بوتين في فترته الرئاسية الثانية رئيس أم قيصر   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيوف الحلقة:

ايرينا حكامادا: مرشحة الانتخابات الرئاسية 2004
لودميلا الكسييفا: رئيسة مجموعة هلسنكي لحقوق الإنسان
فيكتور كريمنيوك: نائب رئيس معهد كندا والولايات المتحدة

تاريخ الحلقة:

25/03/2004

- نشأة بوتين
- الملف الشيشاني الطريق للزعامة

- تصفية الحسابات

- إصلاحات بوتين

نشأة بوتين

أكرم خزام: أن تصبح رئيساً في روسيا المترامية الأطراف دون أن يعرف أحد ما عنك شيئا في مرحلة وصلت فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى حد التهلكة فهذا يعني فتح الأبواب على مصراعيها للتكهنات حول فلاديمير بوتين الذي لا يظن الكثيرون أنه رأى حلما في طفولته قاده فيما بعد إلى عرش الكرملين.. ماذا إذاً؟ الولادة في السابع من أكتوبر عام 1952 لأبوين لم ينعما بمكاسب الحزب الشيوعي السوفيتي كما لم يعرفا حياة القصور الأمر الذي يمنع الحديث مستقبلا عن أن والدته الملكة أو الأميرة أو الرئيسة أورثه السلطة. ولد قبل عام من وفاة ستالين وفي حينه انتهى عهد الاضطهاد السياسي والشمولي. الأطفال في تلك الفترة كما الكبار قرؤوا في كتب الأدب وشاهدوا في دور السينما بطلا سوفيتيا ينتمي إلى الـ (كي جي بي) وأصبح البطل رمزا شعبيا في تلك الفترة وقد تكون صورة ذاك البطل رسخت في مخيلة فلاديمير وقد تكون أيضا لعبت دورا معينا في مراحل حياته اللاحقة عندما انتسب إلى الـ (كي جي بي) في منتصف السبعينيات من القرن العشرين. اللافت في صباه أنه ولع بممارسة رياضة السامبا ويعتبر معلموه أن أجهزة الاستخبارات ربما انتبهت إلى هذا الأمر لدى قبولها إياه بين صفوفها لما توفره هذه الرياضة من قدرة على التركيز الشديد والتحمل أولا وسعي حميم للانتصار ثانية كما يقولون اللافت أيضا أنه انخرط في صفوف أجهزة الاستخبارات السوفيتية بعد إنهائه كلية الحقوق وعلى الفور أوفدته الأجهزة إلى ألمانيا الشرقية عام 1985 حتى نهاية الثمانينيات اشتهر فيها بدفاعه في معركة مسلحة عن أرشيف الـ (كي جي بي) بعد انهيار جدار برلين. وإثر انهيار الاتحاد السوفيتي عمل في لينين غراد في مراكز مقربة من صنع القرار السياسي في روسيا ناهيك عن صلتها المباشرة بعائلة بوريس يلتسين والمحيطين بها من كبار الرأسماليين الروس واليهود. روسيا التسعينيات اتسمت بالاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية إلى حين 1998 حيث أعلن فعليا إفلاس الدولة الروسية وكان ذلك مؤشراً إلى أن الحسم سيكون سيد المواقف إما باتجاه تشبث يلتسين بالسلطة واستخدام العنف ضد مناوئيه أو البحث عن بديل فكان بوتين الذي أصبح لغزاً محيراً في الداخل والخارج بين مشيرٍ إلى أن الاستخبارات الروسية اختارت فلاديمير بوتين بديلا عن الرئيس الهرم يلتسين وأجبرته على التنحي عن السلطة وبين ملمح إلى أن يلتسين اختار أفضل المقربين منه ضمانا له ولعائلته وللمقربين منه على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المصالح المالية والاقتصادية.


جهاز المخابرات الروسية كان يعتبر الإمبريالية الأميركية العدو الرئيسي لها

ايرينا حكامادا - مرشحة الانتخابات الرئاسية 2004: كانت ثمة خطة لجهاز المخابرات السابق الذي كان يعتبر الإمبريالية الأميركية على الدوام العدو الرئيس ولأجل مواجهتها حيث كانت تتنبأ آنذاك وفق معلومات معينة بأن الاتحاد السوفيتي سيتفكك لأنه ليس فعالا والكل كان يفهم أن بعد هذه التطورات سيأتي إلى الحكم الديمقراطيون الذين سيفشلون وستنشب فيما بعد مشاكل كثيرة وعليه كان يجب التحلي بالصبر وانتظار الظرف المناسب لكي يسيء الديمقراطيون لمفهوم الديمقراطية وبعد ذلك يجب أن يأتي إلى السلطة اختصاصي من الأجهزة الأمنية بصفته رئيس للدولة لتوحيد الصفوف في هذه الأجهزة بغية الاستيلاء على السلطة ومن ثم إقامة نظام على غرار النظام الصيني أي نظام شمولي لمواجهة الأميركيين.

الملف الشيشاني الطريق للزعامة


بوتين كان مجهولا على الصعيد الشعبي، والناس في روسيا فقدوا الإحساس بأنهم أبناء الإمبراطورية الكبيرة وتحديداً بعد أزمة عام 1998 ولذا كان لابد من إظهاره كزعيم قوي جُهِّزَ لكي يكون قادراً على حل الملف الشيشاني
أكرم خزام: بوتين كان مجهولا على الصعيد الشعبي والناس في روسيا فقدوا الإحساس بأنهم أبناء الإمبراطورية الكبيرة وتحديداً بعد أزمة عام 1998 ولذا كان لابد من إظهاره كزعيم قوي جُهِّزَ لكي يكون قادراً على حل الملف الشيشاني أعقد الملفات التي واجهتها وتواجهها روسيا حتى الآن. وصول بوتين المكلف بالرئاسة في حينه وتحديدا في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1999 إلى الشيشان عنى أن الكرملين أراد إتباع الحزم الشديد من قبل رئيس لم يعرف عنه بعد أحد لا في الداخل ولا في الخارج وقال بوتين في حينه سوف نقضي على الإرهابيين أينما وجدوا حتى ولو في دورة المياه، إذا كان على بوتين أن يحرز نصراً سريعاً حاسماً مهما كلف ذلك من ثمن فالرئيس وحسب من أوصله إلى الحكم يجب أن يكون قوياً حازماً وأن يغير صورة الرئيس السابق الذي قبل في وقت ما أن يجلس وراء مائدة المفاوضات مع من تصفهم موسكو بوتين بالإرهابيين. الآلة العسكرية الروسية استخدمت في الشيشان كل ما لديها من أسلحة لتحقيق ما طلب منها فماذا كانت النتيجة؟ رسميا تشير الإحصائيات إلى مقتل عشرة آلاف جندي روسي وجرح أكثر من ستة عشر ألفا بينما تبرز معطيات من قبل مصادر مستقلة أن الحرب أودت بحياة خمسة عشر ألف عسكري أما عن الخسائر بين صفوف المدنيين الشيشان فحدِّث ولا حرج إذ لا توجد إحصائيات رسمية في هذا المجال بينما عجَّت المستشفيات داخل الشيشان وفي الجمهوريات المجاورة لها بالآلاف من الجرحى ويصعب الحديث عن عدد القتلى بين صفوف المقاتلين الشيشان ذلك أن الكرملين أغلق الأبواب على وسائل الإعلام المحلية والأجنبية باستثناء الرسمية للتحقق مما يجري داخل جمهورية الشيشان التي أُعلن رسميا أنها تخلصت من الإرهابيين ولم تبقَ إلى فلولهم في الجبال وأن الاستقرار بدأ يحل تدريجيا فيها بعد أن انتخب 80% من مواطنيها رئيسا لها في عملية وصفت بمسرحية هزلية. وقد يكون الكرملين نجح في إبراز الصورة عن رئيس حازم لكنه لم ينجح في إغلاق الملف الشيشاني الذي بدأ يتخذ أبعادً امتدت إلى خارج الشيشان حيث أصبح منظر الانفجارات وكأنه حدث طبيعي يجري في هذه المنطقة أو تلك من مناطق روسيا الاتحادية. اللافت أن الآلة الإعلامية في الكرملين نجحت في إخماد روح التساؤلات عند غالبية الشعب الروسي وغالبية قواه السياسي عن مغزى الحرب لكن تلك الآلة لم تنجح في إخماد أصوات ممثلي بعض منظمات حقوق الإنسان علماً أنهم أصبحوا قلة قليلة ناهيك عن صدور أوامر بمنع ظهورهم في القنوات التليفزيونية الرسمية.لودميلا الكسييفا - رئيسة مجموعة هلسنكي لحقوق الإنسان في روسيا: تسنى لبوتين إشعال فتيل الحرب مجددا في الشيشان الحرب الشيشانية الثانية أما ما فشل في تحقيقه لقد فشل في شن حرب قصيرة كما حاول جنرالاته في إقناعه بذلك على غرار ما حصل مع سلفه يلتسين إلا أن الحرب مستمرة حتى الآن ومن هذا المنطلق أعتقد أن هذه الحرب تعد جريمة رئيسية إن صح التعبير. تسنى لنا أن نسمع من بوتين مرتين تفسيراته المباشرة من خلال تصريحاته بشأن فهمه لكيفية الحرب في الشيشان وأعتقد بأنه كان صريحاً لكنه باعتقادي حاول أن يروي لنا كأعضاء في اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الحكاية نفسها التي يرويها للغرب إلا أنه كان يكرر لماذا لا نفهم أن هؤلاء الإرهابيين فرع من فروع الإرهاب الدولي وإن لم نسحق الانفصاليين في الشيشان فإن ذلك يهدد بانهيار روسيا لذا ليس بوسعي أن أحكم على مدى صراحته ليس في تصريحاته للملأ وإنما في اجتماعاته التي يفترض أن تحمل طابعا ائتمانياً وكيف يمكننا أن نعتبره أسيرا لهذه الحرب إذا كان هو مشعل فتيلها وهو المسؤول عنها أما رهائن هذه الحرب فهم أولئك الناس الذين يعيشون في الشيشان وليس بوسعي أن أتصور كيف يمكن العيش هناك فهذا يفوق فهم الإنسان إنه شيء مرعب للناس الذين يعيشون مع أسرهم وأطفالهم هناك.فلاديمير بوتين: مهمتي لا تكمن في صرف النظر عن الشيشان وإنما على عكس ذلك تماما أي جلب الانتباه إلى ما يحدث هناك وإطلاع العالم الإسلامي بأسره إطلاعه بموضوعية على العمليات الجارية في الشيشان ولعلمكم نحن اعترفنا قبل بضع سنوات باستقلال الشيشان اعترفنا بذلك فعليا وليس قانونياً إلا أن الشعب الشيشاني لم يحصل واقعياً ومن حيث الجوهر على أي استقلال وفي الحقيقة وجد هذا الشعب نفسه محتلاً من قبل قوى تتستر وراء الإسلام ولكنها في الواقع تحرض على أفكار أخرى دخيلة على الإسلام نفسه لأن الإسلام دين سلام وهو شأنه شأن الأديان السماوية الأخرى يحث على القيم الإنسانية والبر والإحسان والأخلاق علاوة على ذلك وكما تعرفون فإن الأراضي الشيشانية أصبحت في عام 1999 قاعدة لشن عدوان على جمهورية داغستان المجاورة وهي بالمناسبة جمهورية إسلامية آنذاك حمل شعب داغستان السلاح وناشد السلطات المركزية الروسية بأن تقدم المساعدة له وليس بوسعي أن أنسى تلك المشاهد والمناظر التي رأيتها بعيني سواء من خلال شاشات التليفزيون أو في موقع الحدث لأنني توجهت آنذاك إلى الموقع والتقيت بالناس هناك.

[فاصل إعلاني]

تصفية الحسابات


ساهمت بدعم بوتين في الانتخابات لأنه يملك صفتين هامتين، فهو إصلاحي بلا شك وصاحب إرادة قوية وهاتان صفتان إلزاميتان للرئيس الروسي
فلاديمير بيريزوفسكي: ساهمت بدعم بوتين في الانتخابات لأنه يملك صفتين هامتين فهو إصلاحي بلا شك وصاحب إرادة قوية وهاتان صفتان إلزاميتان للرئيس الروسي القادم.

أكرم خزام: ما إن بدأ بوتين بتثبيت أقدامه في الكرملين حتى شرع في تصفية حساباته مع من يقال إنه أوصله إلى السلطة ألا وهو الملياردير اليهودي المعروف باريس بريزفوسكي التهمة تمثلت بسرقة أموال الدولة والتهرب من دفع الضرائب ثمة من رأى أنها بداية ليثبت بوتين مقولته إن أجهزة الاستخبارات الروسية كانت وراء مجيئه إلى السلطة وإنها تريد تصفية من ساعد في إفقار روسيا حسب رأيها، وثمة من أشار إلى أنه خان العهد أمام يلتسين الذي كان وعائلته على علاقة مالية وسياسية وثيقة ببريزفوسكي الذي هرب من روسيا ليمنح فيما بعد الجنسية البريطانية في إشارة إلى أن الغرب غير موافق على سلوك بوتين، الأمر نفسه تكرر مع بارون الإعلام في روسيا في عهد يلتسين فلاديمير غوسينسكي الذي هرب إلى إسرائيل وبقى فيها حتى الآن، على صعيد آخر أقنع بوتين البرلمان الروسي باعتماد النشيد السوفيتي نشيدا لروسيا كرمز من رموز الدولة وصارت ثائرة أنصار يلتسين وقامت أجهزة بوتين بإغلاق القنوات التليفزيونية الخاصة منعا لأي انتقادات إزاء سلوك الحكم الجديد وبات واضحا أن ملامح معينة من ملامح إدارة شؤون الدولة في العهد السوفيتي القديم بدأت بالظهور من جديد، ومن أهم هذه الملامح الاعتماد على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية خاصة بعد كارثة كورسك إذ تبين للرئيس أن علائم الشيخوخة اخترقت الأسطول البحري الذي كان مفخرة للسوفيت وللروس وأن عهد يلتسين لم يعر اهتماما على الإطلاق لتلك المفخرة وشكلت كارثة كورسك امتحانا صعبا لرئيس جديد أطلق وعوداً أمام شعبه بأن روسيا ستستعيد أمجادها فلجأ إلى حملة تطهيرات في صفوف القوات المسلحة الروسية وإلى العمل على تحسين تقنياتها منعاً لحدوث كوارث أخرى يمكن أن تتعرض لهيبته بالسوء وهذا ما دفعه من جانب آخر إلى إضعاف المعارضة الروسية بشقيها اليميني واليساري مستخدماً أجهزة الإعلام الرسمية ناهيك عن النفوذ الإداري في عموم روسيا ما أدى في نهاية المطاف إلى انتصار حزبه في الانتخابات البرلمانية نهاية عام 2003 بحيث يستطيع تمرير أي قانون يريد دون حدوث بلبلات تنغص من مزاجه السياسي الرامي إلى تغليب صوته على أي صوت معارض له.

ايرينا حكامادا: إحدى المصائب في روسيا تتمثل في أنه من السهل غرس فكرة القيصر في الوعي الباطن للناس لأن الروس يصوتون على الدوام لصالح إبقاء الأمور على ما هي عليه فإذا وضعنا حكامادا اليوم في الكرملين ونصبناها رئيسة على روسيا فإن الشعب سيذهب بعد ثلاثة أيام إلى صناديق الاقتراع لينتخبها هذا رغم التهكم عليها اليوم بأنها ديمقراطية وليبرالية ونصف يابانية وابنة الشيطان هل تفهم؟ الرئيس بوتين تسلم السلطة ليس عن طريق الانتخابات في بداية الأمر وإنما قبل موعدها بقليل.

إصلاحات بوتين

فلاديمير بوتين: روسيا تطور الديمقراطية واقتصاد السوق ونحن سنمضي لاحقا أيضا على هذا الدرب وتتوفر الأسس لذلك وأقصد هنا أن نمو الاقتصاد يبلغ سنويا 6% وبصورة دورية وهذا ليس سيئا ونحن نطور نظاما سياسيا على أساس التعددية وتجري عندنا بانتظام انتخابات على مختلف الأصعدة والمستويات أي انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية وسنقوم بتعزيز هذا النظام لاحقا أيضا ونريد أن تكون روسيا بلداً حراً وديمقراطياً وذا اقتصاد سوق متطور.

أكرم خزام: مظاهرات الاحتجاج على تأخر الحكومة بدفع الرواتب للعاملين في الدولة وعلى ارتفاع الأسعار بشكل فاحش، مظاهرات الاحتجاج التي شهدتها روسيا منذ منتصف التسعينات وحتى نهايتها في القرن العشرين غابت عن المشهد السياسي منذ أن تولى بوتين السلطة فهل كان يملك عصا سحرية تساعد في تغييب تلك المشاهد التي اعتبرت فاجعة بالنسبة لروسيا الغنية بثرواتها الطبيعية والمعدنية الجواب كلا بالتأكيد ماذا إذا؟ ارتفاع أسعار النفط في العالم ساعد بوتين دون أدنى شك على حل بعض المعضلات الاجتماعية في روسيا كما ساعده في عدم الاعتماد على قروض صناديق المؤسسات المالية الغربية والبدء في سداد الديون المتراكمة على روسيا لتلك المؤسسات، بيد أن ارتفاع أسعار النفط في العالم وما جلب ذلك للميزانية العامة في روسيا لم يحقق الرفاهة للشعب الروسي باستثناء موسكو العاصمة التي حظيت بالقسط الأكبر من الميزانية العامة ومن تمركز رؤوس الأموال فيها ما جعلها تختلف تماما عن موسكو التسعينات من القرن العشرين وساعدت الثورة النفطية في تشكل الطبقة الوسطى في موسكو تحديدا، لكن ما إن تبتعد عنها وتنطلق باتجاه القرى المجاورة لها تكتشف أنك في بلاد أخرى حيث لا تتوافر الحدود الطبيعية للعيش الكريم في قرية تبعد مائة وخمسين كيلو متراً عن العاصمة الروسية تموت حتى الأبقار نظرا لعدم توفر التدفئة والأغذية اللازمة لاستمرارها في الحياة في هذه القرية التي لا تختلف إطلاقاً عن عشرات الآلاف من القرى يشكل الفراغ الحيز الأكبر من المساحة والناس هنا يعيشون حالة انتظار فهم بانتظار أن تُعبد الطرق بشكل جيد وأن تتوفر لهم وسائل الاتصالات وأن تُؤمن لهم فرص العمل بمعنى آخر يريدون العيش كآدميين لا أكثر.

مواطنة روسية من قرية شاكيري: ما أدري ما يجب قوله هاهي قريتنا التي كانت في يوما ما عامرة ويتوفر فيها كل شيء الكل كان يملك بيتا والأسر الشابة كانت تمنح بيوتنا وكان فيها دار للثقافة ومدارس ابتدائية ومتوسطة ومساكن عامة ومستودعات وبرشات أشياء كثيرة لا يمكن أن تعد بسهولة بعد ذلك جاء الأجنبي إلى قريتنا وباع له كل شيء حتى النخاع كنا نعمل في السابق كل شيء في مكانه أما الآن فلم يبق أي شيء ولم نحصل حتى على إطار سيارة أو جرارة الأرض هنا قاحلة لأزرع وأحرث ولا أي شيء أخذوا كل شيء الحاصدات والسيارات والجرارات وهنا أمام عيونكم كان هذا المكان مستودعا للحبوب كل شيء مغلق الآن كل شيء مهجور ولم يبق شخص واحد هنا ماذا حل بالشعب؟ هل فقد صوابه؟ هل يعقل أننا لم ننتج قمحا روسيا؟ أوه بلدنا لا يمكن التحكم به بوتين رجل جيد لا يمكن أن أقول شيئا آخر لكن من هو بوتين؟ فليعمل هناك حيث يجب أن يعمل رجل جيد لا أقول غير ذلك لكن لمَ الحرب في الشيشان؟ ومن سيوقف هذه الحرب؟ فمن بوتين إذا؟ هل هو دبلوماسي ربما إنه جيد كإنسان لكنه لم يقل حتى كلمة واحدة عن الزراعة والريف إنني أستمع للأخبار باستمرار لكنني لم أسمعه حتى مرة واحدة يتكلم عن الزراعة فليقل على الأقل إنه يجب إحياء الريف إلا أن أحداً ليس مهتماً بذلك وكأنه لا داعي لكل ذلك هل يعقل هذا كل شيء كان ولم يبق شيء انظروا ماذا حل بنا هذه الجزمة اشتريتها عام 1962 أما المعطف فعمرة خمسة وعشرون عاما أما ابني فيعمل عند الأجنبي مقابل أربعة آلاف روب وما عساه أن يفعل بهذا المبلغ وهو رجل بالغ دخل الأربعين من العمر فهل كُتب له أن يتقاضى أربعة آلاف روب زوجته تعمل عند صاحب مصلحة وتتقاضى أربعة آلاف روب رغم حصولها على شهادة عالية أحيانا تعمل في الشارع تبيع جسدها مقابل أربعة آلاف روب الأخرى لإطعام طفلين لكن ماذا يمكن أن تفعل بهذه النقود لا يمكنك أن تشتري بها أي شيء محسوس كل ما يمكن شراؤه بها قليلا من السكر والملح والخبز.

أكرم خزام: في ظل هذه الأوضاع التي تتفاقم يوما بعد يوم والتي لا يظهر منها إلا القليل والنادر في وسائل الإعلام الرسمية ارتأى الرئيس أن يقذف بمن اعتبرهم الهاربين من دفع الضرائب والذين قاموا بسرقة قوت الشعب والذين يحاولون منافسته على السلطة فزج بأحدهم في السجن وهو ميخائيل خودوركوفسكي صاحب شركة يوكوس إحدى كبريات الشركات النفطية الروسية واعتبرها بداية لتطبيق مبدأ سيادة القانون على شريعة الغاب التي سادت في العهد السابق.

ايرينا حكامادا: خودوركوفسكي ربما قال شيئا في الغرب من دون اتخاذ الحذر ما سبّب الإهانة على ما يبدو للرئيس نفسه وأساء إلى هيبته أعتقد بأن هذا هو السبب الأول في اعتقاله وليس للنفط علاقة بالأمر وأعتقد أن خودوركوفسكي قرر بأنه بات وشيكاً من أن يؤثر في أي شيء في العالم وبدأ يناقش وكأنه رئيس دولة في حديثه مع النخبة السياسية في الولايات المتحدة إلا أن الأميركيين ضحوا به على ما يبدو ونقلوا هذه المعلومات بطريقة ما إلى موسكو ثانيا الرئيس يحيط به عدد كبير من الأشخاص الذين يقولون له إننا بحاجة إلى المال ويجب أن نكوّن مجموعتنا لأن شركة يوكوس النفطية تشكل30% من صادرات النفط لذلك فإن كل شيء اجتمع في آن واحد فمن جهة المصالح الاقتصادية والحاجة إلى المال ومن جهة أخرى إهانة شخصية للرئيس من خلال سلوك خودوركوفسكي.

أكرم خزام: ولم يتوقف بوتين عند ذلك فقام بإقالة الحكومة التي كانت قد عُينت في عهد سلفة يلتسين متهما إياها بالتقصير في جمع الضرائب وإجراء الإصلاحات الإدارية وعدم القضاء على الفساد الحكومي منهياً بذلك آخر ورقة من أوراق الرئيس السابق.

فلاديمير بوتين: إقالة الحكومة أمر تمليه الرغبة في تحديد موقف إزاء نهج تطور البلاد بعد الرابع عشر من مارس من عام 2004 وأعتقد بأن مواطني روسيا يحق لهم ويجب أن يعرفوا الاقتراحات بخصوص تشكيلة أعلى هيئة سلطة تنفيذية في البلاد في حالة انتخابي رئيساً.

أكرم خزام: في فترته الرئاسية الأولى أراد بوتين تغيير صورة بلاده التي ارتسمت في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى نهاية التسعينات من القرن العشرين لم يبق باب مطار إلا وطرقه باستثناء أبواب مطارات البلدان العربية وإفريقيا وإسرائيل وحمل في جعبته في كل سفرة رسائل مفادها أن الحرب الباردة انتهت وأنه لابد من تغيير النظرة إلى البعبع النووي الروسي فهو أي البعبع لا يريد استعداء أحد أو الهجوم على أحد لكنه واثق من إمكانية حماية أمن وحدود بلاده بيد أن رسائل ممثل البعبع النووي ذهبت أدراج الرياح عندما قيل له إن العسكريين الأميركيين سيدخلون آسيا الوسطى القريبة من حدوده لمحاربة ما سمي الإرهاب في أفغانستان فلم يستطيع فعل شيء في البداية ظنا منه أن أولئك العسكريين سيسقطون الواحد تلو الآخر في الأعماق الأفغانية، وعندما أدرك أن الوجود العسكري الأميركي غير محدد زمنيا تحرك باتجاه قرغيزيا وأقام هناك قاعدة عسكرية لبلاده بمحاذاة الأميركيين. وبعد أن فشل البعبع النووي في إقناع الولايات المتحدة بعدم شن حرب على العراق استضاف زعماء الدول الكبرى ليلم شملهم بعد الخصام الذي حدث جراء تلك الحرب وقال لهم لنحاول نسيان الماضي والتركيز على حل القضايا الدولية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

فيكتور كريمنيوك - نائب رئيس معهد كندا والولايات المتحدة: أعتقد أن ثمة خيبة أمل كبيرة لدى الغرب إزاء بوتين فقد اعتبروه في البداية رجل إصلاحات ورجلاً مخلصاً لمثل الديمقراطية بغض النظر عن ماضيه أما الآن فقد أخذ الجميع بإعادة النظر في الموقف من بوتين وباعتقادهم فإنهم ارتكبوا خطأ أو أنه ضللهم وأن مثاله الأعلى ليس إرساء الديمقراطية في روسيا بل إقامة دولة شمولية فيها وعلى هذا الأساس سيخرجون باستنتاجات مفادها هل الغرب بحاجة إلى روسيا من هذا النوع وفي حالة الولايات المتحدة أليس من الأفضل اعتبار روسيا عدواً عند إذٍ ستجد الكثير من المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة حلولا تلقائية مثل توسع حلف شمال الأطلسي ونشر أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ والانتقال إلى أنظمة تسلح جديدة والاستمرار في إنفاق أموال طائلة على الأغراض العسكرية كل شيء سيكون مبرراً لماذا لأن روسيا المزودة بالصواريخ عدو.

أكرم خزام: البعبع النووي لم يستطع منع اقتراب الناتو من حدوده كما لم يفلح في ثني الاتحاد الأوروبي عن قبول أعضاء جدد مشيرا بأسف إلى أن روسيا تغيرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لكن التفكير الأوروبي حيالها ظل على حاله.

فلاديمير بوتين: يجب أن أقول أن الاتحاد السوفيتي لم يعد موجوداً في الخارطة السياسية وإذا اعتبرت روسيا في العهد السوفيتي مجالاً واسعاً فإنها تغيرت بشكل جذري أما العالم الغربي فلم يتغير التجارب دلت والعديد من المفاوضات دلت أيضاً أن آثار الماضي من حيث طريقة التفكير ومن حيث طريقة الفعل بقيت على حالها.

أكرم خزام: بوتين تربع على عرش الكرملين لولاية رئاسية ثانية بعد أن تخلص نهائياً من إرث يلتسين في المجالين الاقتصادي والسياسي الثقيل حسب رأيه فهل سيكون قادراً على إحداث نقلة نوعية تعيد لروسيا هيبتها على الصعيد الدولي وتخلصها من أزماتها على الصعيد الداخلي سؤال يبقى معلقاً بانتظار ظهور نتائج ما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة