ميخائيل ساكاشفيلي.. نتائج الحرب في القوقاز   
الأربعاء 1429/12/19 هـ - الموافق 17/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)

- أسباب ونتائج الحرب القوقازية والعلاقة مع حلف الناتو
- الوضع الداخلي الجورجي ومستقبل العلاقة مع روسيا

زاور شوج
ميخائيل ساكاشفيلي
زاور شوج:
مشاهدينا الأعزاء أهلا بكم، نرحب بكم في هذا اللقاء الخاص الذي نستضيف فيه الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي. أهلا بكم سيادة الرئيس.

ميخائيل ساكاشفيلي: السلام عليكم.

أسباب ونتائج الحرب القوقازية والعلاقة مع حلف الناتو

زاور شوج: شكرا لكم على تلبيتكم الدعوة واسمحوا لي أن أبدأ حوارنا اليوم من حرب القوقاز الأخيرة في أغسطس/ آب الماضي، إن هذه الحرب التي لم تستمر سوى بضعة أيام خلفت آلاف القتلى ودمارا كبيرا وغيرت موازين القوى في المنطقة، أسئلة كثيرة طرحتها هذه الأزمة ومن أهمها من بدأ الحرب؟

ميخائيل ساكاشفيلي: إذا أخذنا نتيجة الحرب نستطيع الإجابة على هذا السؤال، روسيا اليوم تحتل أكثر من 20% من الأراضي الجورجية، لو عدنا إلى التاريخ فالبولونيون حسب رأي الألمان هم من بدأ الحرب العالمية الثانية حيث هاجمت بولونيا ألمانيا حسب رأي الأخيرة ولكن في نهاية الأمر احتلت ألمانيا بولونيا وكل القارة الأوروبية. هذه الحرب لم تكن آنية ولم تندلع فجأة لقد تم التحضير لها منذ زمن ونحن نبهنا المجتمع الدولي من مخاطر عدوان واسع ضدنا، في الحقيقة كان لروسيا ثلاثة أهداف إستراتيجية من هذه الحرب، أولا السيطرة على أنابيب الغاز والنفط القادمة من آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين والمتوجهة إلى أوروبا وكذلك طرق المواصلات الأخرى، ثانيا التخلص من حكومتنا في تبليسي كوننا شكلنا نموذجا لنظام سياسي واقتصادي متطور أصبح يشكل خطرا على النظام السياسي في موسكو، وثالثا منع النفوذ الغربي وخاصة الأميركي وكذلك نفوذ الناتو في منطقة القوقاز. هذه هي الأهداف الإستراتيجية لروسيا من هذه الحرب وأنا لا أصدق أن روسيا التي تملك مشاكل كبيرة في منطقة شمال القوقاز تتدخل عسكريا من أجل عشرين ألف شخص يعيشون في أوسيتيا الجنوبية.

زاور شوج: ولكن عاصمة أوسيتيا الجنوبية تسخينفالي تعرضت للدمار وسقط فيها كثير من المدنيين نتيجة قصف الجيش الجورجي لها.

بعد دخول الجيش الجورجي مدينة تسخينفالي تعرضت المدينة لقصف من 150 منصة صواريخ من طراز غراد تابعة للجيش الروسي إضافة إلى قصف جوي على مدى ثلاثة أيام
ميخائيل ساكاشفيلي:
أقل نسبة دمار كانت في مدينة تسخينفالي القوات الجورجية تسببت في دمار ثلاثة أو أربعة أبنية كان يطلق منها النار على الجيش الجورجي وكل شيء لدينا موثق ولكن بعد دخول الجيش الجورجي مدينة تسخينفالي تعرضت المدينة لقصف من 150 منصة صواريخ من طراز غراد تابعة للجيش الروسي إضافة إلى أن مائتي طائرة حربية روسية قصفت هذه المدينة الصغيرة على مدى ثلاثة أيام، لماذا انسحب الجيش الجورجي من تلك المناطق؟ لأنه لا يوجد جيش في العالم قادر على الحفاظ على بعض الأبنية والصمود في مواجهة قصف مائتي طائرة حربية، أكرر أن كل شيء لدينا موثق، نحن طالبنا بلجنة تحقيق دولية طالبنا روسيا بالسماح للمراقبين الأوروبيين بدخول مدينة تسخينفالي بعد الحرب، روسيا تقول إننا ارتكبنا إبادة بحق سكان أوسيتيا الجنوبية إذاً فليسمحوا للمراقبين بالدخول إلى تسخينفالي ليشاهدوا حقيقة الأمر، روسيا تقول ما تشاء ونحن لا نثق بما تقول ونطالب بتحقيق محايد. في بداية الحرب روسيا تحدثت عن ألفي قتيل وبعد ثلاثة أيام قالت إنها أخطأت وأن عدد القتلى 132 شخصا، بعد ذلك تحدثت المنظمات الحقوقية الدولية عن 47 قتيلا فقط ومعظمهم من المقاتلين الذين فتحوا النار ضد الجيش الجورجي، طبعا أنا لا يسعدني موت أي إنسان ولكن جورجيا دافعت عن نفسها. في الحقيقة هذه الحرب كانت ضربة موجهة ليس فقط لدولتنا ولكن أيضا للتنوع العرقي والطائفي لبلادنا ففي جورجيا يعيش ممثلو قوميات مختلفة من الجورجيين والأنغوش والشيشان والأرمن والأذريين وفيها نسبة كبيرة من المسلمين شيعة وسنة وأقول لك شيئا مهما وهو أنه في الأماكن التي نسيطر عليها لا توجد مشاكل عرقية أو طائفية، انظر مثلا عندما احتلت روسيا منطقة خالكوري ذات الأغلبية الأوسيتية ماذا حصل؟ معظم الناس هربوا من الجيش الروسي لأنهم يعتبرون أنفسهم مواطنين جورجيين، فكرة التنوع العرقي والديني كانت مستهدفة وهذا ما يبرر التصفيات العرقية من قبل الروس.

زاور شوج: الحرب الأخيرة في القوقاز شكلت حسب رأي الكثيرين ضربة قاسية لجورجيا، الجيش الجورجي لم يصمد أمام القوات الروسية وفر من ساحة المعركة تاركا عتاده وآلياته خلفه، كذلك كان لهذه الحرب انعكاسات سلبية على اقتصاد جورجيا، ألا تعتقدون سيادة الرئيس بأنكم ارتكبتم خطأ فادحا بمحاربتكم لروسيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: فلنبدأ من الجيش، الجيش الجورجي فعليا لم يتضرر لقد حافظنا على معظم أسلحتنا وذخائرنا التي تقدر بمليارات الدولارات، حافظنا كذلك على القوة البشرية للجيش، صحيح أننا فقدنا 168 قتيلا من العسكريين ولكنها ليست بالخسائر الكبيرة مقارنة مع خسائر الروس فالجيش الروسي فقد أكثر من ألفي شخص، هذه ليست أرقامي وإنما أرقامهم، الروس حاولوا تبرير هذه الخسائر بأننا نملك أسلحة جديدة خاصة حصلنا عليها من دولة أجنبية وأنه حارب إلى جانبنا خبراء أجانب من أوكرانيا وإسرائيل وأميركا، هذا كلام سخيف بالعكس تماما لقد حاربت ضدنا 90% من القوة العسكرية الروسية وتمكنا في الأيام الأولى من تدمير الجيش الروسي الثامن والخمسين الذي دخل أوسيتيا الجنوبية، الجنرالات الروس تركوا خلفهم مئات الدبابات المحروقة وهربوا من ساحة المعركة، هذا ليس كلامي وإنما نوقش في البرلمان الروسي. طبعا الحرب أثرت على اقتصاد بلادنا ولكن نحن ننظر إلى الأمور من زاوية أخرى، كم دولة قادرة على تحمل هذه الضربة؟ مع ذلك نظامنا البنكي صمد على الرغم من الأزمة المالية العالمية التي رافقت الحرب، عملتنا الوطنية لم تنهر لم يهرب المستثمرون الأجانب من جورجيا بالعكس فقبل أيام وقعنا اتفاقا مع إمارة رأس الخيمة لتخصيص حصة الدولة كاملة في ميناء بوتي على البحر الأسود إضافة إلى أن مستثمرين من الإمارات سيبدؤون ببناء مطار دولي في بوتي وهو نفس المكان الذي كان محتلا من قبل الجيش الروسي وانسحب منه تحت الضغط الدولي. روسيا اضطرت رسميا إلى احتلال أراض جورجية وضمها إلى أراضيها ولكن معظم هذه المناطق كانت في السابق تحت سيطرتها، نعم صحيح هي احتلت عشرات القرى الإضافية وطردت عشرات الآلاف من سكانها ولكن مقارنة مع الحجم الروسي لا يعتبر هذا إنجازا، هدف روسيا كان انهيار الدولة الجورجية والتخلص من الحكومة الحالية في تبليسي وقد فشلت.

زاور شوج: وكأنكم تقولون إنكم انتصرتم في هذه الحرب.

ميخائيل ساكاشفيلي: أريد أن أقول إننا سنحقق النصر نهائيا عندما تعود أراضي جورجيا موحدة من جديد وعندما لن يبقى ما يهدد دولتنا وحين نصل إلى حل لجميع مشاكلنا مع روسيا، نحن لا نريد معاداة روسيا فلسنا مجانين وليس لدينا كره للروس ولكن روسيا خسرت إستراتيجيا هذه الحرب فهي كانت تعتقد أنها ستخيف الجميع ونالت في المحصلة حالة عدم استقرار داخلي لأن اقتصادها تضرر أكثر بكثير من تضرر اقتصادنا واقتصاد الدول الغربية.

زاور شوج: أنتم تطالبون بمعاقبة روسيا على الحرب مع جورجيا بيد أن الغرب لم يفرط بعلاقاته ومصالحه مع روسيا من أجل جورجيا، ألا تشعرون سيادة الرئيس بأن الغرب تخلى عنكم؟

ميخائيل ساكاشفيلي: حلف شمال الأطلسي اتخذ قبل أيام وفي نفس الوقت قرارين، الأول ينص على إعادة العلاقات تدريجيا مع روسيا والثاني كان واضحا بشأن حظوظ جورجيا وأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو، الناتو قال بأن جورجيا قامت بخطوات جدية نحو عضوية الحلف وكرر ذلك أكثر من مرة رسميا وإن الحلف أنشأ المؤسسات المتعلقة بتسريع هذه العملية، هذا الأمر أسعدني حقا وهو إشارة واضحة إلى أننا سنكون أعضاء في الناتو. ما هو الناتو بالنسبة لنا؟ هو ليس الرغبة في التوجه غدا لمحاربة أحد، لا قدر الله، الناتو هو طريقنا نحو الاندماج في الأسرة الأوروبية، كلما كانت روسيا محاطة بدول متحضرة ديمقراطية على النمط الأوروبي تطالبها بمواقف حضارية كلما كان ذلك أفضل بالنسبة لروسيا ولنا وللجميع. للأسف روسيا عزلت نفسها في السنوات الأخيرة وخاصة قبيل الحرب وهي تعتقد أنها تملك حقوقا استثنائية ومخاطر استثنائية وبالتالي تجاهلت كل نصائح الآخرين، أعتقد أنه بعد الانهيار الكبير في أسواق المال الروسية وهروب الاستثمارات الأجنبية وتراجع أسعار النفط موسكو ستصبح أكثر واقعية في التعامل مع العالم المحيط.

زاور شوج: ولكن الناتو قرر تأجيل النظر في عضوية جورجيا وأوكرانيا في حلف شمال الأطلسي على خلاف كل التوقعات.

في الاجتماع الأخير دعم الحلف بالإجماع تطلع جورجيا وأوكرانيا لعضوية المنظمة بغض النظر عن الشروط التي كانت تقف عندها ألمانيا
ميخائيل ساكاشفيلي:
لغاية الاجتماع الأخير للحلف كانت ألمانيا تعارض بشدة عضوية جورجيا ولكن في الاجتماع الأخير في نيس الفرنسية دعم الحلف بالإجماع تطلع جورجيا وأوكرانيا لعضوية المنظمة بغض النظر عن الشروط التي كانت تقف عندها ألمانيا. الناتو أكد على أنه في جورجيا يوجد تطور سياسي إيجابي وهذه رسالة سياسية مهمة بالنسبة لنا ويوجد تطور دستوري فالناتو ابتداء من يناير الماضي أصبح يملك مؤسسات داخل جورجيا وأوكرانيا وهذه نقلة نوعية بالنسبة لنا، حقيقة حتى آخر اجتماع للناتو في نيس بفرنسا كنا في طريق مغلق بسبب موقف ألمانيا ولم نتحرك إلى الأمام، هذا العائق تم تجاوزه وبدأنا نسير إلى الأمام. متى سنصبح أعضاء في الناتو؟ طبعا نحتاج إلى سنوات كثيرة ونحن لا نبني أحلاما على عضوية قريبة في الناتو، المشكلة كانت في أبريل عندما أعاقت برلين قرار الناتو وهذه كانت رسالة إلى موسكو سيئة بالنسبة لنا مفادها بأن الناتو لن يتدخل في حال اعتدت روسيا على جورجيا، هذه المرة الحلف اتخذ قرارا جماعيا لم تعارضه أي دولة بشأن مستقبل انضمامنا إلى الناتو. أنا أرى أنه ليست هناك أسباب تجعلنا غير راضين عن نتائج قرارات اجتماع الحلف، لا يوجد لدينا توقعات سريعة بشأن عضويتنا وهذا يحتاج إلى وقت، أكرر القول، إنها مسألة عملية اندماج تدريجية مسألة تحولات ديمقراطية إضافة إلى ذلك نحن نسعى إلى توطيد علاقاتنا مع دول كثيرة أخرى وليس فقط مع دول الناتو والدول الغربية عموما. أنا واثق من أنه ستكون لدينا علاقات ممتازة مع الإدارة الأميركية الجديدة، جوزيف بايدن وصل إلى جورجيا تحت القصف الروسي وبقي معنا بضعة أيام وبمبادرة منه منحتنا الولايات المتحدة مليار دولار كمساعدات اقتصادية وإنسانية، طبعا هذا لا يعني بأن لدينا توجها بأن تكون علاقاتنا فقط مع أميركا والغرب، النموذج الذي أراه لجورجيا هو الاستقلالية في كل شيء وأن نكون دولة قوية قادرة على حماية نفسها، أن نكون دولة منفتحة على الجميع ففي نهاية الأمر الاستثمارات الرئيسية لا تأتينا من أميركا والغرب وإنما من الدول المجاورة دول آسيا الوسطى تركيا والدول العربية، في السابق كانت استثمارات كثيرة تأتينا من روسيا وسنعمل على إعادة الأجواء الصحية فيما بيننا وإعادة هذه الاستثمارات، كل الأسواق العالمية مهمة لنا ولذلك نحن بحاجة إلى دعم دولي سياسي ودعم أمني، جورجيا عليها أن تضمن أمنها بنفسها ولكن على الدول القوية أن تساعد الدول الأضعف حتى نتجنب اعتداءات بعض الدول الطامعة، هذه هي سياستنا وسنستمر بها قدما.

زاور شوج: فاصل قصير أعزائي المشاهدين ونعود معكم لمتابعة هذا اللقاء مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي.

[فاصل إعلاني]

الوضع الداخلي الجورجي ومستقبل العلاقة مع روسيا

زاور شوج: مشاهدينا الأعزاء أهلا بكم من جديد. سيادة الرئيس، أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا حصلتا على اعتراف روسي رسمي باستقلالهما عن جورجيا وروسيا تبني اليوم قواعد عسكرية في هذين الإقليمين وتتطلع إلى البقاء طويلا فيهما، اعتراف روسيا بالإقليمين كدولتين مستقلتين كان حسب رأي الكثيرين النتيجة الرئيسية لهذه الحرب بالنسبة لروسيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ألا ترون سيادة الرئيس أن مغامرتكم في القوقاز قضت على حلمكم بإعادة توحيد جورجيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: لا، لأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار على هذا الشكل، ما هي أوسيتيا الجنوبية؟ هي عبارة عن قرى جورجية جبلية ليست ببعيدة عن تبليسي خالية من السكان حيث تقوم روسيا الآن في ظروف صعبة للغاية ببناء قاعدة عسكرية لها هناك. وما هي أبخازيا؟ في أبخازيا بقي اليوم أقل من مائة ألف من السكان، موسكو وطنت هناك مئات من عائلات الجنود والضباط الروس ولكن أبخازيا فارغة فعليا، كلما كثرت فيها الآليات والمعدات العسكرية والسلاح كلما قل عدد السياح في تلك المنطقة التي تملك إمكانيات كبيرة خاصة في مجال السياحة ولكن من سيذهب إلى حقول ألغام محاطة بالدبابات للاستجمام؟ كل الدول مستوعبة أنه لا مستقبل لهذين الإقليمين خارج السياسة الجورجية بما في ذلك حلفاء روسيا التقليديون. كيف نرى حل هذه الأزمة؟ في البداية نأمل بعد مرور بعض الوقت أن تصبح روسيا أكثر انفتاحا وبراغماتية وأعتقد أن هذا التغيير سيجري أسرع مما يتوقعه الكثيرون لأن ذلك مرتبط بالوضع الاقتصادي الصعب في روسيا والوضع السياسي الداخلي والوضع بشكل عام في المنطقة، بعد بعض الوقت من الطبيعي أن نبدأ التحاور مع موسكو وربما التوصل معها إلى اتفاقات محددة ولكن كل الاتفاقات يجب أن تكون مبنية على مبدأ وحدة الأراضي الجورجية مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية الإقليمية. نحن دائما كنا نقترح عليهم هذا الأمر، كنا نقول إننا لا نسعى لعمل شيء ضد روسيا وطلبنا منهم حلا لمشاكلنا وأعربنا عن استعدادنا لحل مشاكلهم، بالتأكيد نتائج هذا الاحتلال سنزيلها قريبا وتدريجيا وآمل أن يتم ذلك بمشاركة روسيا فنحن لا نريد أن يتم هذا في ظروف المواجهة مع موسكو، نحن دولة صغيرة وليست لدينا إمكانيات الصدام الطويل مع روسيا. فيما يتعلق بسؤالكم حول ما إذا كنت نادما عن قراراتي في تلك الأزمة، في الحقيقة كان لدينا حلان، إما الاستسلام أو القتال، ذاكرتنا التاريخية ومسؤوليتي كرئيس دولة ديمقراطية منتخب لا تسمحان بالاستسلام حتى ولو كان الوضع على الأرض غير مجد وأعتقد اننا لو استسلمنا لوصل الجيش الروسي خلال ساعات إلى تبليسي، أعتقد أننا أخذنا دروسا من تلك الأحداث وطبعا أنا لا أرغب في ان أقع في مثل هذه الأزمة مرة أخرى ولكن إن أعاد التاريخ نفسه فأنا مؤمن بأن على كل دولة أن تدافع عن نفسها وعن استقلالها.

زاور شوج: سيادة الرئيس قبل أيام احتفلتم بالذكرى الخامسة لثورة الورود، اليوم معظم حلفائكم في تلك الثورة أصبحوا من المعارضين لنظامكم.

ميخائيل ساكاشفيلي: إنه أمر طبيعي.

زاور شوج: ولكن هناك من يعتبر أن ثورة الورود قد فشلت وأنكم تخليتم عن مبادئ الثورة وأهدافها الديمقراطية.

ميخائيل ساكاشفيلي: كونهم على الجهة الأخرى هذه هي مبادئ الديمقراطية ومبادئ السياسة الشفافة العصرية الديمقراطية، معظمهم انتقلوا إلى المعارضة ولكن ليس كلهم، طبعا أشهر الحلفاء السابقين نينو بورجنازه رئيسة البرلمان السابقة التي عملنا سوية معها وبشكل رائع في الفترة الرئاسية الأولى ولكن عندما وصلنا إلى انتخابات البرلمان الجديد لم نتفق على قوائم موحدة. ما الذي يجري الآن؟ أعتقد أن هناك قيادة سياسية شبابية جديدة ظهرت على الساحة وأنا دائما أدعم ظهور شخصيات سياسية قوية حولي أو بجانبي وأحبذ أن تكون هناك منافسة، طبعا هناك من لا يستطيع تحمل المنافسة فينسحب ويشكل حزبه السياسي وهذا أمر طبيعي وكلما كانت الأحزاب أكثر واحتدم الجدال السياسي كلما اكتسبنا خبرة في العمل السياسي الديمقراطي. أنا جدا متفائل بالديمقراطية الجورجية، نحن وضعنا سلة إصلاحات جديدة، منحنا البرلمان صلاحيات أكبر وأعتقد أن السنوات القادمة ستفرز شخصيات قادرة على لعب أدوار سياسية هامة.

زاور شوج: تتناول وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة مسألة بقائكم في السلطة وهناك حديث عن أن ساكاشفيلي أصبح اليوم غير ملائم للغرب بسبب الحرب الأخيرة في القوقاز فهناك من يرى أنكم ورطتم حلفاءكم الغربيين في حرب خاسرة حققت فيها روسيا مكاسب سياسية كبيرة، وأنه يوجد توجه لدى الغرب لتغيير السلطة في تبليسي ونينو بورجنازه المرشح الأكبر لمنصب الرئيس البديل الملائم للجميع.

ميخائيل ساكاشفيلي: فيما يتعلق بنينو بورجنازه في الحقيقة شعبيتها ضئيلة داخل جورجيا، نحن دولة ديمقراطية ولكل إنسان الحق في الترشح للرئاسة وكوننا دولة ديمقراطية فإنه لا يحق لأحد أن يغير السلطة في بلادنا أو يعين الرؤساء، في حينه لم يعينني الغرب رئيسا لجورجيا وثورة الورود لم يصنعها الغرب على خلاف كل التلفيقات وفوق ذلك أقول لكم حين قمنا بثورة الورود كانت معظم السفارات الغربية في جورجيا غير متحمسة للتحول الديمقراطي الذي كنا ندعو إليه وكانوا ينظرون لنا كمجانين وراديكاليين حتى اللحظة الأخيرة كانوا يدعمون حكومة شيفرنازده وحتى آخر لحظة كثير منهم لم يكونوا يرغبون في وصولنا إلى السلطة أو على الأقل كانوا حذرين من ذلك. يمكنهم كتابة ما يحلو لهم وقول ما يدور بخواطرهم، أنا رئيس لجورجيا لغاية العام 2013 وبعد ذلك الشعب الجورجي سيحدد من الرئيس الجديد، لن أكون أنا طبعا لأن دستور البلاد لا يمنحني أكثر من ولايتين رئاسيتين ولكن أعتقد أنه ستظهر لحينها شخصيات سياسية شبابية تستحق الاهتمام وأنا واثق بأن اختيار الرئيس سيكون اختيار الشعب الجورجي وليس اختيار موسكو أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى، نحن بنينا دولة ديمقراطية لن يسمح فيها شعبنا أبدا بأن يحرمه أحد حقه في الاختيار.

زاور شوج: كيف ترون مستقبل علاقاتكم مع جارتكم الرئيسية روسيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: ليس لدينا على المدى الطويل بديل عن علاقات جيدة مع روسيا، جورجيا لا تحمل كرها لروسيا، نحن نحب الثقافة الروسية ونحب اللغة الروسية على الرغم من أننا نملك ثقافة ولغة مختلفتين فنحن دولة قديمة وثقافتنا قديمة، نحن نحترم الروس وتربطنا علاقات وطيدة مع القوقاز الروسي، على سبيل المثال الأنغوش أقرب لنا من أية قومية أخرى في العالم، لدينا علاقات تاريخية مميزة مع الداغستان والشيشان والشركس وحتى أوسيتيا الشمالية، يوجد بيننا تاريخ مشترك وعلاقات إنسانية ونحن مرتبطون ببعضنا البعض شئنا أم أبينا إضافة إلى أن جبال القوقاز الخلابة وجدت لتكون حدودا جميلة مميزة بيننا وبين روسيا -طبعا لم تساعد هذه الجبال على منع الطائرات الروسية من قصف جورجيا- عموما أنا أرى بأنه مع ازدياد الحريات والديمقراطية في روسيا وقدرة استيعاب الآخر والتآخي القومي إضافة كذلك إلى ازدياد التطور في هذا البلد الكبير سيصبح من السهل لنا التحاور معهم.

زاور شوج: هل لديكم مخاوف من عودة اشتعال الحرب مستقبلا مع روسيا؟

نحن نملك اليوم دعما دوليا أكبر بكثير مما كان عليه في الماضي، والكل يفهم أنه بدون تقديم دعم لجورجيا سيكون مستقبل هذه الديمقراطية الفتية في خطر
ميخائيل ساكاشفيلي:
أعتقد أن خطر الحرب الآن ضئيل جدا لأسباب كثيرة أولها وجود مراقبين أوروبيين على خطوط التماس في جورجيا، ثانيا كوننا حافظنا على معظم قوتنا العسكرية وسلاحنا ونحن نعمل على تطوير الجيش والكل يعرف أن لدينا قدرة كبيرة على الدفاع عن بلدنا وأن الهجوم على مناطق ومدن جورجية أخرى هو مغامرة فاشلة، ثالثا في داخل روسيا الأوضاع اختلفت فالكرملين لن يخاطر بمغامرة عسكرية جديدة خاصة مع ازدياد تذمر الداخل الروسي، وأخيرا نحن نملك اليوم دعما دوليا كبيرا أكبر بكثير مما كان عليه في أغسطس/ آب الماضي والكل فهم أنه بدون تقديم دعم لجورجيا سيكون مستقبل هذه الديمقراطية الفتية في خطر. هذه الحرب الأخيرة جعلتنا نصبح أكثر يقظة لتجنب أي عدوان ضد جورجيا وهي رسالة إلى دول آسيا الوسطى وأوكرانيا ودول البلطيق لتكون حذرة من تكرار ما جرى بحقنا.

زاور شوج: قلتم في أكثر من مناسبة إنكم دافعتم في الحرب مع روسيا عن ديمقراطية بلادكم الفتية ولكن الكثيرين لاحظوا سيادةالرئيس أنك كنت متوترا في كثير من المواقف وخائفا في مواقف أخرى، اسمح لي أن أسألك سيد ساكاشفيلي، هل هذه هي نفسها ربطة العنق الشهيرة تلك؟

ميخائيل ساكاشفيلي: لا، ربطة العنق تلك قد أكلتها. في الحقيقة كنا جميعا متوترين ولكننا لم نكن خائفين، لقد قلت لأعضاء حكومتي من يريد الانسحاب يمكنني أن أقيله رسميا ويمكنه أن يأخذ أفراد عائلته ويغادر البلاد ولن أجبر أحدا على البقاء ولكن الكل قالوا لن نتراجع وسندافع عن بلدنا حتى آخر لحظة. طبعا حالة الحرب مرهقة، عندما تكون متعبا ولا تعرف طعم النوم فإن أعصابك لن تتحمل، كانوا يصفونني بالمجنون ولكن حتى المجنون لم يكن ليحتمل تلك الأزمة التي مررنا بها، لقد تبين أن أعصابنا قوية، كل مؤسسات الدولة عملت بنظام والمواطنون كانوا هادئين، ما أثار دهشتي وفخري هو الناس، لم تدب الفوضى بين الجورجيين، ثق تماما لو بدأت تتشكل طوابير لدى المحال التجارية وبدأ الناس يغادرون البلاد لما صمدت الحكومة، أؤكد لك هذا، الناس كانوا ينظرون إلى السلطة والسلطة إلى الناس وكل طرف بذل ما بوسعه لدعم الطرف الآخر، لقد تجاوزنا هذه الأزمة محافظين على الدولة الجورجية. في كل مرة عبر التاريخ الجورجي عندما كانت دولة كبيرة تحتل جورجيا كانت تنهار الدولة الجورجية وتغيب عن الخارطة السياسية لسنوات طويلة، جورجيا عمرها أكثر من ثلاثة آلاف سنة ولكن هناك قرون كثيرة كنا فيها تحت احتلال إمبراطوريات كثيرة ولكن تلك الإمبراطوريات أصبحت في كتب التاريخ بينما جورجيا بقيت، لقد تمكنا من الحفاظ على دولتنا بعد هذه الأزمة ويعود الفضل بالدرجة الأولى إلى هذا الجيل وإلى قوميات جورجيا المختلفة وهذا مثال لكثير من الدول السوفياتية السابقة لكي تحتذي به وأقول لهم لا تخافوا عليكم أن تكونوا أقوياء وشجعان، يمكن لكم أن تتوتروا ولكن لا داعي للخوف وكل شيء سيكون على ما يرام.

زاور شوج: الله منح القوقاز طبيعة ساحرة وأرضا غنية ليعيش الناس فيها بسلام، نتمنى لجورجيا ولكل منطقة القوقاز التي تعاني من حروب لا تنتهي السلام، شكرا لكم سيادة الرئيس. أعزائي المشاهدين إلى هنا ينتهي هذا اللقاء الخاص مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، شكرا لمتابعتكم وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة