أميركا والعراق، تحالف الليكود والعمل، ليبيا والجامعة العربية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:31 (مكة المكرمة)، 23:31 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

ضيف الحلقة

فيصل جلول: محلل سياسي - باريس

تاريخ الحلقة:

02/11/2002

- التصعيد الأميركي ضد العراق في ظل المعارضة الفرنسية والروسية.
- انهيار تحالف العمل والليكود وإسرائيل تستعد لحكومة اليمين المتطرف.

- طلب ليبيا الانسحاب من الجامعة العربية وسط التقارب مع فرنسا وتعويضات لوكربي.

- فوز دا سيلفا برئاسة البرازيل والتحديات التي تواجهه.

- تداعيات تحرير الرهائن في موسكو على الملف الشيشاني.

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها اليوم:

روسيا وفرنسا تعارضان الاستخدام التلقائي للقوة ضد العراق، وتصلب أميركي.

انهيار تحالف العمل والليكود وإسرائيل تستعد لحكومة اليمين المتطرف.

وليبيا تطلب الانسحاب من الجامعة العربية وسط تقارب ليبي فرنسي وتعويضات هائلة لضحايا لوكربي.

التصعيد الأميركي ضد العراق في ظل المعارضة الفرنسية والروسية

لا يمكن لمراقبي التصعيد الأميركي ضد العراق إلا أن يساورهم الشك في النوايا الأميركية، فحجة حماية الأمن الأميركي أو محاولات ربط العراق بتنظيم القاعدة لم تقنع البعض، وأثارت استهجان وسخرية آخرين، لكن مما لا شك فيه أن الكعكة العراقية مغرية للغاية، فالعراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهو دولة تعتبر نفسها من دول المواجهة مع إسرائيل، وهذا ما يعتبره المراقبون بيت القصيد.

التهديدات الأميركية بضرب العراق
تقرير/ حسن إبراهيم: المعضلة ليست في التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالعراق، بل المعضلة في المبادئ التي ستقوم عليها عملية التفتيش على الأسلحة، ومهما كان محمد البرادعي (رئيس هيئة الطاقة النووية) متفائلاً بأن الإدارة الأميركية تريد فقط تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل العراقية، فإن الريبة في الدوافع الأميركية تظل مهيمنة على عقل ووجدان معظم المراقبين، ورغم التفسيرات المتعددة التي قدمت حول لقاء هانز بليكس (رئيس هيئة التفتيش الدولية) ومحمد البرادعي بالرئيس الأميركي إلا أن كثيرين يتشككون في التصريحات المتفائلة التي أطلقها البرادعي بعد اللقاء، ورغم معارضة قوية من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي تصر إدارة بوش على تثبيت مبدأ الاستخدام التلقائي للقوة في حال عرقلة عمل المفتشين الدوليين، ومازالت تحشد قواتها في قواعدها العسكرية المنتشرة في منطقة الخليج وما حولها، فرنسا التي كانت ترفض مبدأ ضرب العراق تزحزح موقفها، وأضحت تمانع فقط أن يضرب العراق بدون قرار من مجلس الأمن الدولي، وروسيا التي كانت تمانع حتى في استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي انخفض سقف اعتراضاتها إلى قريب من السقف الفرنسي.

أما الصين فبعد زيارة رئيسها (جيانج زيمين) إلى الولايات المتحدة مروِّجاً للتجارة في بلاده ربما ستكتفي بأضعف الإيمان، أي الامتناع عن التصويت، أما بريطانيا فهي بالطبع تؤيد وجهة النظر الأميركية بلا تحفظ.

أما على الصعيد الدولي فألمانيا بغض النظر عن مبدئية موقفها أثبتت للعالم أن العداء لسياسة الرئيس الأميركي (جورج بوش) يمكن أن يكون تكتيكاً براجماتيا، فرفض ألمانيا القاطع لأي ضربة ضد العراق رجح كفة المستشار في انتخابات المستشارية التي أجريت نهاية شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، ومازالت ألمانيا الدولة الوحيدة في العالم الغربي التي ترفض مبدأ ضرب العراق حتى لو عرقل عبر المفتشين الدوليين، ودليل رفض العالم للسياسة الأميركية هو المظاهرات العارمة في ألمانيا وبريطانيا وحتى داخل الولايات المتحدة.

أما الغريب في أمر واشنطن فهو إصرارها على نُبل مقاصدها السياسية، وأن تصعيدها ضد العراق يأتي فقط للمحافظة على أمنها ومصالحها وأمن العالم ككل، لكن الأكثر قدحاً في براءة مقاصد السياسة الأميركية المتشددة هو أن العراق يمثل ثروة نفطية تقدر قيمتها بحوالي مائتي ترليون دولار، والعراق يمثل التهديد الجدي الوحيد ضد دولة إسرائيل، وإزالة الحكومة العراقية الحالية لا شك سيفتح العراق أمام الشركات الأميركية لاستغلال النفط العراقي، ولا شك أنه لو أتت حكومة غير مغضوب عليها أميركياً، فإنها لن تعلن نيتها تحرير القدس من أيدي الصهاينة، كما هي أدبيات الحكومة الحالية، إذاً فواشنطن تتربص بالعراق وتتحين فرصتها للانقضاض عليه، فهل يسهل العراق مهمة الولايات المتحدة بتصرف يبرر لها حشودها العسكرية التي تملأ المنطقة، أم تنتصر الإرادة الدولية ويكتب عمر جديد للحكومة العراقية؟

انهيار تحالف العمل والليكود وإسرائيل تستعد لحكومة اليمين المتطرف

توفيق طه: كانت المعاناة الفلسطينية مضنية عندما كان على سدة الحكم (أرييل شارون) الذي أسرف في قتل الفلسطينيين و التنكيل بهم، و للمشاهد أن يتخيل مدى الغضب الذي يحسون به هذه الأيام وهم يواجهون أكثر الحكومات تطرفاً في يمينيتها، فشارون يريد إشراك رئيس الوزراء الأسبق وخصمه اللدود (بنيامين نتنياهو) في الحكومة، وإذا ما أصبح شاؤول موفاز (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق) وزيراً للدفاع، ودخل (أفيكدور ليبرمان) رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" الحكومة، عندئذٍ ستكتمل حلقات دائرة الرعب.

شارون بجانب كل من وزير البيئة تزاي هنيغبي (وسط) وبنيامين نتنياهو أثناء اجتماع لحزب الليكود في تل أبيب (أرشيف)
تقرير/ سمير خضر: لم ينجح ساسة إسرائيل في إظهار الأزمة الحكومة التي اندلعت على أنها مجرد خلاف حول قضية تمويلية صغيرة حتى وإن كانت قضية تخص المستوطنين و المستوطنات الذين غالباً ما شكلوا ورقة انتخابية هامة في السياسة الداخلية الإسرائيلية، الطلاق بين اليمين الليكودي واليسار العمالي لم يكن بحاجة إلى قضية مستوطنات ليصبح بائناً، فمن طبيعة الأمور أن يتم هذا الطلاق قبل الدخول في لعبة الانتخابات في الخريف المقبل، وكان السؤال المطروح ليس إذا بل متى يحدث؟ لكن الأسلوب الذي اتبعه حزب العمل وزعيمه في الخروج من الحكومة قد لا يكون الأنسب، فواقع الحال يقول إن المستوطنين نادراً ما يصوتون لصالح العمل، وبذلك فإن محاولة بن أليعازر استمالة هؤلاء الناخبين مصيرها الفشل الأكيد، ولكن ما الذي أراد بن أليعازر تحقيقه من خلال الانسحاب هو وزملائه العماليين من الحكومة، هناك بالطبع الضغوط الداخلية من قبل ما يسمى بجناح الحمائم في الحزب، والذي يعتبره أن وجوده داخل حكومة يمينية يمنح شارون الشرعية لتنفيذ مآربه في قتل عملية السلام، وهذا ما حدث بالضبط ثم هناك المواجهة الصامتة التي بدأت تخرج إلى العلن بين قطبي الحكومة: شارون وبن أليعازر حول سلسلة من الإجراءات العسكرية ضد الفلسطينيين، حتى وإن كان كلاهما يتفق على ضرورة سحق المقاومة الفلسطينية بقوة السلاح لا الحوار، خروج العمل من الحكومة لا يقلق شارون بأي شكل وأي حال، فهو لم يكن بحاجة لهذا الحزب إلا من أجل تجميل صورته وصورة حكومته داخلياً وخارجياً والتغطية على عمليات القمع ضد الفلسطينيين، ولكن الآن وقد تحقق كثير مما كان يريده، فإنه سيميل إلى معسكره التقليدي اليمين المتشدد والمتطرف من خلال استمالة رئيس الحكومة الأسبق (بنيامين نتنياهو)، والذي بات يشكل تهديداً له على زعامة الليكود، وفكرة شارون هنا هي ضم نتنياهو للحكومة وتوريطه في السياسة الحالية، حتى لا يمنحه الحجة عليه خلال انتخابات رئاسة الحزب القادمة، وربما لهذا السبب أيضاً فكر شارون في إسناد حقيبة الدفاع إلى رئيس الأركان السابق شاؤول موفاز الذي يشاطره الرؤية فيما يتعلق بعملية السلام وسبل التعامل مع السلطة الفلسطينية على أمل أن يعلن موفاز انضمامه رسمياً إلى الليكود، لكن بعض العارفين في الشأن الداخلي الإسرائيلي يلمحون اليوم إلى الخطورة التي قد يشكلها موفاز على شارون ونتنياهو مشيرين إلى طموحه الشخصي والسياسي الذي كان واضحاً حتى عندما كان قائداً للجيش.

طلب ليبيا الانسحاب من الجامعة العربية وسط التقارب مع فرنسا وتعويضات لوكربي

توفيق طه: رحلة طويلة تلك التي تفصل بين ليبيا الوحدة العربية و ليبيا التي لا تمانع في دفع عشرة ملايين دولار تعويضاً عن كل ضحية من ضحايا تفجير لوكربي، ولعل تقديم ليبيا لطلب انسحاب من جامعة الدول العربية يصب في خانة محاولاتها إحداث هزة قد تحرك المياه العربية الراكدة أو ربما يكون حقيقة من قبيل اليأس التام من جدوى البقاء في الجامعة العربية.

الرئيس الليبي معمر القذافي
تقرير/ حسن إبراهيم: كثيراً ما تثير مواقف الجماهيرية الليبية استغراب العرب والأجانب، فالعقيد القذافي الوحدوي العربي الذي اعتبره محبوه خليفة للزعيم جمال عبد الناصر، أعلن تبرؤه من القومية العربية وتحول إلى ثائر إفريقي يؤمن بالوحدة الإفريقية، لكن مهما تختلف الأقوال فإن العقيد أتقن فن المفاجآت، ولعل من أواخر مفاجآته قراره بالانسحاب من الجامعة العربية احتجاجاً على ما أسماه التخاذل العربي في دعم الانتفاضة الفلسطينية والموقف من العراق، وقد حاول الأمين العام للجامعة العربية ثني العقيد عن قراره، لكنه أصر وما زالت مكالمات الزعماء تتوالى على طرابلس أملاً في تغيير الموقف الليبي.

وما يثير دهشة كثيرين هو تسارع وتيرة التقرب الليبي من العالم الغربي عامة، وفرنسا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ففي الحالة الفرنسية قررت ليبيا تسوية قضية الطائرة الفرنسية التي اتهمت بتفجيرها وتعويض ركابها، وينتظر أن تفتح التسوية باب التعاون الفرنسي الليبي الاقتصادي وهو ما كان يسعى إليه الرئيس (جاك شيراك) مع تبادل الزيارات بين الزعيمين، وما أثار حفيظة بعض المراقبين للشؤون الليبية هو التعويضات الضخمة التي قررت ليبيا دفعها لأسر ضحايا تفجير طائرة (بانام) فوق قرية لوكربي الاسكتلندية عام 88، فليبيا كما اتفق محاموها مع محامي أسر الضحايا ستدفع عشرة ملايين دولار عن كل ضحية على ثلاث دفعات ترتبط برفع العقوبات عن ليبيا في حساب يفتح لمدة ثمانية أشهر فقط يجب أثناءها رفع جميع العقوبات عن ليبيا، الأربعة ملايين دولار الأولى تدفع مع رفع الأمم المتحدة لعقوباتها عن ليبيا وهي التي كانت قد عُلِّقت بعد تسليم ليبيا للمتهمين عبد الباسط المقراحي ومحمد الأمين فحيمة، وتدفع الأربعة ملايين الثانية مع رفع الولايات المتحدة لعقوباتها على ليبيا، ثم يُدفع باقي المبلغ بعد أن ترفع واشنطن اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب.

إلا أن العرض الليبي السخي لم يؤثر في موقف الخارجية الأميركية التي أصرت على أن تطبق ليبيا باقي الشروط الأميركية وهي الاعتراف بمسؤوليتها عن تفجير لوكربي والكشف عن دعمها للإرهاب في الماضي، مع تقديم كافة المعلومات عن المنظمات الإرهابية التي كانت على صلة بليبيا، ثم التخلي عن الإرهاب وإدانته علانية، وبالطبع تخشى ليبيا أن يعطي اعترافها الصريح بتورطها في التفجير ذريعة لملاحقتها بتهمة الإرهاب من قبل الإدارة الأميركية رغم الضمانات التي سبقت تسليم المقراحي وفحيمة لكن بعض القانونيين يعتقدون أن التسوية المدنية مرحلة متقدمة من التراضي، ويشبهون تعويضات لوكربي بقضية الممثل الأميركي (أوجي سبمسون) حيث بُرِّئ جنائياً من قتل زوجته (نيكول) وعشيقها إلا أنه اضطر إلى دفع تعويضات ضخمة إثر خسارته الدعوة المدنية المرفوعة ضده من قبل أهالي ضحيتيه.

محاولة ليبيا لسلوك طريق جديد قد لا تؤتي أكلها، لكنها قد تثير حمية كثيرين في العالم العربي أملاً في الإبقاء على اللحمة العربية في عصر شديد التعقيد.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضا بعد الفاصل:

الغاز القاتل في موسكو يثير اشمئزازاً عالمياً، والملف الشيشاني يتصدر أولويات الكريملين.

[فاصل إعلاني]

فوز دا سيلفا برئاسة البرازيل والتحديات التي تواجهه

توفيق طه: فوز ماسح الأحذية السابق (لولا) بمنصب رئيس الجمهورية في البرازيل يعني الكثير لكبرى بلاد أميركا الجنوبية، فقد يأس البرازيليون من أصحاب الياقات البيضاء بنظرياتهم المعقدة ومصطلحاتهم الأكاديمية، ورجل يتحدث لغة الشارع وبرنامجه ما يحتاجه الفقراء، وحتى رجال الأعمال أي محاربة البطالة بخطة محددة وتجديد دماء الاقتصاد بالاستثمار الداخلي فهل ينجح فيما فشل فيه أسلافه؟

الرئيس البرازيلي الجديد لويس إيناسيو لولا
تقرير/ جيان اليعقوبي: سيصبح (لويس إناسيا دا سليفا) أول رئيس يساري يقود أكبر دولة في أميركا اللاتينية عندما يتولى رسمياً مهام منصبه في الأول من يناير/ كانون الثاني القادم، وقد تنفس دا سيلفا المشهور بلولا الصعداء عندما تلقى برقية تهنئة من الرئيس الأميركي (جورج بوش)، حيث ترى واشنطن أن دا سيلفا سيقود بلاده تحت مظلة اشتراكية مسؤولة، وكانت السفيرة الأميركية قد نفت عنه عشية الانتخابات وصف الديماغوجية التي يوصف بها عادة جاره الشمالي (هوجو تشافيز) والبرازيل رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الذي يقارب المائتي مليون نسمة وخيراتها المتنوعة، فإن رئيسها الجديد لم يفز هذا الفوز الكاسح إلا لأنه وعد شعبه بتوفير ثلاث وجبات يومية لكل فرد، والسبب هو أنها مثل باقي دول القارة اللاتينية نكبت بسلسلة من الانقلابات العسكرية لأكثر من نصف قرن، ولم تدخل مرحلة الديمقراطية والحكم المدني إلا عام 1985، ومنذ ذلك الوقت وهي تضع بتأنٍ وجدية مطلقة لبنات الديمقراطية الحقيقة متمثلة في التنمية والتقدم الاقتصادي بدل الاكتفاء بمجد تنظيم الانتخابات والتباهي بالبرلمان والنواب الجالسين تحت قبته، ولم يكن لسيلفا أن يفوز لولا السياسات الليبرالية التي انتهجها سلفه (كاردوسو) خلال السنوات الثماني الماضية، حيث أقام مؤسسات قوية، وأدخل إصلاحات جذرية في مجال البنوك ومراقبة ميزانية الدولة ونجح في القضاء تماماً على التضخم الذي كان يبتلع كل شيء في طريقه، ولكن ولأن لحظة التغيير قد حانت فقد اختار الشعب هذه المرة (لولا) والذي كان قد خذله في ثلاث مرات سابقة بسبب الفزع من الشعارات التي كان يرفعها وكلها تدخل في باب الحماسة التي لا تطعم جائعاً ولا تؤمن خائفاً، ولكن لولا الذي أنضجته الأيام رفع هذه المرة شعار "البرازيل للجميع" واعتبر مكافحة البطالة قضيته الوحيدة مدعماً بتاريخ نضالي يرجع إلى 25 عاماً قضاها في تأسيس وإدارة حزب العمل وتنظيم أكبر إضراب عمالي في تاريخ البرازيل أدى إلى إسقاط الطغمة العسكرية التي كانت تحكم البلاد، وهكذا كان كفاح هذا الرجل، الذي سيكون أول رئيس في تاريخ البرازيل لا يحمل شهادة جامعية والذي قضَّى ما يكفي من السنوات في السجن، هو طريقه المضمون إلى قلوب الناخبين الذين كانوا خليطاً غريباً من الفقراء إلى جانب كبار رجال الأعمال أعلنوا ثقتهم في حكمته واعتداله، والبرازيل لن تكون الدولة اللاتينية الوحيدة التي تنتخب رئيساً يعد شعبه بالخبز إلى جانب الحرية، فقد أصبح التململ الشعبي سمة واضحة في هذه القارة التي ضاق أبناؤها ذرعاً بالفقر والبطالة بحجة أن حكوماتها تطبق قوانين العولمة والاقتصاد الحر، وهم يرون الدول المتقدمة تطبق نفس هذه المعايير، ولكن مواطنيها يضمنون لأبنائهم مقعداً في المدرسة وسقفاً يحميهم.

توفيق طه: وعودة إلى الوضع في الشرق الأوسط وما يجري من أحداث في العراق وفلسطين وفي ضوء الطلب الليبي بالانسحاب من الجامعة العربية معي على الهاتف من باريس المعلق السياسي فيصل جلول. أستاذ فيصل، كيف يمكن أن نفسر الطلب الليبي يأس من الوضع العربي فعلاً أم محاولة لتحريك المياه الراكدة؟

فيصل جلول (محلل سياسي – باريس): والله أنا أعتقد أن ليبيا تلعب دوراً في إفريقيا هي تمول توجو وتدعم المعارضة الشمالية في تشاد، وهي تدعم ميليشيات في الكونغو برازافيل، لا تريد ليبيا على ما أظن أن تعطي عمقاً عربياً لدورها الإفريقي وبالتالي تنسحب من الجامعة، لكن مشكلة أن ليبيا هل تنسحب من اتحاد المغرب العربي، هل تنسحب من الأمم المتحدة وكلها مؤسسات لم تُعِنْ ليبيا في محنتها كما تقول؟ ثم أن ليبيا التي تعترض على الجامعة العربية ألم تتولى حمايتها ميليشيات من لبنان وجيش يمني كان على الحدود عندما تعرضت لأزمة مع تشاد، أنا أعتقد بأن الموقف الليبي من هذا.. من هذه القضية موقف أقل ما يُقال فيه أنه موقف نرجسي وموقف مجاني بالواقع.

توفيق طه: نعم، لكن يعني هل من مغزى لتوقيت هذا الموقف؟ يعني هذه ليست المرة الأولى التي يكون لليبيا فيها لمواقفها بُعد إفريقي وليست أول مرة تواجه.. يواجه فيها العرب مؤامرات يعني، لماذا الآن؟

فيصل جلول: تخيل التوقيت يا أستاذ توفيق وهو أن العرب في محنة الآن، ومطروح قضية تقسيم العالم العربي إذا ما يعني احتُل العراق وليبيا تختار في هذا التوقيت أن تترك العرب، هل يمكن أن يكون هناك أسوأ من هذا التوقيت؟ وهل يمكن لعربي واحد أن يقبل مثلاً في هذا الوقت بالذات إعادة النظر بالجامعة العربية وهي الإطار الوحيد الذي يمكن أن يواجه المصير العربي، أنا أعتقد بأنه يمكن أن تكون هناك احتمالات أخرى ربما يعني ليبيا تريد طمأنة الغرب إلى أن لعبتها في إفريقيا هي لعبة بعيدة عن العرب، ربما.. ربما تريد بالمستقبل القريب إقامة علاقات مع إسرائيل هذا احتمال.

توفيق طه: نعم، لكن يعني لو نظرنا إلى الوضع في الشرق الأوسط، لو.. لو نظرنا إلى ما يجري في فلسطين أي مستقبل ينتظر الفلسطينيين الآن في ظل ما يبدو أنها ستكون أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً في تاريخ إسرائيل وربما حكومة حرب بشكل جدي؟

فيصل جلول: بالنسبة للفلسطينيين الآن يعني يبدو واضحاً أن حزب العمل الإسرائيلي هو الوحيد الذي يريد أن يفاوض ويريد حل سياسي، حكومة شارون -خصوصاً إذا ما انضم إليها موفاز ونتنياهو – هي حكومة أمنية محضة، وبالتالي حكومة صدام نهائي مع الفلسطينيين وحكومة استقبال لاحتلال العراق أو ليعني الهجمة الأميركية على العراق، في هذه.. في ظل هذا يعني الوضع.. من المؤسف القول أن يعني العالم العربي غائب عن الوعي وبالتالي لا.. ليس لديه رد على هذا التطرف الإسرائيلي وعلى هذه المستجدات الإسرائيلية.

توفيق طه: نعم، يعني أنت هنا تحاول كأنك تحاول تبرئة العمل من.. مما يعني يجنيه شارون منذ عامين، لكن هناك من يقول: إن خروج العمل بهذه الطريقة ربما كان في إطار توزيع أدوار بين الجانبين لإنجاز مهمة ما، ماذا ترى في ذلك؟

فيصل جلول: والله أنا لا أبرئ العمل لأنه أعتبر أنه العمل مجرم أكثر من..، ولكن العمل استجاب لضغوط أميركية، يعني لم ينسحب العمل من الحكومة إلا بعدما تلقى الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأميركية، لكن أنا أظن بأنه الولايات المتحدة الأميركية وضعت خط.. خطوط حمر لشارون وهذه الخطوط الحمر منها أنه تدمير مقر عرفات مثلاً خط أحمر، من ضمنها أنه ما يسمى بالترانسفير خط أحمر، لذلك صحيح أن الحكومة.. هذه الحكومة ستكون متطرفة وستكون شنيعة، لكن في ذات الوقت لن تكون يدها مطلقة في أن تفعل ما تشاء يعني، الوضع الإسرائيلي الآن صحيح أنه حزب العمل هو الذي يريد أن يفاوض وهو لديه حل سياسي، وهو شنيع أكثر من الليكود، لكن في ذات الوقت الوضع الإسرائيلي هذه معطياته الآن، وبالتالي لا يمكن المفاضلة أخلاقياً بين الطرفين، المفاضلة سياسياً ربما بالنسبة للفلسطينيين هم الذي يعني يفاضلون، لسنا نحن.

توفيق طه: نعم، لكن أستاذ فيصل، يعني ما تشهده الآن من تحالف بين الإدارة الأميركية وبين حكومة شارون لم نشهد مثله بين البلدين منذ.. منذ قيام دولة إسرائيل، يعني هذا التحالف بهذه الصورة لا يمكن أن يكون هذا الاتفاق إلا لمشروع ضخم، ماذا عسى أن يكون مثل هذا المشروع؟

فيصل جلول: يعني الكلام ربما يكون صحيح إلى حد زيارة شارون الأخيرة إلى أميركا، هناك قيل له بأنه يعني الاستعدادات لضرب العراق لا تتناسب مع ضرب ياسر عرفات وتحطيمه وإبعاده ولا تتناسب مع مجازر لا يمكن الدفاع عنها، وبالتالي يعني الخطة الأميركية ليست رحمة بالفلسطينيين، وإنما من أجل تحقيق أهداف في العراق.

توفيق طه: نعم.. نعم.. نعم. الأستاذ فيصل جلول (المحلل السياسي في باريس) شكراً لك.

تداعيات تحرير الرهائن في موسكو على الملف الشيشاني

وأخيراً إلى موسكو، حيث مازالت تداعيات استخدام قوات ألفا الروسية غازاً منوماً في إنهاء احتجاز الناشطين الشيشانيين لرهائن في أحد مسارحها مازالت تقلق الكريملين، فآخر ما يريده الكريملين في هذه المرحلة هو تسليط الضوء على الأحوال في جمهورية الشيشان، التي تعاني كثيراً من العنت على أيدي القوات الروسية، وربما سيفتح الباب واسعاً أمام ما يسمى بعملية تمويل الإرهاب.

تشييع جثمان أحد رهائن مسرح موسكو
تقرير/أكرم خزام: طائفة واسعة من القضايا طرحت على بساط البحث في أزمة الرهائن الذين احتجزوا من قبل مسلحين شيشان في أحد المسارح في العاصمة الروسية لثلاثة أيام انتهت بتحرير معظم الرهائن ومقتل المسلحين، عبر عملية لوحدة ألفا الخاصة بمكافحة الإرهاب، استخدم الغاز فيها أمام إجماع على نجاحها، ما خلا بعض الانتقادات من قبل زعماء اليمين الروسي، ومطالبتهم بمعرفة نوعية الغاز المستخدم، والتحقيق بأسباب التقصير في معالجة الرهائن.

أولى تلك القضايا التي طرحت للبحث شرعية أو عدم شرعية ما قام به المسلحون الشيشان ومدى تأثير هذه العملية على الملف الشيشاني بالكامل.

العملية نجحت في تنبيه العالم من جديد إلى قضية الشيشان، لكنها أدينت دولياً، نتيجة تعرضها لمدنيين أطفال ونساء ورجال لا ذنب لهم في الصراع يبن السلطة الروسية والمقاتلين الشيشان، كما ساهمت في زيادة الأحاديث عن وجود مركز للإرهاب في الشيشان بدعم من منظمات إسلامية راديكالية، الأمر الذي منح وسيمنح فرصة ذهبية للكرملين في استخدام الحزم ضد مَنْ تصفهم موسكو بالإرهابيين.

ثاني تلك القضايا يتمثل في الجهة التي أمَّنت تسهيل عمل المسلحين الشيشان في العاصمة الروسية لشهرين كاملين قبل البدء باقتحام مبنى المسرح، أمام تسريبات تشير إلى دعم من قبل منظمات إسلامية على صلة بالسعودية والإمارات، كما تقول بعض وسائل الإعلام الروسية، أو إلى دعم من قبل الملياردير اليهودي الشهير (بوريس بريزوسكي) لأولئك المسلحين بغية الثأر من بوتين الذي يسعى إلى اعتقال بريزوسكي القابع في لندن. والثابت في هذه القضية تقصير الأجهزة الأمنية الروسية في منع حدوث احتجاز الرهائن، أمام توقعات بإقدام الكريملين في القريب العاجل على عمليات غربلة داخل تلك الأجهزة.

ثالث تلك القضايا يتمثل في تقييم عملية تحرير الرهائن، ذلك أن الغاز الذي استخدم أدى إلى مقتل أكثر من مائة رهينة، ونقل المئات الآخرين إلى المستشفيات، وثبت فيما بعد أن الخلل يكمن في كيفية معالجة الرهائن، بدءاً من عدم تشييد مستشفى ميداني داخل مبنى المسرح، ومروراً بعدم كفاية عدد الأمصال التي تساعد على استعادة التنفس، وانتهاءً بالإمكانيات الطبية داخل المستشفيات.

السؤال المركزي الذي طرح نفسه بعد عملية تحرير الرهائن هو كيف ستتعامل موسكو مع الملف الشيشاني، خاصة بعد تزايد شعبية بوتين، وعدم تنازله أمام من يصفهم بالإرهابيين؟ المراقبين يشيرون في هذا المجال إلى أن موسكو لن تتعامل إطلاقاً مع (أصلان مسخادوف) في المفاوضات المرتقبة لحل الأزمة الشيشانية، كما يجري الحديث عن إمكانية تخليها عن رئيس الإدارة المدنية الشيشانية (أحمد قديروف) الموالي لها، نظراً لعدم قدرته في لم شمل الشيشانيين حول إدارته، ما سيفتح الأبواب لتشكيل قوة ثالثة تعتمد في برنامجها على إدانة الإرهاب علناً، والاستعداد لمحاربته، والمطالبة بمزيد من الصلاحيات الدستورية في إطار الفيدرالية الروسية بغية قطع الطريق على شعار استقلال الشيشان عن روسيا الاتحادية، الذي يعتبر بالنسبة للكريملين من الخطوط الحمراء.

قد يتكرر هذا النوع من العمليات في موسكو أو غيرها من المدن الروسية، فالأوضاع في الشيشان من النواحي الاقتصادية والاجتماعية معقدة للغاية، وتسمح للشباب العاطل عن العمل أو المحروم من أبسط الحقوق بالانخراط في أعمال تطرح شعارات قد تكون محقة في مضامينها، لكنها تتسم بالخطأ في أساليبها.

أكرم خزام -(الجزيرة) برنامج (الملف الأسبوعي)- موسكو.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) وسوف نعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر. تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة