خطر القاعدة بعد أفغانستان   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

جوديث ميللر: مؤلفة وصحفية في نيويورك تايمز- نيويورك
د. ضياء رشوان: خبير الحركات الإسلامية –القاهرة

تاريخ الحلقة:

24/10/2002

- حقيقة استمرار خطر القاعدة بعد دحرها في أفغانستان
- أسباب عدم استهداف أميركا من القاعدة بعد أحداث سبتمبر

- مستقبل الحركات الإسلامية بين الاضمحلال والانتشار

مالك التريكي: بعد تزايد الهجمات على المصالح الغربية، تساؤلات عما بقي من القاعدة وعن مدى قدرتها على الاستمرار في مواجهة الولايات المتحدة.

أهلاً بكم. يعمل علماء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي وبرامج كمبيوتر فائقة التقدم بهدف تمكين محللي مركز مكافحة الإرهاب الذي أُنشئ عام 86 ويعمل فيه الآن أكثر من 1100 من المحللين والعملاء السرِّيين وخلية بن لادن التي يعمل فيها منذ عام 95 أكثر من 50 من ضباط الوكالة، لتمكينهم من الربط بين المعلومات الجزئية عن مئات الآلاف من الأسماء و الأماكن و الحسابات المصرفية التي يشتبه في أن لها صلة بالنشاط الإرهابي، لكن أبرز مؤشر على مدي ضبابية الصورة و تداخل الواقع مع الخيال في الحملة الأميركية ضد ما يُسمي بالإرهاب، هو أن الأمر قد وصل إلى حد إرسال فرق من CIA إلى هوليوود و ذلك بغرض الاستفادة من كُتَّاب السيناريو الذين يتفتق خيالهم عن مشاهد إرهابية مثيرة بغرابتها و استعصائها على التصور، و السبب المعلن لاستعانة الـ CIA بهوليوود أي لاستعانة المؤسسة الأمنية بالصناعة الترفيهية هو العثور في أفغانستان على وثائق تدل على أن نشطاء القاعدة يشاهدون أفلام العنف و الإثارة، ربما لاستلهام أفكارها إلا أن ما يشير إلية هذا بالأساس هو مدى حيرة موظفي الأمن والاستخبارات الأميركيين في أمر القاعدة التي بلغ من إلغازها أنه لا ينطبق عليها وصف أدق من الوصف الشهير الذي أطلقه (تشرشل) على الاتحاد السوفيتي أواخر الأربعينات أي "لغز في باطن أحجية يكتنفها طلسم".

ولكن إذا كان عدو الأمس بالنسبة للولايات المتحدة معروف الكيان والمكان، بدليل أنه كان متحصناً خلف الستار الحديدي فإن عدو اليوم أي القاعدة يختفي خلف ستار ضبابي لم تخترقه حتى الآن التخمينات الاستخبارية والحيل الدعائية.

ذلك أنه يبدو أن القاعدة لا وجه لها ولا عنوان، أي أنه ليس لها كيان ولا مكان، كما أنه ليس هناك الآن من أثر دال عليها باستثناء ما يأتي عبر البريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت، أي عبر الواقع الافتراضي من رسائل تنسب إليها وتوحي بالمسؤولية عن عمليات، ما تلبث أن تعلن المسؤولية عنها جهات أخرى، ولذلك فإن الرسائل والعمليات التي تزايدت ضد المصالح الغربية في الأسابيع الأخيرة تثير أسئلة أساسية عن مدى مادية وجود شبكة القاعدة أصلاً، ناهيك عن قدرة ما بقي من خلاياها على الاستمرار في تهديد مصالح الغرب.

مصطفى سواق يطرح الأسئلة التي يفرضها الجهل العام بمدى الفرق بين الحملة ضد الإرهاب والحملة ضد القاعدة.

حقيقة استمرار خطر القاعدة بعد دحرها في أفغانستان

تقرير/ مصطفى سواق: ملأت الدنيا وشغلت الناس، وهي مع ذلك كالشبح يصعب تحديد ملامحها وتزداد هلامية وغموضاً بتراكم الأحاديث والحكايات عنها.

أحداث تبدأ أخباراً عادية وتنتهي نسيجاً أسطورياً فريداً في التاريخ الحديث يُدعي "القاعدة".

تبدو القاعدة ظاهرة أكثر منها تنظيماً أو جماعة أو منظمة أو حتى شبكة كما يحلو للأميركيين تسميتها أخيراً، ولعل هذا ما حدا بباحث إندونيسي إلى تشبيه القاعدة بعلامة تجارية مثلا (الماكدونالدز)، حولها الأميركيون إلى ماركة عالمية قادرة على إعادة إنتاج نفسها والترويج لبضائعها بالاعتماد على العناصر المحلية، هذه العناصر المحلية تتجسد هذه السنة في عمليات نُفذت في مناطق جغرافية متباعدة، جربة في تونس، كراتشي وإسلام آباد في باكستان، زامبوانغا في الفلبين، المكلا في اليمن، فيلكا في الكويت، بالي في إندونيسيا، وأماكن أخرى هنا وهناك وهنالك نُسبت للكائن الغامض القاعدة.

وتبدو القاعدة حالياً أشبه ما تكون بواقع افتراضي يتواصل مع جمهوره عبر شبكة الإنترنت والهاتف والأشرطة السمعية أو السمعية البصرية، يصعب التأكد من صدقيته وهوية صنَّاعة.

الاسم نفسه يحتاج إلى ملاحقة خاصة، فتنظيم بن لادن لم يتبنه على ما يبدو إلا استغلالاً لشعبيته بعد أن روجه الإعلام، وتنقل الاسم بين صفة التنظيم والمنظمة والجماعة وغيرها، قبل أن يستقر أميركياً على الشبكة، بينما يفضل بعض الباحثين مصطلح الحركة، أما أصحابه فيبدو أنهم قرروا أخيراً إدماج الجهاد في القاعدة وتسمية المنتج الجديد قاعدة الجهاد بزعامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري.

ويذكر المراقبون تسمَّيات قديمة للتنظيم كالجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين، في فبراير عام 98.

ما يجمع أطراف الحكاية شخصيتها المركزية أسامة بن لادن، فحكاية ما يسمى القاعدة هي بالدرجة الأولى حكاية بن لادن منذ إنشائها عام 89 بعد انتهاء الجهاد الأفغاني بدحر السوفييت وبداية تقاتل الإخوة الأعداء.

القاعدة كما نسميها هنا تجنباً للالتباس أنشئت لتكون قبيلة المجاهدين الأفغان من غير الأفغان بها يحتمون وفي إطارها ينظمون أنفسهم ويُسيِّرون شؤونهم، اشتغلت من السودان في أوائل التسعينات حيث أقام قائدها، لكنها استقرت مجدداً في أفغانستان منذ عام 96 حيث أنشأت مقرها الرئيسي وعدداً من مخيمات التدريب، وشكلت تحالفاً وثيقاً مع الطالبان، ويُقال إنها استعملت مواقع أخرى للتدريب كالصومال والشيشان ومناطق في اليمن.

وهناك انطباع لدى الخبراء بأن خلايا القاعدة تنشط أو تنام بدرجات متفاوتة في عشرات البلدان بالقارات الخمس ويشتبه في وجود خلايا قوية في بعض كبرى المدن الأوروبية، خاصة لندن وهامبورج وميلانو ومدريد وبروكسيل، وتعتبر مراكز هامة للتجنيد وجمع الأموال والمعلومات والتخطيط للعمليات.

تتميز القاعدة بكونها نسيجاً مهلهلاً أشبه بشبكة مكونة من شبكات يعمل كل منها بشكل مستقل، لا يتعارف أعضاؤها إلا للضرورة، لكنهم يشتركون في اعتبار بن لادن زعيمهم أو قدوتهم.

الافتراضات والتكهنات المتعلقة بشكل القاعدة وبنيتها التنظيمية تتضاءل أمام المبالغات المتعلقة بتقييم قوتها التي صُوِّرت وكأنها قوة عظمى، آلاف الأعضاء المقاتلين، مصانع لإنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وربما معامل لإنتاج قنابل نووية من النوع القذر طبعاً.

سهَّلت هذه المبالغات نشر إحساس في الولايات المتحدة بإمكان وقوف القاعدة وراء رسائل الجمرة الخبيثة التي أرعبت الأميركيين وجعلت (ديك تشيني) نائب الرئيس الأميركي يشم فيها رائحة بن لادن، ووجد هذا التضخيم هوى في نفس بن لادن، الذي لم يكن ينفي ما يُقال بقدر ما كان يهدد أعداءه وينذرهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكأنه يملك فعلاً جيشاً جراراً وأسلحة تدمير فتاكة.

تعامل المؤسسة الأميركية السياسية والإعلامية خاصة مع ظاهرة القاعدة بالتضخيم والتهويل سهَّل تخليق عدو خارق يبرر الاعتمادات المالية الضخمة للتسلح والأمن بقدر ما يبرر العمليات العسكرية الواسعة واستعمال الأسلحة الفتاكة ضد أفغانستان والتلويح بها في وجه الأعداء المحتملين.

إن دحر القاعدة الرسمية في أفغانستان وتدمير وجودها هناك وقتل واعتقال المئات من أعضائها وبعضهم من أبرز قادتها لم ينه خطرها، وقد أُلبست هذه الصورة الغامضة المخيفة ويستمر الخطر خاصة إذا لم يحدث تغيير في الظروف التي أوجدت أرضاً خصبة للغضب والكراهية والعنف، وإذا لم يتم تدارك الخلط الكبير في تعريف الإرهاب وفي صورة تشكلت استناداً إلى فرضيات وأخطاءٍ مقصودة أحياناً ألحقت وتلحق أذى بكثير من الأبرياء.

أسباب عدم استهداف أميركا من القاعدة بعد أحداث سبتمبر

مالك التريكي: أغلب العمليات التي نفُذت بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 إذن لم تستهدف الأميركيين ولا مصالحهم، فهل يرجع السبب إلى فعالية أجهزة الأمن الأميركية ونجاحها أم لتغير في أهداف القاعدة أم لشيء آخر يتعلق بصورة مغلوطة أصلاً عن القاعدة طبيعةً وبنيةً وقدرة وأهدافاً؟

معنا لبحث هذه الأسئلة السيدة (جوديث ميللر) المؤلفة والصحفية المعروفية في "نيويورك تايمز" والتي تتابع قضية الحركات الإسلامية منذ عدة أعوام.

سيدة جوديث ميللر، من اللافت للانتباه أن العمليات التي حدثت بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لم تستهدف بالأساس المصالح الأميركية، هل يعود هذا إلى فعالية أجهزة الأمن الأميركية في تقديرك أم لتغير في أهداف القاعدة؟

جوديث ميللر: إن المخابرات.. الاستخبارات الأميركية وأجهزة الأمن تستحق كل ثناء على هذه.. هذا التغيير في تغيير وجهة الهجمات والعمليات على المصالح الأميركية، لكن أيضاً إلى جانب ذلك فإن القاعدة بنفسها وبحد ذاتها قد افتقرت إلى الموارد التي تساعدها على شن مثل هذه العمليات، فبالتالي أصبحت الأهداف مختلفة وغير متاحة لهم.

مالك التريكي: ينقسم المحللون الغربيون قسمين –سيدة ميللر- منهم من يرى أن العمليات الأخيرة في الأسابيع الأخيرة خاصة تسجل عودة للقاعدة، ومنهم من يرى أن القاعدة لم تتعافَ فعلاً من.. من الضربة الأميركية في أفغانستان وإنما ما وقع هو عمليات من منظمات أخرى ترتبط بها فكرياً، ما هو الأصح حسب رأيك؟

جوديث ميللر: لا أعتقد أننا بوسعنا التخمين بعد، فالقاعدة.. بالنسبة للقاعدة يصعب التأكد من أي شيء، فهنالك الشكوك كثيرة ولا يوجد إجابة أكيدة، قد يكون أسامة بن لادن قد لقي حتفه أو أنه مازال يقاوم الظهور مجدداً على شاشة التلفاز، لكن الظواهري قد يكون حياً، لكن هنالك أفراد كُثر تحت.. مع.. محتجزين لدى أجهزة الأمن الأميركية، لكن ما يلفت نظري بالنسبة لهذه.. لهذه المنظمة ولهذا التنظيم أنها تمشي باتجاهين من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس، فهنالك بعض التنظيمات التي قد تكون تمشي بإيحاء من القاعدة في إندونيسيا مثلاً قد تكون قد نفذت هذا الهجوم مثل ما حدث في بالي، بإيحاء مما تقوم به القاعدة وقد لا يكونوا مرتبطون بالقاعدة ولكن أفراد القاعدة مازالوا يعملون بالخفاء، وأعتقد أنني أركز على النشاطات التي تمشي بالاتجاه من أسفل إلى أعلى وما بدأته القاعدة سيستمر في ملاحقتنا، وفي السيطرة علينا، لكن أصبح واضح جداً أن هنالك إرادة قوية لملاحقة هؤلاء الأفراد مهما كان مكانهم، ومهما استغرق هذا الأمر من وقت.

مالك التريكي: لكن أليس من الغريب أن الأجهزة الأمنية الأميركية لا تبدو أكثر معرفة من عامة الناس في البلدان الأخرى حول القاعدة، علماً أن مركز مكافحة الإرهاب التابع للـ CIA يصدر في الشهر 500 تقرير استخباري، وأن كل يوم هنالك تقرير يُرفع إلى رئيس الدولة، وتحصل عليه ثمانون من المؤسسات الحكومية، ولا يعرفون إن كانت القاعدة موجودة وجوداً مادياً قادراً على تهديد أميركا، أم لا؟

جوديث ميللر: أعتقد أن هذه هي النقطة الأساسية بالنسبة للقاعدة فلا أحد يعرف أنها هي فعلاً موجودة في أفغانستان، إنها في الخفاء وسيصعب علينا أن نعرف أنها كانت موجودة أم لا، وإذا كان قادتها مازالوا على قيد الحياة أم لا، وهذه الأمور تتضح ببطء شديد وأعتقد أننا مع الوقت سنرى تغيراً في نشاطات القاعدة من أوروبا إلى جنوب شرق آسيا حيث يسهل العمل في هذه المناطق وسنبدأ بفهم خطر مجموعات من مثل القاعدة على جميع الدول، وسوف تلتحقون بنا في الولايات المتحدة في حملتنا على الإرهاب، يجب أن.. سنرى هذا التغير في النشاطات من مكانه الآن في أوروبا إلى آسيا.

مالك التريكي: ما هي صحة الأنباء التي تذكر أن بعض الأوساط داخل المؤسسة الأمنية والاستخبارية الأميركية بدأت تدعو إلى التفريق بين الحملة ضد الإرهاب، والحملة ضد القاعدة، وأن العمل الدعائي التي.. الذي تم خلال الأشهر الماضية حول القاعدة أصبح ربما لا يُفعل.. لا يُحدث الأثر المطلوب، التركيز على الإرهاب بدل القاعدة.

جوديث ميللر: أعتقد أن المعيار الأساسي التي.. الذي وضعته الإدارة الأميركية، والتصميم الذي وضعوه أمامهم هو ملاحقة القوى التي تهدد الحلفاء الديمقراطيين للولايات المتحدة، وللولايات المتحدة بنفسها، فبالتالي قد حققوا هذه الانجازات، وبالتالي فالولايات المتحدة تركز على المنظمات التي تحظى بشعبية أو بامتداد كبير في العالم، فهم يشكلون مشكلة للبريطانيين، وهم حلفاء للأميركان، وأيضاً يهددون أميركا، وليس لهم القدرة على العمل أو تحقيق نشاطات في مختلف دول العالم. لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستغير وجهتها من.. من حيث حربها على الإرهاب، سواء كانت هذه مجموعات أقلية أو أكثرية...

مالك التريكي [مقاطعاً]: ماذا.. ماذا - سيدة ميللر - عن الربط مع العراق يوم 14 أكتوبر الرئيس بوش بعد.. بعد العملية في بالي في إندونيسيا ربط مرة أخرى بين هذه العمليات وبين العراق، وقاله أن هنالك علاقة بين العراق والقاعدة، ماذا عن ذلك؟ هل يحظى هذا الرأي بمصداقية، علماً أنه لا يحظى بأي مصداقية في بقية دول العالم؟

جوديث ميللر: ليس لديَّ أي إمكانية للحصول على أي معلومات استخبارية، وأنا مجرد صحفية، فلا أعرف إذا كان هنالك فعلاً أي صلة بين صدام حسين والعراق والهجوم على بالي، ليس لدينا أي دليل أو مؤشر من خلال.. من صدام حسين أو رد فعل، وخلال السنوات العشر الأخيرة لم نر منه أي رد فعل، وليس هنالك من أدلة لدى الإدارة الأميركية تعرضها علينا، فلم يعرضوا علينا مثل هذه المعلومات، على الرغم من هنالك.. من أن هنالك شكوك كثيرة في هذا الاتجاه.

مالك التريكي: السيدة جوديث ميللر (الصحفية المعروفة من "نيويورك تايمز") لكِ جزيل الشكر.

يبين تاريخ النزاعات أنه كلما ظهر سلاح جديد فإنه لابد أن يستخدم من جديد.

بعد الفاصل: نظرة فيما تبقى للقاعدة من دور بعد أن اكتشفت سلاحاً جديداً مدهشاً في بساطته، هو تحويل الطائرة المدينة إلى صاروخ مدمر.

[فاصل إعلاني]

مستقبل الحركات الإسلامية بين الاضمحلال والانتشار

مالك التريكي: منذ عام 92 بدأت تظهر في الغرب مقولة إخفاق الإسلام السياسي، وعلى عكس ما قد يُتصور فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تؤدِ إلى إضعاف مقولة إخفاق الإسلام السياسي، بل إلى تعزيزها في بعض الأوساط الفكرية الغربية، وتتبنى هذه المقولة.. أو تنبني هذه المقولة التي يعد الكاتبان السياسيان (أوليفيير وا) و(جي كيبل) من أبرز ممثليها على أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر تمثل قمة العنف العدمي وأن اللجوء إلى العنف العدمي إنه.. إنما هو دليل إفلاس سياسي.

ومثلما يبين تاريخ حركات العنف التي ظهرت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، والتي انتهجت ما يسمى الدعاية بالأفعال، وتُفضي هذه المقولة طبعاً إلى التنبؤ بتقلص حركات العنف الإسلامية واضمحلالها.

إلا أن خبير الحركات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور ضياء رشوان يعتقد على عكس ذلك أن الحركات الإسلامية ستؤول إلى مزيد من الانتشار والاتساع في المدى القصير على الأقل، وأن استخدام العنف ربما يصبح قاسماً مشتركاً بين معظم هذه الحركات.

دكتور ضياء رشوان على أي أساس تبني توقعك بمزيد من الانتشار والاتساع للحركات الإسلامية في المدى المنظور، هل على جاذبيتها الفكرية لقطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية أم على قدرتها العملية على تهديد المصالح الغربية؟

د.ضياء رشوان: يعني في الحقيقة هذه المقولة أو هذه الفرضية بنيتها على أكثر من شيء، الشيء الأول هو شيء واقعي.

مالك التريكي: نعتذر للسادة المشاهدين على انقطاع الاتصال بالأقمار الصناعية مع السيد الدكتور ضياء رشوان (الباحث في مركز الدارسات الاستراتيجية والسياسية بالقاهرة) ونحاول الاتصال به مرة أخرى.

دكتور.. دكتور ضياء رشوان، إن كنت تسمعني هل تستطيع الإجابة على السؤال؟

د.ضياء رشوان: نعم.. نعم أسمعك.

مالك التريكي: تفضل.. تفضل.

د.ضياء رشوان: نعم أسمعك.. هل.. نعم

مالك التريكي: نعم، أنا أسمعك. تفضل.

د.ضياء رشوان: في الحقيقة أقول أن المشكلة.. المشكلة الرئيسية أولاً في التقدير الذي ذهب إليه بعض الباحثين الغربيين والذي يتعلق بنهاية الحركات الإسلامية، والذي ذكرت بالفعل أن (جي كيبل) و(أوليفيير وا) هما الأساسيان في.. في أوروبا على الأقل، المشكلة في هذه التقدير إنه قد قام على تعريف محدد للحركات الإسلامية في رأيي هو تعريف خاطئ، لقد قام هذا التعريف قبل الحادي عشر من سبتمبر على أن الحركات الإسلامية هي فقط الحركات العنيفة التي نسميها أحياناً الإرهابية وأحياناً الجهادية، وكان قد سبق الحادي عشر من سبتمبر بالفعل تحوُّل في الحركات الجهادية بشكل عام من حركات جهادية إلى حركات سياسية إسلامية مثل الإخوان المسلمين ومثل جبهة الإنقاذ في الجزائر، أي حركات تسعى في ساحة السياسة وليس في ساحة العنف، فلما رأوا هذا التغير لم ينتبهوا إلى أن هذه الحركات التي توقفت عن العنف قبل الحادي عشر من سبتمبر –العنف ضد النظم المحلية- قد تحولت إلى حركات إسلامية سياسية، أي أنها لم تتحول إلى حركات أخرى، أي أننا شهدنا نقصاً في عدد الإسلاميين العنيفيين أو العنفيين وزيادة في عدد الإسلاميين السياسيين، رأوا هم نصف الكوب فقط، لم يروا النصف الآخر منه، النصف الآخر من الكوب يشير إلى أننا في خلال السنوات الخمس الأخيرة على الأقل شهدنا زيادة واسعة في مساحة الحركات الإسلامية السياسية ليس العنيفة، ظهر هذا في مصر واضحاً، ظهر هذا أيضاً في الجزائر، في بلدان أخرى عربية وإسلامية كثيرة، بعد الحادي عشر من سبتمبر زادت أو (...) عناصر أخرى لكي تحقق التوقع الذي أتحدث عنه،.. الحادي عشر من سبتمبر جعلت المسلمين في العالم كله يعتقدون أو يشعرون أنهم في حرب مع الولايات المتحدة الأميركية أو مع الغرب عموماً حول الإسلام، وكانت الحركات الإسلامية قد وُضعت.

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن دكتور.. دكتور.. دكتور، قبل.. قبل أن نمضي إلى.. إلى التداعيات بعد الحادي عشر من سبتمبر، تتذكرون أن العالم كله بقى لمدة أشهر بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لا يعرف من قام بالعمليات، والقاعدة لم تتبَّن ذلك رسمياً إلا بعد شهور وشهور، هذا يطرح سؤالاً حول الرسالة السياسية من تلك الهجمات ومن أي عمليات أخرى ربما يمكن أن تنسب إلى.. إلى القاعدة، أي أنها لم تطالب بتحرير أرض مثلاً، لم تطالب بإقامة نظام سياسي معين في بلد ما، لم تطالب بتنازلات سياسية من طرف من دولة محددة، الرسالة كانت منعدمة.

د.ضياء رشوان: الحقيقة إنه ما ذكرته حول الحيرة حول من قام بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، هذه الحيرة لم تنتهِ بعد، لم ينكشف الغطاء بعد بدقة وبشكل واقعي ومباشر عن من قام بها، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى لا نخوض كثيراً فيها، في الحقيقة تُعدُّ إذا ذكرناها من زاوية القاعدة تعد استثناءً في كل السجل العنفي الذي قامت.

مالك التريكي: يبدو أننا فقدنا الاتصال مرةً أخرى بالدكتور ضياء رشوان، وبهذا –سيداتي سادتي- تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة