ثورة الفاتح كما يراها مصطفى بن حليم ح6   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)
مقدم الحلقة أحمد منصـور
ضيف الحلقة - مصطفى أحمد بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق
تاريخ الحلقة 02/09/2000






مصطفى بن حليم
أحمد منصور

أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد مصطفى أحمد بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) مرحبًا سيد بن حليم.

مصطفى بن حليم:

مرحبًا.

أحمد منصور:

توقفنا في الحلقة الماضية عند توقيع الاتفاقية مع الأمريكيين، وبداية وصول الأموال الأمريكية إلى حكومتكم، وكذلك الأموال البريطانية، وبدأتم مشروع تأسيس البنك المركزي الليبي من خلال التمويل الأمريكي، ما هي قصة البنك المركزي الليبي؟

مصطفى بن حليم:

البنك المركزي الليبي أسس فيسنة.. أول عهدي.

أحمد منصور:

1954م.

مصطفى بن حليم:

أيوه،ما كان في ليبيا هو الآتي: كان بنك باركليز وبنك الدولة.

أحمد منصور:

كانت العملة أيه؟

مصطفى بن حليم:

العملة كانت الجنيه الليبي، وكانت هناك لجنة اسمها لجنة العملة، لجنة بريطانية واضعين فيها اثنين ليبيين: محمود المنتصر-الله يرحمه-وعبد الرازق شلوف حتى يمضوا على العملة، وطبعًا لا علاقة للحكومة الليبية بالإصدار ولا بالعملة، فجئنا نحن وقلنا: لا، لابد أن يكون لنا نحن بنك مركزي، اعترض البريطانيون على ذلك.

أحمد منصور:

بسبب؟

مصطفى بن حليم:

بسبب قولهم إن الإعانة التي يدفعونها لنا، أو هي الإيجار، هم يسمونها إعانة، تستمر طالما الترتيبات المالية الموجودة الآن تستمر، كانت وجهة نظرنا أننا لم نبدل الترتيبات المالية، نحن باقون في منطقة الإسترليني لم نخرج منها، وبدل أن نصدر العملة من لجنة بريطانية نريد أن نصدرها من بنك مركزي، وحتى ممكن أن نسيطر على التضخم، حتى ممكن أن نوازن حاجات كثيرة جدًّا، ثم ليس من المعقول أن يستمر بنك باركليز هو بنك الدولة، صارت عدة (ملاطم) ثم أنا ناديت كان عندي (جون بايك).

أحمد منصور:

من جون بايك؟

مصطفى بن حليم:

جون بايك ذكرت أنني قابلته أو تعرفت عليه عندما ذهبت إلى بريطانيا أول

مرة، وكنت أستعمله.

أحمد منصور:

كمستشار.

مصطفى بن حليم:

ليس كمستشار، ولكن أطلب منه آراء في بعض الأحيان،وسأحكي لكم بعض الأمور، المستشار الذي يأتي ليشير عليك، لكن أنت عندما يكون موظفًا عندك تطلب منه، ما رأيك في كذا وكذا؟ اكتبه لي وتأخذه أو تتركه أنت حر.

أحمد منصور:

هذه أيضًا وظيفة المستشار، يعني ليس المستشار هو من يشير بدون طلب.

مصطفى بن حليم:

على أي حال هو كان في هذا الوضع، فأرسلته إلى (أنطوني إيدل) الذي كان وزير الخارجية وقتها، قلت له: انظر يا جون أنا سائر في هذا البنك سواء وافق البريطانيون أو لا، ربما أحسن لنا ولهم أن نعمله بمساعدات منهم.

أحمد منصور:

كان هدفك أيه من إنشاء بنك مركزي؟

مصطفى بن حليم:

هدفي أن يكون للدولة بعض مقوماتها.

أحمد منصور:

يعني شكل من أشكال الاستقلال والمقومات؟

مصطفى بن حليم:

تصدر العملة، يعني تأثيره في الاقتصاد حاجة من أهم ما يمكن، كانت هناك

مؤسسات، أنشأنا مؤسسات.

أحمد منصور:

ما معنى أيضًا أن ينشئه لك البريطانيون أو تنشئه بأموال أمريكية.

مصطفى بن حليم:

لم ينشئه لي البريطانيون.

أحمد منصور:

أنت طلبت منهم ذلك؟

مصطفى بن حليم:

أنا ما طلبت منهم أن ينشئوه لي، طلبت منهم أن يعطوني خبير، فالبريطانيين أعطوني خبيرًا، والمصريين أعطوني خبيرًا، لا أعرف كم دولة أخرى طلبنا منهم خبراء؟ لكن عملنا نحن ما نريد، وأنشأنا البنك، وجئت لوزير المالية الدكتور علي نور الدين العنيزي-يرحمه الله- وكان من أكفأ الناس، ومن أخلص الناس، ونزيه إلى درجة شديدة، وعينته محافظًا للبنك، وعلى يد الدكتور العنيزي والخبراء الذين كانوا تدربوا كل كبار الموظفين اللي الآن في البنوك الليبية وغيرها.

والواقع هناك قصة جانبية لكن عزيزة على نفسي، أعطوني رقم واحد في الحساب، ما كانوا يستطيعون أن يعطوني هدية طبعًا، أعطوني الحساب رقم واحد، حولت فيه كل ما يأتيني من الدولة، وخصصته لمساعدة طلبة فلسطينيين -خمسة عشر طالبًا فلسطينيًّا- بالتفاهم مع السيد (بوصير) اللي كان في الخارج، مع الأسف عندما زج مع النظام الحالي أوقف هذا، على أي حال.

أحمد منصور:

ماذا أوقفوا؟ وضح لنا الأمور.

مصطفى بن حليم:

أوقفوا هذه الإعانة التي كنت أدفعها لخمسة عشر طالبًا وأنا كنت في الخارج، وليس عندي شيء أستمر به.

أحمد منصور:

يعني أنت عندما فتحت الحساب كان ما يأتي من معاشك.

مصطفى بن حليم:

يُحوَّل، يعني كان يأتي إليه دخل وعليه التزام للطلبة هذول، لكن أنشأننا كذلك البنك الزراعي، والبنك الزراعي لا يقل أهمية عن البنك المركزي.

أحمد منصور:

لكن أعتقد أن دوره كان أكثر سلاسة من العقبات التي واجهتكم في إنشاء البنك المركزي؟

مصطفى بن حليم:

لا، البنك الزراعي لم تكن فيه عقبات، وكان دوره أن يسلف يقرض المزارعين ويساعدهم.

أحمد منصور:

الآن آجي لمحور هام جدًّا وهو محور الفرنسيين، أنت رحبت بالأمريكيين وعقدت معهم اتفاقية، ولم يكن لديك مانع من وجود البريطانيين، وكان أيضًا هناك معهم اتفاقية، وكان لك رفض تام للوجود الفرنسي، واستعنت بإيزنهاور من أجل طرد الفرنسيين من ليبيا، لماذا هذا الموقف من الفرنسيين؟

مصطفى بن حليم:

أخ أحمد هذا نفس السؤال اللي وجهه لي (بييرمان ديس فرانس).

أحمد منصور:

رئيس وزراء فرنسا.

مصطفى بن حليم:

رئيس وزراء فرنسا، على أي حال دعني أقول لك كيف، أنا استعنت بإيزنهاور، وجئت من واشنطن إلى باريس، كانت مقابلة عاصفة.. ما فيه داعي أن أتوسع فيها سيئة بدرجة أنهم كانوا في تقاريرهم السرية يقولون: نحن قدمنا له أقل مقدار ممكن من المجاملات الدبلوماسية.

أحمد منصور:

الفرنسيين؟

مصطفى بن حليم:

الفرنسيين.

أحمد منصور:

أعتقد أنك تعرضت لها في كتابك وذكرت حتى أنكم كنتم تستخدمون سيارات الأجرة في الانتقال.

مصطفى بن حليم:

فعلى أي حال جئنا إلى طرابلس، وأرسلنا جوابًا إلى السفارة الفرنسية أن تجديد الاتفاقية هذه لن يجدد بعد آخر السنة.

أحمد منصور:

أيضًا كانوا سيدفعون لكم أموالاً، وأنتم كنتم بحاجة إليها.

مصطفى بن حليم:

نحن لم نكن نريد لا أموال فرنسا ولا وجود فرنسا، ما كان بدي هذا، كنت أريد أن..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

يعني الدولار أحلى من الفرنك؟

مصطفى بن حليم:

لا..لا، الفرنك مسموم.

أحمد منصور:

والدولار؟ والجنيه الإسترليني؟

مصطفى بن حليم:

أنا أقول لك ليشا مسموم؟ فعلى أي حال صار أخذ ورد وعلاقات سيئة، وإذ بييرمان ديس فرانس يبعث لي رسالة يقول لي فيها: لا شك أنك تعلم موقفي من تونس، وهو في الواقع كان موقفه حسنًا جدًّا من تونس، ساعد في حل موضوع تونس، أنا أود أن أدعوك أو من ترى أن يحل محلك، يعني ينوب عنك لنتفاهم مباشرة، وتأكد أنك ستجد مني كل تفهم، أنا لم يكن في استطاعتي أن أقبل لأنه لم تكن عندي الأدوات التي..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

هذا بعد الزيارة الأولى؟ بعد عودتك من واشنطن إلى باريس؟

مصطفى بن حليم:

طبعًا، الكلام هذا في ديسمبر سنة (1954م) فأرسلت رسالة للأخ جمال قلت له يا جمال هناك دعوة كذا كذا، أنا أود أن ألبيها ما رأيك؟ وإذا كان رأيك يوافق رأيي فأنا أبغى منك اثنين من أحسن الخبراء في القانون الدولي.

أحمد منصور:

هذا في 31 ديسمبر 1954م.

مصطفى بن حليم:

أرسل لي اثنين، واحد منهم توفي، نسيت اسمه، والثاني السيد أحمد خيرت السعيد قيل لي من كم سنة أنه كان حيًّا يرزق، وكان عنده كتب،مكتب في القاهرة، هذا الذي تولى فيما بعد منصب نائب وزير الخارجية، جئنا في الأول لم تكن هناك طائرات مباشرة لباريس فطرنا إلى لندن، جاءني وزير الدولة للشئون الخارجية، كان (إيدن) خارج البلاد، فجاءني لورد لاأتذكر اسمه، وفي نوع ما يعني شوف هؤلاء حلفاؤنا، ولابد أن تتفاوضوا معهم، طبعًا كان موقف.. يعني تقريبًا قلنا له: حِل عنا، لا يوجد داعي، وإذا كنتم تريدون أن تعاملونا كحلفاء، أنتم تروحو تنصحوا فرنسا أن تحل عنا.

كان موقفًا سيئًا بيننا وبين.. الآن سأتذكر اسمه، وأكملت إلى باريس، لحقوا بي عن طريق السفير البريطاني في باريس الآن سأتذكر اسمه هو الآخر على أي حال جئنا إلى باريس استقبلونا، استقبلنا السفير الفرنسي في طرابلس ومعه موظف من الخارجية، وفي السيارة، واحنا ماكان عندنا سفارة في باريس، واستقبلني كذلك..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

أظن أنك أنت الذي افتتحتها بعد ذلك، أنت الذي افتتحت السفارة الليبية في باريس.

مصطفى بن حليم:

بعد ذلك بأربع سنوات، من الذي كان مستشارًا ثقافيًّا هناك من مجلس قيادة الثورة هو من جماعة الضباط الأحرار؟ الآن سأتذكر اسمه، ركبت معه أنا وزوجتي في سيارته.

أحمد منصور:

ثروت عكاشة.

مصطفى بن حليم:

ثروت عكاشة رحم الله والديك، وباقي الوفد ركبوا تاكسيات، ونزلنا في (جور سانج) أصريت على أن تبدأ المفاوضات يوم 31 ديسمبر على أساس أن الاتفاقية المؤقتة جددت في 31 ديسمبر، تبدأ الاتفاقيات الثانية بعد ذلك، فذهبنا إلى وزارة الخارجية أيضًا في سيارات تاكسي، وقابلت (بييرمان ديس فرانس) وكان عنده وزير الدولة للشؤون الخارجية اسمه مسيو (دي موتيه)..أيه السفير البريطاني كان السير (جلاد وينجيب) وكان يضغط علي.

أحمد منصور:

ماذا كان يريد بالضبط؟

مصطفى بن حليم:

كانوا يقولون لنا حاجة بسيطة جدًّا: نحن مسئولون عن الدفاع عن ليبيا، لكن نحن أوكلنا الدفاع عن جنوب ليبيا لفرنسا، فلذلك اتفقوا مع فرنسا.. انظر إلى المكر.

أحمد منصور [مقاطعًا]:

يعني توقعون على اتفاق معهم.

مصطفى بن حليم:

انظر إلى المكر والخبث إلى أي درجة، نحن قلنا لهم، أنا قلت لهم كلمة.. يعني أنتم اتفقتم من الباطن بدون الرجوع إلينا..

أحمد منصور:

أنت ما الأوراق التي كانت في يدك حتى تضغط بها على فرنسا حتى تقبل ذلك؟

مصطفى بن حليم:

أنا آتيك واحدة واحدة، فجئنا في اجتماع، واتفقنا على أن يعقد الاجتماع الثاني يوم 3 يناير، يوم 3 يناير الاجتماع الساعة العاشرة، الساعة التاسعة ونص ضرب التليفون، وكان إلى جانبي أحمد خيرت السعيد وبعض وزرائنا.. بعض أعضاء الوفد يقولون: إن مسيو بييرمان ديس فرانس مشغول اليوم صباحًا، ولذلك مسيو دي موتيه سيحل محله، أنا على طول قلت لوكيل الخارجية: قل لهم إن رئيس حكومتنا مشغول اليوم، وسيحل محله الدكتور علي نور الدين العنيزي، ونزلت تحديًا وبقلة حياء، نزلت أنا وزوجتي نعمل شوي لمشتروات في شارع الشانزليزيه، طبعًا فهموا الإشارة، ورجعت إلى الفندق وإذ بالدنيا مقلوبة، هناك اجتماع مساء الساعة 3 مع بييرمان ديس فرانس، أنا طبعًا باجتمع مع الخبراء المصريين، لم يكن عندي أحد، أخ أحمد عدد الخريجين الليبيين يوم الاستقلال كانوا أقل من عشرة، الناس ما هم فاهمينا.

أحمد منصور:

الخريجون الجامعيون؟

مصطفى بن حليم:

جامعيون، كانوا أقل من عشرة.

أحمد منصور:

عشرة؟!

مصطفى بن حليم:

أقل من عشرة.

أحمد منصور:

سنة 1951م؟

مصطفى بن حليم:

نعم، سنة 1951م على أي حال، ذهبنا، فهموها، فعملوا الاجتماع الساعة الثالثة، أرسلوا لنا سيارة، فقلنا لهم لا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

نحن لا نريد أن ندخل في التفاصيل الدقيقة.

مصطفى بن حليم:

التفاصيل تدلك على الجو كيف كان؟

أحمد منصور:

يعني الجو كان مكهرب، لم يكن طبيعيًّا.

مصطفى بن حليم:

كان مكهربًا، دخلت أنا في الاجتماع ووجدت اثني عشر واحدًا بما فيهم بييرمان ديس فرانس، ثلاثة منهم بدقون، أنا انزعجت، كيف أعرف أن أتحدث مع هؤلاء؟

أحمد منصور:

ذقون ماذا؟ يهود يعني؟

مصطفى بن حليم:

لا، لا.. خبراء.

أحمد منصور:

وماذا في الذقن؟!

مصطفى بن حليم:

لا، يعني خبراء، قلت أنا: أنت يا مصطفى بن حليم كيف تعرف تعوم مع هؤلاء؟ فالتزمت..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

لا، قل لي إيحاء ثلاثة بذقون ماذا؟ ما هو إيحاؤها؟ تقصد عجائز.. كبار؟

مصطفى بن حليم:

الخبراء الفرنسيون هؤلاء في شئون الشرق الأوسط، كل الذين عندهم ذقون هؤلاء كتبوا كتب ومؤلفات.

أحمد منصور:

نعم، يعني أنا حسبت أن الذقن تعطي ميزة، تخوف يعني.

مصطفى بن حليم:

أنا رجل مهندس وخبرتي قليلة، كيف أتفاوض مع الجماعة هذول؟ رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، جلست في منتهى التحفظ، مناقشة ما بين طرش، بعدين توقفنا لنأخذ فنجان قهوة، وأنا واقف مع الدكتور علي العنيزي من ناحيتنا، شوي بجيني بييرمان ديس فرانس، ويسألني نفس السؤال الذي سألته لي الآن، قال لي: يا فلان أنا أعرف أنك كنت متزنًا، وحصلت على معونة معقولة من أمريكا، وعملت معهم اتفاق معقول، كذلك أعرف أن ثقافتك فرنسية، طيب ليش أنت معترض علينا هذا الاعتراض الشديد؟ قلت له: انظر هناك شيئان:

أولاً: أعمالكم في شمال إفريقيا.

أحمد منصور:

تقصد الجزائر وتونس.

مصطفى بن حليم:

كان ذبح وقتل، كان شيئ فظيع، أنا أريد أن أرجعك للأجواء العربية في سنة 1954م و 1955م.

أحمد منصور:

يعني البريطانيون كانوا حنونين.

مصطفى بن حليم:

أعوذ بالله، كانوا جنة بالنسبة للفرنسيين، كان أكره شيء عند العرب الفرنسيين، هذه واحدة ثم يا فلان الأمريكان، والإنجليز عندهم قوات وعندهم تأجير لمدة وبعدين يطلعوا لكن أنتم عندكم مطامع فينا، قال لي: كيف مطامع؟ قلت له: نعم..

أحمد منصور:

هو عايز يؤجر هو كمان.

مصطفى بن حليم:

ماذا؟

أحمد منصور:

طالما البلد مفتوحة للإيجار فهو يريد أن يؤجر.

مصطفى بن حليم:

لا.. قلت له تعال، قال: ماذا؟ قلت له: انظر إلى الخريطة التي أقدمها لك (غدامس) قال: لا، هذه غلط، قلت له: على أي حال، انظر يا فلان دعني أقول لك قصة، وهذه القصة نكتة حلوة، قلت له: أنا أخشى الاجتماع هذا، ما أعرف أعوم فيه، أنا قصتي قصة بائع شيكولاتة، وهذه قصة مضبوطة، كان والدي عنده محل تجاري كبير في الإسكندرية، وكان هناك بائع شيكولاتة يبيع الحتة بقرش، والشلن كان فيه عشرة قروش صاغ، كنا نضحك عليه..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

الشلن خمسة قروش.

مصطفى بن حليم:

لا، خمسة قروش صاغ.

أحمد منصور:

عشرة قروش تعريفه يعني.

مصطفى بن حليم:

عشرة قروش تعريفه، كنا نقول له: لا، نحن نريد تسعة بشلن، يقول لك: لا، أديني قرش أديلك حتة، قلت له: ولذلك فالحاجة الوحيدة التي تجعلني أحكي معكم هو أنك تقولون إنك مستعدون أن تخرجوا من ليبيا بدون أية مطامع في أراضي ليبيا، إذا قلتم هذا نحكي في التفاصيل، ما رد عليَّ.

أحمد منصور:

نيته سيئة.

مصطفى بن حليم:

لا، نيته كانت طيبة، كان رجلاً ممتازًا، يهودي لكنه كان ممتاز.

أحمد منصور:

فيه يهودي ممتاز؟

مصطفى بن حليم:

والله كان ممتازًا، لدرجة أن بورقيبة كان صديقه جدًّا، وساعد بورقيبة، فذهب وقال بدون أن يشاور الآخرين، قال أن اتفقت مع رئيس حكومة ليبيا بأن نقول له: إننا مستعدون للجلاء عن ليبيا في المدة اللي نتفق عليها، لكن لابد لنا من بعض التسهيلات المؤقتة، لابد أن نتفق عليها، ابتدأنا نحكي.

أحمد منصور:

يعني بدأتم الآن تدخلون في تفاصيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار.

مصطفى بن حليم:

أي معاهدة مستعد أن أعملها لك، أي شيء، ثقافة..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

حسن الجوار -طبعًا- باعتبارهم محتلين للجزائر، ومحتلين لتشاد، ومحتلين للمغرب..

مصطفى بن حليم:

محتلين كل المنطقة، وكلها أرض فرنسية، ماذا نعمل.. يعني تحالف تحالف..

أحمد منصور:

يعني أنتم أقررتم هكذا باحتلال فرنسا لهذه البلاد.

مصطفى بن حليم:

لم نقر بشيء يا أخي، العالم أقر به..

أحمد منصور:

كونك تعقد اتفاق جوار مع فرنسا وهي ليست جارة، هو إقرار باحتلال فرنسا لدول الجوار.

مصطفى بن حليم:

بس في الواقع أنا كنت أهلك في فرنسا، أنا كنت أعطي سلاحًا للجزائريين حتى يهلكوا فرنسا.

أحمد منصور:

قصة سأدخل معك فيها بالتفصيل، الآن هذه الاتفاقية تضمن تنازلك عن بعض مناطق جنوب ليبيا وهي إقليم شريط (أوزو) الذي تبلغ مساحته أربعة عشر ألف كيلو متر لصالح تشاد.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي هذه قصة كذلك من القصص الطريفة، سنة (1935م) كانت فيه لحكومة يمينية في فرنسا، وكان (بيير لافال) اللي بعدين شنق بعد ذلك، وزير خارجيتها، وكان يبغي أن يستميل (موسوليني) فعقد معه اتفاقية لتعطي له وتعطي إيطاليا خط أوزو هذا بالكامل، وتعديلات في حدود جيبوتي، وتعديلات حتى على الثانية، والبرلمان الفرنسي وافق عليها والبرلمان الإيطالي تلكأ، ثم تطورت الأمور، صارت حرب الحبشة سنة 1936م وموسوليني نظر إلى فرنسا كأنها دولة معادية له، فبدأ يتراجع، ثم أوعز إلى البرلمان الإيطالي برفض الاتفاقية.

أحمد منصور:

قبل أن توقع.

مصطفى بن حليم:

قبل أن توقع، كويس.

أحمد منصور:

هل كانت هذه الاتفاقية في صالحكم أنتم؟ في صالح وضع ليبيا الجغرافي؟

مصطفى بن حليم:

طبعًا، كانت أوزو سترجع لنا، لكن ليست هذه هي النقطة الأساسية الخطيرة، وصارت حاجات كثيرة ذكرتها أنا في كتابي، خطب من موسوليني وكذا كذا، ووزير الخارجية نادى سفير فرنسا وقال له: هذه المعاهدة سقطت وكذا وبعد ذلك، وهذه نقطة كثير مهمة، هذه ترد على كل التساؤلات لما إيطاليا سلمت وعقدت معاهدة مع الحلفاء، الحلفاء جعلوا مادة تقول: إن كل المعاهدات بين أي حليف من الحلفاء وإيطاليا، أية اتفاقية سابقة لهذا التاريخ للدولة الحليفة أن تختار ما تشاء فتقرره، وما لا تقرره يسقط.

أحمد منصور:

يعني هنا إلغاء لكم كليبيين وأن هم الحلفاء عمالين يوزعون الأمور فيما بينهم.

مصطفى بن حليم:

سنة 1947م سقط الحق الإيطالي اللي ما كان ش في ليبيا، مائة في المائة خلاص، فرنسا قالت: إن هذه المعاهدة..لم تشر إليها فسقطت، طيب ماذا نستطيع أن نفعل؟ برغم هذا، ونحن نعرف كل شيء جاء وقت التعداد، وكان عندنا خبير مصري، رجل ممتاز (الشنواني) أوعزت لهم أن مساعدًا متصرف من (بنغازي) مع قوة من شرطة قوة دفاع (برقة) ومع الشنواني يروحو يعملوا تعدادًا لمنطقة أوزو، أول ما قابلهم الفرنسيين مسكوهم ورجعوهم.. وجاءنا احتاج، ليس احتاج إلينا، جاء احتجاج من فرنسا إلى هيئة الأمم المتحدة، كيف موظف كبير من هيئة الأمم المتحدة يتدخل في مسائل مثل هذه؟

أحمد منصور:

يعني هكذا فرنسا تعتبرها من ممتلكاتها.

مصطفى بن حليم:

طبعًا؛ لأنها أصبحت من ممتلكاتها، طيب نحن ماذا نفعل؟ نحن نريد أن نخرج الفرنسيين.

أحمد منصور:

نناضل من أجل الحصول على هذا الحق.

مصطفى بن حليم:

أناضل مع من؟ أناضل بماذا؟

أحمد منصور:

يعني هي الحكاية إن الإيطاليين والفرنسيين هم الذين يحددون لمن تكون البلد؟ وأهل البلد لا يملكون شيئًا؟!

مصطفى بن حليم:

يا سيدي هذا الواقع، قبل ما تقوم ليبيا، ليبيا كانت مستعمرة إيطالية، في نظر القانون الدولي استقلال ليبيا قام على حدود المعاهدات القائمة فعلاً، وهذه المعاهدة ساقطة.

أحمد منصور:

القائمة بين هذه الدول المحتلة كلها.

مصطفى بن حليم:

سمها ما تسمى، هذا هو الواقع.

أحمد منصور:

ما اسمها؟ هل لها اسم آخر يمكن أن نطلقه على هذه الدولة المحتلة؟

مصطفى بن حليم:

يا سيدي كانت هناك حرب ما بين فرنسا وإيطاليا.

أحمد منصور:

ونحن أصحاب الأرض، أصحاب الحق.

مصطفى بن حليم:

نحن أيامها لم نكن أصحاب شيء، القانون الدولي شيء وشعورنا شيء ثاني، في نظر القانون الدولي نحن كنا مستعمرة إيطالية لا أكثر ولا أقل.

أحمد منصور:

يعني إذن هذه القوانين أيضًا وضعت لخدمة المستعمر والمحتل، وانتهاك حقوق الشعوب الضعيفة.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي، مش هذي بس، كل الحدود في هذه المناطق كلها، كانت تسويات ما بين الدول الكبرى، هناك معاهدة ما بين فرنسا وما بين بريطانيا تطلق يدها في مصر، والثانية تطلق يدها في المغرب، اقرأ التاريخ، التاريخ من أسود ما يمكن، لكن تلك هي الدول التي كانت مسيطرة على الوضع.

أحمد منصور:

الرئيس (القذافي) اتهمك باعتبارك كنت رئيسًا للوزراء في ذلك الوقت، بأنك تواطأت مع الفرنسيين، وبعت لهم قطعة كبيرة من الأرض الليبية هي شريط أوزو، وأن هذا البيع تمَّ باتفاقية سرية، وأنت قبضت ثمن هذا عشرات الملايين من الدولارات التي تعيش في نعيمها الآن.

مصطفى بن حليم:

آه..لما يكون هناك نزاع حدودي بين (تشاد) و(ليبيا) وهناك نزاع على الحدود، إذا كانت هناك اتفاقية سرية ألا ترى أنه من المنطق أن تظهرها تشاد، وتقول: والله مصطفى بن حليم باع لنا هذا الشيء.

أحمد منصور:

لا، أصلها سرية، ستبقى سرية.

مصطفى بن حليم:

ويش قيمتها إذا لم تأت حتى ترد لهم الأرض؟

أحمد منصور:

ولكنك اتفقت مع الفرنسيين وليس مع التشاديين.

مصطفى بن حليم:

أي فرنسويين؟

أحمد منصور:

هذه الاتفاقية تمت مع الفرنسيين سنة 1955م.

مصطفى بن حليم:

يا سيدي، الاتفاقية مع فرنسا تمت في مراحل ذكرتها، وعرضت على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وصدر بها قانون، ولم يكن فيها شيء سري.

أحمد منصور:

يعني، يعتبر مجلس النواب الليبي أقر التنازل عن إقليم (أوزو)؟

مصطفى بن حليم:

ما تنازل عن شيء، وضعنا نحن الدستوري في نظر القانون الدولي، نحن ورثنا الحكومة الإيطالية في ليبيا، وحدودنا هي الحدود القائمة فعلاً يوم إعلان استقلالنا.

أحمد منصور:

لماذا لم تلجئوا إلى القانون الدولي، إلى محكمة العدل الدولية؟

مصطفى بن حليم:

كيف نلجأ؟ نلجأ لشيء متنازل عنه من قبل منا؟ أي حقوق لنا؟

أحمد منصور:

هل الاتفاقية التي وقعتموها مع الفرنسيين هي التي ساعدت بالفعل على خروجهم من ليبيا؟

مصطفى بن حليم:

نعم، هي التي أخرجتهم من ليبيا.

أحمد منصور:

في 30 نوفمبر 1956 كان تاريخ تمام الجلاء، في أول ديسمبر 1956م أنزل العلم الفرنسي من على قاعدة (سبها) انسحبت القوات، أصبحت فزان كلها تابعة لليبيا، للحكومة الاتحادية؟

مصطفى بن حليم:

بالضبط، بعدين أنا بدي لو تقرأ التقارير السرية الفرنسية ستجد فيها الشتائم والأوصاف واتهامي بأني رئيس عصابة (عصابة جمال عبد الناصر) هل الرجل الذي اتهم بهذه الاتهامات هذي عاقد اتفاقية سرية وقابض ملايين؟ يا جماعة أين العقل؟

أحمد منصور:

لكن أنا أريد أن أفهم وأن أعرف ما الذي أجبر فرنسا القوية على أن تفرض عليها حكومة ضعيفة لا تملك مقومات للقوة تفرض عليها هذه الاتفاقية وتخرج فرنسا في موعدها؟ هذا الذي دفعهم إلى اتهامك بأنك أخذت رشوة من الفرنسيين.

مصطفى بن حليم:

مش معقول عندما ينجح واحد في شيء تتهمه بأنه أخذ رشوة فيه، ليس معقولاً هذا الكلام، وإلا لم يعد أحد يعمل حاجة، يا سيدي كل ما كان عندهم أربعمائة من الفورليج....

أحمد منصور:

هذا بموافقة الأمريكان.

مصطفى بن حليم:

لا، مش بموافقة الأمريكا.

أحمد منصور:

الأمريكان، إيزنهاور قال لك: ليست هناك مشكلة أن يبقى هؤلاء.

مصطفى بن حليم:

ليس بموافقة الأمريكان، الأمريكان ساعدونا لأنهم رأوا أن أربعمائة ليس لهم دخل في الدفاع عن العالم الحر، وأنا عندما قال لي بييرمان ديس فرانس في المفاوضات: نحن ندافع عن العالم الحر،قلت له: أي عالم حر الذي تدافعون عنه بأربعمائة جندي؟!

ثم قال لي: أية دولة ثانية التي تدافعون عنها؟ قال لي: مدغشقر، قلت له: مدغشقر مستعمرة فرنسية، يا سيدي إذا كانت فيه معاهدة سرية يظهرونها أم ماذا؟

أحمد منصور:

ما هي مقومات القوة التي اعتمدت عليها في إجبار الفرنسيين على الخروج والالتزام بهذه الشروط؟

مصطفى بن حليم:

والله، استعمال كل صداقاتنا مع الأمريكان..

أحمد منصور:

الأمريكان ساعدوك؟

مصطفى بن حليم:

طبعًا.

أحمد منصور:

أيه الضغوط التي مارسوها على الفرنسيين؟

مصطفى بن حليم:

اقرأ هنا.

أحمد منصور:

أنا قرأت، وأريدك أن تقول للناس.

مصطفى بن حليم:

حاجات كثيرة جدًّا، قالوا لهم: موقفكم هذا غير معقول، لو ليبيا جاءت إلى هيئة الأمم المتحدة سنضطر أن نقف معها، فرأوا أنه..

وبعد ذلك حدث أخذ ورد، في وقت من الأوقات الحكومة الفرنسية تنكرت لاتفاقية بييرمان ديس فرانس، بعدين فيه حاجة في ذهن القذافي، دعني أقولها لك.

أحمد منصور:

ما هي؟

مصطفى بن حليم:

القذافي كان قديمًا عمل اتفاقية مع فرانسوا..

أحمد منصور:

ميتران؟

مصطفى بن حليم:

لا، فرانسوا الخاص بتشاد (فرانسوا بلاباي) واللا مش عارف أيش، واتفق معه على أن يكتب له رسالة يقول له: قطاع أوزو لكم، فاعتقد في ذهنه أن هناك اتفاقيات سرية، ومصطفى بن حليم وقع وحده فقط، لكن مع فرنسا، فرنسا اللي عندها خبراء في القانون الدولي كله، هل ممكن أن تعقد اتفاقية مع واحد لا يملك شيئًا يعطيه لها، أعطني عقلك، بالله عليك فكر..

أحمد منصور:

سيد بن حليم، هذه المرحلة لا كان عندكم قوات تضرب في الفرنسيين، ولم تكن عندكم حرب عصابات ضد الفرنسيين يخوفونهم، بالعكس كانت الجزائر أولى أن يخرج منها الفرنسيين، وخرجوا منها في وقت متأخر بعد ذلك، خرجوا من ليبيا بدون أن تكون هناك أية مقاومة ضدهم، بدون أن تكون هناك مقاومات، هل فقط بالضغط الأمريكي؟

مصطفى بن حليم:

الضغط الليبي كذلك، الضغط الليبي.. والتهديد بأننا سنذهب إلى هيئة الأمم المتحدة، فيه حاجات كثيرة جدًّا، ثم لا تقارن ما بين خروجهم من ليبيا (أربعمائة جندي) وخروجهم من الجزائر التي كانوا يعتبرونها جزءًا من فرنسا، هذه مقارنة غير عادلة لا أساس لها من الصحة، خروجهم من الجزائر دولة كانت تابعة لهم أم خروج أربعمائة.

أحمد منصور:

الحدود رسمت في عهدك أنت؟ الحدود بين ليبيا وتشاد والجزائر.

مصطفى بن حليم:

بدأت في الأول وبعدين استمرت بعد خروجي من الحكم.

أحمد منصور:

لكن لازلت أنت اللي تحمل مسئولية رسم هذه الحدود باعتبارك أنت الذي وقعت الاتفاق.

مصطفى بن حليم:

والله رئيس الحكومة مايرسم الحدود، هناك خبراء، وهناك كذا، ليس هذا شغل رئيس الحكومة، كانت هناك لجنة من حوالي اثني عشر شخصًا من خيرة الناس.

أحمد منصور:

في الأول من نوفمبر عام 1954م اندلعت الثورة الجزائرية، ولعبت دورًا كبيرًا مع عبد الناصر في دعم الثورة هناك، كيف بدأت علاقتك بالثورة الجزائرية؟

مصطفى بن حليم:

بدأت يوم أول نوفمبر سنة 1954م.

أحمد منصور:

يوم اندلاعها؟

مصطفى بن حليم:

ما كنت أعرف أنا اندلعت أم لا، كنت مع جمال عبد الناصر وقال لي: يا أخ مصطفى، نحن هنا أمام مشروع سري خطير، لكن أهميته العربية الإسلامية من أعلى ما يمكن.

أحمد منصور:

عبد الناصر استدعاك طبعًا؟

مصطفى بن حليم:

طبعًا، ما استدعاني، قال لي: إذا كان تقدر تمر عليَّ، ما كان بيننا استدعاء.

أحمد منصور:

طلبك للزيارة.

مصطفى بن حليم:

نعم، وهذا مشروع، ونحن كبلد عربي إسلامي علينا أن ننقل شعلة الحرية إلى البلاد العربية واحدة واحدة، الملك سعود والأمير فيصل يمولوا بكل كرم وبكل إغداق مشترى السلاح للثورة الجزائرية، ونحن: يعني جمال وجماعة المخابرات المنتشرون في أوروبا بيشترو السلاح.

أحمد منصور:

المخابرات المصرية؟

مصطفى بن حليم:

طبعًا.

أحمد منصور:

من أي مكان كانوا يشترونه؟

مصطفى بن حليم:

ما سألت،ونود أن نوصله للحدود الليبية وتتولى أنت والأخ أحمد بن بيلا، وعرفني بالأخ أحمد بن بيلا، تتولى نقله إلى الحدود الجزائرية، و تتخذوا كل الإجراءات اللازمة.

قلت له مبدئيًّا: ما فيه مانع برغم أن فيه مخاطر كبرى لكن لابد أن نفعله، طبعًا أنا كان بالنسبة لي شيء..من ناحية سررت بأني أعاون بلد عربي خصوصًا ضد فرنسا التي كنا نكرهها كراهة التحريم، أنا أكرر هذا الكلام، لأن فرنسا كانت مكروهة كراهة التحريم في أوائل الخمسينات، بس أمامي مشاكل كبرى، قلت له: فقط اتركني عدة أيام، جئت إلى (طبرق) وقبل أن أدخل عند الملك قابلت (بوصيري الشلحي) وكان بوصيري الشلحي في منتهى الوطنية وعروبته من أرقى ما يمكن، ونزيه نزاهة مطلقة، ولكنه مجنون، مجنون إذا أحب ومجنون إذا كره، وبعدين تطورت العلاقات بيننا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

سآتي إليها بالتفصيل عندما نتحدث عن استقالتك.

مصطفى بن حليم:

على أي حال قلت له: يا بوصيري، أنا الملك سأحكي له، ليست عندي مشكلة معه، وسيوافق لكن أنا أريد أن تحكي مع زوج أختك الذي هو الفريق محمود بوبطين، محمود بوبطين ضابط ليبي كبير، وكان من جماعة الجيش السنوسي اللي كنا نحكي عنه بدري، حتى لا يعترض، لأن هذا حريص على ألا يمر سلاح مصري بدون رقابته، أنا مستعد أن أجعل ترتيبًا الذي به في الحدود ليستلموه ضباط من قوة دفاع (برقة) إلى الحدود الطرابلسية.

أحمد منصور:

ماذا كان وضع هذا الضابط الذي يريد استئذانه؟

مصطفى بن حليم:

هذا الضابط ليبي مخلص للملك، ويخشى..يخشى من مصر..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

كان رئيس أركان، كان وزير دفاع؟

مصطفى بن حليم:

لا، كان قائد قوة دفاع برقة التي هي القوة الضاربة، دخلت عند الملك قلت له: يا مولانا كذا كذا، قال لي: طيب، لكن يا مصطفى دير بالك، طيب وبعد ذلك إذا اكتشف الفرنسيون؟قلت له: يا مولانا ولا حاجة، إذا اكتشفها الفرنسويين اطردني، وقال: أنا اكتشفت أنه يهرب سلاحًا للجزائر..وهذا يكون أكبر وسام تعطيه لي، ضحكنا، قلت له: اتركني أنا في ذهني حركة لابد أعملها، طبعًا أنا اطمأننت من ناحية برقة، ثاني يوم كلمني بوصيري، قال لي: مشت، طبعًا حدثت معركة بينه وبين زوج أخته، وبعد ذلك فرضها عليه.

رحت أنا إلى طرابلس كما ذكرت لك كان عندي زميل كنا في الدراسة مع بعضنا، هو كان في الأزهر وأنا كنت في كلية الهندسة (عبد الحميد بديرنه) من عائلة (الكرملي) اللي كانوا حاكمين ليبيا من قبل، وشاب وطني ممتاز نزيه، كان برتبة عقيد، أجبته عندي، قلت له: يا عبد الحميد هناك مسألة كذا كذا.. قال لي: طيب ماذا تريد مني؟ قلت له: أريد مجموعة من سبعة ضباط تختارهم، تكون فيهم الوطنية المطلقة والإخلاص التام، قال لي: و(جايلس)؟ كان رئيس شرطة طرابلس (بريجريد جايلس).

أحمد منصور:

بريطاني.

مصطفى بن حليم:

بريطاني، وكنت على وشك أن أنصح الوالي أن يعزله، لكن ساعتها قلت: لا، خليه، قلت له: أنا سأدبر أمره، قلت للوالي وكان صديق المنتصر ساعتها لم أرد أن أقول له السر، قلت له فقط: ابعث لي جايلس عندي كلام معه، جاءني جايلس، تعظيم سلام وكذا.

قلت له: بريجريد جايلس، فيه مؤامرة مصرية خطيرة، لا أستطيع أن أكلفك بها، ولكن هؤلاء ضباط تعتبرهم في إجازة لمدة ستة شهور، وسيراجعوني أنا شخصيًّا لأنه لو اكتشفنا المؤامرة المصرية لا يقال إن الإنجليز هم اللي فعلوها، قال لي: والله عندك حق، من فضلك ابعث لي هؤلاء، أنا ما باعرفهم، لكن (عبد الحميد بديرنه) عملت نفسي كأني لا أعرفهم، جاء عبد الحميد بدير ثاني يوم وجماعة آخرون، وابتدأت الحركة، بعثت لجمال وقلت له: O.K ماشي، أول شحنة جاءت في (فخر البحار) .

أحمد منصور:

دا أيه؟

مصطفى بن حليم:

يخت من يخوت الملك، وجاءت بيخت لكي نغطي دعوت (حسن إبراهيم) وقلنا: إنه قادم في فخر البحار، ودعوته إلى افتتاح البرلمان.

أحمد منصور:

حسن إبراهيم كان قائد الجناح..

مصطفى بن حليم:

والإنجليز انتقدوا كيف أنا مصطفى بن حليم يسمح لنفسه أن يدعو.. (وزاد في الطنبور نغمة) كراهيته لي زادت أكثر، وبعدما حدثت الاحتفالات وكذا طلع اليخت في ميناء صغير، نزلوه ضباطنا نحن، مع طبعًا..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

ما هي نوعية الأسلحة؟ هل هي أسلحة خفيفة؟

مصطفى بن حليم:

والله يا أخي ما كشفت على الصناديق، هناك مرة واحدة كشفت على الصناديق وأنا بجيب هالك، هو ابتدأ، ثم ابتدأت بالسيارات، وكنا متعاونين مع السفارة المصرية، السفارة المصرية أيامها جا رجل في منتهى الإخلاص ومنتهى الكفاءة.

أحمد منصور:

السفير أحمد الفقي.

مصطفى بن حليم:

أحمد حسن الفقي، ومتعاونون مع بعضنا، تأتي أسلحة فتخزن،وعليها رقابة وعليها كذا ثم تتنقل وماشي الحال، كل المساعدات التي عملناها للتوانسة بمجرد ما يمسكوا واحد منهم يقول كل شيء.

أحمد منصور:

التوانسة؟

مصطفى بن حليم:

لقد ساعدنا التوانسة كذلك في مجال ثاني، لكن الجزائريين لم ينطق واحد منهم بكلمة، ولم يعرفوا الفرنسيين بشيء، ومشي الحال، بعد فترة شعر الفرنسويين..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

إلى أين كنتم توصلون السلاح؟

مصطفى بن حليم:

كنا نوصله إلى الحدود.

أحمد منصور:

الليبية الجزائرية؟

مصطفى بن حليم:

الليبية الجزائرية.

أحمد منصور:

مناطق معينة متفق عليها؟

مصطفى بن حليم:

تعرف، وبعض الأحيان من تونس.

أحمد منصور:

هل كان بن بيلا موجودًا في طرابلس في ذلك الوقت؟

مصطفى بن حليم:

يتردد، لكن يتردد بصورة خفية خفية، ما كان مثل جماعة الفلسطينيين هؤلاء الذين كانوا يذهبون وكذا، لا.

أحمد منصور:

هل كان يأتيك، تقابله، يذهب إليك؟

مصطفى بن حليم:

كان يأتيني عن طريق مخابراتنا، وأنا أحكي لك قصة مضحكة أيضًا لا يزال كل مرة يقابلني يذكرني بها، طيب مشى الحال.

أحمد منصور:

احكها لنا، احك لنا هذه القصة طريفة مازال كل ما ناتقي يحكيها لنا.

مصطفى بن حليم:

كنت يومًا على موعد من أحمد وبعض مساعديه، وطبعًا قادم من ناحيتي أنا عبد الحميد بديرنه والضباط، وكان الموضوع اختيار مواقع أخرى، فطبعًا لابد أن يشاوروني، ويعطوني علم حتى إذا حدث شيء نستطيع أن نغطيهم، وأنا خارج وكنت وزير خارجية في نفس الوقت إذا بالسفارة الفرنسية تتصل برسالة مستعجلة من (إدغار فور) رئيس وزراء فرنسا، كوزير خارجية لا أستطيع أن أرفض استلام رسالة، حاولت أن يستلمها وكيل الخارجية، لكن قالوا: لا قالوا: هذي من رئيس الحكومة، مع نسياني الموعد، خليه اجيني في البيت الساعة الخامسة.

أحمد منصور:

وأنت أعطيت موعدًا لابن بيلا في نفس الوقت.

مصطفى بن حليم:

لا، موعدي مع بن بيلا الساعة الثانية والنصف، غداء وكذا، ورجعت الساعة الثانية والنصف ثلاثة إلا ربع، كان يوم خميس، وكان يوم الجمعة ليس هناك شيء، فبحثنا وكذا وطال الكلام، وكان عندنا صالونين في بيت رئيس الحكومة وهو فيلا، وكان عندي رئيس المباشرين من جماعة البربر، يتكلم الفرنسية، أسود، فجاءني، وقال لي في أذني: مسيو دي مرسيه أدخلته في الصالون، قلت له: أحمد، يا جماعة استمروا في كلامكم، ورحتأنا إلى السفير الفرنسي، قلت له: أهلاً وكذا كذا.. قال لي: والله هناك رسالة، وشرح لي الرسالة بأن هناك واحد طريد العدالة الفرنسية اسمه أحمد بن بيلا.

أحمد منصور:

يجلس في الصالون الآخر.

مصطفى بن حليم:

يجلس في الصالون الآخر، ونبغى يعني نود من الحكومة الليبية أن تساعدنا في القبض عليه، قلت له: طيب، بكل سرور.

أحمد منصور:

ماذا كان انطباعك؟ ماذا كان شعورك بهذا الأمر؟

مصطفى بن حليم:

أنا ماسك أعصابي على الآخر، خائف أن أضحك، مصيبة كبرى قدامي، أخاف أن أضحك فيفضح الموضوع، وأنا آتيك في الكلام، وحتى أطول الكلام قلت له: يا أخي، فقط جيبو لنا صورة مواجهة وصورة بروفيل وكذا مع أوصافه، وأنا أبعثها لجايلس، وأبعثها لمحمود بوبطين، أما تجيني برسالة من مسيو (إدجار فور) ونقول لي: اقبضوا على أحمد بن بيلا، من هو أحمد بن يبلا؟ جاء عيسى البرشوشي رئيس المباشرين، نظر إلي هكذا، فنظرت إليه بنظرة قاتلة، وأحضر لنا القهوة وخرج، أنا خرجت، وودعت السفير.. أحمد بقول لي: ماذا؟ قلت له بلهجة ليبية: يا كاظي، كاظي كلمة دارجة فيها إهانة بسيطة.. يعني يا (هنوتي) أو شيء مثل هذا، هذا قادم يريد أن يطلبك، فقلت له فقط أحضر كذا.. ضحكنا عليها، كل مرة يقابلني فيها أحمد يقول لي: فاكر القصة؟

على أي حال استمر الحال هذا إلى أن شعر الفرنسيون أن أحمد بن بيلا موجود..

أحمد منصور [مقاطعًا]:

عندكم في طرابلس؟

مصطفى بن حليم:

في طرابلس، شعروا أن الحكومة الليبية ما بدها تتعاون فيه، فأرسلوا واحدًا من جماعة اليد الحمراء الفرنسية، وكان أحمد ينزل في Hotel فندق درجة ثالثة، ودخل على أحمد وأطلق عليه الرصاص.

أحمد منصور:

فعلاً؟

مصطفى بن حليم:

فعلاً، لكن لم يصبه.

أحمد منصور:

في أي تاريخ؟

مصطفى بن حليم:

1955م، أحمد أطلق عليه الرصاص، جرى الفرنسي، كلموني قلت لهم: من تحت الأرض لابد تمسكوه، طلع وراءه البوليس الليبي، أدركه قبل الحدود، ولكن جروحه ما وصل المستشفى إلا ميتًا، لكن ثبت عليه أنه فرنسي.

طبعًا احتججنا على الحكومة الفرنسية، واحتججنا كذا كذا، قالوا: ألم يكن عندكم أحمد؟ قلنا لهم: لا لم يكن، هذا جاء.. على كل حال، بعدين كانت هناك مجموعة ثانية، وهذه ورطتنا ورطة كبيرة، مجموعة ثانية كان يتولى موضوعها واحد اسمه (بوجملين) وكم واحدًا آخرين، ويساعده في عمل نوع من المظاهرات، وكانوا جايبين شحنة من السلاح، عبارة عن مسدسات كبيرة ورصاصها كبير هكذا، وهذه نستعمل في الشوارع لإقامة ضجة كبرى.

مع الأسف أنا كنت معين لهم واحد صديقنا وصديق للعائلة، تاجر كبير في طرابلس، الحاج (سالم أنديره) الله يرحمه، أي حاجة يبعثونها باسمه نمررها، هم ذهبوا يريدون أن يشحنوا الشحنة في Britich Air Ways من (بروكسل) Britich Air ways شعروا بأن الحكاية فيها شيء، فرفضوا، راحوا هم إلى سابينا، تتبعتهم المخابرات البريطانية في بروكسل، ما أشعر يومها بعد الظهر إلا وجاءني اثنان (كوماندان ليزا) و (سيزو جرتيروكس) واحد مخابرات فرنسية والثاني مخابرات إنجليزية، ولحسن الحظ جايين ينذرونا أو يلفتوا نظرنا، لأن هناك واحدًا يهرب أسلحة لليبيا، فديرو بالكم، جاي على..

أحمد منصور:

طيران سابينا.

مصطفى بن حليم:

على طيران سابينا، فأنا تصرفت وقلت لهم: أنا أشكركم، وتأكدوا إذا كان هناك كذا سنعمل كذا، وناديت اللواء (محمد الزنتوتي) مدير الشرطة الاتحادية، و(محمد عبد الكافي السمين) مدير عام الجمارك، والاثنان يعتمد عليهم.

قلت لهما: تذهبا إلى المطار، وستجدو ليزا وجريتروكس، وستجدان شحنة تصادروها، وتنقلانها لمخازن الشرطة وتجوني بكرة في الليل، وهذا ما حدث، استلما الشحنة، وثاني يوم جاءني السفير الفرنسي، كذا ونريد أن تعرف من أين؟ قلت له: انظر، نحن سنصادر شيئًا سنرميها في البحر.

أحمد منصور:

في الحلقة القادمة آخذ هذه الأشياء، اكتشاف النفط في ليبيا، والدور الذي لعبته بالنسبة للنفط، واستقالتك من الحكومة في نهاية العام 1957م.

أشكرك شكرًا جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد مصطفى أحمد بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة