دفاعا عن النفس ج1   
الخميس 1428/1/21 هـ - الموافق 8/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 11:41 (مكة المكرمة)، 8:41 (غرينتش)

هآريتس- ضابط إسرائيلي في وحدة إطلاق الصواريخ:  "في لبنان أغرقنا قرىً بكاملها بالقنابل العنقودية..

ما فعلناه هناك كان عملاً مجنوناً ووحشياً.."

 

[ تعليق صوتي ]

 

لا تريد فاطمة أن تفكر في الحرب المستعرة خارج هذه الغرفة كل ما يهُمُّها الآن هو أن يشيع عيد ميلادها شعوراً تفتقده أسرتها  المنكوبة. 

 

كان ذلك يوم  التاسع عشر من يوليو/  تموز 2006  قذيفة عنقودية إسرائيلية تستهدف مسكن المواطن اللبناني أحمد علي في قرية بليدا جنوب لبنان. اخترقت القذيفة قبو المنزل حيث تجمع  اثنا عشر شخصا نصفهم من الأطفال قبل أن تنفجر في الوجوه والأجساد.

 

ستغيّر تلك الحادثة حياة هذا الرجل إلى الأبد وستترك آثارها الغائرة في نفس زوجته إكرام وفي أولادهما الخمسة وجدتهم علا وأقاربهم الزائرين انتهى القطاف في بساتين بليدة مبكرا تاركا مكانه لموسم زراعة الموت.

   

لم تكن نذر الحرب لتخطئها العين صيف 2006 كل الطرق باتت تؤدي إلى المواجهة وعندما نفذت المقاومة اللبنانية صبيحة الأربعاء الثاني عشر من يوليو/ تموز عمليتها  المدوية قرب  مزارع شبعا المحتلة مبيدة ثمانية جنود إسرائيليين وآسرة اثنين, بدا وكأن كل  طرف قد عثر على  ضالته في اللحظة اللبنانية ذاتها.

 

ما كان حزب الله يرده تحريكا لملفات راكدة, التقط على الجانب الآخر من الخط الأزرق مبررا كافيا لمواجهة مطلوبة.

 

إيهود أولمرت- رئيس الوزراء الإسرائيلي: الحكومة برئاستي مصممة على بذل أقصى  ما تستطيع لتحقيقي أهدافنا لن يقف شيء في  طريقنا.

 

عمير بيريتس- وزير الدفاع الإسرائيلي: عمليتنا العسكرية يجب ألا تفشل عليها يتوقف مستقبل إسرائيل .. وهي اختبار حاسم لقدرات شعبنا نحن وبكل تأكيد مصممون على النصر.

 

جورج بوش- الرئيس الأميركي: إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها .. أي أمة من واجبها أن تدافع عن نفسها ضد الهجمات الإرهابية.

 

دان حالوتس- رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي: لا شيء آمن عندما يهاجمون إسرائيل  لا شيء آمن هكذا .. بكل بساطة.

 

[ تعليق صوتي ]

 

جنديان أسيران مقابل بلد بأكمله .. تلك كانت معادلة رئيس الحكومة الإسرائيلية  إيهود أولمرت  القادم لتوه من مأزق جنديه الأسير في غزة. وبمباركة أمريكية أعلنها الرئيس جورج بوش من محطته الألمانية منذ اليوم الأول, وفي أجواء انقسام عربي ودولي , سيحظى أولمرت بحفل تدشين أولى وقائع .. الشرق الأوسط الجديد..

 

من صيف هادئ إلى خبر على أعمدة  الصحف .. قصة عائلة أحمد علي والقنابل العنقودية ستجلب الانتباه رغم استمرار الحرب كنا هناك مع فريق منظمةhuman rights watch  الأميركية وقد جاؤوا إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت يجمعون عناصر تقريرهم : " هجمات قاتلة"

   

إكرام إبراهيم- بلدة بليدا: حوالي الساعة الثانية والنصف بدأ القصف اجتمعنا داخل الملجأ وأحضرنا الماء للأطفال وضعنا وسائد وحملنا كتب أدعية وجلسنا..

 

مع كل قذيفة كنا نسمعها عند انطلاقها وعند سقوطها..كانت الجدران ترتجف معنا...شيء غير معقول..لا أقدر أن أتصور من جديد ما كان يجري.

 

أحمد علي- زوج إكرام: القصف كان عنيف وقوي جداً كانت القذيفة عند انفجارها تبقى حوالي الدقيقتين تفرقع بقينا على ها الوضع حوالي ربع ساعة , وشفنا دخان أسود من باب المطبخ وانتشرت رائحة البارود.

 

إكرام: طلعت الضربة قلنا يا رب العفو يا رب استرنا ما حسيت بشيْ إلا وشي سخن عم ينزل على راسي ما شفت شي كنت مثل ما تقول على اللمس.

 

إكرام: وين أمي يا أمي ندهت إلى أمي قالت لا تحركيني سألت عن زوجي أحمد, قال لي : اتركيني لقد قُطعت رجلاي.

 

أحمد: صارت زوجتي تصرخ وتنقل الأولاد إلى الخارج رغم أن القصف كان مستمر في الخارج كانت تريد أن تعرف من مات ومن بقي على قيد الحياة.

 

إكرام: سحبته  خارجا وضع وسادة واستند إليها أنا عيني كانت مغطاة بالدم والنزف مستمر هذه ابنتي كانت تبلع دماً بواسطة "اللهاية" التي في فمها كان رأسها مغطى بالدم.

 

أحمد: بقيت أنا وحماتي بالملجأ آخر شيء قالت لي: ما أصابك ؟ قلت لها أصبت, وقطعت رجلاي.

 

الحاجة علا سلامة- والدة إكرام: راحوا يا قلبي وتقطعوا رجليه صهري وأولاده كلهم جرحوا هذا الذي أصابنا من إسرائيل والذي جرى لنا.

 

[ تعليق صوتي ]

 

تبكي أم فوزي نفسها وأقاربها وتبكي أيضا رفيقتها الصغيرة هويدا معا أقامتا في مستشفى مرجعيون قبل ترحيلهما إلى بيروت.

 

في اليوم ذاته الذي حدثت فيه كارثة بليدا, كانت هويدا تخرج من تحت ركام مسكنها في دبّين قرب مرجعيون أطلقت مروحية أباتشي إسرائيلية صاروخا دكّ منزل المزارع داود الخالد فقتلته واثنين من أبنائه, وأصابت زوجته وأولاده الأربعة الباقين. 

 

هويدا بالذات خرجت لا تشبه نفسها في الغرفة الضيقة تتدافع وفود لا تثير اهتمام هويدا.. لن تعيد تقارير المنظمات الدولية إليها حياة تبدلت وأعزاء رحلوا.

 

أما يان ايغلاند منسق الأمم المتحدة للإغاثة والطوارئ فقد كان ملاحقا بسؤال حول غياب المنظمة الدولية في حرب تستهدف الأطفال استفهام  تطرحه إكرام ولا تنتظر عليه جوابا  تعرفه جيدا.

 

إكرام تتحدث إلى يان إيغلاند مبعوث الأمم المتحدة هؤلاء كانوا يحملون السلاح؟ هؤلاء كانوا يواجهون إسرائيل؟ لماذا بوش لا يحرك ساكنا؟ لماذا لا يوجد من يتحرك؟

 

كان إيغلاند يجمّع عناصر تقرير طلب منه في نيويورك أما نزلاء الغرفة الذين كانوا يستعدون لرحلة علاج طويلة في  أبو ظبي, فلم يكن لهم ما يأملونه من المنظمة الدولية التي خذلتهم منذ اليوم الأول للحرب.

 

في الطريق وقف "إيغلاند" على أطلال ضاحية بيروت الجنوبية لم تجامل الأمم المتحدة إسرائيل هذه المرة على الأقل: ما  أراه هو كارثة إنسانية قالها إيغلاند, رغم إدراكه أن تعبيرا كهذا لن يمهد له رحلته التالية إلى إسرائيل.

 

تحت جبال الركام الصامتة كالقبور, طمرت القوانين الدولية وشرائع الأمم المتحدة واتفاقياتها كانت الحرب تتهيأ لمرحلة شرسة جديدة أما كشف الأيام الأولى فقد حدد بوضوح طبيعة المواجهة.

 

كانت إسرائيل تتوعد عدوا يراها ولا تراه مواجهة مفتوحة بين أقوى جيش في الشرق الأوسط القديم, ومقاتلين يعتمدون حرب عصابات نهلت من تجارب الحركات الثورية يمينها ويسارها.

 

لم يستطع قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أن يفعل أكثر من متابعة أخبار صواريخ المقاومة اللبنانية وهي تسقط على الخطوط من ورائه أو تصيب بارجة في عرض البحر من خلال شاشات التلفزيون   حالة من العمى الميداني سيصبح فيها  لبنان ساحة مفتوحة للانتقام.

 

أغلق لبنان بأمر أولمرت وبدأت عملية تدمير منظم للبنى التحتية دون استثناء أحدثت  صواريخ حزب الله وجعا إسرائيليا منذ اليوم الأول, لكنها لن تكون أبدا موازية للجرح اللبناني النازف. 

 

تتالت أخبار المذابح المتنقلة من الدوير إلى زبقين, ومن صريفا الى بفلاي, فدبّين ثم عيترون التي شهدت أكثر من مذبحة.

 

الفارون أيضاً مُنعوا من الهروب في اليوم الرابع للحرب, استهدفت غارة إسرائيلية قافلة لاجئين من مروحين وقتلت واحداً وعشرين مدنياً فيها جرى ذلك بعد أن رفضت  قوة للأمم المتحدة  نجدتهم كشفت الحرب عن طبيعتها مبكراً لا حرمة لهدف ولا استثناء لسلاح.

 

نهاية مفزعة لرجل كان  يبحث لزوجته وأبنائه عن فرصة نجاة بناء حياة وأحلام  تحطمت من حول رندة وهي تشهد مقتل زوجها محمد أمين شعيتو وأمها الحاجة نظيرة  بصاروخ إسرائيلي.

 

كان ذلك يوم الثالث والعشرين من يوليو/ تموز ألفين وستة منزل أسرة شعيتو في بلدة الطيري جنوب لبنان يعج بعشرات الأقارب المحتمين ببعضهم كان الموت يدنو والمؤونة تنفد.

 

سنية شعيتو شقيقة رندة: ضلينا 12 يوم صامدين بالضيعة ما ظهرنا لحد ما خلص الأكل والشرب والأدوية أمي عندها ضغط وقلب وعندها وجع في رجليها صهري عامل عملية قلب مفتوح والأولاد ما بقي لهم أكل  ظلينا نأكل الأرُز على 3 أيام حتى انقطعنا منه وحليب الأطفال نفد  15 ولد كان فيه بالبيت حتى سمعنا مرة على التلفزيون أن إسرائيل تطلب أن يخلي المدنيون قضاء بنت جبيل طلبوا أن يضع النازحون رايات بيضاء ويخرجوا.

 

رندة شعيتو: أرسل لنا ابن عمي فان  وطلعنا فيه  أنا شلَّحت إبن أختي كان لابس كنزة بيضاء هذه اليد كانت ساعة الضربة خارج الفان  كنت ألوح بالكنزة أختي  كانت حاملة منشفة بيضاء تلوح بها وضعنا على سقف الفان رايات بيضاء. وصلنا إلى كفرا  وما حسينا إلا وشيء انفجر داخل الفان .

 

رضية شعيتو خالة رندة: ما حسينا نحنا لا بطيارة ولا بشيء ما شفنا إلا وشي نزل علينا من قلب الفان اللي غاب عن الوعي من الصدمة وبعد لحظات استعدنا وعينا نحاول أن نرى بعضنا, لكننا لم نقدر كان الدم يغطي وجوهنا.

 

رندة: كلنا كنا ننزف أختي بالكاد يدها عالقة في جسدها ابنة أختي كان خدها مسلوخ كانت مناظر رهيبة.

 

رضية: تطلعت بعد أن استعدت وعيي شفت الأولاد اللي كانوا جالسين في الخلف كان الزجاج قد طار وخرجوا صاروا يا حرام الأولاد يساعدونا يجرونا من داخل الفان ويطلعونا خارجاً لأن الباب الأمامي كان مغلقاً على أختي وعلى صهرها بنت أختي التي قطعت الأمل منها كانت غير موجودة  كانت تحت المقعد.

 

[ تعليق صوتي ]

 

إلا غدير فقدت ابنة الأربعة عشر ربيعا بين جثث القتلى الثلاثة جدتها وزوج عمتها والعامل السوري لدى العائلة وعندما سحبت من فجوة سقف الشاحنة,  كانت غدير تشعر بان جانبا من وجهها قد فصل عنها, أما ما تتذكّره جيدا فهو قافلة الأمم المتحدة التي اكتفت من مأساتهم بالتقاط الصور.

 

غدير ابنة منتهى شعيتو: اللي قدر خرج من الفان خرج جاءت خالتي سحبتني برّا وهي عم تسحبني مرت قافلة للطوارئ الـ UN  صرنا نقول لهم ساعدونا  يقولون لنا NO  ويصورونا ويضحكوا  وظلهم رايحين  مرت كذا قافلة وإسعاف ورانجات.

 

رضية: نحنا وعم ننزل إلا والأمم المتحدة مروا معهم إسعافات  معهم سيارات معهم كل شيء الأولاد صاروا يتلوون أمامهم ابن أختي كان يتلوى أنقذونا الله يخليكم ! ونحنا نأشر لهم ما كانوا يتطلعوا فينا بعد شوي فيهم شقر وفيهم سمر أولئك الشقر سحبوا كاميرا وصاروا يصورونا نحنا شو بدنا نعمل ؟ نتخبط بالدم؟ ما قادرين  اللي أيدو هيك اللي راسو هيك ثيابنا اللي علينا طاروا بقينا بالزلط  فضحونا  بقينا بالزلط!

 

غدير: أنا ما كنتش واعية على حالي, بس كنت عم شوف شوي رأيت خالتي وقد الدم يغطيها وخالتي الأخرى تصرخ وأمي تمسك يدها رأيت إخوتي وهم يصرخون ويقولون لأمي لا تموتي! وأنا صار حد قلبي يوجعني, وقلت لأمي تحفظني الشهادة. قالت لي: قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأمي غابت عن الوعي ولم تعد تكلمني, وأنا غبت عن الوعي.

 

منتهى والدة غدير: ابنتي جلست بقربي وقالت: ماما أنظري إلى حالي قلت لها: لا تخافي إن شاء الله يعالجون وجهك, وغداً تعودين كما كنت لمّا وجدت نفسي على تلك الحالة, قلت لابنة خالتي أولادي أمانة في رقبتك !  جاء أبني الصغير وصار يحنو علي ويقول: يا ماما لا تقولي أنك ستموتين الآن يأتي الصليب الأحمر و يعالجك وتعودين كم كنت.

 

[ تعليق صوتي ]

 

في مستشفى صور أوجاع الحرب بالجملة وفي المشهد  شقيقان تفوّقا على طفولتهما الحادثة في الذهن تمر كالأطياف صورة تعود في كل مرة لقافلة عسكرية  تعج بقبعات زرقاء كانوا يلوحون لها لكنها لا تتوقف.

 

رندة شعيتو: إذا جرحى ما ساعدوهم وهم ينزفون كان الدم قرب الفان مثل النهر الجاري هذه هي الأمم المتحدة.

 

كوندوليزا رايس- وزيرة الخارجية الأمريكية: آن الأوان لشرق أوسط جديد ونقول لهؤلاء الذين لا يردون شرق أوسط مختلفا إننا الغالبون أما هم فلا.

 

جورج بوش- الرئيس الأميركي: "كوندي" ذهبت بالرسائل التالية نحن ندعم حكومة السنيورة  نحن نحرص على الشعب, ونسعى إلى وصل المساعدات إننا مع وقف لا طلاق النار يدوم ولا نرغب بأمر مؤقت.

 

"
سنستمر في القيام بما بدأنا به في لبنان ليس فقط لحماية إسرائيل، أو إعادة أبنائنا إلى أرض الوطن ولكن للتأكد من أن هذا الورم السرطاني في قلب لبنان قد تم استئصاله
"
دان غيلرمان
دان غيلرمان- السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة: سنستمر في القيام بما بدأنا به في لبنان ليس فقط لحماية إسرائيل، أو إعادة أبنائنا إلى أرض الوطن ولكن للتأكد من أن هذا الورم السرطاني في قلب لبنان قد تم استئصاله.

 

جون بولتن- السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة: إذا كان المطلوب هو وقف لإطلاق النار فهذا تبسيط للأمور أريد أحدا أن يشرح لي كيف يمكن الحصول على وقف لإطلاق النار من منظمة إرهابية؟ منذ متى تم إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار بين منظمة إرهابية ودولة؟

 

[ تعليق صوتي ]

 

اجتماعان لمجلس الأمن الدولي لقاء في روسيا لمجموعة الثماني مؤتمر دولي في روما استطاعت وزير ة الخارجية الأمريكية أن تمنع صدور قرار بوقف إطلاق النار لأسبوعين متتاليين, وان تطيل أنفاس الحرب أياما أخرى.

 

منحت زيارة رايس لإسرائيل في نهاية الأسبوع الثاني للحرب مهلة جديدة  لأولمرت لتصويب أهدافه غير مكترثة على الأرجح بتصويب صورة تركتها لنفسها لدى نصف مليون مهجر يتوزعون على ملاجئ بيروت.

 

لا تعرف المواطنة اللبنانية ملكة عسيران الدكتورة كوندوليزا رايس شخصيا لكنها تعتبرها مسؤولة عن تشردها بالكامل.

 

بالنسبة إلى هذه السيدة القادمة من النبطية كان يمكن لكل هذا الذي يجري إلا يحدث لو أرادت رايس إيقاف الحرب منذ يومها الأول.

 

في العراء تحت أشجار حديقة الصنايع التي تحولت إلى أكبر مخيم للاجئين في بيروت فقدت ملكة خصوصيات حياتها.

 

وقع المدنيون بين فكي حرب قطعت عنهم حتى مسالك الهروب وقفزت قضية النازحين إلى السطح منذ  الساعات الأولى للمواجهة تحت أمطار المناشير الإسرائيلية, كانوا يفرون في كل اتجاه لجأوا إلى المدن لكبرى, وضاقت بهم بيروت التي تحولت إلى ما يشبه الملجأ الكبير.

 

لا يحمل ليل الحرب أخبارا تهدئ الأنفس إسرائيل تطلب إخلاء المزيد من القرى حزب الله يهدد بقصف ما ابعد من حيفا رايس في المنطقة من جديد ليل هذه الحرب ما زال طويلا.

 

حول ملكة تتناثر قصص قادمة من مختلف مناطق لبنان تعوّد غسان العلي أن يتعامل مع لجوئه نهارا غير أن ليل الحديقة يداهمه بالهواجس كلما نظر إلى أبنائه من حوله.

 

هواجس اللاجئين في حديقة الصنايع كانت في محلها الأسبوع الثالث للحرب سيختلف عنفا واتساعا صواريخ حزب الله  تذهب إلى  ما بعد حيفا وتضرب في العفولة والناصرة وبلدة بيسان كان صاروخ خيبر 1 يظهر للمرة الأولى والمقاومة تتحدث عن معادلة جديدة للحرب.

 

إسرائيل في المقابل تنوع الأهداف قوات مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة  في المرمى والحصيلة أربعة قتلى خامسهم قرار إدانة لن يصدر.

 

الأسبوع الثالث للحرب لن يطوى قبل أن تصل هدية متأخرة وقعها صبية الإسرائيليون لأطفال كانوا  نياماً في قانا هديتهم كما تمنّوها وصلت ثمانية وعشرون قتيلا في هجوم صاروخي نفذته طائرة إسرائيلية على الطابق السفلي لأحد المنازل المذابح في قانا تختلف دائما عما عداها.

         

شمعون بيريز- رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق: بالنسبة لنا هذه مأساة ثمة أمر واحد لا نريد أن نراه في هذا العالم وهم أن يصبح طفل ضحية للحرب.

 

جورج بوش- الرئيس الاميركي: إسرائيل تمارس حقها في الدفاع عن نفسها وناسف لسقوط الضحايا في لبنان وفي إسرائيل عل السواء.

 

إيهود أولمرت- رئيس الوزراء الإسرائيلي: أعلم أنكم جميعا تعتقدون أننا نحارب حزب الله لكن دعنا نواجه الحقيقية دولة إسرائيل تقاتل ضد الإيرانيين والسوريين الذين يستخدمون حزب الله للهجوم علينا انطلاقا من حدودنا الشمالية.

 

[ تعليق صوتي ]

 

أيقظت قانا الثانية ذاكرة الصراع تفجر الغضب في كل مكان وعلى كل شيء بيروت الملتهبة غضباً لن تستقبل وزيرة الخارجية الأمريكية التي كانت حينها في إسرائيل تفتك من إيهود أولمرت هدنة جوية بيومين لن تصمد طويلا.

 

كانت قانا توقد نار أسبوع رابع للحرب والثأر يومان بعد المذبحة أمطرت المقاومة  شمال إسرائيل بما يزيد عن ثلاثمائة صاروخ من الجليل إلى عكا أعماق أبعد, واتجاهات مختلفة ثمانية قتلى وعشرات الجرحى.

 

الرد كان بمذبحة هذه المرة في سهل البقاع ثلاثون عاملا سوريا في مزارع القاع ذهبوا ضحية غارة إسرائيلية بدت لمنفذها صناديق الثمار شحنة صواريخ.

 

رد حزب الله سيكون بأقسى ضربة تتلقاها إسرائيل خلال الحرب وذلك بمصرع اثني عشر جنديا إسرائيليا في هجوم صاروخي نفذته المقاومة على موقع عسكري في كفار جلعادي شمال إسرائيل.

 

حرب المواجهة المفتوحة أخذت أبعادها كاملة بالنسبة إلى قيادة الحرب الإسرائيلية, الوصول إلى الليطاني أصبح المنقذ الوحيد من مأزق حرب لا تحقق انجازا غيرت إسرائيل تضاريس بلدات الجنوب الواحدة تلو الأخرى بنت جبيل عيتا الشعب مارون الراس عيترون عيناتا وغيرها.

 

 تبدلت المشاهد ولم تتقدم إسرائيل الدبلوماسية العربية المتعثرة  وجدت أخيرا طريقها إلى بيروت..

 

فؤاد السنيورة- رئيس الوزراء اللبناني: "إن عروبتنا في لبنان غير مشروطة بكاء وليست بالإرغام"

 

[ تعليق صوتي ]

 

لن تحضر إسرائيل الاجتماع  المؤثر لكنها ستختتمه بما يليق عندما كان  الوزراء العرب يغادرون من بوابات صغيرة لم يتعودوها كان الطيران الإسرائيلي يحدد هدفه جيدا.

 

في الشياح جنوب بيروت حي الحجاج في منطقة الشياح قبل وقت قليل كانت هنا مبان  تضج حياة وأحياء عائلات أغلبها نزحت من الجنوب أو من الضاحية الجنوبية  قدر لها ألا تعود إلى ديارها أبدا.

 

وضعت غارة  إسرائيلية حدا لحياة سبعة وأربعين شخصا وأصابت أكثر من سبعين  آخرين لم يكن باستطاعة الوزراء العرب أن يعودوا ليشهدوا في الشياح بأي لون كتبت مقررات اجتماعهم تلك الليلة.

 

الصباح في الشياح جاء مختلفا فقد الحي شكله بالكامل تقريبا الحرب هذه المرة تأخذ على عاتقها تغيير العناوين باستثناء واحد سيظل يخرج دائما من تحت الأنقاض.

 

 فادي الدهيني: فرجوهم على وجهه والله بعدو عايش بعدو عايش والله إضحكوا له دعهم يرون وجهه كلنا عند الله إن لله وإنا إليه راجعون انبسطوا.. ما تزعلوا!

 

[ تعليق صوتي ]

 

أخذت مذبحة الشياح الكثير من فادي الدهيني فقد فادي زوجته فاطمة وابنه محمد حياة بأسرها من حوله قبرت تحت الأنقاض، غير بعيد عن المكان تستعد المقبرة لاستقبال ضحايا الشياح.

 

قبل أن تبدأ مسيرة التشييع جلس فادي عند جثماني ابنه وزوجته تمنى على الزمن أن يتوقف كيف له أن يواري الثرى جزء منه ذهب بلا رجعة.

 

عند حافة القبر يقف فادي على حقيقة فاجعته مر محمد طيفا جميلا بحياته لمدة سنتين يدرك فادي الآن أنه أصبح وحيدا إلا من أحبة يواسونه في مصابه وذكرى أسرة كأن لم تكن. 

 

تقترب الحرب من نهايتها وتأخذ الميركافا صورتها التوراتية "مركبة من نار" لكن هذه المرة تموت على الأرض, ولا تعرج إلى السماء  سيتحول وادي الحجير جنوب لبنان قبل نهاية الحرب بيومين إلى مقبرة لنحو أربعين دبابة وجرافة إسرائيلية اصطادتهم القذائف المضادة للدروع في اليوم ذاته أيضا سيقتل خمسة وعشرون ضابطا وجنديا إسرائيلياً وسيتم إسقاط مروحية وستغص مستشفيات إسرائيل بما يزيد عن مائة جريح.

 

إيهود أولمرت- رئيس الوزراء الإسرائيلي: نحن سنكسب هذه الحرب وكما قلت منذ اليوم الأول لن يكون الأمر سهلا وسيكون علينا أن ندفع ثمنا مؤلما ولكن من الأفضل الآن ندفع ذلك الثمن اليوم على أن ننتظر سنتين أو ثلاث أو أربع لنواجه ما قد يكون أكثر الأسلحة تدميرا وتخريبا وهي تنهال على إسرائيل.

 

"
بغض النظر عما يحدث في الأمم المتحدة فإنه يجب ألا يحدث فراغ يسمح لحزب الله والدول الراعية له بتحريك السلاح بالعالم
"
جورج بوش
جورج بوش- الرئيس الأميركي: بغض النظر عما يحدث في الأمم المتحدة فإنه يجب ألا يحدث فراغ يسمح لحزب الله والدول الراعية له بتحريك السلاح العالم أحيانا يسلك أيسر السبل لحل المشاكل لقد حان الوقت لتحديد الأسباب الحقيقية لكل القضايا.

 

[ تعليق صوتي ]

 

كان قرار مجلس الأمن  1701  يطبخ على نار الساعات المشتعلة ولد النص الذي تأخر كثيرا بصيغة توافق أمريكية فرنسية لم يكن القرار أكثر من مهلة أخيرة لإنقاذ حرب خاسرة.

 

في حفل اختتام أولى وقائع الشرق الأوسط الجديد, فرش أولمرت ارض الجنوب بمئات الآلاف من القنابل العنقودية زرعا مبكرا للأحقاد القادمة كانت النهاية بحاجة إلى صورة أخيرة لعلم إسرائيلي يلوح فوق أنقاض الجنوب لكن حتى هذه انتهت بجنود يطاردهم علم لا يعرفون الفكاك منه.

 

 إيهود أولمرت- رئيس الوزراء الإسرائيلي: باسم شعب إسرائيل الشكر والتقدير لقيادة الجيش والجنود والاحتياط الذين قاتلوا ببطولة وخاطروا بحياتهم في معركة ضد عدو شرس وفي حرب لا مثيل لها في تميزها بالصدق والأخلاق.

 

[ تعليق صوتي ]

 

صباح يوم الرّابع عشر من آب / أغسطس ألفين وستة خمدت نار الحرب تدفق العائدون على جنوب لن ينكرهم لكنهم لن يعرفوه على طرقات منهكة وجسور لم تعد  فتح سجل الجريمة كاملا مرت إسرائيل من هنا تاركة موتا  يتربص بالآمنين ووشما حارقا بدل الوجوه.

 

 أما في قانا تدرك زينب أن حياتها بعد جريمتهم لن تكون أبدا كما كانت. وفي بليدا سيكون على أحمد علي أن يتأقلم  مع وضع لم يتعوده. 

 

في الطيري تعرف رندة أنهم لم يتركوا حتى للموتى أن يرتاحوا في قبورهم.  بالنسبة للكثيرين في لبنان :  الآن فقط .. تبدأ الحرب.!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة