جمال عبد الجليل   
الأحد 1/9/1429 هـ - الموافق 31/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

- التأثير الأسري وصعوبات الهجرة
- على دروب الفلسفة وتعريف الهوية

التأثير الأسري وصعوبات الهجرة

جمال عبد الجليل
جمال عبد الجليل:
كان في غضون هذه السنة الأخيرة، كان في حدثين كان لهم بالغ الأثر على حياتي، حدثان يعني لم أعشهم من قبل، حدثان هم على طرفي نقيض من بعض، الحدث الأول كان في رمضان الفائت 25 سبتمبر 2007، كان حدث وفاة الوالد رحمة الله عليه، تجربة الفقدان من خلال الموت هي تجربة أعتقد بليغة جدا وتلامس جوهر النفس وتجربة حميمية خالصة. على طرف نقيض من هذه التجربة أو من هذا الحدث، حدث ميلاد وقدوم مريم في 31 يناير في 2007، كانت تجربة معايشة ولادة مريم بما تحمل هذه المعايشة أو هذه التجربة كذلك من إحساس أنا أعجز عن وصفه إحساس بالفرحة إحساس بالسعادة ولكن من نوع آخر مغايرة لما عهدته على الأقل في حياتي وفي تجربتي من أحاسيس وتجارب السعادة والفرحة يلامس يعني بشكل حميمي غامر لم أعايشه ولم آخذه من قبل. ولادتي كانت في أسرة أصيلة بمدينة مساكن، الوالد كان يعمل في قطاع التعليم كان أستاذ التربية الدينية والوطنية والوالدة كانت ربة البيت، كان أعتقد دور الوالد والولدة على الأقل في تأثيرهم على شخصيتي كان يعني تكامليا بمعنى أني من الوالد ربما اكتسبت أو تمكنت من اكتساب الحكمة النظرية، الوالد كان شغوفا بالمطالعة بالكتب وكان له مكتبة قيمة ومنه اكتسبت حب القراءة حب الكتاب حب العلم طلب العلم حب القيم، العدل ونبذ الظلم وأهله وحب الخير، هذه القيم النظرية أعتقد التأثير البالغ فيها يرجع إلى الوالد. والجانب الآخر هذا الذي يتكامل مع هذه الحكمة النظرية، الحكمة العملية اكتسبتها من الوالدة وهي في طريقة التواصل مع الناس طريقة الحديث طريقة التعامل حتى مع المآزق مع المشاكل، كانت أعتقد الوالدة وما زالت على درجة من الذكاء الاجتماعي الذي يصعب اكتسابه في الأكاديميات ومن خلال التنظيم والكتب. في المراحل الأولى وأثناء فترة الدراسة الابتدائية وحتى الثانوية كانت العطلة الصيفية طبعا على مدى شهور إلى جانب البحر والاستجمام الصيفي، كنت أقضي كل صيف تقريبا وأعيدها كل صيف هي تنظيم وترتيب مكتبة الوالد الله يرحمه، فكنت حتى أرتب الكتب في المواضيع التي تناسبها كان لا بد أن أقرأ وأطلع على هذه الكتب وأقرأ ما فيها حتى يكون ترتيبي وتبويبي لهذه الكتب واضحا ومن هنا كانت علاقتي أو توطدت وقويت علاقتي بالكتاب وبالمطالعة.

المعلق: الفلسفة في أبسط تعريفاتها وأعمقها ليست إلا أداة عقلية لمساعدة الكائن البشري على أن يرى بوضوح يرى نفسه والعالم من حوله والعلاقات المعقدة التي تربطهما معا، والدكتور جمال بن عبد الجليل أستاذ الفلسفة في جامعة فيينا يمتلك عقلا أرهفه التفلسف فصار يرى لحظات تكوينه في مدينته الصغيرة مساكن على الساحل التونسي الشرقي تبدأ من مشهد أبيه العائد من السوق وفي يده حزمة كتب بدلا من البقالة والخضروات، ومن صوت أمه الودود يرحب بالجارات الزائرات، ومن حقيقة أن ربع سكان مدينته يهاجرون للعمل في أوروبا لأن الرزق يضيق في تونس الخضراء، ومن موقفه الرافض بعناد لرغبة أبيه في أن تكون دراسته للدكتوراه في أصول الدين وإصراره بحدس صائب على أن يدرس الفلسفة، الآن يعرف لماذا، جمال الفتي كان يعرف بحدسه أننا نحن العرب والمسلمين لا نشكو الآن نقصا في فقهاء العبادات وأحكام المواريث وإن كنا بحاجة ماسة لمن يساعدنا على الرؤية بوضوح، نحن بحاجة إلى فيلسوف.

في بداية قدومي إلى النمسا واجهت عدة صعوبات معيشية مرتبطة بالحياة اليومية وصعوبات مادية لأني لم أحصل على منحة أمول من خلالها دراستي
جمال عبد الجليل:
في بداية قدومي إلى النمسا إلى فيينا تحديدا واجهت عدة صعوبات، بالدرجة الأولى هي صعوبات معيشية مرتبطة بالحياة اليومية صعوبات مادية لأني لم أكن متحصلا على منحة أمول من خلالها دراستي، حاولت منذ البدء كذلك أن أعتمد على نفسي ولا أحاول أن أحمل الأهل في تونس هذا الحمل والعبء المادي وحاولت أن لا أطالب أو لا أطلب مساعدة والاعتماد على النفس فقط في هذا المجال من الناحية المادية وهذا ما كان صعبا، هذا كان في البداية فترة قاسية وكانت هذه تجربة العمل بالنسبة لي شخصيا فيها إثراء على مستوى النضج الاجتماعي الذي كان علي أن اكتسبه أنا في تقديري أن الفترة القصيرة الأولى لتجربتي في الهجرة أو في المهجر كانت لو كتب لي البقاء في تونس ولم أخرج كانت توازي يعني أضعاف مضاعفة من المدة الزمنية التي قضيتها في بلدي في تونس دون الخروج، دون الخوف في تجربة الهجرة. صدمة بالمعنى الثقافي أو النفسي أعتقد لم أواجهها، ربما لعدة أسباب كانت لي تجربة محدودة في السفر سابقة حتى في أوروبا كنت انتقلت في الصيف وقتها قبلها إلى فرنسا، كنت كذلك من خلال المدينة والمنطقة التي مسقط رأسي والتي نشأت فيها كانت متاخمة لمنطقة سياحية مدينة سوسة وعلى الساحل التونسي هذه المنطقة في تونس تتميز بالانفتاح السياحي وكان هناك يعني خاصة في مواسم الذروة السياحية يعني تجد كل الأجناس وكل الأصناف وكل اللغات، أحد العوامل الأخرى المساعدة على أني لم أعش الصدمة بهذا المعنى، كان منذ البدء يحدوني تصور وقناعة ثابتة راسخة في ذهني وأنه في هدف خرجت من أجله إضافة إلى الاكتشاف والتعرف وهو هذا سياق هذا الهدف ولكن هو التحصيل العلمي، التحصيل الأكاديمي والدراسة وكان هذا الهدف دائما أمام ناظري. فيه أثر أعتقد أنه على درجة من الحكمة يقول، السائر على غير بصيرة كالسائر على غير طريق كلما ازداد سرعة ازداد بعدا، هذا لا ينطبق على الأسئلة الوجودية والفلسفية فقط والاعتقادية ولكن يمكن تطبيقه على الحياة العملية، فاستحضار الهدف من خلال إيقاع الحياة اليومية وعلى مدى أبعد حتى في مراحل معينة يعني أني أخوض كل مرحلة مع وضع هدف لها هذا يساعد على عدم فقدان الاتجاه، على عدم فقدان الهدف في الحركة، أعتقد أن هذا أمر مهم عدم الضياع عدم فقدان الرؤية عدم فقدان البصيرة عدم فقدان الهدف بالنسبة للمهاجر خاصة لطالبي العلم والدارسين في البلدان الأوروبية.


[فاصل إعلاني]

على دروب الفلسفة وتعريف الهوية

جمال عبد الجليل: الحياة الثقافية في النمسا عموما وفي فيينا على وجه الخصوص هي نشطة بشكل كبير جدا، أعتقد يمكن إلى حد ما تعميمها على كثير ربما من المدن والعواصم الأوروبية ولكن ذات مذاق أو نوع خاص هذه الحياة الثقافية في فيينا كما أعيشها وعايشتها إلى حد الآن من خلال فترة الدراسة وبعدها تتميز بالتنوع تتميز إلى حد ما كذلك بخصوصية المنتج الثقافي، تعرفين فيينا مدينة سياحية من الطراز الأول، ملايين من السياح يزورونها سنويا، وبدرجة أخص الاستهلاك أو للاطلاع على المنتج الثقافي الذي يشتمل على الفني بمختلف أشكاله وبمختلف مظاهره. فيينا تعتبر أحد عواصم الموسيقا الكلاسيكية في العالم وفي أوروبا خاصة من الأوبرا إلى السيمفونيات وربما لا داعي للتذكير أن أهم الموسيقيين، عازفي الموسيقا الكلاسيكية وملحنيها مبتكريها كانوا يعيشون في فيينا أو هم كذلك من أصول نمساوية، موزارت، شتراوس وبتهوفن كذلك يمكن متابعة حياتهم أو سيرتهم من خلال ما خلد في الذاكرة من خلال الأماكن التي تحركوا أو وجدوا فيها، من خلال المنظمات أو الإدارة المعنية بالمحافظة على التراث في النمسا وفيينا تحديدا، تجد دائما إشارات إينما كان إينما وجد أحد هؤلاء الفنانين أو على البيوت التي سكنوها أو الطرقات التي سلكوها وغير ذلك، حتى أن البعض يزور قبورهم، مثل مقبرة فيينا مشهورة باتساعها وكبر مساحتها وكذلك بمن جمعت من المتوفين فيها من الفنانين والمشاهير.

المعلق: يعي الدكتور جمال طرافة المفارقة، فهذه المدينة المبدعة لم تكن تمثل بالنسبة له حينما وصلها قبل 16 عاما إلا سوء تفاهم كبير، أراد حينذاك أن يدرس الفلسفة في فرنسا فلم يستطع ولما سمع من بعض أهل مدينته جوالي الآفاق أن النمسا فيها مقاطعات تتحدث الفرنسية التي يتقنها خطر له أن يشد الرحال إليها، وفي المطار اكتشف أنه خدع فما من مفردة فرنسية واحدة على ألسنة أهل النمسا الناطقين بأفصح اللهجات الألمانية وكان عليه أن يقرر إما العودة مخذولا أو يبدأ بتعلم الأبجدية الألمانية فإتقان هذه اللغة وحده القادر على فتح أبواب المعرفة المتاحة بلا حدود في هذه المدينة المثقفة.

جمال عبد الجليل: إذاً هناك بنية تحتية صلبة ومنتشرة تجعل من المنتج الثقافي محايثا ومرافقا للحياة اليومية، لإيقاع الحياة اليومية.

المعلق: فيينا الآن مدينة تحققه والشاهدة على صلابة عوده، أحب المدن إلى قلبه، ولكنه لم ينسى قط أهله المحتاجين إليه على الضفة الجنوبية الدافئة للمتوسط.

فور تخرجي وإتمامي رسالة الدكتوراه كانت تحدوني رغبة جامحة للعودة إلى تونس أو لدولة عربية أخرى والعمل لمواصلة المشوار الأكاديمي في جامعة عربية
جمال عبد الجليل:
في الحقيقة كنت يعني فور تخرجي وإتمامي لرسالة الدكتوراه كانت تحدوني رغبة جامحة للعودة إلى تونس، بالدرجة الأولى تونس أو لدولة عربية أخرى والعمل في جامعة أو لمواصلة المشوار الأكاديمي في جامعة عربية، ربما هذا نابع عن هذه الرغبة نابعة عن إحساس أو عن توق لرد الجميل لواقع نشأت فيه وأدين له كذلك بما أنا فيه، إلا أنني لم أوفق في دخول المجال الأكاديمي هناك في الجامعة ومنها عدت إلى هنا وبدأت وتمكنت من الحصول على وظيفة أستاذ مساعد في معهد الدراسات الشرقية في جامعة فيينا ضمن تخصص الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية، يرجع الاختيار أو قبولي في هذا التخصص أن موضوع دراستي كان الفلسفة العربية الإسلامية كأحد الشروط والاعتبارات المهمة، وربما كذلك لا أعلم مدى أهمية هذا العامل بالسلب أو بالإيجاب لكن أعتقد بأنه ربما كان له حضور إيجابي هو أنني كذلك زاولت دراسة العلوم الشرعية في جامعة الزيتونة إلى حد ما وأنني من هذه الأصول العربية الإسلامية. تمكنت كذلك من تلبية وإشباع حاجاتي حاجات شخصية وذاتية كانت تحدوني منذ فترة دراستي وهي الاهتمام بالبحث العلمي ومزاولته والمشاركة بالمؤلفات يعني كان هذا الطموح أعتقد طموح أي كاتب ربما وأي باحث هو أن يشاهد كتبه ومؤلفاته كما يقرأ للآخرين أن يقرأ  الناس له وأن يقرأ لنفسه، هذا طموح كامن وأعتقد صحي وشرعي ومشروع، وتمكنت من خلال انتسابي لجامعة فيينا من خلال هذه الوظيفة الأكاديمية أن أتفرغ إلى حد ما لمشاريع البحث العلمي والمساهمة بكتابات ودراسات والمشاركة في ندوات ومؤتمرات أكاديمية بحثية علمية في عدة مدن وفي عدة أماكن في النمسا وخارج النمسا وحتى في بعض الأقطار العربية كذلك على مستوى جامعي وأكاديمي. وإلى حد الآن صدر لي مؤلفان أساسيان المؤلف الأول هو تقريبا حوصلة لما قمت به في بحثي الماجستير والدكتوراه حول ابن رشد وهو قراءة تثاقفية لفلسفة ابن رشد في مساراتها الثقافية المختلفة، اللاتينية، اليهودية والمعاصرة على مستوى الفكر العربي كان بشكل مقتضب وملخص لأن حجم الكتاب حسب شروط الناشر لا يسمح بالتوسع والاستغراق فيه كثيرا. الكتاب الثاني ومؤلفي الخاص وهو ترجمة أو المساهمة في الترجمة والتعليق والتحقيق لرسالة حي بن يقظان لابن الطفيل وهو أحد معاصري الفيلسوف ابن رشد. نحن الآن نتواجد في مقر أستديو البث والتسجيل في راديو أورانج هي محطة إذاعية في مدينة فيينا، هذه المحطة الإذاعية ليست حكومية وليست كذلك تجارية خاصة وإنما هي تقوم على مساهمة المنشطين والعاملين فيها كل واحد يعني يقدم برنامجا إذاعيا وبشكل تطوعي يعني لا وجود لربح مادي فيها ومن خلال هذا الـ concept، من خلال هذا التصور أو هذا الفهم للعمل الإذاعي كذلك تحافظ على تعددية وتنوع الآراء فيها من جهة، ومن جهة أخرى على استقلالية هذه الآراء وما يقدم فيها من أفكار، من مواضيع. أنا أقدم برنامجا إذاعيا منذ تقريبا عشر سنوات تحت عنوان سماء الصباح العربي، باللغتين الألمانية والعربية (كلمة أجنبية) أقدمه وأنشطه كذلك باللغتين العربية والألمانية يقوم بالدرجة الأولى على تنشيط إذاعي صباحي أحاول أن يكون خفيفا دون الإثقال على المستمعين والمستمعات ومرتبط بالمواضيع الراهنية التي تحوز على اهتمام المستمعين والمستمعات من العرب ومن النمساويين خاصة ذات الصبغة الاجتماعية الثقافية ومن خلال هذا نحاول أن نمرر رسالة تتصدى إلى حد ما للنزعات التشويهية العنصرية للثقافة العربية. نحن الآن في المقر الرئيسي لجامعة فيينا، هذا المقر شيد وبني في آواخر القرن التاسع عشر إلا أن الجامعة في ذاتها هي تأسست في 1365، في رحاب هذه الجامعة وبين جدرانها وفي قاعاتها زاولت دراستي وكان طريق البحث والتحصيل العلمي على مدى السنوات التي قضيتها منذ قدومي إلى هنا، حتى أن هذه الجامعة صارت هي تقريبا المؤشر الأول والأساسي بالنسبة لي في ارتباطي في مدينة فيينا، هنا وجدت نفسي أو حققت ذاتي في مرحلة من مراحل حياتي. في الحقيقة مدينة فيينا صارت بالنسبة لي من خلال حياتي الدراسية ومن خلال معايشتي وعيشي فيها جزء من هويتي وأحد مركبات هذه الهوية التي أحملها الآن لأن الهوية هي صيرورة وليست لحظة سكونية منجزة ومنتهية، فيينا صارت بالنسبة لي وطننا الذي أحمله في داخلي أو إضافة في تعريف هذا الوطن الذي أحمله في داخلي، هذا تعزز وصار أكثر ثراء في الفترة الأخيرة بعد زواجي واقتراني بزوجتي وخاصة كذلك بعد إنجاب وقدوم ابنتنا مريم، هذا الإحساس بالهوية صار له بعد آخر مغاير ومتمايز مع ما كان عليه الحال قبل ذلك، هذا الانتماء كذلك إلى فيينا كجزء من هذه الهوية وأحد أبعاد هذا الوطن كذلك أعتقد، الوطن إينما يعيش الإنسان ضمن أو مع الإحساس أنه مع عائلته، هذا الإحساس ما زال موجودا لدي في علاقتي بأهلي في تونس وأعتقد أنه زاد ربما غنى وثراء من خلال وجود عائلتي الصغيرة هنا في فيينا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة