة، وأن سجنه يعني لم يكن ببلاش، يعني سجنه كان فيه ثمرة مهمة ليس للسودان فقط، وإنما للفكر السياسي الإسلامي، فأنا أجدِّد التحية لهذا المفكر الصلب العنيد الصامد في محنته وفي موالاة عطائه.

أحسب أن الكتاب ليس سهل.. ليس سهل التناول، ولذلك ما يمكن أن يخرج به الإنسان لا يمكن أن يتأكد من أنه هذا هو ما يقصده الأستاذ بالضبط، فهي مقاربات يعني لهذا الكتاب، أحسب أن أهم موضوعة أسس عليها رؤيته للإسلام ورؤيته للواقع ورؤيته للدولة الإسلامية ولعلاج مشكلات الأمة موضوعة الحرية وقيمة الحرية من حيث أنها أساس الدين، أساس الاعتقاد، وأنها أساس العلاقات كل العلاقات الاجتماعية عبر مفهوم التعاقد الذي يعتبره الدكتور الترابي أن الفكر الغربي تأسس على موضوعة التعاقد التي استمدها من الإسلام فكل.. فكل علاقات الإنسان بدءًا بعلاقته بالله سبحانه، إلى علاقته بأقرب الناس إليه، بزوجه وأهله وعشيرته، وكل الولايات كلها تقوم على موضوعة الحرية التي تؤسس لقيمة أخرى ركز عليها الكتاب، قيمة الإجماع على أساس أن كل العلاقات الإنسانية وكل.. كل علاقات الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي تتأسس على مفهوم الإجماع ومفهوم الشورى..

خالد الحروب: أي نعم، إذا سمحت لي إذا سألنا يعني إذن قيمة ما يراه الشيخ راشد هي قيمة الحرية وقيمة الإجماع في هذا الكتاب الإضافة، وهو لمَّح إلى صعوبة الكتاب، ما هو رأي البروفيسور أركون في هذا.. في الكتاب بشكل عام كمدخل حتى نبدأ في محاوره؟

محمد أركون: نعم، أولاً: أشكرك على دعوتك للمرة الثانية لأساهم في نقاش هذا الكتاب، وكنت أود أن حسن.. الدكتور الترابي سيشارك معنا كما ذكرت لي في التليفون عندما اتصلت بي ولو عن طريقة الهاتف، لأني ما سنحت لي الفرصة.. ما سنحت لي الفرصة حتى أحاوره ونتبادل الآراء، لأني كأستاذ تاريخ الفكر الإسلامي أهتم بجميع ما ينتجه المسلمون في العالم الإسلامي وخاصة إذا كان المنتج مفكر مارس السياسة، وفي إمكانه أن يفكر تفكيراً نقدي.. نقدي في.. الموجه للممارسة السياسية، وأيضاً للتفكير السياسي كتفكير، هذا ما يهمني، وعندما تلقيت الدعوة منك كنت مسرور لأني ظننت أني سأجد في هذا الكتاب نقداً لتجربته السياسية كما فكَّر ابن خلدون على أساس تجاربه السياسية وكتب ما كتب، ولذلك كان.. كنت مسرور جداً وقلت أني سأجد كتاب يمكنني أن أقدمه لطلبتي ونقرأه معاً، ونستفيد منه معاً، وأيضاً نفكر في مستوى الإنتاج الفكري في الوقت الراهن في الظروف المؤلمة التي نعيشها في جميع المجتمعات العربية والعالم الإسلامي، حتى نستفيد من مثل هذه الكتب..

خالد الحروب [مقاطعاً]: فماذا وجدت إذن في الكتاب؟

محمد أركون: وجدت -كما قال راشد الغنوشي- أن الكتاب صعب جداً معقد ولا أرى الكثير من الجمهور العربي يمكنهم أن يقرءوا هذا الكتاب ويستفيدون منه، حتى في جميع ما يتعلق بالفكر الإسلامي، وناهيك عن ما يتعلق بالأفكار السياسية، بالفكر السياسي العام عندما نقارن الفكر السياسي كما نعلمه وكما تطور فيما نسميه الغرب وكما تطور فيما نسميه الفكر الإسلامي، إذن هناك أشياء عديدة سنقولها..

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم.. إذن نبدأ من..

محمد أركون: من حيث المنهاج.. من حيث المعجم الذي يستعمله والطرق التحليلية للمفهومات التي يستعملها.

راشد الغنوشي: بس ليس إلى هذا.. ليس لهذا الحد يعني أنه هو ألغاز، ليس ألغاز، هو طبيعة الفكر الفلسفي عامة والأستاذ فيلسوف.

محمد أركون: نعم.. نعم.

راشد الغنوشي: طبيعة الفكر الفلسفي لغته يعني ليست في متناول الشارع هي لغة خاصة، هذا كتاب موجَّه لفئة المختصين، المشتغلين..

محمد أركون [مقاطعاً]: لا أقول هذا لأنه كما قلت مارس السياسة، هو خاطب الجماهير..

راشد الغنوشي: أي نعم.. أي نعم.

خالد الحروب: الانتقاد على..

محمد أركون: عنده خطاب موجه للجماهير..

خالد الحروب: صعوبة النص، أعتقد هي تأتي من أنه الكاتب نفسه الدكتور حسن الترابي يكتب حتى هنا في صفحة رقم 17، يقول إن هذا الكتاب مخاطبة لعامة جمهور المسلمين.

راشد الغنوشي: نعم، هو الدكتور الترابي كان كتاباته حتى قبل هذه المرحلة يعني كانت دائماً له لغته الخاصة، وينحت.. يعني ينحت من صخر ويغرف من بحر يمكن (....) أقول يعني..

خالد الحروب [مقاطعاً]: القصد إذا كان هذا موجه إلى..

راشد الغنوشي [مستأنفاً]: ولكن يعني تيسرت له يبدو يعني هذه العزلة، فزادت يعني اهتمامه بقضية اللغة وأحكامها يعني..

خالد الحروب: إذا حكمنا على.. إذا حكمنا على النص الذي بين يدينا، بحسب كلام الترابي نفسه إلى أن هذا موجه إلى عامة المسلمين، فلذلك أعتقد إنه يعني انتقاد البروفيسور أركون يعني..

محمد أركون [مقاطعاً]: هذا مش مستبعد.. مش..

خالد الحروب: في مكانه لأنه يمكن..

راشد الغنوشي: وملاحظة يعني..

معالجة الترابي لمعضلة العلاقة بين الدين والسياسة


خالد الحروب: ملاحظة عابرة، ولكن مش.. ملاحظة عابرة، لكن ننتقل إلى.. بالفصل الأول وبالفصول الأولى طبعاً أحد المحاور الأساسية، اللي هو قصة الدين والسلطان، التوحيد والانفصال، وهي السياسة والدين إلى أي مدى يتقدم الدين في السياسة؟ هذه الأطروحة الملِّحة القديمة، الجديدة والمتجددة كيف ترى شيخ راشد معالجة الأستاذ الترابي لهذا.. لهذه المعضلة؟ هو يقول أنه.. أن الدين في التجربة الإسلامية غير التجربة الغربية، الدين منخرط فيها بسبب الإجماع والتوحد ما يسمونه التوحد، من توحد الألوهية إلى توحُّد المجتمع إلى توحد الأهداف، فلذلك الدين هو أساس من أسس السياسة في.. في نظرية الأحكام السلطانية التي يقولها، إذا سألتك سؤال يعني في ضوء معالجة الترابي، لكن من هو الذي يتحدث باسم الدين؟ إذا تركنا للدين أن يتدخل في السياسة بكل مناحيها، هناك أصوات عديدة تقول أنها هي الدين، أنها هي التي تعبر عن اسم الدين، الترابي لا.. يعني لا.. لا يفصل.. لا يحسم، لا يعطينا إجابة شافية في هذا الموضوع.

راشد الغنوشي: يعني عندما نتناول الترابي من خلال.. نتناول الموضوعة موضوعة العلاقة بين الديني والسياسي من خلال القيم أو الأسس التي أقامها الترابي أو أسس عليها مثل قيمة الاجتهاد، أو مفهوم الاجتهاد والاجتهاد عنده ليس هو عمل النخبة وإنما هو عمل المجتمع، فلكل إنسان حظه من الاجتهاد، وبالتالي فينزع فكرة وجود مؤسسة دينية من مثل الكنيسة وما إليه، ليضع السلطة في الحقيقة، سلطة فهم النص الديني يعيدها إلى الشارع، يعيدها إلى الأمة، وبالتالي فهنا لا نجد أنفسنا إلا أمام لا حل لهذا الموضوع إلا عن طريق آلية الإجماع، عندما يعني يُنزع عن الاجتهاد الصفة الخصوصية لمؤسسة ونضع الأمر بيد الأمة عندئذٍ يعني استمرار الشورى يعني حواراً بين النص وبين الواقع، حواراً بين الناس، بين العلماء فيما بينهم، وبينهم وبين عامة الناس، في النهاية هذا من شأنه أن يُولِّد إجماعاً، فالسلطة في النهاية السلطة السياسية تتأسس على قيمة الحرية وعمل الحرية من خلال الشورى يفضي إلى الإجماع، وبالتالي يعني نحن نعبِّر هنا في الحقيقة نعبر بلغة إسلامية عن الفكر السياسي المعاصر الذي أقام الدولة.. أقام سلطة الدولة على الجماعة، على المجتمع، ولكن من يعني وصل إلى هذه النتيجة من خلال الفكر والآليات والقيم الإسلامية.

خالد الحروب: ما رأي البروفيسور أركون؟

محمد أركون: نعم، أنا أود من المنطلق أن أوضح مشكلة منهاجية، وأسأل: هل يمكن أن نكتفي بالمعجم الإسلامي فيما يتعلق بالفكر السياسي والفكر عامة، لأن الفكر السياسي لا يمكن أن نقدم فكراً سياسي إذا لم نعتني ونعتمد على فكرٍ فلسفي وعلى فكر المتكلمين، لأن هناك علم كلام سياسي، ودون أيضاً أن نعتمد على ما نتعلمه من التاريخ والتمهيد الأول يجب أن يكون عن التاريخ، ماذا يسمح.. تسمح لنا معارفنا التاريخية عن الفكر الإسلامي من جهة، وعن الفكر الغربي من جهة أخرى، لأنه لا يمكن أن نشير إلى الفكر الغربي إشارات سطحية وسريعة دون أن نحقق ما هي الفوارق؟ وما هي الأبعاد الخاصة بهذا الفكر الغربي؟ كما تطور وكما نعرفه أثناء التاريخ، وخاصة بعد ظهور فكر الأنوار فيما يتعلق بالسياسة، وفكر الأنوار ظهر وغير التفكير في الظاهرة الدينية نفسها، إذن هي القضية المنهجية الأساسية التي لا يمكن لنا أن نتجاهلها أو نتركها جانباً عندما نقرأ هذا الكتاب.

خالد الحروب: هذا، أي نعم.. إذن كيف نربط.. أي نعم.. هي.. هي أننا لا نستطيع الاكتفاء بالمعجم الإسلامي، الدكتور الترابي في.. في الكتاب يعني واضح جداً يعني الأثر الغربي إلى درجة قد يقول قائل يعني تبادر إلى ذهني أن النص كله ربما تعقيد اللغة هذا يعني ربما يعني فيها قدر من القسوة، إنه تعقيد اللغة هو لتغطية أن المضمون هو مضمون الثقافة الغربية يعني عندك النظم السلطانية هي النظم الدستورية، وزارة مثلاً يقول ولاية الشؤون الداخلية هي وزارة الداخلية.

محمد أركون: نعم، ولكن يستعمل.

خالد الحروب: يعني.. يعني إضفاء المصطلح الجديد في الموضوع هو المصطلح على.. على مثل ما قال الشيخ راشد على الناتج السياسي للبشرية كلها، لكن سؤالي مرة أخرى بروفيسور أركون، هو كيف رأيت معالجة موضوعة الدين والسياسة؟ هذه ملِّحة غربياً وملحة إسلامياً، كيف رأيت معالجة الترابي لها؟ هل هي مثلاً تقليدية هل فيها شيء جديد؟ هل فيها.. هل؟ ما هي الإضافة؟

محمد أركون: أنا.. أنا أصفها بتقليدية، ولأنها لم تعتمد على تحليلات مدقِّقة في الفكر الحديث عن جميع القضايا التي أُثيرت منذ القرن السابع عشر والثامن عشر في الغرب، وعندنا لم تُثر هذه المشاكل إلا حديثاً، والآن نحن في فكر أصولوي ليست بفكر أصولي كما.. كما تعلم، لي كتاب عند نفس الناشر دار الساقي...

خالد الحروب: أي نعم، لا يعود إلى الأصول ولكن...

محمد أركون: عنوانه "الفكر الأصولي واستحالة التأصيل"، واستحالة التأصيل للفكر السياسي حتى للفكر الفلسفي مش السياسي فقط، مستحيل عند في.. في الفكر الغربي كان فيه في.. في الفكر الإسلامي أيضاً، لا أقول هذا بالنسبة للفكر الإسلامي فقط، هذي قضية أساسية مبدئية يجب الانطلاق منها لندخل في ميدان المناقشات في الفكر السياسي، إذا كان الفكر السياسي المقصود منه أن يأتي برؤية تطبَّق في بيئاتنا الاجتماعية وفي حياتنا الاجتماعية والسياسية في جميع العالم العربي والإسلامي.

خالد الحروب: نعم.. إذا سألنا.. إذا سألنا.. نعم، إذا سألنا الشيخ راشد أيضاً حتى آخر ملاحظة حول هذا المحور، ثم ننتقل إلى.. إلى شيء آخر، في الصفحة 195 الشيء المحيِّر في الكتاب أستاذ راشد أن أحياناً تلمس إعجاب في التجربة الغربية عند الدكتور الترابي، ويقتبس لا يعني لا.. لا يتردد في الاقتباس باعتبارها تجربة إنسانية، وفي نفس الوقت هناك أحياناً كثيرة انتقاد شديد لها، فهناك تردد ومراوحة بين الإعجاب والانتقاد، ليس المطلوب طبعاً الإعجاب المطلق ولا الانتقاد المطلق، هذه هي موقف عقلاني لكن فيما خص علاقة الدين بالسياسة يقول: "يصف في صفحة 195 في آخر ثلاثة أسطر يقول: بعد أن يصف كيف تطورت الديمقراطية في التجربة الغربية، وحكم الشعب يقول: وغاب الدين وانمحت طوائفه وحِدَّتها المتمايزة بها في المجتمع، وما بقي من تديُّن أصبح شعبياً لا تحتكره الكنائس بمقدِّسيها، ولذلك بدأ الشعب يزداد غناؤه من وساطة الأحزاب، ويقارب الحكم مباشرة لأنه يرى ويسمع ويُعلِّم القيادات التي يختارها، وينقل رسالته بالإعلام بوقع بالغ على الحكم، وله أن يعبر بقوة مباشرة في شوارع المدن تظاهراً ذا شأن .." وإلى آخره، ثم.. ثم يستكمل بالإعجاب بإنه انحسر ما يفهمه القارئ إنه انحسار الدين عن الحياة الشعبية، عن حياة المجتمع عن.. عن التحكم بمفاصل المجتمع أطلق قوى المجتمع نحو أن تؤثر في الحكم.

راشد الغنوشي: هو الكتاب كله قائم على يؤسس لهذه الفكرة، أن الغرب أنه خلافاً للتجربة الإسلامية التي تأسست على توثيق العلاقة بين الأرض والسماء، بين الديني والدنيوي، فتقدم المسلمون بينما تأخروا عندما حصل هذا الانفصال بين حياتهم وبين دينهم، خلافاً لذلك الغرب يعني بدأت رحلته نحو التقدم يوم أزاح المؤسسة الدينية جانبا، وحرر عقله من قيودها، إذن هناك رغم إعجابه بالتجربة الغربية لكنه يؤسس لفارق أساسي، أنه نحنا تقدمنا من خلال توثيق وتصحيح علاقتنا بالدين، بينما الغرب تقدم في الحقيقة من خلال إذا اعتبرت تصحيح معنى إزاحة سلطان الدين جانباً، وهذا رغم أنه أكسب الغرب يعني حيوية وتحرر، ولكن من جهة أخرى أوجد مشاكل يتحدث عنها في إشارات كثيرة الكتاب يتحدث عن حياة يعني ما.. ما تمارسه المؤسسة السياسية الغربية، وما.. ومارسته من تسلُّط على الشعوب، لأنها لما تحررت من النزعة الدينية وأصبحت الأخلاق ذرائعية نفعية، فكر الأنوار لم يحجز فرنسا أن تستعمر الجزائر وتدمر مليون ونصف، فكر يعني الدستور الأميركي وما حفل به من حريات ما منعش أميركا أن تبيد شعوب بكاملها، هذا لماذا؟ لأنه.. لأن الغرب عالج هذه المشكلة بين السياسي وبين الديني معالجة صحيح حررت طاقته لكن أوجدت له وللبشرية كلها مشاكل مازلنا غارقين فيها، إذن الترابي يقدم علاج.. يعني شيء بسيط لمشكل حقيقي.

خالد الحروب: نعم.. ماذا؟ أي نعم.. الشيخ راشد هذا هذه مشكلة، هذه نقطة مهمة جداً، ماذا لو قال قائل أن استكمالاً لما يقوله الترابي أيضاً في أكثر من فصل، من أنه في.. في.. في تاريخ في السياق الإسلامي انفصل ما يسميه الفقه الشعبي عن السلطان بعد الخلافة الراشدة، السلطان أصبح يحكم بما يراه مناسبا، الحكم عضوض مستبد إلى آخره، ثم انحسر الفقه الشعبي يدور في.. في.. في مجتمع مدني أهلي منفصل عن.. عن السلطان، الآن في هذه المرحلة بالضبط بلغت الحضارة الإسلامية أَوْجَها عندما انفصل الفقه الشعبي عن السلطان إذا خدنا بين القرن الرابع الهجري إلى السادس الهجري مثلاً هذه المرحلة، كان هناك لم يكن هناك لا شورى ولا خلافة إسلامية بالمعنى المثالي للكلمة، كان هناك انفصال شبه انفصال بين الدين والسياسة، فلذلك قد يقول قائل إنه هذا التحليل، إنه ربط الدين ارتباط الإسلام بالتقدم والنجاح الذي حققته الحضارة الإسلامية مازال عليه علامة.. علامة سؤال.

راشد الغنوشي: يعني الدكتور الترابي يوجه.. يسلِّط نقداً صارماً على التجربة الإسلامية بأشد من نقده للتجربة الغربية في الانحراف الذي حصل في المؤسسة السياسية وحولها إلى ملك عضوض، وعطَّل الشورى وجعلها شكلاً فارغاً، وعطَّل آلية الإجماع، ومع ذلك الترابي يبين لنا الحضارة الإسلامية يعني آلياتها استمرت تعمل في مستويات أخرى، استمر الإجماع في الفقه.. في الفقه لم يكن أفراد الذين أنشئوه وإنما حركة شورية شعبية استمر أيضاً العمل الاقتصادي نشطاً، استمر العمل الفكري والعلمي في مستوى المجتمع، استمرت مؤسسات المجتمع المدني تعوِّض فساد وانحسار الدولة، إذن التجربة الإسلامية فيها قدر كبير من التركيب ومن التعقيد، فليست هي فقط يعني مؤسسة سياسية فسدت، فانهار البناء كله.

مدى الاختلاف بين السياق الإسلامي والسياقات غير الإسلامية

خالد الحروب: بروفيسور أركون، ما رأيك في هذه الأطروحة: أنه السياق الإسلامي يتمايز عن السياقات الأخرى الغربية وسواها، لأنه الدين في هذا.. في السياق الإسلامي هو محور التقدم والمنعة والازدهار، بينما انحسار الدين عن السياقات الأخرى هو الذي فجَّر الطاقات؟

محمد أركون: من حيث المنهاج دائماً لأني أعمل دائما على أساس المنهاج المحقق، لا يمكننا أن.. أن نقول هذا الكلام لأننا إلى حدّ الآن لم نقم بعد بتاريخ مقارن لجميع الأديان الحية في يومنا هذا، ليس هناك علم يعتني بتاريخ مقارن لتطور الأديان المتواجدة اليوم في العالم، كيف يمكننا أن نحكم هذا الحكم كما ذكرته وكما يبني عليه أطروحة كبيرة؟ كيف يمكننا ذلك ما دُمنا جاهلين..؟

خالد الحروب: لماذا.. لماذا.. يعني..

راشد الغنوشي: هناك على كل حال بالنسبة للمسيحية ولليهودية ديانتان معروفتان.

محمد أركون: هذه.. هذه اثنين.. دينان اثنين.

راشد الغنوشي: بالنسبة لهاتين الديانتين هناك دراسات كافية الآن على قياس حجم مستوى التدين على الأقل بالمصلين يوم الأحد، ففي بريطانيا هنا نشرت الصحف في السنة الماضية يعني ما يُشبه حالة فزع أنه لأول مرة في تاريخ بريطانيا ينزل عدد الذين يصلون صلاة الأحد هذا حد أدني يعني للتدين ينزل عن مليون في مجتمع يعني تعداده 60 مليون، وليس هناك من حالة ارتفاع حسب المقاييس القائمة بمستوى التدين إلا في الولايات المتحدة.

خالد الحروب: أي نعم.. لكن إذا بقينا في النقطة ونناقش البروفيسور أركون صحيح قد لا توجد مثلاً دراسات مقارنة تفصيلية، لكن عندنا فكرة عامة يعني حتى في.. حتى في الحضارات مثل الصينية والهندية أصبح نوع من التحديث لديانات الشنتو وللكونفوشيوسية وعملياً أزيحت إلى.. إلى.. إلى.. إلى الساحة الخلفية من الاجتماع السياسي، وحصل تقدم معين، أنا سؤالي مازال هو محير لكثير من.. من المهتمين بهذا الشأن، إنه هل السياق الإسلامي يختلف في علاقة الدين بالسياسة عن السياقات غير الإسلامية الأخرى بما فيها حتى الصينية والغربية وسواها، هنا مفجر للطاقات، وهنا معطل للطاقات الدين؟

محمد أركون: نعم هذا صحيح من حيث الديانة من حيث الإيمان، ومن حيث العبادات، هذا صحيح أن الدين الإسلامي اليوم...

خالد الحروب: إحنا بنقول من حيث السياسة دكتور أركون، إحنا يعني...

محمد أركون: ولكن.. ولكن هناك فرق بين التطور الفكري الذي يؤيد العقائد، ويحفظ العقائد عن.. أن تتورط في عقائد بعيدة كل البعد عن العقائد.. العقائد الدينية الأصيلة، وبين العقيدة التي تُبنى على تصورات أيديولوجيا كما هو الأمر الآن في جميع مجتمعاتنا، لأن الأيديولوجيا تستغل هذه العقائد.

راشد الغنوشي: ما.. ما المقصود بالأيديولوجيا عند الأستاذ؟

محمد أركون: أيديولوجيا اللي هي يعني التيارات السياسية، التيارات السياسية التي تستثمر هذه العقائد الموجودة.

راشد العنوشي: يعني هذا.. هذا قائم على.. قائم على فكرتك.

محمد أركون: والموجود بقوة عند المسلمين ولكن.

راشد الغنوشي: وعند غيرهم أيضاً.

محمد أركون: تعدل بها عن وظيفتها الروحانية الدينية إلى استعمالها في.. في.. في النزاعات السياسية، هذه ظاهرة اكتشفها جميع علماء الاجتماع، وجميع التحليلات التي تعتني بالنفسانية السيكولوجية.. هناك سيكولوجية العقيدة، سيكولوجية الإيمان، ها مثلا أستشهد بهذا الفصل الذي يبحث فيه عن المجتمع المؤمن مصدر السلطة هذه عبارة فيها نقاش كبير، لأن التساؤل عن المجتمع مفهوم المجتمع المؤمن، ماذا يمكننا أن نفهم من هذا المصطلح؟ لأنه مصطلح المجتمع المؤمن، وهذا المصطلح لم يرد في كتب القدماء، القدماء كانوا يتكلمون عن الإيمان، لا يتكلمون عن مجتمع مؤمن، لأن المجتمع المؤمن يُقارَب برؤية سياسية، ويأتي بسياسة، وإذن يستوظف الإيمان الذي يؤمن به المجتمع ككل يستوظفه للسياسة، وهذا يطرح.. يطرح مشكلة كبيرة من حيث علم الكلام من جهة والفكر السياسة من جهة أخرى.

خالد الحروب: إذا.. إذا انتقلنا حتى.. إذا.

محمد أركون: ودائماً في كل أكاد أقول في كل كلمة يستعملها، وفي كل مفهوم يقدمه، هناك مشاكل عديدة لم يعطيها من الأهمية للتحليل وللتدقيق في استعمال وفي بناء المصطلحات التدقيق..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذا انتقلنا إلى.. إلى لأنه أيضاً محاور كثيرة بروفيسور أركون..

محمد أركون: طبعاً كثيراً جداً.

خالد الحروب: أي نعم، اللي هي مفهوم الحرية..

راشد الغنوشي: أريد أن ألاحظ أنا أنه يعني علاقة..

خالد الحروب: لكن بإيجاز والله شيخ راشد لو تكرمت.

راشد الغنوشي: يعني أنه القول بأن هذا توظيف سياسي للدين، يعني هذه مقولة يعني وراءها خلفية الفصل بين الدين والسياسة يعني وهذا موضوع نقاش يعني هذا.. هذا موضوع نقاش يعني..

محمد أركون: يعني كيف إنه.. كيف إنه؟

راشد الغنوشي: أن.. أن.. أن من يتفاعل مع قضايا المال أو مع قضايا السياسة، ومع قضايا المجتمع من.. من منطلقات دينية هو يوظف ذلك، هو لا يوظِّف ذلك، بل هذا هو الوضع الطبيعي إذا كانت شخصية الإنسان شخصية واحدة، المفروض أن تكون حياته الدينية ليست مفصولة عن حياته المالية، ليست مفصولة عن حياته الجنسية، ليست.. لأن الإنسان شخصية واحدة، وهذا هو مشكل في الغرب مشكل يعني، الانفصال بين.. بين معتقدات الإنسان الدينية وممارساته يوم الأحد وممارساته بقية الأسبوع في المجال الاقتصادي أو في المجال العسكري اليوم الأميركي لما يرتب خطه هذا الجندي الأميركي، هل نزعته الدينية تؤثر في سلوكه مع العراقي أو تؤثر في سلوكه.

معالجة الكتاب لموضوع الحرية والمساواة

خالد الحروب: ننتقل إلى.. إلى محور فكرة الحرية إنه الحرية يتحدث الفصل الرابع وفيه أكثر من فصل طبعاً على منزع الحرية إنه هذا هو البوصلة والأصل سواء في الاجتماع الإنساني في العلاقة مع الإله ثم في العلاقة مع الناس إلى غير ذلك، من ضمن الموضوعات الفرعية التي ممكن الإنسان يقتبسها أو ضمن النص الصعب مثلاً هذا بيتحدث عن حرية الأحزاب، هو يقول إنه الأحزاب يجب أن تتأسس من دون حتى أيضاً إذن قانوني من الدولة أو من الحكومة عندها حريات لهذا، يتحدث أيضاً عن حرية الممارسة و.. والعبادة لأيٍّ كان، وأيضاً فكرة مهمة جداً أريد تعليق الأستاذ راشد عليها يقول أنه: وحرية الأهلية للإمامة إن شئت، أنه المرأة عندها أهلية الإمامة وأن تكون على رأس الدولة أسوة بالرجل لا خلاف على ذلك وهذا هذه.. هذه النقطة مهمة جداً و.. وربما تثير عليه أيضاً.. ما رأيك في هذا..؟

راشد الغنوشي: هذا موضوع قيمة المساواة قيمة أساسية في الكتاب، يعني يؤسس الكتاب نفسه على موضوعة الحرية، المساواة، الإجماع، الشورى أن المجتمع أصل الدولة، هذه مقولات أساسية ومن ذلك موضوعة الحرية والمساواة، وهذه تبدأ يؤصلها فيها علاقة الإنسان بالله، فالإنسان يؤمن اختياراً وليس اضطراراً، ومبدأ لا إكراه في الدين مبدأ أصلي ولذلك الترابي يؤسِّس على ذلك حرية.. يعني حرية الدخول للدين وحرية الخروج منه، وهذا أيضاً يعني...

محمد أركون: عنده.. عنده..

خالد الحروب: أي نعم، هو يقول إنه أيضاً هذه الملاحظة حتى المشاهدين يتابعونا إنه المرتد حتى.. المرتد لا يقام عليه الحد هو هذا تدخل ضمن حرية الاعتقاد.

راشد الغنوشي: لا يقام عليه الحد.. نعم.. نعم.

محمد أركون: هذا عنده مواقف شبيهة ولكن غير مؤسسة على ثقافة التي تمكِّن..

راشد الغنوشي: لأ هو.. هو أسسه على ثقافة قرآنية وثقافة حديثة بحيث هو في تفسيره أنه موضوع الردة هو موضوع تاريخي اقتضته ظروف خاصة وليس يعني ليس عليه دليل يقيني من الكتاب أو من السنة إلا بعض أحاديث في السنة أعطاها تأويلات أيضاً.

خالد الحروب[مقاطعاً]: طب أستاذ راشد بشكل مباشر وتحديد ما رأيك كيف سيكون واقع دعوته إلى اعتبار المرأة على.. على قدم المساواة في الحكم؟

راشد الغنوشي: إذ أنا ما قلت، يعني زي ما الدخول للإسلام.. كما أن الدخول للإسلام حر، كذلك الخروج منه، وهذا عقد بين الإنسان وبين ربه، فمن باب أولى العقود الأخرى، أنه.. أنه الإنسان يوقعها بحرية وأيضاً يخرج منها بحرية عقد الزواج، فالإنسان، ولذلك يؤسس حرية الطلاق رغم اللي هو مضرور في الطلاق ولكن يعني زي ما هذا العقد يقيمه الإنسان بحريته يستطيع أن يخرج منه، عقد الشراكة، كذلك يعني عقد الدولة يعني يمضي بعيداً إلى أنه حتى الانشقاق في مستوى أي.. في مستوى دولة يعني رغم إن هو ليس محبباً، ولكن على كل حال إذا مجموعة أصرت على أن تنشق، لأن العلاقة بالدولة هي علاقة حرة، إذن موضوع المساواة بين الرجال والنساء في قضية السلطة هي مؤسسة على موضوعة الحرية وموضوعة المساواة و.. أيضاً حتى يعني الترابي أبطل جملة الشروط تقريباً التي اشترطها الفقهاء في الإمام أو في الخليفة، اشترطوا عليه العلم الذي يوصل إلى الاجتهاد، الترابي يؤكد على العلم بـ.. يعني على..

خالد الحروب: والنسب القرشي وغير ذلك، نسأل.. نسأل رأي الدكتور..

راشد الغنوشي: على العلم.. على العلم.. العلم بالواقع أهم أن يعني لا شك أن تكون له ثقافة دينية، ولكن المهم أن يكون له علم بالسياسة، علم بالواقع، بأحوال الناس، و.. وأبطل شرط الذكورة، لأن الناس متساوين رجالاً ونساءً، وفسَّر الحديث الوارد في هذا يعني "ما أفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعني لم يكن يفسر...

خالد الحروب: يشرع.

راشد الغنوشي: يشرع أن الفرس كان أمرهم سيستقيم لو ولَّوا على أنفسهم.. على أمرهم رجلاً.

خالد الحروب: نسأل البروفيسور أركون يعني في هذه الإلماحات التي في.. متحدية للمقولات التقليدية السائدة بالفكر الإسلامي، ولاية المرأة، السماح للأحزاب غير الإسلامية، مع أنه لم تكن واضحة تماماً الحقيقة بمكان إنها..

راشد الغنوشي: لا.. لا.. واضحة جداً الأحزاب غير الإسلامية، يعني لا قيد على.. لا قيد على تكوين الأحزاب في الكتاب شيء واضح.

خالد الحروب: يعني زي الحزب الشيوعي، أي نعم هو يعني التلميحات يعني قريبة جداً من الصراحة، ما رأيك؟

محمد أركون: رأيي أن حسن يقف مواقف جريئة جداً بالنسبة إلى ما نشاهده فيما يتعلق بمستوى التفكير الإسلامي في هذه القضايا، ولكن لم يقدم الأسس الثقافية، الثقافية للتعرف على جميع وسائل الاجتهاد حتى نرجع إلى الأصول، القرآن والحديث وجميع الأصول، ولكن لا.. ولكن لا يناقش..

خالد الحروب [مقاطعاً]: الحقيقة إذا لو كنت فهمت خطأ، يعني الكتاب.. الكتاب.. إذا سمحت، الكتاب كُتب في السجن، ولذلك لم تكن عنده مصادر متاحة، ليس هناك هوامش في الكتاب، الهامش الوحيد.. المرجع الوحيد هو الآيات القرآنية التي يحفظها.

محمد أركون: ولكن عندما يقول هذه الكلمة مثلاً ويقرأها المسلمون لا يمكنهم أن يربطوا بين هذا الموقف الجريء والتأسيس له..

راشد الغنوشي: هو قدم تفسيره.

خالد الحروب: ملاحظتي إذا سمحت، دكتور أركون يعني أنا قصدي إنه التأسيس له، التأصيل يمكن يكون أساساً فائق عن اللزوم يعني، هناك هناك استشهادات بنصوص قرآنية أحياناً يعني زائدة في غير محلها، فهو مؤصل لما يقدم التأصيل..

محمد أركون: نعم، ولكن النصوص القرآنية نرى كيف تُقرأ اليوم في مجتمعاتنا، تقرأ على أساس جهل، جهل للفكر الإسلامي، جهل للوسائل الفكرية التي اعتمد عليها الفكر التأصيلي في الإسلام، وهذا الجهل نشاهده حتى في الجامعات.

راشد الغنوشي: على كل حال الترابي هو عالم في الأصول، يعني لا نغفل.. لا نغفل عن أن الترابي مفكر أصولي.

محمد أركون: أنا.. أنا.. أنا ألح.. أنا ألح على الضروري الفكري.

راشد الغنوشي: الترابي مفكر أصولي ليس مجرد يعني.. يعني مفكر في جزء.. جزئي من جزئيات الفكر الإسلامي وإنما هو مفكر أصولي وله كتاب في الأصول

محمد أركون: أنا أعرف أنه...

راشد الغنوشي: وبالتالي هذه الاجتهادات يؤسسها على فكر أصولي وليس مجرد يعني اختيارات هامشية.

محمد أركون: أعرف.. أعرف ذلك، ولكن هذا الكتاب يُقدم للجماهير كما قلنا، يجب أن يوضح للجماهير على أي أسس تأصيلية يمكن أن يبني هذه.. هذه المواقف الجريئة التي..

راشد الغنوشي: والله.. أَوْضَح.. أوضح.. أوضح.

خالد الحروب: وبالنسبة للجماهير.. للجمهور المشكلة.. المشكلة ليست في التأصيل فيما يتعلق بالكتاب يعني على ما أعتقد، المشكلة إن النص معقد بالنسبة للجمهور لعامة المسلمين، لعامة القراء النص يعني قد يكون شوية..

راشد الغنوشي: يعني مثل هذه النصوص ليست موجهة رغم اللي ذكر في الكتاب، ليست موجهة لعامة الناس مثل كتب الدكتور أركون أيضاً ليست موجهة لعامة الناس، فهذا مستوى من الفكر الفلسفي والفكر السياسي والفكر النقدي العلمي موجهة لطبقة خاصة من الناس لو تنورت هذه لأشعت على الناس جميعا.

الابتعاد عن استخدام المصطلحات المعاصرة في الكتاب

خالد الحروب: إذا.. إذا سألتك.. أستاذ راشد إذا سألتك سؤال في.. كما لاحظت بالتأكيد لاحظت فيه.. في الكتاب بشكل عام هناك محاولة واضحة جداً الابتعاد عن استخدام المصطلح المعاصر سواء كان أصله غربي أو غير غربي، مثلاً لا يقول رئاسة الجمهورية، يقول السلطان، لا يقول مثلاً الأحكام الدستورية، يقول الأحكام السلطانية، لا يقول الحكومة يقول الإمارة، حتى أيضاً يقول: ولاية الشؤون الداخلية عندما يتحدث عن.. بدل ما يقول وزارة الداخلية، هل نحن -سؤالي بشكل عام- هل نحن بحاجة إلى تثوير المصطلح أو إعادة اللغة القديمة كأننا نقرأ في الماوردي الأحكام السلطانية أو الطبري، أو.. أو بكل بساطة نبسِّط الأمور ونتعامل بما يتعامل به الناس؟

راشد الغنوشي: أن هذا ليس.. هذه المصطلحات ليست موجودة عند الماوردي أيضاً ولا عند غيره.

خالد الحروب: الإمارة والنظم السلطانية.

راشد الغنوشي: لأ، كثير من هذه المصطلحات يعني التعبير عن الدولة بمعنى السلطان أظن بأن الترابي يريد أن يؤسس -أو كأني به ذلك- أن يؤسس قاموساً سياسياً إسلامياً يعتبر أن وذكر هذا أن يقول أهم القضايا اليوم أم القضايا يقول اليوم في صفحة 18، يقول "أم القضايا اليوم هي إقامة الدين السياسي أو نقاؤه" يعني فهو يحمل رسالة إقامة الدين السياسي باعتبارها اليوم يعتبر إنها مشكلة تعيشها البشرية في الحقيقة ويعيشها المسلمون نتيجة انعكاسات الأوضاع الدولية والفكرية الغربية عليهم، هذا الانفصال اللي سماه سيد قطب -رحمه الله- انفصال (النكد) بين حياة المسلم وبين.. بين حياته الفردية وحياته الجماعية، بين حياته الروحية وحياته اليومية، ولذلك هو يؤسس إذن لفكر سياسي يعتبر إنه هذه أم القضايا، وبالتالي فهو ينحت مصطلحات بعضها يأخذها من القرآن، بعضها يأخذها من الفكر الحديث، من الفكر القديم، ولكن يستخدم مثلاً مفهوم الحريات والديمقراطية، يعني..

خالد الحروب: يعني أستاذ راشد لما يستخدم مصطلح الركاز والصناعة، يعني من يستخدم مصطلح الركاز والصناعة؟

راشد الغنوشي: هذا للفقهاء، كلام.. كلام موجه للفقهاء.

خالد الحروب: يعني إذا إحنا كنا مهتمين ومثقفين وبنحب نتابع هذه الكتب ثم نصطدم بمصطلح الركاز والصناعة، فلنقل وزارة الصناعة ولينتهي الموضوع، ما رأي البروفيسور أركون في مسألة المصطلح، لأنه أحياناً في كثير..

محمد أركون: لا هذا المصطلح أنا..

خالد الحروب: كثير من الإسلاميين وغير الإسلاميين يركزون على أن الانفكاك من العلاقة مع الغرب سواء منظومة سياسية أو فكرية يجب أيضاً أن تكون بالمصطلح، حتى بالمصطلح هناك نوع من.. من.. من ضرورة التمايز.

محمد أركون: نعم، لا يحق لكاتب وكاتب مفكر أن يستعمل اصطلاحاً واحداً دون أن يمعن النظر في تاريخ استعمال هذا المصطلح، أولاً، لذلك أكرر أن أساس أي تفكير سياسي يجب أن يكون على التاريخ المحقِّق لكل اصطلاح يستعمل، هذا الكتاب نجد فيه كما ذكرت أمثال كثيرة، مصطلحات عديدة، مرة تحيله إلى المعجم القرآني، مرة إلى معجم الفقهاء، مرة إلى المعجم الغربي دون أن يحقق بأي معنى ينتمي إلى الغرب يعني اختلاط كبير.. اختلاط كبير..

خالد الحروب: اسمح لي يعني باقي معنا دقائق عدة دقائق فقط.

محمد أركون: فوضى.. هذه فوضى مفهومية.

علاقة الدولة المسلمة بالمسلمين في خارج حدودها

خالد الحروب: أي نعم، أريد أن انتقل إلى.. إلى.. إلى مسألة مهمة جداً نختم فيها، اللي هي مسألة الدولة الوطنية والأمة الإسلامية، في الفصل الثالث عشر بيتحدث عنها إنه هل الدول الوطنية المشكَّلة حديثاً هل هي أجزاء من دولة من الأمة الإسلامية المأمول توحدها إلى غير ذلك، وفيه أفكار عديدة جداً من الأفكار المثيرة والتي قولها في الصفحة 479 يقول: أنه إذا طلب المسلمون المقيمون في بلد غير إسلامي النصرة من الدولة المسلمة فعليها أن تناصرهم، الآن في سياق العلاقات الدولية المعاصرة هذا بيعمل إشكالية حقيقة، افرض إنه المسلمين في الصين مثلاً أو في الهند طلبوا مناصرة إيران أو.. أو مصر، في ظل سيادات الدول، في ظل نظام.. نظام الدولة الأم اللي مسيطرة الآن هذا بيعمل إشكالية، كيف نحل هذه الإشكالية؟ ما الذي يقصده الأستاذ الترابي أستاذ راشد؟

راشد الغنوشي: في الحقيقة الدكتور الترابي لا يمكنه أن.. إلا أن يلتزم بالنص الوارد هنا يعني اللي هو مناصرة المسلم للمسلم، ولكن ضمن المواثيق، ضمن مواثيق الدولة (إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) وبالتالي فإذا استنصر المسلمون في الصين، استنصروا بدولة إسلامية فعليها النصر بحسب ما تتيح لها مواثيقها مع تلك الدولة، بحسب مصلحة هذه الدولة، والدكتور الترابي في هذا الشأن يعني أريد أن ألاحظ بأنه يعني ينطلق من الأمر الواقع إنه هذه الدولة القطرية، هذه الدولة الوطنية، ولكنه يدعو إلى تجاوزها ويؤسس ذلك أيضاً على قيمة الحرية، أنه ليس عن طريق يعني الضم بالقوة الذي ولَّد كوارث في عصرنا، وإنما عن طريق إتاحة حرية التنقل بين الناس..

خالد الحروب: الاختيار.. الاختيار الحر.

راشد الغنوشي: والاختيار الحر وتسهيل قوانين الجنسية.

خالد الحروب: أستاذ.. أستاذ أركون، يعني باختصار يعني حول هذه الملاحظة.. ملاحظة علاقة الدولة المسلمة بالمسلمين في خارج حدودها.

محمد أركون: لا يمكننا أن.. أن نفكر على.. في هذا الإطار، أنا لا يمكنني أن أفكر في هذا الإطار، عندما أتفاوض مع.. مع الغربيين على قانون دولي مثلاً يجب أن.. أن نغض النظر عن العقيدة الدينية، هنا نلتمس ضرورة.. ضرورة مش الفصل الجذري، ولكن التمييز بين ما يخصني كشخص مؤمن بالله على إيمان إسلامي وكذا وكذا، وتفاوض.. والتفاوضات التي تجري كل يوم، ونحن نرى كيف أن.. نحن ملزمون إلى ذلك، يجب أن نستعمل لغة واحدة وموحَّدة وهي اللغة التشريعية على المستوى الدولي دون أن نُدخل الإيمان.

خالد الحروب: وبهذا اسمح لي.

راشد الغنوشي: هو.. هو فكرة الكتاب قائمة في الحقيقة على اعتبار أنه..

خالد الحروب: اسمح لي أن أشكرك أستاذ راشد لأنه الحقيقة يعني انتهى معنا الوقت فيعني شكراً لكم، وشكراً لكم أيضاً أعزائي المشاهدين على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب "الحكم والسياسة.. النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع" للمفكر الإسلامي السوداني حسن الترابي، وشكراً مرة أخرى لضيفينا الأستاذ راشد الغنوشي (المفكر التونسي، ورئيس حركة النهضة) والبروفيسور محمد أركون (المفكر الإسلامي الجزائري المقيم في فرنسا)، وعلى أمل أن نلقاكم مع جليس جديد الأسبوع المقبل، هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة