إصلاح السلطة الفلسطينية وموضوعات أخرى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:27 (مكة المكرمة)، 23:27 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

19/05/2002

- إصلاح السلطة الفلسطينية بين الإذعان لشارون وتلبية مطالب الشارع الفلسطيني
- قبول العراق تعديل نظام العقوبات

- الأزمة السودانية وتأثيرها على العلاقات الخارجية

- علاقات روسيا وحلف شمال الأطلسي

- الانتخابات الهولندية وتحول جذري إلى اليمين الأوروبي

جميل عازر
جميل عازر: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

عرفات يبدأ عملية الإصلاح في السلطة ومؤسساتها فهل هذا إذعان لمطالب (شارون) أم تلبية لمطالب الشارع الفلسطيني؟

العراق والأمم المتحدة قبول قرار تعديل نظام العقوبات بديل مرونة وحسابات واقعية، أم انعدام الخيار في سبيل رفع الحصار؟

وروسيا وحلف شمالي الأطلسي علاقة دافئة تزيل معالم الحرب الباردة، أم شراكة استراتيجية تكرس المصالح الذاتية؟

إصلاح السلطة الفلسطينية بين الإذعان لشارون وتلبية لمطالب الشارع الفلسطيني

إذاً أعلن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بل واعترف صراحة بوقوع أخطاء، وبأنه يتحمل المسؤولية عنها، وفي ظل الظروف الراهنة يُعذر ياسر عرفات إن هو لم يُعلن استقالته بعد هذا الاعتراف أسوةً بالأسلوب المتعارف عليه في الدول الديمقراطية، وبينما يبدو أن دعوته لإجراء ما يصفها إصلاحات نابعة من تجاوب مع رغبات الشارع الفلسطيني فإن اعتبارها إذعاناً لمطالب (شارون) ونداءات بل انتقادات (بوش) ليس بعيداً عن واقع الحال.

انتفاضة الأقصى
تقرير/حسن إبراهيم: تُرى هل حقاً منعت الفوضى زيارة عرفات إلى مخيم جنين، أم أن المشاعر المتأججة في المخيم الذي شهد أعنف مقاومة فلسطينية للاجتياح الإسرائيلي الأخير أخافت حرس الرئيس؟ لا أحد يعلم بالتحديد، لكن مما لا شك فيه أن خطاب عرفات أمام المجلس التشريعي الفلسطيني بالإضافة إلى ما نجم عن مؤتمر شرم الشيخ وتصويت الليكود ضد إقامة دولة فلسطينية قد أوضحت عناصر المرحلة القادمة، وقد وضحت الصورة أمام كل من غضب من إبعاد بعض المعتصمين في كنيسة المهد أو من امتعض من إذعان الرئيس الفلسطيني للمطالبات الإسرائيلية الأميركية بإجراء تغيير جذري في بنية السلطة، إصلاحات جذرية في كيان السلطة وانتخابات بلدية قبل نهاية العام وانتخابات برلمانية ورئاسية بلدية قبل نهاية العام وانتخابات برلمانية ورئاسية في مطلع العام القادم واحتمالات دمج الأجهزة الأمنية الفلسطينية كلها تحت سلطة وزير واحد، أجندة حافلة، إلا أن وعد الرئيس الفلسطيني بإنشاء حكومة تتمتع بأكبر قدر من الشفافية والكفاءة يدل على أن هناك نقطة تتقاطع فيها مواقف الشعب الفلسطيني مع المطالبات الأميركية الإسرائيلية، ويدل كذلك على عمق أزمة الزعيم الفلسطيني، فهو مطالب بالتخلص من كثيرين كانوا ومازالوا يعتبرون من رموز السلطة التي يبدو أنها لا تتمتع بشعبية كبيرة في الشارع الفلسطيني، وقد قاوم عرفات كل المحاولات في الماضي لإقصاء من يحيطون به إلا أن الظرف الحالي يستدعي إجراءات حاسمة، من ناحية أخرى وعلى الصعيد الإسرائيلي رفضت اللجنة المركزية لحزب الليكود طلب (آرييل شارون) تأجيل التصويت على رفض قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، والذي قدمه تيار الصقور بقيادة (بنيامين نتنياهو) رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، ورغم رد السلطة الوطنية الفلسطينية الغاضب فإن العارفين ببواطن الشأن الفلسطيني يعتقدون أن الرئيس الفلسطيني كان يتوقع ذلك القرار، وأنه يراهن على إمعان اليمين الإسرائيلي في التطرف لإحداث شرخ ما في علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة، لكن المعضلة في الصراع تبدو جلية، فإسرائيل تطالب عرفات بإيقاف العمليات الفدائية ومنظمات فلسطينية مثل حماس والجهاد وكتائب الأقصى ترفض التوقف، وبينما يجتاح شارون المدن الفلسطينية كلما عنَّ له ذلك تواصل السلطة الفلسطينية اعتقال الناشطين من المقاومة الإسلامية وغيرها من الفصائل، ويخشى المراقبون أن ذلك قد يدفع بالفلسطنيين خطوة أخرى في طريق الحرب الأهلية.

قبول العراق تعديل نظام العقوبات

جميل عازر: جاءت مبادرة العراق إلى الإعلان عن قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي لتعديل نظام العقوبات المفروضة عليه من دون مماطلة أو تسويف مفاجأة، والمفاجأة هنا تعود إلى مقارنة هذا القبول بسياسة الرفض التي انتهجتها حكومة الرئيس صدام حسين إزاء قرارات مجلس الأمن، لأن بغداد تعتبرها قرارات أميركية في المقام الأول، ولهذا مبررات، أما إذا كان القبول الآن دليلاً على مرونة وحسابات أكثر دقة وليس انصياعاً فإن القراءة الواقعية للمواقف الدولية إزاء الملف العراقي تطور سيزيد من قوة حجة العراق في مقارعة الخصوم.

إحدى المنشآت النفطية العراقية
تقرير/سمير خضر: قد يقول قائل إن البترول هو سعد الدول، وآخر إنه نحسها، وهذا المثل ينطبق تماماً على العراق الذي يهيمن على ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، ورغم أن حرب الخليج الثانية أدت إلى انقطاع تدفق الذهب الأسود من بلاد الرافدين سنوات عديدة، فإن السوق الدولي لم يتأثر بالقدر الذي كان يخشاه أرباب الصناعة الغربية وبورصات العالم الرأسمالي، لكن الطلب على بترول العراق ظل ثابتاً، وما صفقة النفط مقابل الغذاء التي اعتمدها مجلس الأمن إلا صورة من صور ارتهان الأمم المتحدة إلى الهيمنة الأميركية التي تحمي مصالح اقتصادية بحتة على الرغم من تلميع هذه الصفقة وتقديمها على أنها هبة من الغرب لمساعدة الشعب العراقي المغلوب على أمره.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر دفعت بالملف العراقي من جديد إلى الأضواء، فالحرب التي أعلنها بوش على ما يعتبره إرهاباً تمهد له الطريق لإنجاز ما عجز والده عن تحقيقه الإجهاز على نظام الحكم في بغداد، لكن رغبة البيت الأبيض شيء وتأليب العالم على العراق شيء آخر، واشنطن بدأت منذ فترة تقرع طبول الحرب ضد بغداد بحجة عدم انصياع بغداد لقرارات مجلس الأمن وسماحه بعودة مفتشي الأسلحة الدوليين، وبدأ البنتاجون يسرِّب لوسائل الإعلام تفاصيل ما يُفترض أن تكون حملة عسكرية غير مسبوقة لا ينقصها سوى موافقة بعضٍ من دول المنطقة، لكن بغداد استبقت هذا المخطط بحملة دبلوماسية عربية ودولية تمخضت عن عودة الحوار مع الأمم المتحدة حول عودة مفتشي الأسلحة ملمِّحة إلى مرونة ما في موقفها تجاه هذه المسألة، ويبدو أن واشنطن فهمت، ولكن بشكل متأخر أهداف التحرك العراقي، فسارعت إلى محاولة توجيه ضربة جديدة لبغداد تتمثل في حمل مجلس الأمن على تبني مشروع العقوبات الذكية الذي فشلت في تحقيقه العام الماضي، وبالفعل تبنى مجلس الأمن نظاماً جديداً بديلاً لنظام النفط مقابل الغذاء يتيح نظرياً للعراق استيراد ما يشاء من مواد باستثناء قائمة من ثلاثمائة صفحة تعتبر مواد ذات استخدام مزدوج، لكن بغداد فجَّرت مفاجأة جديدة بإعلانها الموافقة على التعامل مع هذه القرار، أي مع قائمة الممنوعات هذه لتسحب بذلك من واشنطن آخر ورقة يمكن أن تستخدمها لتحريض العالم ضد العراق.

جميل عازر: وينضم إلينا من بغداد ناظم الجاسور (أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد).

أولاً: أستاذ ناظم، في تقديرك ما الذي يعنيه قبول العراق بنظام العقوبات المعدَّل بالنسبة للشارع العراقي؟

د. ناظم الجاسور: شكراً جزيلاً أستاذ جميل، الحقيقة مثل ما تفضلتم في البداية، فإن قبول العراق هو دليل على المنهج الثابت، الذي اختطه العراق منذ أكثر من 5 سنوات، هو مسألة الخروج من هذا الحصار، ورفع المعاناة عن الشعب العراقي، ولا أعتقد بأن هناك في كل شيء إيجابياً 100%، وسلبية 100%، وأعتقد إن هذا القرار هو جاء نتيجة لمناقشات استمرت أكثر من عام، في البداية كانت هناك 48 مادة مزدوجة الاستخدام، ثم تطورت إلى 160 مادة تضمنتها أكثر من 300 صفحة، القراءة البدائية أو الأولية للقرار تبدو إن الدبلوماسية السورية، أعتقد لعبت دوراً في إدخال بعض التعديلات، وهذه التعديلات هي أعتقد في صالح العراق، وخصوصاً إن القرار أشار صراحة إلى نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، هو حق أي دولة في الدفاع عن نفسها في حالة تعرضها إلى عدوان خارجي، إضافة إلى ذلك فإن القرار نص على عملية التجديد.

جميل عازر: طيب.. نعم.

د. ناظم الجاسور: بالعمل بمذكرة التفاهم حتى 25 نوفمبر القادم، أعتقد هذه النقاط هي نقاط إيجابية.

جميل عازر: أستاذ.. أستاذ.. أستاذ ناظم، أستاذ ناظم عفواً أقاطعك، نريد أن نعرف هل في تقديرك في هذا القبول تغيير في الموقف الرسمي من القرارات الدولية؟ بمعنى هل سنرى مثلاً قبول بغداد بعودة المفتشين.. مفتشي الأسلحة الدوليين؟

د. ناظم الجاسور: أعتقد أن العراق دأب على قبول كل القرارات، وليس هناك قرار من قرارات الأمم المتحدة لم ينفذها العراق، وخصوصاً.. حتى القرارات التي كانت جائرة وخصوصاً القرار 687، مسألة القبول بعودة المفتشين، هذه تخضع إلى آلية تنفيذ هذا القرار وإلى عملية الحوار مع الأمم المتحدة لوضع الصيغة النهائية لتنفيذ هذا القرار وأعتقد إن هذه المهمة ستتكفل بها وزارة الخارجية العراقية، والأمانة العامة للأمم المتحدة في الحوار المرتقب القادم.

جميل عازر: طيب هل.. هل تتفق مع قول الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن قبول العراق بالقرار 1409 هو خطوة إيجابية ويعني أن مسألة رفع العقوبات في طريقها إلى حل؟

د. ناظم الجاسور: أعتقد أن السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية دائماً يبحث في إنهاء الملفات التي طوقت العراق بهذا الحصار الظالم، وهذه الخطوة فعلاً إنها إيجابية لأن قبول العراق سوف يسد كل المنافذ ويقطع الطريق على الأقل أمام الدول التي مترددة في تأييد العراق فيما يتعلق إذا قامت الولايات المتحدة بضرب العراق وخصوصاً إن النوايا الأميركية لازالت مهيأة إلى هذه النقطة، وتشن يومياً حرباً نفسية، وهناك تصريحات من البنتاجون، وهناك تصريحات من لندن تعد السيناريوهات لضربة أخرى، وهناك من ينفي، إذن هناك حرب نفسية وهناك مخططات تأتي لتصفية ما تبقى من التضامن العربي، فأعتقد إن العراق وقف في هذه النقطة وقفة أثبت للعرب بأنه يستطيع العراق أن يراهن على التضامن العربي، ويراهن على قدرة الشعب العراقي.

جميل عازر: طيب هل.. هل من بديل لعودة المفتشين الدوليين إلى العراق، أستاذ ناظم في تقديرك؟ يعني كيف يمكن للعراق أن يقنع المجتمع الدولي، أن يقنع مجلس الأمن بأنه لم يعد يمتلك أسلحة دمار شامل، ولا يقوم بتطوير مثل هذه الأسلحة؟

د. ناظم الجاسور: سيدي العزيز، أعتقد إن الملف الخاص بأسلحة التدمير الشامل قد أغلق في نسبة 85% أو 90% في عام 1995 عندما صرح (راف أوكيوس) بهذا الخصوص وتصريح (راف أوكيوس) الآن موثق في كل المجلات وفي الإنترنت وفي كل الوثائق التابعة للأمم المتحدة، تبقى المسألة هنا هل إن الولايات المتحدة تستطيع أن تثبت للعالم، أو إن العراق يثبت للعالم بأنه قد أنجز ما تم الالتزام به بموجب القرار 687؟

أعتقد إن هذه مسألة سياسية، وتصفية حسابات قديمة ما بين الإدارة الأميركية والعراق، الولايات المتحدة تعتبر العراق خطراً على مصالحها في المنطقة، الولايات المتحدة تعتبر إن انتهاج سياسة خارجية مستقلة تنحو نحو الانتماء القومي ونحو تضامن عربي، ونحو إحقاق الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وتطبيق الشرعية الدولية، وعدم الكيل بمكيالين تعتبر خطر على مصالحها في المنطقة وأعتقد إن هذه المسألة هي مسألة سياسية.

الأزمة السودانية وتأثيرها على العلاقات الخارجية

جميل عازر: دكتور.. دكتور ناظم الجاسور في بغداد، شكراً جزيلاً لك.

أثارت محادثات الرئيس السوداني عمر البشير مع الرئيس حسني مبارك في القاهرة تساؤلات حول الأهداف والدوافع، فقد جاءت وسط الإعلان عن تقرير رفعه إلى الرئيس الأميركي مبعوثه (جون دانفورث) الذي يرتأي إمكانية حل المشكلة السودانية باقتسام عائدات النفط بين الخرطوم والحركة الشعبية، وتشكيل لجنة مراقبة دولية للحريات الدينية في السودان، لكن القاهرة توازن بين مصالحها الوطنية والاستقرار في السودان، وقد تجد في التنسيق بين مبادرتها المشتركة مع ليبيا، ومبادرة (الإيجاد) ما يخدم مصالح البلدين.

حسني مبارك يتحدث مع عمر البشير
تقرير/حسن إبراهيم: وجود الرئيس السودان في القاهرة لبحث تفعيل المبادرة المصرية الليبية لإحلال السلام في جنوبي السودان يبدو منقوصاً، لغياب كثير من الأطراف الفاعلة في الأزمة، فرغم استعداد القاهرة وطرابلس لاستضافة ملتقى الحوار الجامع بين الأطراف السودانية المتنازعة، انتقل زمام المبادرة إلى واشنطن التي دخلت بقوة كطرف أصيل في جهود السلام السودانية، فالولايات المتحدة التي يرى كثيرون أن عينها على قطاع النفط السوداني طرحت على لسان مبعوث الرئيس الأميركي إلى السودان (جون دان فورث) مجموعة من المبادئ الأساسية مثل تقرير المصير واقتسام عائدات النفط بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو ما يدخلها في صدام مع المبادرة المصرية الليبية التي فصلت على مقاس احتياجات الأمن القومي المصري، حيث تستبعد تقرير المصير لاحتمال أن يقود إلى انفصال جنوب السودان أي إقامة كيان يشكل حاجزاً إضافياً ما بين مصر ومنابع النيل، لكن الرئيس البشير في مأزق متعدد الأطراف، فالمعارضة السودانية ترى في تعديل البشير للدستور السوداني بحيث يسمح له بالترشح لعدد غير محدود من الدورات إجهاضاً مبكراً لمساعي المصالحة السودانية الشاملة وقطعاً للطريق أمام أي محاولات للتداول السلمي للسلطة، أما الحركة العشبية لتحرير السودان فهي ترى في اتفاق السودان وأوغندا على التعاون التعاون الأمني التفافاً على واقع سياسي فاقمت من حدته الحكومة السودانية وذلك بسماحها للجيش الأوغندي بتعقب قوات جيش الرب الأوغندية المعارضة داخل الأراضي السودانية، ويذكر أن جيش الرب نفسه قد تسلح في السودان واستخدمته الخرطوم كرد على استضافة (موسفني) للجيش الشعبي لتحرير السودان، أما (موسفني) ورغم علاقات بلاده المعقدة بالعالم الغربي فتربطه صلات تجارية ضخمة بالسودان، لكن لا يعتقد أن الظروف الدولية أو الإقليمية ستمكن (موسفني) من فتح حدوده للجيش السوداني كي يتعقب قوات المعارضة السودانية، وهكذا يبدو أن مركز الثقل لعلاقات السودان الخارجية ما عاد في القاهرة، وأن مباحثات البشير ومبارك كانت محدودة الأطر.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

الانتخابات الهولندية برهان على تحول جذري إلى اليمين في أوروبا، ولكنه بدأ منذ أيام (تاتشر) و(ريجان).

[فاصل إعلاني]

علاقات روسيا وحلف شمال الأطلسي

جميل عازر: اتخذت روسيا والولايات المتحدة وحلفاؤها في (الناتو) خطوتين من شأنها أن تدفنا إلى غير رجعة كل ما تبقى من رواسب الحرب الباردة، فالاتفاق على تخفيض الترسانة النووية لدى كل من موسكو وواشنطن، والإعلان عن مجلس (الناتو) وروسيا في مجال مكافحة الإرهاب وتهديدات أخرى تطوران لهما مدلولات على الخط الذي تسير فيه العلاقات بين الجانبين، رغم الإيجابيات في مثل هذين الاتفاقان فإن الاعتقاد بأن الود أصبح رابطاً في هذه العلاقات ليس واقعياً ولكل شيء ثمنه.

حلف الناتو
تقرير/ سمير خضر: لطالما نظرت روسيا اليوم خليفة الاتحاد السوفيتي إلى مثل هذه الاجتماعات بعين الريبة، حلف شمالي الأطلسي كان العدو الرئيس لموسكو العقل المخطط لكل ما كان يمكن أن يشكل نواة حرب بين الكتلتين اللتين كانتا تتنازعان زعامة العالم، غير أن روسيا (بوتين) غير روسيا الشيوعية ورغم أن الرئيس السابق (يلتسين) طرق باب الناتو) عدة مرات فإن أبواب الحلف بقيت موصدة في وجهه، ولكن هذه المرة فتحت الأبواب أمام (بوتين) ووافق مجلس حلف الأطلسي على منح موسكو وضعاً يؤهلاه للاعتراض على بعض قراراته، فما هو الثمن الذي ستدفعه روسيا بوتين مقابل هذا الكرم الأطلسي؟ البعض يدعي أن هناك صفقة ما تمت في الخفاء تقضي بتليين موسكو موقفها تجاه بعض القضايا التي تعتبرها موسكو حساسة مثل العراق، والبعض الآخر يبدو أكثر تفاؤلاً من حيث أن الاتفاق الجديد ينهي وإلى الأبد فصول الحرب الباردة، ورغم أن بوش وبوتين صرحا عدة مرات بأن الحرب الباردة قد ولت إلى غير رجعة، فإن الواقع كان يقول غير ذلك، إذ إن أهم مخلفات المواجهة كانت آلاف الرؤوس النووية التي ظلت تشكل ترسانة توازن الرعب بين العملاقين، فواشنطن وموسكو لا تزالان تمتلكان أكثر من 14 ألف رأس نووية استراتيجي وهو ما يؤهلهما لمسح كافة آثار البشرية من على وجهة الأرض 4 أو5 مرات، أضف إلى ذلك تكلفة صيانة وتحديث هذا المخزون النووي الاستراتيجي والتي بدأت تلقي بأعبائها المالية على كلا البلدين، فواشنطن بحاجة لهذه الأموال لتطوير نظام الدرع الصاروخي الجديد الذي أثار اعتراضات موسكو وبكين ومعظم العواصم الأوروبية.

أما موسكو فإن الأزمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها تجعلها غير قادرة ليس فقط على صيانة أسلحتها الاستراتيجية، بل أيضاً تفكيكها بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع واشنطن،و الذي سيتم توقيعه خلال زيارة الرئيس الأميركي القادمة للعاصمة الروسية، هذا الاتفاق يرى فيه بعض المحللين بداية عصر جديد من العلاقات بين الشرق والغرب، في حين أن البعض الآخر يعتبره مجرد حلقة جديدة في مسلسل التجاذب والتنافر بين البلدين، معركة جديدة بمسميات جديدة لا تعتمد الصاروخ النووي وقوداً.

جميل عازر: ومن موسكو تنضم إلينا لينا سوبونينا (المحللة السياسية) لينا أولاً أين تكمن أهمية الشراكة الجديدة بالنسبة لروسيا؟

لينا سوبونينا: فعلاً نحنا دخلنا في الطريق إلى العصر الجديد، طبعاً نحن في بداية هذا الطريق ولا نرى وين هينتهي، هل هننجح في هذه العلاقة الاستراتيجية الجديدة، أو بالعكس؟ لأنه لحتى الآن لا توجد هناك ثقة بين الطرفين وخاصة بين روسيا وأميركا، هناك مثلاً سؤال إذا انتهت الحرب الباردة فمن أجل شو الحفاظ على حلف الناتو اللي هدفه الأساسي كانت مواجهة مع الاتحاد السوفيتي؟ أنا أعتقد إنه هذه المعاهدة اللي هيتم توقعيها في موسكو بين الرئيسين بوش وبوتين هي فقط شكلية وهي نوع من الدعم للرئيس بوتين من قبل الأميركان في ظروف معارضة شديدة من قبل العسكريين الروس للنهج الجديد اللي اتخذه بوتين في التقارب مع أميركان.

جميل عازر: طيب كيف يبدو لك حلف الأطسي الآن من موسكو؟ هل لا يزال يشكل مصدر تهديد للروس؟

لينا سوبونينا: هو بصراحة في الأحاديث غير الرسمية الدبلوماسيين الروس الآن ليس خائفين من.. حتى من اتساع حلف الناتو نحو الشرق مثل ما كان في السابق، ولكن لحتى الآن يتساءلون: من أجل شو هذا الاتساع؟ طبعاً ليس هناك فرق كبير في حالة الحرب مثلاً هل يوجهون علينا الضربة من بولونيا أو من دول البلطيق اللي هتنضم إلى حلف ناتو في هذا الخريف في نوفمبر؟ ولكن مبدأ روسي كان أنه كانت تعارض مثل هذا الدخول، دخول أعضاء جديدة في حلف ناتو، فهناك عدم الارتياح النفسي في موسكو، إذا روسيا كانت تعارض هذا الشيء فليش قبول هؤلاء الأعضاء الجدد؟

جميل عازر: طيب لينا، نعم.

لينا سوبونينا: هناك أيضاً أمل، أيوه

جميل عازر: لينا، يعني الآن دخلت روسيا في أحد أجهزة صنع القرار في (الناتو)، في تقديرك ما هي تداعيات مثل هذه الخطوة؟

لينا سبوسونينا: طبعاً صلاحيات جديدة اللي استلمت عليها روسيا محدودة جداً، فعلاً هذه الخطوة هي خطوة إيجابية، ولكن روسيا لن تشارك في أي عمليات أو مناورات عسكرية لحلف الناتو، وهتشارك فقط في الاجتماعات مخصصة لمواضيع معينة مثل مكافحة الإرهاب وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولكن روسيا بحضورها في هذه الاجتماعات هتحاول أن تؤثر على حلف الناتو عشان تغيير هذه المنظمة.

روسيا تعتقد أنه دور المنظمة العسكري انتهى، فلازم تتحول على الأقل إلى منظمة سياسية فقط لم تهدد جيران.. أعضاء هذه المنظمة، وروسيا تحاول أن تنجح في هذا الشيء، لأنه إذا صارت حلف الناتو منظمة سياسية فلن يكون هناك أي خوف من قبل الروس، وممكن تدريجياً حتى هتنتهي هذه المنظمة كمنظمة.

الانتخابات الهولندية وتحول جذري إلى اليمين الأوروبي

جميل عازر: لينا سوبونينا في موسكو، شكراً جزيلاً.

كانت نتيجة الانتخابات التشريعية في هولندا أقوى من هزة للمسرح السياسي الأوروبي بوجه عام، فإضافة إلى أن هزيمة حزب العمال الذي حكم البلاد لليبرالية التي تميز بها المجتمع الهولندي، لابد وتعتبر مؤشراً على تحولٍ واضح في أوروبا نحو اليمين، ويمكن القول أن هذا التحول ناجم في الأساس عن نزعة قومية كرد على العولمة التي تلغي الحدود، وعلى موجات هجرة الأجانب التي تهدد بتذويب الخصائص القومية.

فيم كوك يصفق أمام زعيم حزب العمل عقب تلقيهما نبأ خسارة حزبهما
تقرير/ جيان اليعقوبي: دابت أوروبا منذ بزوغ الولايات المتحدة كقوة وحيدة لها الكلمة الفصل في النزاعات الدولية على الاقتداء بالأميركيين، تيمناً بنظرية اقتداء المغلوب بالغالب، وهكذا فعلت حتى في السياسة الداخلية، ففوز (بوش) اليمني المحافظ جعل أوروبا كلها تستدير إلى اليمين، والبداية لم تكن من (لوبان) و(فورتان)، بل من (ريجان) و(تاتشر) الذين غرسا النبتة وآن الآن حصادها.

فهما بدأ مبكراً المعركة ضد كل ما يمثله اليسار في أوروبا من تأمينات اجتماعية سخية وتعويضات بطالة تطال الجميع من المواطن إلى المهاجر، وشبكة ضمان صحي تعالج الجميع، فلم يكن في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية ما يسمى بالبدون، فالجميع يتقاسمون ثمار الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، وهذه الإنجازات أتت في الأساس لردع المواطن الأوروبي الغربي عن التفكير في التطلع شرقاً، فالأفكار الشيوعية قد تهدد الحكومات الغربية التي خرجت من الحرب مثخنة بالجراح، ومهددة بالدب الروسي، فعمدت إلى الأخذ بالحل الوسط، أي حرية على الطريقة الغربية وضمانات اجتماعية على الطريقة الشرقية، مع (مارشال) أميركي لتقف أوروبا على قدميها بأسرع ما يمكن، ولكن هذا كله انتهى مع انتهاء آخر فصول الحرب الباردة، فلم يعد هناك عدو يهدد الغرب، و الاتحاد الأوروبي أكمل بناء قواعده الدستورية، وبدأت التاتشرية تصبح مدرسة جديرة بالاقتداء، وبدأ الناخب الأوروبي يدرك كم ترهلت الطبقة السياسية وأصبحت بعيدة عن همومه اليومية، التي تغيرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأصبحت الخدمات العامة التي اعتاد على مستواها الراقي تثير سخطه، مثل قوائم الانتظار الطويل في المستشفيات الحكومية، والمدارس الفقيرة في تجهيزاتها، والطرق المكتظة، ومعدلات الجريمة المرتفعة، وانتشار المخدرات، وإذا كان هدف الناخب الهولندي هو هز المؤسسة السياسية فقد نجح في ذلك، ولكن السؤال الآن سواءً بالنسبة للناخب العادي أو للنواب الجدد هو ماذا بعد؟ كيف سيستجيب هذا اليمين الجديد العديم الخبرة، والجديد على الساحة السياسية لتطلعات الناخب الأوروبي بعيداً عن مزايدات (لوبان) و(فورتان)؟ وكيف سيكون شكل أوروبا بعد خمسين عاماً من الآن؟

جميل عازر: إذن بهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت. فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة