هاشمي رفسنجاني .. أهداف الثورة الإيرانية   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

هاشمي رفسنجاني
غسان بن جدو
غسان بن جدو:

السلام عليكم ورحمة الله، ضيفنا هذا المساء في لقاء خاص هو الرئيس الإيراني السابق الشيخ (أكبر هاشمي رافسنجاني) بعد تنحيه من الرئاسة لاعتبارات دستورية قبل نحو سنتين يتولى الآن مسؤولية كبرى في نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية .. مسؤولية رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو بمثابة الهيئة الاستشارية العليا لولي الفقيه .. المرشد.

طبعاً، عندما نتحدث عن رافسنجاني لا نستطيع أن نتحدث عن شخص مسؤول في إيران بقطع النظر عن أهمية مسؤوليته هذه، نحن نتحدث عن رمز للثورة في إيران الرجل كان من قادة الثورة، الرجل كان من رفاق الإمام الخميني، الرجل يعتبر من الذين بنوا -فعلياً وعلى الأرض- دولة الجمهورية الإسلامية، تولى مسؤوليات عدة .. كان أول رئيس للبرلمان ثم كان أو رئيس للجمهورية بعد وفاة الإمام الخميني.

والآن سيعود إلى لساحة بقوة رغم أنه كان دائماً موجوداً وحاضراً، ولكنه غاب بعض الشيء عن الصورة، الآن عاد الساحة بقوة، وهو الآن يتهيأ ليكون ربما رئيساً من جديد في مجلس الشورى الإسلامي في إيران .. نرحب بكم سيادة الرئيس هاشمي رافسنجاني في هذا اللقاء الخاص، ونشكركم سلفاً لأننا نعلم بأنكم قبلتم وأخذتم قناة الجزيرة لهذا الحوار بعد فترة طويلة.

سيادة الرئيس، طبعاً -كما قلت- أنتم كنتم من المقربين للإمام الخوميني، وحوارنا هذا يُثبت وأنتم في إيران تحتفلون بالذكرى 21 لانتصار هذه الثورة، هذه الثورة عاشت مخاضاً كبيراً .. نود أن نفهم -باختصار- وأنتم عايشتم كل هذه المراحل وبكل صراحة، أين نجحت ثورتكم وأين أخفقت؟ وبمعنى آخر ما الذي أنجزتموه على الأرض وما الذي لم تنجزوه وكنتم تتمنون إنجازه؟

هاشمي رافسنجاني:

بسم الله الرحمن الرحيم .. إجمالاً أعتقد أن الثورة الإسلامية ثورة ناجحة وفق التقويم العام، والأهداف الرئيسية للثورة كانت أولاً الاستقلال، بمعنى قطع باب النفوذ وهيمنة الأجانب وبالتحديد أمريكا وبريطانيا، وأنتم ترون اليوم أن إيران لا تخضع لهم ولتأثيراتهم إطلاقاً.

الهدف الثاني الحرية، حيث تعرضت إيران لاستبداد كبير من قِبَل الشاه ووالده من قبل، وقبل ذلك كله تعرضت لاستبداد (القاجريين) حيث رزحت إيران في القرون الأخيرة تحت نير الحكومات المستبدة نحن حررنا إيران.

الهدف الثالث هو تأسيس الدولة الإسلامية، بمعنى أن يحكم الإسلام وهو سابقة في إيران، وربما في معظم دول العالم.

نحن حققنا وبلغنا هذه الأهداف الأساسية والأم، طبعاً كُنَّا نتصور أننا بتحريرنا إيران سنتمكن من إعمارها، وأن تبلغ المكانة الكبيرة الجديدة بها بما تملكه من ثروات وإمكانات وقوة بشرية وموقع إستراتيجي إقليمي متميز، لكن مجريات الأحداث التي عاشتها الثورة لم تتح لنا إمكانية تحقيق هذا الهدف، بل نحن في الطريق إلى ذلك، إذ إنه في بداية الثورة حصلت نزاعات داخلية استمرت عاماً أو عامين، وبعد ذلك فُرضت علينا الحرب التي أهدرت 10 سنوات من الثورة وأخرت مسيرتها.

طبعاً السرعة التي أنجزنا بها البناء والإعمار قربتنا من أهدافنا، لكن لا يزال يفصلنا عن الهدف شوط أخر، في العلاقات الإقليمية .. كذلك لم يتحقق ما كنا نريده، ودستورنا نص على توفيق التعاون مع الدول الإسلامية ودول المنطقة والعالم الثالث سيما الجارة منها، لكن ذلك لم يتحقق بسبب ما جرى من تحريض لهذه الدول وأحياناً بسبب حالة من عدم النضج في الثورة، ونحن نأمل تعويض ما فات.

غسان بن جدو:

في قضيتين -سيادة الرئيس- فيما تفضلتم بذكره الآن .. النقطة الأولى هو أنكم تطمحون وتريدون منذ انتصار الثورة أن يحكم الإسلام، ما نود أن نفهمه هل إنكم عندما شاركتم في هذه الثورة لأن الذين شاركوا في الثورة ليس فقط التيار الإسلامي، كان مختلف الأطراف: الشيوعية، العلمانية، القومية، الليبرالية .. كل هذه الأطراف شاركت في الثورة، وإن كان –طبعاً- التيار الإسلامي الملتف حول الإمام الخوميني كان هو الأقوى.

ما أود أن أفهمه هل في تلك الفترة كنتم -فعلاً- تملكون تصوراً للحكم الإسلامي، أم بعد انتصار الثورة شيئاً فشيئاً التجربة هي التي جعلتكم تجيدون هذا التصور طبعاً لممارستكم على الأرض؟ .. هذه القضية مركزية للتاريخ ليس فقط لإيران الجمهورية الإسلامية ولكن ربما لغيركم أيضاً.

هاشمي رافسنجاني:

طبعاً عندما بدأنا كفاحنا الإسلامي قبل أربعين عاماً، في البداية كان الهدف مكافحة فساد حكومة الشاه شيئاً فشيئاً، وفي مراحل الكفاح الأخيرة ومع دخول الشعب برمته مرحلة المواجهة المباشرة دفاعاً عن الإسلام تنامت فكرة الدولة الإسلامية واتسع نطاقها .. الإمام الخوميني بدأ بإلقاء درس ولاية الفقيه في (النجف) الأمر الذي لم يسبقه إليه أحد، وكانت هذه أطروحة جادة لحكم الإسلام على مستوى القيادة على أقل تقدير .. لم يكن لنا تصور واضح في بداية الثورة، بيد أننا كنا نعلم بأن أهم ما يتطلع إليه الشعب هو أن يحكم الإسلام، ما تبلور بعد ذلك هو الدستور وبعض المؤسسات وهكذا مضت الأمور قُدماً شيئاً فشيئاً.

غسان بن جدو:

في مسألة أساسية -سيادة الرئيس- بكل صراحة .. طبعاً ونحن نتحدث هذه الثورة -كما قلت- أكثر من طرف شارك فيها، لكن وأنتم أشرتم الآن إلى أنه بعد انتصار الثورة حصلت لكم مشاكل، أطراف في الداخل كان فيه، وحتى بلغت الأجواء لمرحلة العنف الشديد .. لماذا -سيادة الرئيس هاشمي رافسنجاني- التيار الإسلامي في الثورة استفرد بالساحة وبكل شيء؟ لماذا أقصيتم الليبراليين؟ لماذا أقصيتم مجاهدي خلق؟ لماذا أقصيتم القوميين، ولماذا حتى أقصيتم رئيساً شرعياً أسمه أبو الحسن بني صدر؟ هل أن الثورة لم تكن تتحمل سوى خط واحد، أم هناك اعتبارات أخرى نود أن نفهمها؟

هاشمي رافسنجاني:

أعتقد أنهم لم يتحملوا حكومة غالبتها ليست منهم، حسنًا .. لابد أنك تعلم بأن الغالبية أو لنقول 95% تقريباً من الشعب كان يحب ويطيع الإمام وعلماء الدين، ولذلك لم تكن تلك المجموعات تحصل على نسبة تذكر عند إجراء أي انتخابات أو استفتاء شعبي، في حين أن هذه المجموعات كانت تري -منذ البداية-د أن تستحوذ على النصيب الأكبر في الحكم وإدارة الشئون العامة، كانوا يتصورون أن لهم الدور الفاعل في تلك المرحلة من الثورة، ولم يكن يريدون الاعتراف بأن الجماهير هي التي طردت الشاه في النهاية بتظاهراتها واعتصامها بأمر الإمام وعلماء الدين.

ولذلك فإن تلك المجموعات -كالشيوعيين أو المنافقين- وكانوا يسمون وقت ذاك بمجاهدي خلق، لجؤوا للسلاح وسطوا على مراكز الشرطة والمعسكرات في البداية حيث كانت تعم الفوضى والاضطرابات، لجئوا إلى الإرهاب والاغتيالات وحتى حرب الشوارع، ودعا بعضهم إلى تقسيم البلاد وفصل (كردستان) و(خوران شاه) وأماكن أخرى في البلاد .. لقد كانوا يعلمون بأنهم لم تكن لديهم حصة كبيرة في استفتاءات الرأي العام، لذلك لم يكونوا مقتنعين بما كان لديهم.

ولذا عندما لجؤوا إلى السلاح قُمِعوا طبعاً، لكن آخرين مثل القوميين شاركوا في الانتخابات الأولى، وحققوا فوزاً بمقاعد وكانوا أيضاً في البرلمان، وقبل ذلك في مجلس قيادة الثورة الذي ضم -أيضاً- أشخاصاً من الجبهة الوطنية وحركة الحرية وآخرين، حتى أن ما يناهزوا ال 20 إلى 40 عضواً في مجلس الخبراء الذي تولى إعداد وتدوين الدستور كانوا من بين أعضاء أو أنصار تلك المجموعات لكنهم -تدريجياً وقبل إجراء انتخابات لاحقة- دعوا مرة أولى لمقاطعة الانتخابات ليُهمَّشوا في مراحل لاحقة.

أما بالنسبة لبني صدر فقد تمكن في البداية من كسب ثقة وتأييد الإمام ودعمه بعض علماء الدين، وكذلك بيت الإمام وفاز في الانتخابات.

غسان بن جدو:

أنتم دعوتموه أيضاً؟

هاشمي رافسنجاني:

كلا، نحن كنا في الحزب الجمهوري الإسلامي ضده، لكن جماعة علماء الدين الروحانيات -وأنا عضو فيها- دعمت ترشيحه وفاز في الانتخابات، غير أن نهجه -بعد ذلك- أفقده مؤيديه كالإمام وعلماء الدين في جماعة روحانيات، وخلال الحرب اتبع نهجاً عرضنا فيه لمخاطر في جبهات الحرب وكذلك خلف الجبهات، وكان يتعاون مع المنافقين الذين أصبحوا القوة المسلحة المناوئة للثورة، كما أنه نأى بنفسه عن الشعب وعن الإمام، وبات متورطاً بالمصير الذي آل إليه.

بيد أننا كنا نرجح أن يُحسم أمره على أساس رأي الغالبية، وهذا ما حصل مثلاً أولئك الذين لم يكونوا يعترفون بالحكم الإسلامي لم يصوتوا لذلك، ولم يحصلوا سوى على نسبة 1% من الأصوات، وهم لم يحصلوا على أي نسبة مهمة في كل الانتخابات التي جرت بعد ذلك وإلى الآن.

غسان بن جدو:

نعم سيادة الرئيس في الحقيقة أنا لا أريد أن يكون هذا الحوار سجالاً بينكم وبين أي شخص آخر، ولكن نحن قرأنا بعض الحقائق التاريخية من أشخاص -لنَقُل معارضين للنظام والثورة- والآن نحن معكم حتى نفهم أو نستوضح بعض هذه النقاط من خلالكم .. بما أنكم كنتم من أحد رموز هذه الثورة، الرئيس بني صدر -في حوار مع قناتنا- قال إن،..قال مسألتين أساسيتين، الأولى أن المثقفين من أمثاله هم الذين أتوا بالإمام الخوميني، يعني بعبارة أخرى هم الذين استخدموا الإمام الخوميني حتى يصلوا به إلى الحكم.

والمسألة الثانية يجزم الرئيس بني صدر بأنه في الانتخابات الأولى حصل تزوير، حتى تزوير في انتخابات مجلس الشورى الإسلامي .. أود أن أفهم هل فعلاً أن الإمام الخوميني هو الذي استخدم الجميع وقاد هذه الثورة، أم بالعكس الآخرون المثقفون، التيارات الأخرى القوية القومية الليبرالية هي التي استخدمت الإمام الخوميني حتى تضعه على رأس هذا النظام؟

هاشمي رافسنجاني:

طبعاً في إيران كان بعض الجامعيين والمثقفين يناضل، وكانت لهم مساهمات وكذا الشيوعيون ومجموعات أخرى، وهؤلاء كانوا موجودين قبل ذلك وعلى عهد الدكتور مصدق، بيد أنهم قبل مجيء علماء الدين لم يستطيعوا يوماً اجتذاب جماهير الشعب إلى جانبهم، وقبل ذلك انضم دكتور مصدق إلى المرحوم أية الله كاشاني ونجح ولكنه بقي وحيداً عندما تخلى عنه آيه الله كاشاني، وكانت لنا تجربة مهمة في الحادي والعشرين من تموز عندما نزل الشعب وأنقذ مصدق.

لكن في التاسع عشر من أغسطس عندما لم يكن المرحوم أية الله كاشاني نزل الشعب إلى الشوارع تأييداً للشاه، طبعاً أمثال بني صدر لم يكن لهم دور مهم، وبني صدر نفسه كان آنذاك في (باريس) يعيش في عزلة، وكان على خلاف مع قطب زاده والدكتور حسن حبيبي وطلبة الجامعات والمناضلين في (أمريكا) والشيوعيين وأنصار الفيدرالية والكونفدرالية .. أنا شخصياً ذهبت مرة لحل مشكلتهم وأدركت عدم إمكانية ذلك .. ولم يكن هناك أحدٌ يؤيد بني صدر.

غسان بن جدو:

ذهبتم إلى لفرنسا؟

هاشمي رافسنجاني:

نعم كان واحداً، بضعة أشخاص كانوا حوله أما الآخرون فكانوا يتطلعون لشيء آخر، وعندما جاء إلى إيران لم يكن أحدٌ يؤيده حتى أن العديدين من حركة الحرية كانوا لا يؤيدونه، نحن جئنا به في مجلس قيادة الثورة، ونحن في الحقيقة فرضناه على أعضاء المجلس ليتعاونوا معه، وليس كما يروي التاريخ على هواه، نعم كانت هذه المجموعات موجودة في الثورة، وواصل الكثير منهم تعاونهم معنا ومنهم المثقفون، أما الآخرون فلقد ذكرت لكم ما آل إليه مصيرهم .. كانوا يطالبون بحصة أكبر، أما أن يكونوا هم الذين حققوا النصر فهذا غير صحيح.

طبعاً الشعب هو المنتصر، لقد قام الشعب في زمن ما بقمعهم وتصفيتهم واعتقالهم وبعضهم استسلم، الثورة إنما انتصرت عندما نزل الشعب إلى الشوارع وقام بالتظاهرات، هؤلاء لم يصغوا لكلام المثقفين والإمام وعلماء الدين والشعب وبقوا كذلك دائماً بعد الثورة، وبالنسبة لما قاله عن تزوير نتائج الانتخابات النيابية فهذا ما يزعمه المهزومون عادة .. لماذا لم يقل إن نتائج الانتخابات زُوِّرت عندما فاز في الرئاسة؟!

لقد جرى قبل ذلك استفتاء عام حول الدستور، واستفتاء آخر حول إسلامية الحكم، وكان نتيجة الاستفتاء التأييد بنسبة 99%، وهي نسبة كبيرة، ولم يكن الاختلاف في الآراء بسيطاً كي يدعي أحد أن نتائج الانتخابات زورت، وكيف يمكن تزوير النتائج مع وجود هذا الفارق الكبير؟! حتى عندما فاز هو في الانتخابات لم نقل –ولا نقول- إن نتيجتها زورت، لقد أيده بعض علماء الدين وفاز في الانتخابات.

إن الانتخابات في إيران هي –حقاً- من الانتخابات الشفافة، ويندر أن نجد مثل نزاهتها في العالم .. فالشعب هو الذي يحدد نتائجها، نعتزم إجراء الانتخابات الحادية والعشرين التي يمكن اعتبارها من أنزه الانتخابات، إذ إن الشعب سيدلي بأصواته عن إيمان وعقيدة ورغبة.

غسان بن جدو:

فيما ذكرتم أيضاً -بعد انتصار الثورة الإسلامية- حصلت مرحلة نستطيع أن نصفها بأنها كانت مرحلة دامية جداً على كل المسلمين الإيرانيين والعرب وغيرهم جميعاً، هي مرحلة الحرب العراقية- الإيرانية .. أنتم -شيخ رافسنجاني- كنتم مكلفين من قِبَل الإمام الخوميني بالإشراف والقيادة هذه الحرب، طبعاً الحديث عن هذه القضية ربما يطول ساعات وأيام عن قضية الحرب العراقية-الإيرانية ولكن في هذا الحوار القصير نود أن توضحوا لنا بعض المسائل، ما هي أهم النقاط أو المراحل الرئيسية في هذه الحرب بالنسبة إليكم؟ أهم القضايا الإيجابية أو السلبية التي تتذكرونها، وأخيراً كيف تصفون نهاية هذه الحرب؟ أنا أسأل دائماً بعض الأخوة في إيران، كيف تصفون نهاية الحرب العراقية- الإيرانية؟ هل هي انتصار؟ هل هي هزيمة، أم لا انتصار ولا هزيمة؟!

هاشمي رافسنجاني:

أولاً: هذه الحرب كانت أمراً سيئاً للغاية، وتعُد كارثة بالنسبة لإيران والعراق والمنطقة. ثانياً: إن هذه الحرب قد فُرضت علينا حقاً، عندما اندلعت لم تكن لدنيا أي استعدادات قتالية، كان الجيش يمر بمرحلة تنقيته وقوات حرس الثورة لم تتشكل بعد، كانت هناك صدامات مسلحة واضطرابات في الداخل، لم تكن الثورة قد حددت بعد هيكليتها، من الواضح أنه لم تكن هناك أهبة أو استعداد لمهاجمة بلد آخر.

ما يزعمه العراقيون لا يمكن أن نجد له أيَّ دليل ولا ينسجم مع أي منطق، نحن نعتقد أن الأجانب كالأمريكيين وآخرين ظنوا أنهم سيقضون على الثورة بهذه الطريقة، وكان لدى صدام حسين وحزب البعث الاستعداد لذلك، فشنوا هجومًا علينا، كانت حرباً مفروضة علينا كلفتنا ثمناً باهظاً، الأضرار المالية لا تقل عن الألف مليار دولار إلى جانب 220 ألف شهيد، ومثل هذا العدد من المعوقين والجرحى إضافة إلى الدمار الكبير، وما أهدرناه من زمن في عمر الثورة في هذه المرحلة الحساسة.

أما هل انتصرنا في هذه الحرب أم لم ننتصر؟ إذا أخذنا بنظر الاعتبار الهدف من هذه الحرب وهو القضاء على الثورة أو تقسيم البلاد –على أقل تقدير- فنحن منتصرون في هذه الحرب، لقد أعد صدام الخطط لذلك الهدف ثم إنه أراد إلغاء اتفاقية الجزائر لأنها ضمنت حقوق إيران .. لقد عكسنا كل ذلك وصُنا ترابنا ووحدتنا، وفي النتيجة اعتبرت الأمم المتحدة العراق معتدياً، إذن نحن منتصرون وفق هذا المفهوم.

بيد أن هذا النصر تحقق –على أي حال- بثمن باهظ حيث الخسائر الجسيمة في الأرواح والممتلكات والخصومة بين إيران وجيرانها في الخليج، إضافة إلى بعض الآخرين، وكذلك الدمار الذي لحق بالثروات الإسلامية والعربية وإساءة استغلال أعدائنا ذلك بنشر قواتهم في الخليج الفارسي، ولا تزال حتى الآن في الخليج الفارسي، إسرائيل أيضاً استغلت الظرف كي تعزز قوتها، وتراخى موقف العرب، وتراجعت قوة بعض الدول العربية، وفرضت إسرائيل نفسها عليهم، في الحصيلة الإجمالية تلك الحرب كانت مضرة وخطيرة إيران استطاعت -على أقل تقدير- إنقاذ نفسها من الأهداف التي كان عدونا المعتدي يُبيتها.

غسان بن جدو:

سؤال صريح سيادة الرئيس، التاريخ يؤكد بأنكم حصلتم على أسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، لكن سؤالنا هل أخذتم أسلحة من إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر؟

هاشمي رافسنجاني:

أولاً: ما أخذناه من أمريكا كان قليلاً جداً، في قضية (ماكفرطن) مثلاً تسلمنا من الأمريكيين بضع عبوات سلاح فيها مصابيح رادارات، وبضعة آلاف من صواريخ تاو الصغيرة المضادة للدبابات، وبعض صواريخ هوك المضادة للطائرات .. طبعاً الأمريكيين تحايلوا في ذلك، كانوا يعدون بتزويد السلاح فيما بعد، ولقد أخفقت الخطة أساسًا، ولم تؤثر تلك الأسلحة التي تسلمناها على وضع الجبهات، بيد أننا لم نكن مستعدين إطلاقاً لتسلم أسلحة من إسرائيل بصورة مباشر أو غير مباشرة.

هنا نقطة واضحة جداً في قضية ماكفرطن، وهي أنهم جلبوا لنا مرة بالطائرة شحنة صواريخ هوك إلى مطار ميهابه، ولاحظنا بعد ذلك عليها كتابة إسرائيلية وعُلم أنهم جلبوا لنا صواريخ من إسرائيل فأعدناها رغم حاجتنا لها، قلت إننا نرفض تسلمها، فبقيت في المطار شهرين أو ثلاثة ثم جاء الأمريكيون فأخذوها معهم .. كنا نرفض إطلاقاً تسلم أي شيء من إسرائيل.

غسان بن جدو:

في إجابتكم الأولى -شيخ رافسنجاني- ذكرتم من الأشياء التي كنتم تتمنون حصولها ولم تحصل بالقدر المأمول، هي علاقاتكم في الدول العربية والإسلامية ودول العالم الثالث، طبعاً الآن بعد كل هذه الفترة هذه العلاقات تبدو أصبحت جيدة وإيجابية بشكل كبير، لكن بكل صراحة -سيادة الرئيس- هل كنتم تريدون التعاون مع الدول الخليجية والعربية والإسلامية، أم كنتم تطمحون إلى قيادتها وقيادة العالم الإسلامي؟

هاشمي رافسنجاني:

كنا نرى المصلحة في التعاون، ولم نكن من البساطة والسذاجة لدرجة أن نفكر بإمكانية قيادة العالم الإسلامي، أولاً نحن شيعة والدول الإسلامية سنَّة والتعصب المذهبي لا يسمح بذلك، وحتى لو كنَّا جميعاً شيعة أو سنة لم يكن ذلك ممكناً، ليس هناك بلد يقبل الخضوع لبلد آخر، أضف إلى ذلك أن دستورنا واضح، فهل يمكنك أن تستشف ذلك من دستورنا؟ لقد أكدنا في دستورنا بشكل صريح على علاقات طيبة ومصالح متبادلة مع إعطاء الأولوية للدول الإسلامية والمجاورة، لا يوجد مثل هذا الشيء في تصورنا.

تردد في بداية الثورة مصطلح تصدير الثورة، وشُنَّت حملة دعائية وصهيونية وإمبريالية لتفسير ذلك بأننا نريد تصدير الثورة، لو أنهم يتذكرون في بداية الثورة أن جماعة استولت على بيت الله الحرام، وكانت تعتزم القيام بثورة في (السعودية) والإمام شجب عملهم، وهذا الشجب أضعف حركتهم وسرعان ما تم تصفيتهم.

غسان بن جدو:

طيب الآن -سيادة الرئيس- علاقاتكم مع دول المنطقة .. الدول الخليجية بشكل أساسي، لا شك نحن الذين نتابع تطورات السياسة الخارجية الإيرانية نستطيع أن نلاحظ ونجزم بأنه هذا التطور -أو بداية التطور- الإيجابي بين إيران والدول الخليجية بدأ تقريباً في آخر سنة أو سنة ونصف من عهدكم، وخاصة بعد اللقاء الشهير بينكم وبين ولى العهد السعودي الأمير عبد الله في (باكستان)، الآن هل أن الجمهورية الإسلامية في إيران مستعدة للدخول، لا نستطيع أن نسميه حلف لكن تشكيل محور، تشكيل كتلة خليجية في هذه المنطقة سواء بين الجمهورية الإسلامية وكل الدول الخليجية أو على الأقل بينكم وبين أهم هذه الدول الأساسية في المنطقة؟

هاشمي رافسنجاني:

من اللافت الإشارة إلى أنني اقترحت قبل سنوات أننا إذا كنا نريد أن نصبح مجموعة ناجحة يجب أن تكون لنا -شأننا شأن الآخرين- أحلاف إقليمية في المنطقة تضم الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي كافة، إضافة إلى العراق وإيران، كي نكون قوة حقيقة في المنطقة من حيث الإمكانيات المالية، ومن حيث الموقع الجغرافي يمكنها أن تكون قاعدة قوية للعالم الإسلامي، وتكون كذلك قوة يمكن الاستناد إليها في مقابل إسرائيل، نحن على استعداد كامل لمثل هذا العمل.

غسان بن جدو:

حتى الآن؟

هاشمي رافسنجاني:

حتى الآن.

غسان بن جدو:

بما فيها مع العراق؟

هاشمي رافسنجاني:

نعم.

غسان بن جدو:

وهذا التعاون يشمل كل شيء سياسي وثقافي واقتصادي وحتى عسكري؟

هاشمي رافسنجاني:

كاملاً، نعم، ولم لا؟ بإمكاننا أن يكون لنا اتحاد كامل هنا فنحن مسلمون، ولنا مصالح مشتركة ومصلحتنا تستدعي منا أن نتحرك معاً.

غسان بن جدو:

في هذا الإطار -طالما تحدثتم عن وجود قوات أجنبية هنا في الخليج- سيادة الرئيس رافسنجاني ما هي شروطكم لاستئناف الحوار مع واشنطن؟ ما هي شروطكم لتطبيع كامل في العلاقات؟ نود أن لو نفهمها بشكل محدد إذا سمحتم.

هاشمي رافسنجاني:

نحن ننطلق من مبدأ في سياستنا يستند إلى ما قاله الإمام مرة: لن نتحاور مع أمريكا ما لم تصلح ذاتها، فسرنا ذلك أن على أمريكا إنهاء عدائها لإيران وتكف عن هذا العداء، وحددنا مؤشراً لذلك. عندما كنت رئيساً للجمهورية قمنا بالتحديد أنه إذا رفع الحجز عن أرصدتنا في أمريكا فإننا سنعتبر ذلك مؤشراً لحسن النية وإنهاء العداء، وسيكون بإمكاننا بعد ذلك التحاور، السيد خاتمي لم يحدد بهذا الشكل لكنه قال أيضاً أن عليهم أن يبرهنوا على ما يجعلنا نثق بهم.

غسان بن جدو:

هذا في استئناف الحوار، والتطبيع الكامل؟

هاشمي رافسنجاني:

هذا ما تحدده المحادثات، لا يمكننا التنبؤ بما سيحدث في المرحلة اللاحقة، نحن نشرع في المحادثات بهذه الشروط، ونتيجة المحادثات ينبغي أن تؤدي عادة إلى إقامة علاقات.

غسان بن جدو:

طبعاً أنتم تعلمون جيداً -سيادة الرئيس- بأنه الولايات المتحدة الأمريكية تنتقد الجمهورية الإسلامية في ثلاثة، ثلاث قضايا أساسية، تعتبركم أولاً أنكم ضد السلام مع إسرائيل، وتدعمون الإرهاب، وتحاولون يعني امتلاك أسلحة الدمار الشامل وخاصة القنبلة النووية، سنتحدث عن إسرائيل وعملية السلام، ولا أود أن نتحدث الآن عن الإرهاب، ولكن سأسأل الآن لست باعتباري صحفي باعتباري الآن مواطن عربي ومسلم: لماذا لا تسعى إيران لامتلاك القنبلة النووية؟ هل لأنها لا تريد، أم لأنها ليست لديها إمكانات، أم خوفاً من الولايات المتحدة الأمريكية لأنه هذا شرطها؟

هاشمي رافسنجاني:

هي فرضيتك الأولى أننا لا نريد ذلك، دليله أننا نمقت القنبلة الذرية واستخدامها جداً لما تسببه من كوارث، لقد أدركتم توجهاتنا خلال الحرب، نحن لم نلجأ إلى استخدام الأسلحة الكيماوية في مقابل أسلحة العراق الكيماوية، وكان بإمكاننا استخدامها، كانوا يقصفون مدننا بالصواريخ، ويرتكبون أعمالاً لا إنسانية، الإمام فرض علينا إعلان نيتنا بقصف المدينة قبل قبل 48 ساعة لإخلائها من المدينين، إن أحد أسباب موافقتنا على وقف إطلاق النار هو زيادة حجم الخسائر في أرواح المدنيين في الفترة الأخيرة من الحرب.

كنا نمتلك الصواريخ وكذلك العراق، وأخذت دائرة حرب الصواريخ بالاتساع وكذلك ما حصل في (جلب شاه) حيث قمع العراق شعبه بشده، لم يكن ذلك ما تقبل به ضمائرنا وإن كانوا قصفوا داخل العراق، وضربوا شعبه ولجأ هؤلاء إلينا بعد ذلك، لكننا لسنا مستعدين للاشتراك في حرب نستخدم فيها أسلحة يذهب ضحيتها الأبرياء من الناس، وعليه فإننا حقاً لا نرغب في ذلك، وهذا ما لا ينسجم مع إيماننا.

غسان بن جدو:

المعروف طبعاً أ، شخص هاشمي رافسنجاني رجل واقعي، وأنتم تعلمون جيداً الآن ربما العصر هو عصر القوة، فكيف يمكن لإيران -الجمهورية الإسلامية- أن تصمد أمام الضغوط الخارجية إذا لم تكن قوية ومنها قوية عسكرياً؟

هاشمي رافسنجاني:

لقد عززنا بنيتنا في مجال الحروب الكلاسيكية وأصبحت لنا قدرة دفاعية فائقة، وأسلحتنا الدفاعية هي بالمستوى المطلوب، وكنموذج لذلك الصواريخ بعيدة المدى التي صنعناها، لكننا نعتقد بأنه لن يكون هناك غالب ومغلوب أو منتصر ومهزوم في أي حرب ذرية، إضافة إلى أننا لا نستطيع ذلك بهذه السرعة، عدوتنا الآن هي أمريكا، وليست لنا القدرة على منافسة أمريكا في مجال التسلح الذري أو الهيدروجيني.

غسان بن جدو:

فيما يتعلق بموقفكم من إسرائيل، نحن عندما نتابع كل تصريحات قادة الثورة من الإمام الخوميني إليكم إلى المرشد الحالي آية الله خامنئي، إلى مختلف المسؤولين، دائماً نسمع بأنه لا يمكن أن تعترفوا بإسرائيل ربما لاعتبارات عقائدية، لكن نود أن تتحدث معكم استراتيجياً -سيادة الرئيس- هل تشكل إسرائيل بالفعل خطراً وتهديداً على إيران والمنطقة، أم أن رفضكم لإسرائيل هو فقط لاعتبارات عقائدية؟

هاشمي رافسنجاني:

نعم أنا أعتقد أن إسرائيل تمثل خطراً حقيقياً للمنطقة وبعد ذلك لإيران ولعدة أسباب، وأعتقد أن مفاوضات السلام المطروحة الآن لا تقلل من هذا الخطر بل ربما تؤخره، إسرائيل أولاً هي دولة عنصرية وتوسعية وليس هناك إطلاقاً ما يثبت أن الإسرائيليين تراجعوا عن شعارهم الذي ينسبونه للتوراة، أي شعار من النيل إلى القوات ، أنهم يعولون كثيرًا على توراتهم.

ثم إن إسرائيل حتى ظل ظروف المساومة هذه، عندما لا تضع حلاً لموضوع العرب المشردين، ملايين المشردين المنتشرين في المخيمات وفي أنحاء العالم، كيف لنا أن نتصور عدم وجود خطر في المنطقة؟! وهناك الآن قضايا جدِّيَّة كقضية المياه .. إسرائيل تصادر حالياً مياه لبنان وسوريا والضفة الغربية هذه واحدة فقط من الملفات.

إن إسرائيل وجدت هنا لتكون أداة للسياسة الاستعمارية الغربية أمريكا وقبل ذلك بريطانيا، وفي فترة سابقة الاتحاد السوفيتي، إسرائيل لم تنشأ في المنطقة لتصنع السلام فيها بل لتجعلها غير مستقرة، جاءت لتحول المنطقة إلى ترسانة من الأسلحة لتصبح الثروات الإسلامية والعربية موظفة باتجاه التسلح بدل الإعمار والبناء، وسباق التسلح هذا لن ينتهي في ويوم من الأيام مع وجود إسرائيل، أضف إلى ذلك أن إسرائيل تمتلك الآن ترسانة من الأسلحة النووية تجعلها بذلك كياناً خطيراً يتهدد المنطقة دائماً، ثم لم لا نعتبرها خطراً يتهددنا عندما يكون هناك حقد دفين، مشردون، وحالة عداء وغطرسة وأشياء أخرى؟ فالخطر قائم ولا يمكن أن يهدأ بالنا.

غسان بن جدو:

الآن هناك مفاوضات بين سوريا وإسرائيل هي متعثرة الآن صحيح، ولكن ربما سيحصل اتفاق صلح أو سلام بين سوريا وإسرائيل، إذا حصل هذا الأمر -سيادة الرئيس- هل أن العلاقات الإيرانية- السورية ستبقى على ما هي عليه الآن من قوة ومتانة بالحد الذي أنتم وهناك تعبرون عنها بالعلاقات الاستراتيجية، أم يمكن أن تتراجع؟

هاشمي رافسنجاني:

إنك تتحدث عن فرضية نستبعد أن تتحقق، ما نعرفه في السيد حافظ الأسد ورفاقه، يجعلنا نستبعد أن يقايض مصالح فلسطين والعالمين الإسلامي والعربي بقطعة أرض، نأمل ألاَّ يحصل ما سألت عنه كي نتحدث عن ما يمكن يكون عليه موقفنا.

غسان بن جدو:

الآن يعني قبل أن نتحدث عن الوضع الحالي، آخر سؤال -لو صح التعبير- في التاريخ الجديد -سيادة الرئيس- أهم شعار رفعتموه أنتم عندما توليتم رئاسة الجمهورية هو شعار البناء والإعمار، في سنتكم الأخيرة بدأت وأنا موجود هنا في طهران أسمع وأقرأ انتقادات لهذه الإنجازات الاقتصادية، بعد إن خرجتم من الرئاسة القنابل انهالت عليكم هنا في طهران، ويصورون عهدكم خاصة في الجانب الاقتصادي -وأنا قرأت هذا المصطلح- بأنه فاجعة على إيران، هل يمكن أن نستوضح منكم هذه القضية بشكل أساسي، رفعتم هذا الشعار، ماذا تحقق على أرض حقيقة؟

هاشمي رافسنجاني:

إن ذلك يرتبط بالجماعات المتطرفة في كلا الجناحين اليمين واليسار، هناك جماعة في اليمين تعتمد التشدد مع الشعب ونهج القوة والعنف، وهم لا يستسيغون نهجي، وكانوا يتصورون أنني سأتبع نهجهم. اليسار كانوا من البداية ينهجون التطرف، وما قلته في الإجابة على سؤالك الأول وهو أن ما عطلنا عن تحقيق هدفنا في الإعمار بالشكل المطلوب يعود جانب منه إلى الضغوط الخارجية أو الحرب، وجانب آخر منه يعود إلى البساطة والسذاجة التي كان ينهجها هؤلاء في سلوكهم، حيث كانوا يقومون بأعمال تسببت في هذه المشكلة.

هم أولئك الذين يتحدثون اليوم بلغة مغايرة، وجماهير الشعب ليست بالصورة التي لا يمكنها أن تتفهم وتدرك ما أنجز من أعمال كبيرة، ما أنجز في مرحلة الأعمار في إيران أشبه بالمعجزة، المؤشرات الاقتصادية بعد الحرب تُشير إلى نمو بمعدل 6% هي نسبة جيدة ومطلوبة، وعليه فإن ما يقوله هؤلاء هو كلام أطفال وخطاب متطرف، لو نواصل في مرحلة الإعمار والبناء ثمانية سنوات أخرى وبالسرعة التي كانت في عهدي، فإننا سنحقق ذلك الهدف الكبير للثورة وستصبح إيران واحدة من الدول المتقدمة في العالم.

غسان بن جدو:

هذه السرعة في التنمية لم تؤثر على العدالة الاجتماعية وهو شعار رئيس الثورة؟

هاشمي رافسنجاني:

كلا على العكس، السرعة كانت لها مردودات إيجابية، أولاً هناك ستون ألف قرية في إيران وصلت إلى غالبيتها شبكات المياه الصحية والكهرباء والخدمات الصحية والهاتف والمؤسسات التعليمية، وتمكنا من رفع مستوى الحياة والمعيشة في القرى وهذا في حد ذاته إنجاز اجتماعي كبير، وأنشأنا أحياءً صناعية في أغلب المدن، وشعر الناس حقاً بحالة من الازدهار والنشاط الاقتصادي، ومضينا قدماً نحو تصدير الخدمات الهندسية في مجال بناء السدود وشق الطرقات وبناء الجسور وصناعة الألياف الضوئية، بدأنا بصناعة معدات مصانع الأسمنت ومحطات توليد الكهرباء والسابلوهات، ما نصنعه اليوم إنما هو ثمرة لما أنجز في تلك المرحلة.

غسان بن جدو:

أنا أشهد -سيادة الرئيس رافسنجاني- بأنه فيما يتعلق بالمسائل السياسية والثقافية أنتم كنتم مع الانفتاح، أنا موجود هنا في طهران منذ سنوات وعلى الأقل حتى لو لم أكن موجوداً كنت أذهب وآتي إلى هنا، ودائماً أسمع منكم شخصياً دعوتكم للانفتاح الثقافي، وإلى مزيد من الحريات، حتى فيما يتعلق بالحريات السياسية، لكن هناك مفارقة، لماذا لم تتحقق هذه الشعارات التي كنتم ترفعونها شخصياً بالشكل المطلوب؟ الآن نحن نسمع تقريباً شعارات متطورة بعض الشيء عن السابق، لكن الآن نشاهدها ونلاحظها على الأرض، لماذا في عهدكم لم تتحقق هذه الشعارات بالقدر المطلوب؟

هاشمي رافسنجاني:

أعتقد أن ذلك التوجه كان صحيحاً، عملنا كان متواصلاً تدريجياً، ويسير قدماً بصورة تكاملية، لقد رفعنا حجم القبول في الجامعات من ثلاثمائة ألف طالب إلى مليون ونصف المليون، وتضاعف عدد الطالبات الجامعيات ليناهز عدد الطلبة، بذلنا اهتماماً كبيراً بالرياضة النسوية والترفيه عن النساء، وطورنا قرانا النائية بإيصال الكهرباء إليها، ورفعنا من مستوى الوعي لدى قرويينا، ثم إننا أنشأنا جامعات في المدن الأخرى، ورفعنا عدد نسخ الصحف المختلفة من مليون إلى سبعمائة وخمسين مليون نسخة في اليوم، نمينا وطورنا كل شيء بالتدريج، والنتيجة العملية الأخيرة لذلك كانت إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية الأخيرة.

لقد بلغنا نقطة أشعر معها الآن بأن ما يحصل من تطرف قد يهدم ما تم بناؤه، أعتقد أن السبيل هو ما تم اعتماده، والسيد خاتمي وخططه إنما يقوم بعملية تكاملية لما أُنجَز على عهدي، طبعاً السيد خاتمي كذلك يريد المضي قدماً بتروٍ وحكمة، لكن هناك بعض الأشخاص متسرعون.

غسان بن جدو:

طيب، أنتم الآن قررتم -شيخ رافسنجاني- العودة إلى البرلمان والترشح، أنا أفهم أن بعض الأطراف مما تصفوهم باليمين المتطرف يرفضون ترشحك، ولكن البعض لا يستطيع أن يفهم، كيف بعض أن أطراف داخل ما يسمى بالجبهة الإصلاحية جبهة هلومي خرداد، ترفض ترشحكم بقوة وخاصة جبهة المشاركة الإسلامية، ويعني أطراف طلابية تختفي تحت الأحداث إلى آخره، ما هو السبب بالتحديد؟

هاشمي رافسنجاني:

طبعاً أنا لا أريد ذكر اسم مجموعة معينة، لا من اليمين ولا من اليسار، وكما ذكرت قبل ذلك أن المجوعات المتطرفة لا تستسيغ سياستي المعتدلة، هؤلاء كانوا كذلك في السابق، في بداية الثورة واجهنا هذه القضية بصورها المختلفة، وكذلك نواجهها اليوم مع وجود فارق أنهم بدءوا يتطاولون أكثر من السابق، القوة الرئيسية في جبهة خرداد تصر عليَّ في العودة، أنا شخصياً لا أرغب في العودة وأفضل البقاء في موقعي، وأفسح المجال لقوى شابة أكثر نشاطاً، ليس في هذا الأمر جديد بالنسبة لي، فقط تطاولهم بات أكثر من السابق.

غسان بن جدو:

ولكن هذه ليست أطراف قليلة -سيادة الرئيس- يعني الأغلب هي مشاركات ليست طرفاً عادياً في الساحة، بالإضافة إلى أن يعني يقولون بأن خطابهم تطور، روحانيو مبارز حتى الآن لم تعلن يعني دعمهم لك..لكم، أين السبب؟ أنا سمعت شيئاً منهم ويقولون أن عدم دعمنا للرئيس هاشمي رافسنجاني بسببين أساسيين، الأول أن عودته هي في الحقيقة إنقاذ لما يسمى باليمن المحافظ، والثاني هو غياب الشفافية في خطاب الرئيس هاشمي رافسنجاني، حتى أن يعني لعلكم تسمعون هذه المسألة أنه الرئيس هاشمي رافسنجاني يقول يميناً ويذهب يساراً .. يفكر يساراً ويذهب يميناً.

هاشمي رافسنجاني:

عندما يريدون إخفاء أهدافهم ونواياهم الحقيقة، يرددون مثل هذا الكلام بالنسبة لليمين، فهم يريدون التفرد، وأنا أعارض استفراد أياً منهما بالسلطة، وأدعو إلى الوفاق الوطني .. هذا ما أعتمد عملياً على الدوام في حكومتي وفي البرلمان السابق، أعتقد أنه يجب أن لا يقصي أي طرف الطرف الآخر، أنهم لا يريدون ذلك، إنما يطلبون الانضمام ليهم ليعززوا قوتهم واستفرادهم.

بالنسبة لما يقال عن عدم صراحتي وشفافيتي، أعتقد أن كل الصحفيين الذين التقوا بي لاحظوا أنني أكثر مَنْ التقوهم صراحة وشفافية، ومقابلتك معي نموذج لذلك، إنني أقول كلامي بصراحة ووضوح، أقول لهم بصراحة إن الاستفراد بالسلطة ليس أمراً حسناً لا لليمين ولا للسيار، وعلى كل الفصائل والقوى الوجود في الساحة، وأقول أيضاً: إننا اختلفنا دائماً مع القوى المتطرفة .. أنتم تقولون أنهم ليسوا أقلية .. حسناً نصبر ونرى كم هي نسبتهم في الانتخابات! ليس الأمر كما يتصورون .. إنهم يخطئون.

غسان بن جدو:

طبعاً أنتم على ثقة من فوزكم، وربما بأعلى الأصوات كما حصل في انتخابات مجلس الخبراء؟

هاشمي رافسنجاني:

كنت أحصل دائماً في الانتخابات السابقة علي 60% إلى 70% من أصوات الناخبين، ولا أرى دليلاً أو سبباً يجعل الشعب يتراجع عن رأيه.

غسان بن جدو:

في قضية أساسية -سيادة الرئيس- نود أن نفهمها منكم كمجرب كمسؤول رئيسي في الدولة، في قضية اسمها ولاية الفقيه المطلقة في الدستور الإيراني، وأنتم كنتم على رأس اللجنة التي عدلت الدستور وأضافت هذه الصفة .. صفة المطلقة لولاية الفقيه، بالممارسة -شيخ رافسنجاني- ألا تعتبرون هناك ازدواجية في السلطة في القرار، في المسئولية بين رئيس جمهورية وولي الفقيه؟ ألا توجد هذه المشكلة؟

هاشمي رافسنجاني:

فيما يرتبط بولاية الفقيه المطلقة لم تكن في الدستور الأول، وأُقرَّت عند تعديل الدستور، فسبب ذلك أنها -وإن لم ترد في الدستور- فإن الإمام كان يعمل على أساس ولاية الفقيه المطلقة، يعني أن قراراته كانت أحياناً فوق القانون، وأنتم مطَّلعون على نماذج كثيرة من ذلك. عندما أعدنا النظر في الدستور قال بعض الأعضاء أن ولاية الفقيه المطلقة مطبقة من الناحية العملية، فلمَ لا نقننها كي لا يتصور البعض أنها غير قانونية؟ طبعاً كان هناك خلاف حول هذا الموضوع، لكنه حصل على تأييد الأصوات اللازمة وأصبح من ضمن الدستور.

وفيما يرتبط بحالة الازدواجية أقول إن النظام الإسلامي بصورته الحالية وبولاية الفقيه هو حديث عهد، ولم تسبقه تجربة حكم في التاريخ الإسلامي القريب، ولابد من التجربة والممارسة كي نحول دون حصول ازدواجية، فنحن مازلنا نمر بمرحلة التجربة، وأنا أعلم أن هناك أموراً كثيرةً بحاجة لدراسة وتجربة أكثر. نظامنا جديد وفيه شيء اسمه ولاية الفقيه، يتضمن صلاحيات معينة وفيه كذلك حالة الديمقراطية.

نحن أيدنا بالنتيجة النظام الجمهوري، طبعاً نحن تمتعنا بامتيازات هذا النظام خلال هذه الفترة، فثورتنا تكللت بالنجاح والنصر، وتحققت كذلك الوحدة الوطنية بعد الثورة، وكان هناك تنسيق في البلاد وانسجام مع هذه الماركسية، وتحققت لنا فوائد هذه الولاية .. ما ذكرته موضوع جاد ومهم، وعلينا بالنتيجة مواصلة هذه التجربة لتتكامل وتصبح جاهزة للتطبيق بالنسبة للآخرين.

غسان بن جدو:

هذا السؤال -سيادة الرئيس- كان يمكن أن أبدأ به في بداية الحديث، ولكن أردت أن يكون الأخير، أحياناً عندما أقرأ ما تصرح به وأسمعك أشعر وكأنك أفندي ولكن بلباس ديني، كيف تفكر سيادة هاشمي رافسنجاني؟ ما هي الأشياء الأساسية التي دائماً تضعها في الأولوية؟ نريد أن نفهم شخصيتك بالتحديد؟

هاشمي رافسنجاني:

إنني مسلم قبل شيء، ولي اعتقاد وإيمان عميق بالإسلام والقرآن، وبأن الإسلام قادر على إدارة شؤون أي مجتمع بصورة عصرية وديمقراطية، وأنا أعتبر الكثير من هذه العراقيل التي يحاول البعض وضعها ليست من أحكام الإسلام، وأعرف الإسلام وتعمقت في طلب علومه في الحوزات وقرأت الكثير ودرست الإسلام من الزاوية الاجتماعية، إن الإسلام مؤهل للحكم في عالمنا اليوم، ما أطرحه اليوم من آراء وأفكار تنبع من وجهات نظر إسلامية.

طبعاً أعرف أيضاً مجتمعنا، ولديَّ ملاحظات عليه، لكن ليس كل ما يراه المرء يمكن تطبيقه في مجتمعه، بل يجب تمهيد الأرضية لذلك ونشر الوعي، وهذا ما حصل في صدر الإسلام. الصورة الآن ليست وكأننا قمنا والإسلام على هامش الحياة وفي قطيعة مع المجتمع، ونريد الآن العودة إلى الحياة الاجتماعية، كلا كنا دائماً مع المجتمع لكن الأمر يتطلب ممهدات طبيعيةً، وينبغي أن يمتلك المجتمع الاستعداد لتقبل ما نطرحه بصورة تدريجية، وعلينا وضع الإضافات الهامشية التي أُرسخت في الإسلام جانباً لنبلغ ونحقق الحكم الأصيل للقرآن والإسلام.

غسان بن جدو:

شكراً لكم سيادة الرئيس هاشمي رافسنجاني على هذا اللقاء وهذه الفرصة.

شكراً لكم أعزاءنا المشاهدين على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة