التراشق الإعلامي بين فرنسا وتونس   
الخميس 1425/4/14 هـ - الموافق 3/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 23:46 (مكة المكرمة)، 20:46 (غرينتش)

موسى زريق

الهاشمي الحامدي

قيس العزاوي

جميل عازر:

مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذه الحلقة من برنامج الجزيرة الحواري "أكثر من رأي"، ونخصصها للتراشق الإعلامي بين فرنسا وتونس, رغم أن هذه المشادة ليست الأولى من نوعها، إلا أنها الأكثر حدة من سابقاتها، إلى درجة استدعت تدخل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي شخصيًّا، فردَّ بغضب بأن تونس لا تريد أن يلقي عليها الآخرون مواعظ.

بدأت الأزمة الحالية بتعليقات لاذعة من وسائل الإعلام الفرنسية بشأن إحجام التلفزيون التونسي عن نقل مراسم جنازة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، ولكن سرعان ما انضم الحزب الاشتراكي الفرنسي وشخصيات سياسية يسارية إلى الحملة، فتحولت القضية إلى تسليط الأضواء على سجل تونس في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه مسائل يوجد لدى نظام الحكم في تونس حساسية مُفْرِطةٌ إزاءها، وقد وصل الأمر ببعض البرلمانيين الفرنسيين إلى مطالبة الحكومة بحثِّ البرلمان الأوروبي على تطبيق عقوبات ضد تونس في إطار اتفاق الشراكة الأوروبي التونسي، باتهامهم القيادة التونسية بتكبيل الحريات العامة، ومخالفات حقوق الإنسان.

وقد اتخذ المحتجون من إضراب الصحفي التونسي "توفيق بن بريك" عن الطعام مطالبًا باستعادة جواز سفره ووقف ما يقول إنها حملة مضايقات تستهدفه وأفراد عائلته منذ سنتين؛ ذريعة لزيادة حدة الموقف، فما هي مبررات الحملة الإعلامية الفرنسية ضد تونس؟ وما هي تداعياتها المحتملة على العلاقة بين الدولتين وعلى المسرح الداخلي التونسي ذاته؟

لمناقشة هذه القضية نستضيف اليوم في الاستديو الدكتور موسى رزيق أستاذ القانون والمتابع للشأن التونسي، وعبر الأقمار الاصطناعية من استوديوهاتنا في لندن الهاشمي الحامدي رئيس تحرير صحيفة المستقلة، ومن باريس الدكتور قيس جواد العزاوي رئيس تحرير مجلة دراسات شرقيَّة.

للمشاركة بعد موجز الأخبار يمكنكم الاتصال بالهواتف التالية: 42 - 41 - 888840، وعلى الفاكس رقم 885999، ومفتاح قطر الدولي هو (974)، ولكننا نبدأ هذا اللقاء بالتقرير التالي:

أحمد الشولي (تقرير):

كما كانت مواقفه وتصريحاته مثيرة للجدل في حياته؛ فإن بورقيبة كان سببًا لجدل عنيف حتى بعد وفاته، فقد تحولت مراسم تشييع جنازته إلى مناوشة بين أجهزة الإعلام الفرنسية والتونسية، سرعان ما تحولت إلى حملات متبادلة، فرغم مظاهر التكريم الرسمية التي أحاطت بالجنازة إلا أن اليسار الفرنسي وجد في امتناع التلفزيون التونسي عن نقلها على الهواء مباشرًة مناسبة للنبش في سجل تونس في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهكذا تحولت جنازة بورقيبة إلى محاكمة مفتوحة لنظام حكم بن علي على صفحات الصحف وشاشات محطات التلفزيون الفرنسية. يَرُدّ التونسيون بأن تباكي اليسار الفرنسي على بورقيبة هو مجرد فَبْرَكةٍ إعلامية، ويذكرون أنه منذ تولى بن علي مقاليد الحكم ظل بورقيبة وعلى مدى السنوات التي قضاها في مركز رأسه "المنستير" محل عناية وتبجيل، حفظت له كرامته ومكانته التاريخية في ذاكرة جميع التونسيين، لذا اعتبرت الصحف التونسية هذه الهجمة بمثابة حملة إساءة متعمدة ومفضوحة يشنها من أسمتهم أصحاب النظرة الاستعمارية والأبواق المرتزقة الذين أغاظتهم نجاحات تونس في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، واستقرار الأمن. تاريخيًّا، ومنذ أيام حكم بورقيبة ارتبطت الحملات الصحفية الفرنسية المغرضة -كما تسمى في تونس- بتطورات الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد، وغالبًا ما كانت هذه الحملات تلعب دورًا كبيرًا في تعبئة الرأي العام الدولي ضد تونس، مما يدفع الحكومة إلى التراجع وتنفيس الاحتقان الداخلي تدريجيًّا. في نظر الكثير من التونسيين، فإن المفارقة تكمن في تولي الصحافة الفرنسية هذه المهمة، لأن وسائل الإعلام الوطنية تخلت عن مهمتها الأساسية في ممارسة الرقابة على أداء الحكومة، وانشغلت بدلاً من ذلك- شأنها شأن معظم الصحافة العربية المدجنة- في الزمر والتطبيل للنظام.

سفيان بن حميدة (نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان):

بقدر ما توجد إيجابيات يمكن الدفاع عنها في تونس على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فإن ملف الحريات وملف حرية التعبير بالأساس لا يمكن الدفاع عنه، وفي اعتقادي فإن الحل الذي يجب أن نتوصل إليه هو إطلاق الحريات بشكل يجعل من الجبهة الداخلية قادرة على تلميع صورة بلادنا بوسائلنا نحن، وإلا فإن وسائل الإعلام الأجنبية سوف تواصل القيام بعملها بشكل عادي؛ أي التحدث على كل النقائص الموجودة في تونس.

أحمد الشولي:

في بداية عهده رفع الرئيس زين العابدين بن علي شعارات التعددية والحرية وحقوق الإنسان، وحاز على إجماع وطني، ولكن منذ بداية الصدام مع حركة النهضة الإسلامية عام 1992 بدأ تراجع الحريات العامة، وهيمنت الدولة على جميع مناحي الحياة، بحيث باتت لا تسمح إلا بمعارضة تتوافق مع نهج النظام، فتقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية تتحدث عما تسميه بحالات سجناء الرأي من زعماء وكوادر أحزاب المعارضة والقيادات العمالية والطلابية الذين تمَّ اعتقالهم بصورة عشوائية، وتعرضوا للتعذيب قبل أن تصدر بحقهم أحكام بالسجن، وصل بعضها إلى عشر سنوات.

خميس كسيله (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان):

منذ أن غادرت السجن، وتحت سراح شرطي، مازلت محاصر، وما زال السيد "محمد بن وعده" زعيم حزب معارض محاصر، مازال السيد "خميس شماري" و"كمال الجندوبي" المناضلين الوطنيين الصادقين محرومين من العودة إلى البلاد وغيرهم بالعشرات، هناك حصار حقيقي هو الواقع.

أحمد الشولي:

يقول مؤيدو النظام إن السياسة الحالية وفرت مناخًا من الإستقرار  الأمني شجع الاستثمارات الأجنبية، وصناعة سياحية متقدمة، والأهم من ذلك أنها أنقذت البلاد من الانزلاق إلى حالة الفوضى التي كانت سائدة في أواخر عهد بورقيبة.

علي الشاوش (وزير الداخلية التونسي السابق):

سيادة الرئيس أنقذ البلاد في سنة 1987 وقام بعمل جبار.. بعمل إصلاحي جبار في كل الميادين، سواء كان في الميدان السياسي، سواء كان في ميدان حقوق الإنسان، سواء كان في ميدان التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تجمع عليه كل المؤسسات الدولية.

أحمد الشولي:

ربما كانت تونس من البلدان العربية القليلة التي حققت نجاحًا في معالجة قضايا التنمية والتطرف، وربما كان من حق مؤيدي النظام المفاخرة بمشروع الإصلاح والتغيير وما حققه من استقرار ورخاء نسبي، ولكن هذا الاستقرار سيكون بالتأكيد أكثر مدعاة للفخر والاعتزاز لو تفيَّـأ بظلاله كل التونسيين من مؤيدين ومعارضين.

جميل عازر:

ذلك تقريرٌ عن خلفية الوضع الراهن في العلاقة بين تونس وبين فرنسا. وقفة قصيرة ونعود لمتابعة هذا اللقاء.

[ فاصل اعلاني]

جميل عازر:

 ونبدأ هذا الحوار بشأن العلاقة المتوترة إلى حد ما بين تونس وبين باريس في هذا البرنامج "أكثر من رأي"، وأتوجه أولاً بالسؤال إلى قيس العزاوي، طالما أن الاتهامات صادرة من باريس -دكتور قيس- أولاً ما هي مآخذ الفرنسيين على نظام الحكم في تونس برئاسة الرئيس بن علي كما تنعكس في الحملة الإعلامية الحالية؟

د. قيس جواد العزاوي:

في واقع الأمر أنا استمعت بشكل جيد للتقرير اللي أعديتوه مشكورين حول سبب الخلاف الفرنسي التونسي، وأعتقد أن المسألة لا تتعلق في إذاعة تشييع جنازة المرحوم الرئيس بورقيبة، ولكنما المسألة من زمان، العلاقة ما بين الطبقة السياسية الفرنسية بيمينها ويسارها كانت جيدة للغاية مع النظام التونسي برئاسة الرئيس بن عليّ، وكما تعلمون أن أوروبا كلها رحبت بانقلاب 7 نوفمبر لأنها اعتبرته أنه إنقاذ لحالة البلاد، وكانوا يتوقعوا أن تكون نهاية بورقيبة -نهاية نظام بورقيبة- يمكن أن تكون نهاية عنيفة، رحبت به لأنها ساعدت هذا النظام بكل قوتها لكي يؤدي مهامه الوطنية، ولكنما أكثر من هذا ساعدته في تصفية الإسلاميين، هذا الأمر معروف لكل الناس.

نحن نعلم جيدًا أنه لم تصدر إدانة واحدة من أوروبا كلها لكل ما حدث في تونس من قمع وتصفية لتيار شعبي كبير اسمه "حركة النهضة"، ساعدوه إلى درجة كبيرة، هذا الأمر لا ينكره أحد، مسألة حقوق الإنسان بالنسبة لأوروبا مسألة مهمة، النظام في تونس خرق ما وقّع عليه من اتفاقية الشراكة الأوروبية، البند الثاني لحماية حقوق الإنسان، وتراكم الأمر إلى درجة أن وصل إلى ما وصل إليه الآن.

جميل عازر:

طيب، الهاشمي الحامدي في لندن، ألا يمكن القول إن طريقة تعامل السلطات التونسية مع قضية الصحفي "توفيق بن بريك" فتحت المجال –لِنَقُل- أمام عُشٍّ من الدبابير لمهاجمة سجل السلطة في حقوق الإنسان بوجه خاص، وهو سجل لا يخفى على أحد أنه يتعرض إلى كثير من الاتهامات، وتدور حوله شبهات أقل ما يقال؟

د. الهاشمي الحامدي:

بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة ألاحظ أنك تسمي الصديق الأخ الدكتور قيس باسمه الكامل وبلقبه كمان، أنا حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن، اسمي دكتور محمد الهاشمي الحامدي..

جميل عازر [مقاطعًا]:

ولكن..

د. الهاشمي الحامدي [مقاطعًا]:

شاركت في قناة الجزيرة في برامج أخرى، ويمكن الاستعانة بجريدة المستقلة حتى يقال اسمي في البرنامج بصيغته الصحيحة وبلقبي العلمي.

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور هاشمي نحن نقرأ اسمك على الشاشة..

د. الهاشمي الحامدي [مقاطعًا]:

طالما ألحقت الألقاب بالآخرين، طالما أضفت الألقاب للآخرين، تضيفها إليَّ، لأني حصلت من جامعة محترمة جدًّا في لندن في School Of Oriental And African Studies، وأرجوك في بقية البرنامج كلها -مع كل احترامي لك- لو قلت دكتور قيس، قل دكتور الهاشمي، بدونها .. وإلا ألغ الألقاب للناس كلها، يعني يكفيني موقعي ورأيي..

جميل عازر:

دكتور الهاشمي، هذه ليست نقطة الخلاف.

د. الهاشمي الحامدي:

يعني نبهتُ إليها ورفضتم الانتباه إليها.

جميل عازر:

تفضل.

د. الهاشمي الحامدي:

أول حاجة خليني أجيبُ لك عن السؤال الأول الذي تكلم عنه الأخ قيس العزاوي.. أول شيء في تونس لا يوجد عش دبابير في تونس، وحقوق الإنسان ليست هي المسألة الرئيسية بين تونس وفرنسا، لأن فرنسا مع كل احترامنا لها ليست هي المعيار في حقوق الإنسان. لو كانت فرنسا هي المعيار في حقوق الأنسان،  هذه الأيام، الحملة الدولية في حقوق الإنسان هي على المملكة العربية السعودية، منظمة العفو الدولية فاتحه ملفات مرعبة عن حقوق الإنسان في هذا البلد العربي الشقيق، اللي نتمنى - إن شاء الله - أن ينتبه ويستفيد من الحملة ويصلح أوضاعه، ولكن فرنسا لم تهتم لا في (T V 5) القناة الخامسة بالتلفزيون الفرنسي، ولا في الليموند ، ولا في الليبراسيو، ولا في أية وسيلة من وسائل إعلامها بحقوق الإنسان في المملكة، ولم تنتبه فجأة لأوضاع جديدة في تونس؛ الأوضاع الجديدة التي تخفى على الأخ قيس ربما وعلى عدد من المشاهدين التونسيين هنا، وهذا ليس تسترًا على شيء لأن تونس والحمد لله فيها 99% من أوضاعها تشرف كل تونسي وكل عربي يحب تونس. عندنا نواقص صحيح في بعض المجالات؛ في الحريات العامة وحقوق الإنسان؛ نواقص من يبحث عن الكمال، ونواقص حكومة عاوزه اتصلح، وليست حكومة متعنتة ومتعصبة ورافضة للإصلاح.

الفرق الذي حصل في العام الماضي يا أخ جميل والإخوة المشاهدين أننا اتجهنا بخطوات أسرع نحو استكمال تعريب الإدارة والتعليم والحياة العامة في تونس، وأنه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي هو أحد قلة قليلة من رؤساء دول الفرانكفونية اللي تونس منضمة اليها من عهد الراحل بورقيبة -الله يرحمه- الذي لم يحضر قمة فرانكفونية واحدة، وهو الرئيس التونسي الذي وقف في المحافل الفرنسية في زيارته الرسمية الأخيرة لباريس، وخطب فيها بلغة الضاد، باللغة العربية، وبالجبة التونسية السمحة الجميلة التي ليس لها مثال.

لو كان الفرنسيين غضبانين من بن علي أو من الحكومة عشان حقوق الإنسان كنَّا حنفرح؛ ماحنا عاوزين علاقة جيدة مع فرنسا والتشاور في حقوق الإنسان، هناك خلافات أخرى أساسية، وعلينا كتونسيين أن ننتبه لهذا الأمر، نتطور بوضع حقوق الإنسان في حوار مع دولتنا وحكومتنا، لكن لا نعطي للأجانب أبدًا فرصة في أن يقدموا لنا دروس هم ليسوا -في الحقيقة أبدًا- أهلاً لأن يقدموها لأحد بفعل رصيدهم وسجلهم، وعلى كل حال الأمر يتعلق هنا بعدد من وسائل الإعلام الفرنسية وليس بالحكومة، اليوم الرئيس جاك شيراك كان عنده مكالمة ، لو سمحت اليوم بس كان عنده اتصال هاتفي بالرئيس زين العابدين بن عليّ، وكان الحديث ليس فقط عن حقوق الإنسان، كان الحديث عن زيارة "أبي عمار" الأخيرة والوضع في الشرق الأوسط، العلاقة بـ"جوسبان" والحكومة الاشتراكية عادية وطيبة، وفرنسا هي شريكنا التجاري الأول، عندنا مشكلة مع مجموعة من الصحفيين والناس، بعضها حقٌ نعالجه نحن في ديارنا، وكثيرٌ منه أسبابه ليس لها صلة بحقوق الإنسان.

جميل عازر:

دكتور موسى رزيق، هل ترى للموقف الفرنسي أبعادًا أخرى.. اعتبارات أخرى؟

د. موسى رزيق:

بسم الله الرحمن الرحيم، يعني ممكن أتناول بالتعليق على بعض ما جاء في كلام الأستاذ العزاوي والدكتور الحامدي لتوضيح الموضوع الذي تطرقوا إليه، ثم بعد ذلك أعطيك وجهة نظري فيما يتعلق بالعلاقات الفرنسية التونسية أو التونسية الفرنسية، بالنسبة لمآخذ الفرنسيين على تونس، والتي يعني تطرق إليها الدكتور الأستاذ العزاوي
أنهم في فرنسا رحبوا بالنظام الجديد في 7 نوفمبر على أساس أنه نظام سوف يكون أقل تقييدًا للحريات وأرحم بالناس وأكثر رعاية لحقوق الإنسان كما هي الحال في الدول الديمقراطية أو الجمهوريات، لكن الملحوظ هو العكس أن نظام بورقيبة يبدو أنه كان أكثر رحمة وأكثر مراعاة للمعارضة، وأقل تكميمًا للأفواه من النظام الجديد.. النظام الجديد زاد من القبضة البوليسية على وسائل الإعلام، وعلى كل ما يمت للمعارضة بصلة، ونحن عندنا هنا في الحقيقة تقارير مؤكدة وموثقة من هيئات مختلفة دولية وإقليمية تتعلق وتتابع مسائل حقوق الإنسان.

أما فيما يتعلق بما ذهب إليه الأستاذ الدكتور الحامدي يقول: نحن عندنا نواقص، في الحقيقة أنا أقترح عليه أن يضيف لكلمة نواقص الألف واللام، ويقول: نحن عندنا النواقص، لأن ما يحدث في تونس ليس مجرد مسائل بسيطة يعني لم تكتملها الحكومة، لم تكمل بناءها في مراعاة حقوق الإنسان، إنما لا توجد حقوق للإنسان بالمعنى المفهوم المتعارف عليه دوليًّا نهائيًّا في تونس. واحنا عندنا هنا سجل كبير جدًّا صادر عن منظمة العفو الدولية، وعندنا العديد من الرسائل الرسمية (يشير إلى هذه الرسائل) هذه جاية من "لاليج دي دِورا دي لونج" La Le`que de dries de` lounge من باريس في 15 مارس 1999م، وهذه من Amnesty International، وهذه من "أسو سياسو-مارنوكان دي ديروانلوم"  هذه من -عفوًا- من American Muslem Council  تتعلق أيضًا بتجاوزات وانتهاكات صارخة جدًّا لحقوق الإنسان، ممكن بعدين نرجع لمضامينها.

جميل عازر:

أعود إلى الدكتور الحامدي في لندن وأسأل: دكتور لماذا يخشى نظام الحكم في تونس تعليقات من صحفي مثل توفيق بن بريك عندما نشر بعض المقالات في صحف أجنبية وأدت إلى هذه المواجهة بينه وبين السلطات التونسية؟

د. الهاشمي الحامدي:

لدينا نواقص، نواقص بلد في المغرب العربي ليس فيه أخبار تأتي كالتي جاءت أمس في الجزيرة من جيراننا على جيراننا في غربنا، مقتل 18 شخص، أصبح خبر عادي يوم ماجيبوه انتو في الجزيرة عندكم، زي ما تقولوا: مانشستر يونايتد فاز بالبطولة في بريطانيا، نحن قتل واحد في تونس حاجة عظيمة جدًّا، ولا يمكن أن تحصل، نحن إضراب جوع عامل كل هذه الضجة، لأن معيار حقوق الإنسان عندنا مختلف، عندنا جيراننا للشرق شخص واحد  ماخذ التلفزيون عشرين ساعة لوحده، ولما الجزيرة تجيب برنامج يأخذ سفيره؛ وزعلان، إن شاء الله -نحن قلنا له بالنصيحة- إن شاء الله ينتبه.

نحن في تونس عندنا النواقص، وتوفيق بن بريك كتب مقالة وأنا رأيي الخاص ما كانش مفروض لما واحد يكتب صحفي مقالة،رأي؛ أي شخص ولا أية جهة عدلية تفتح فيه بلاغ وتحاسبه عليه، رأيي أن القراء والكتاب الذين يقرءوا يحترموا المقال ويهتموا به ويأخذون منه أو لا يأخذو، وعلى كل حال الذي يسر الآن أن الأمور تسير في تونس للانفراج، وأن الأخ محامي الأستاذ توفيق بن بريك الآن على اتصال بالسلطات القضائية في تونس، ويسرني أن أقول في التلفزيون -إن شاء الله- بعد أيام قليلة راح يحصل على جواز سفره، وإن شاء الله يكون مسموح له أن ينشر مقاله ليس فقط في "لاكوروا" الفرنسية، ولكن في "الصباح" التونسية، أو في جريدة "سيدي أحمد نجيب الشابي" اللي بتاع التجمع الاشتراكي التقدمي، هناك مقالات.. لو شاهدت مجلة "الموقف" التي يصدرها "أحمد نجيب الشابي" في تونس؛ فيها مقالات قوية جدًّا انتقادية، والأخ الرئيس زين بن على يقول: انه هذه مسار الحريات الآن من هنا فصاعدا، يمشي في اتجاه الزيادة وباتجاه الاتساع.

الفرق الوحيد الذي أنا ألح عليه - ونحن عندنا نواقص - أقول: الحمد لله ليس عندنا مذابح مَنْ حولنا، ولا بلاوي جيران آخرين، وليس عندنا دول في المشرق العربي أن الحاكم فيها للأبد، ومافيش نفس واحد، نحن عندنا جمعية صحفيين منتخبة، جمعية محامين يتكلم رئيسها في قناة الجزيرة من تونس، ويذهب إلى بيته مرتاح، صحيح محناش فرنسا، لكن أحسن من بلدان كثيرة، فلماذا يعني بعض الإخوان.. أما مقالات Amnesty التي نحترمها لو أخذناها على الدول العربية؛ كلها حرها كثيرة.. حطوها في سياقها الصحيح.

جميل عازر [مقاطعاً]:

 [موجز الأنباء]

جميل عازر [مستأنفاً البرنامج]:

أتوجه إلى الدكتور قيس العزاوي في باريس، دكتور قيس هل فرنسا مؤهلة لتكون حكمًا في حقوق الإنسان، بمعنى آخر كيف ترد على ما قاله الدكتور الحامدي في هذا الصدد؟

د. قيس العزاوي:

نحن لسنا بصدد محاكمة فرنسا إن كانت مؤهلة أو لا، هناك خروقات لحقوق الإنسان في فرنسا كثيرة جدًّا، ويعلم الأخ الحامدي، وأعلم أنا، كنت أحد ضحاياها في مجالات عديدة، أنا لا أدافع عن أن الغرب يكيل بمكيالين، ونعلم كلنا جميعًا أن في مسائل حقوق الإنسان هناك ما يؤخذ عليه، نحن نتحدث عن بلد عربي شقيق نتمنى له كل الخير وكل التطور والتقدم، تونس من الدول التي حققت تطورًا اقتصادي جيد وممتاز، ونأمل أن تتجاوز مسألة حقوق الإنسان، وهذه مسألة أساسية، نحن نرحب بسياسة التعريب، ونؤيد هذه السياسة، ولكن ينبغي أن نقول إن ما ننتظره من تونس أكثر مما ننتظره من الأردن والمغرب، لأن تونس فيها طبقة متعلمة كبيرة، وكادر متعلم كبير، فيها اقتصاد منتعش، لها تقاليد كبيرة في الإصلاح، نحن نعلم عندنما نذكر تونس نتذكر "خير الدين التونسي".. زودت الإمبراطورية العثمانية برئيس وزراء مصلح كبير "خير الدين التونسي"، ونتذكر أيضًا عهد الأمان، نتذكر دائمًا الإصلاحات باتجاه التعددية والديمقراطية، تونس في واقع الأمر كان من المنتظر أن تكون هي المبادرة، وهي الأولى في مسائل حماية حقوق الإنسان، لكن مع الأسف الذي حدث حدث، وإذا كانت هناك إمكانية إصلاح ما انتكست فيه تونس في هذه الفترة، يعني أخي الأستاذ الدكتور الحامدي ذكر أن هناك صحافة مستقلة، أنا أشك في هذا الأمر، بل أقول إن كل الدلائل تشير إلى أنه لا توجد هناك صحافة حرة في تونس، بدليل أن جمعية مدراء الصحف التونسية قد طردت عام 1998 من الجمعية الدولية لرؤساء الصحف لتقصيرها في أداء مهمتها في الدفاع عن الصحفيين، نعلم جيدًا أن الصحفيين التونسيين مقموعين، ولا يستطيعون أن يتحدثون، إن الصحف الموجودة في تونس للتزمير والتطبيل فقط، وهذا أمر واقع ينبغي أن نقوله بصراحة، لأنه إذا أردنا الإصلاح علينا أن نشير إلى النواقص، علينا أن نقولها إحنا نحب تونس، وأنا من الناس الذين يحبون تونس.

جميل عازر:

دكتور قيس لماذا -في رأيك- يتخذ الفرنسيون الاشتراكيون؛ الإعلام الفرنسي من قضية بن بريك.. توفيق بن بريك الصحفي المضرب عن الطعام؛ قضية أو ذريعة لإثارة كل هذه الانتقادات للنظام الحاكم في تونس؟

د. قيس العزاوي:

هذا يا أستاذ جميل إذا صدقنا أن القضية تتعلق بالصحفي المضرب عن الطعام "توفيق بن بريك"، القضية لا تتعلق بهذا، نحن نعلم جيدًا أن في تونس حزب التجمع الدستوري الذي يرأسه الرئيس بن عليّ هو حزب عضو في الأممية الثانية.. الأممية الاشتراكية الدولية، هو زميل إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي والأحزاب الاشتراكية الأوروبية، ونعلم جيدًا أن الأغلبية في البرلمان الأوروبي أغلبية اشتراكية، ونعلم أكثر من ذلك أن هذه الأغلبية رفضت كل محاولات إدانة النظام التونسي في مجال حقوق الإنسان، ونعرف تمامًا أنها دافعت عنه، ونعلم أيضًا أن الأحزاب اليمينية لا تتدخل في قضايا حقوق الإنسان في المنطقة العربية، لأنها كثيرة، وإذا تدخلت هذا معناه أنها تثير مسائل كثيرة مع الدول العربية، بأجمعها تقريبًا، لذلك فرنسا -لكي نكون موضوعيين- إذا تدخلت في هذا الأمر تدخلت بناءً على خرق النظام التونسي لمبدأ الشراكة الثاني لحماية حقوق الإنسان، وأصبحت الحالات عديدة، أصبح هناك -يا سيدي- في تونس 138 ألف بوليسي (أي شرطي) من تسعة ملايين، في حين في فرنسا كلها 130 ألف بوليسي، أي أقل، فرنسا ستون مليون، وتونس تسعة ملايين، هل تونس في حاجة إلى كل هذه الشرطة؟

جميل عازر:

دكتور الحامدي أنت أشرت في السابق إلى أن محاميي بن بريك قد توجهوا للاطمئنان عليه، واطمأنوا عليه، ولكن توخيًا للدقة وليس لاتخاذ موقف في الواقع، وإنما توخيًا للدقة، لديَّ بيان من الهيئة الوطنية للمحامين الذي يشجب الإعتداء على المحامين الذين توجهوا لزيارة بن بريك، وهذا البيان كما يقول يقرر ما يلي: الإضراب عن العمل بكامل محاكم الجمهورية يوم الجمعة، أي هذا اليوم، إذن لم تكن العملية عملية منتظمة، لماذا هذا التصرف؟ هل هذا التصرف ضد محامين يذهبون لمواجهة موكلهم مثلاً؟ هل يعكس الموقف الرسمي موقف الرئيس بن عليّ أم أنه -تعتقد- عبارة عن تصرف ربما يكون فردي مثلاً؟

د. الهامشي الحامدي:

شوف يا أستاذ جميل، بالنسبة للرئيس زين العابدين بن عليّ سألتني هل يعكس موقفه؟ أنا أقول لك وأقول لمشاهدي الجزيرة وخاصة التوانسة منهم، والأخ قيس الذي لاحظ -وأنا أعرف أنه صادق- عندما يقول إنه حريص على تونس، ولا أشك في نيته، وعلى كل حال ماعندنا أسرار كبيرة لا نخاف أن نناقشها في الجزيرة ولا في أية محطة، اليوم أنا تيسر لي وتشرفت بالحديث مع سيادة الرئيس زين العابدين بن عليّ كصحفي تونسي، وهذه بلدي، وعلى كل حال أنا عربي الهوية، إسلامي التوجه، عامة كل العالم الإسلامي عالمي، وأعيش في بريطانيا، لكن هذا رئيس بلدي وأحترمه جدًّا، وأقدر خدماته الكبيرة لتونس، وعندما تكلمت معه اليوم أكد لي أنه التوجه العام مثلاً في موضوع جواز السفر…جواز السفر كان نقطة من نقاط قضية توفيق بن بريك… حكينا عن ملفات جواز السفر، قال الرئيس: إن كل تونسي، كل مواطن تونسي ليس محل تتبع قضائي، في الوقت الذي يطلب جواز سفره يمنع خروجه من البلد أو حصوله على الجواز، عنده حقه المصان والمقدس في جواز سفره مهما كانت اعتراضات مثلاً أجهزة الأمن، أنا متأكد أن معاوني الأمن أو الثلاثة الذين أخطأوا - أقولها في التلفزيون - واعتدوا على صحفي أو على محامي لا يمثلون الموقف الرسمي للأجهزة الأمنية التونسية ولا للحكومة التونسية، يمكن Tension، يمكن ضغوط تبع المشهد، ولكن أؤكد لك، أؤكد لك يا أخ جميل، وأؤكد للمشاهدين أن النية العامة والتوجه في تونس هو توجه الإصلاح، والهيئات التونسية زي هيئات المحامين والصحفيين، والسيد "توفيق بو دربالة" وجمعية حقوق الإنسان، أنا نصيحتي كلنا نشتغل مع بعض، ومع رئيس الجمهورية للإصلاح، وما نعطي فرصة لأي أحد أجنبي يعطينا دروس، خاصة لما يكون هو ذاته مشبوه في مرجعيته لحقوق الأنسان..

جميل عازر:

دكتور الحامدي، كيف تفسر أن السلطات التونسية تذعن لضغط من الصحافة الخارجية، لماذا أنت مثلاً إذا كنت على اتصال مع الرئيس التونسي لا يكون لك نفس التأثير في هذا الاتجاه أيضًا؟

د. الهاشمي الحامدي:

أقول لك حاجة.. والله سؤال ممتاز جدًّا، أول حاجة يجب أن يعرفه الناس ويجب أن يعرفه الفرنسيون أيضًا والأمريكان والمنظمات الأجنبية لازم يعرفوه عن زين العابدين بن علي في ثلاثين ثانية، أقول لك قصة: كان في حدث عربي كبير، زلزال هزَّ العالم العربي قبل سنوات، لا أريد أن ندخل في تفاصيله، لأنه مش الوقت الملاءم، ورئيس عربي لدولة شقيقة اتصل برئيسنا في تونس وقال له: عاوزك أن تحضر معنا بعد غد، عندنا شغل مهم لابد أن نوقع عليه، قال له: كيف نوقع؟ أنتم  Already -يتكلم بالفرنسية أو الإنجليزية- أصلاً الطائرات والأشياء المهمة التي لازم تنفذ الموضوع الأجانب أوصلوها لموقعها، هل آتي أنا وأوقع شاهد زور، والله لا أحضر محضركم، ولا أشارك فيه، وعارضه في خطاب علني للشعب التونسي، وقال لي في قضية "خميس كسيله" الذي أتمنى رفع كل التضيقات عنه الليلة قبل بكرة، قال لي: أنا إذا جاء الأجانب وبعض التونسيين، بعضهم، وتقوّوا عليَّ بسفارات أجنبية وبمنظمات أجنبية، مهمتي كرئيس للجمهورية ألا أعطي الأمل ولا الفرصة لأية سفارة غربية في تونس يأتيها الوهم أو الأمل أنها من الممكن أن تتحكم في أمر تونس أو تملي شروطها على تونس، لكننا نحن كتونسيين قال لي "توفيق بو دربالة" رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان يقدر يأتي لقصر قرطاج بدون موعد، يقول أنا في البوابة، وعاوز أقابل رئيس الجمهورية، وأتحدث معه في موضوع توفيق بن بريك والناس الممنوعين من جواز سفرهم، وهذا هدفي أننا مع بعض كتونسيين نصلح ونعالج أخطاءنا ونفتخر بالكثير الكثير الذي أنجزناه، وتحلم الدول الأخرى -صديقة وشقيقة -عشان توصل له بعد خمسين سنة.

جميل عازر:

لابد أن تؤخذ هذه، ضمن،كسابقاتها من الوعود التي لم تترجم إلى واقع لسبب أو آخر..

د. الهاشمي الحامدي [مقاطعًا]:

ترجمت يا أخ جميل، لو سمحت ترجمت بالقطع..

جميل عازر [مقاطعاً]:

[فاصل إعلاني]

أتحول الآن للدكتور موسى رزيق، دكتور موسى، سمعت ما قاله الدكتور الحامدي وأعتقد أن لديك تعليق.

د. موسى زريق:

لديَّ تعليق حول نقطتين من النقاط التي تعرض لها الدكتور الحامدي.. أولاً: بخصوص ما هو حادث في دول الجوار، ومقارنة بما يحدث في تونس على أساس أنه هين، مقارنة بما يحدث في دول الجوار.

والنقطة الثانية بخصوص العلاقات التونسية الفرنسية، أبدأ بالأخيرة -معلش- فيما يخص العلاقات الفرنسية التونسية، هي علاقات جيدة، فرنسا على علاقة جيدة ومتينة جدًّا مع تونس، آخر ما أتت به وكالة الأنباء الفرنسية اللي هو يوم أمس 27 أبريل تتكلم الأخبار الواردة عن وكالة الأنباء الفرنسية عن مكالمات تلفونية بانتظام حول علاقات ثنائية ودولية بين الرئيس شيراك وبين زين العابدين بن علي الرئيس التونسي المحترم، وأن الرئيس شيراك لما كان رئيس بلدية باريس كان يصرح دائمًا أنه صديق مخلص لتونس؛ بلد التسامح.

في يونيو 1988م بعد ثلاثة أشهر من وصول السيد الرئيس زين العابدين بن علي إلى السلطة، صرح وزير الخارجية الفرنسي "جون بيرنارد ريمون" بأنه لا يوجد أي سحاب في أفق العلاقات الفرنسية التونسية، هذه العلاقات لم تتأثر بأي تغيير في السلطة في فرنسا إطلاقًا.

السيد ميتران الرئيس الفرنسي السابق في زيارته لتونس عام 1989، أشاد بالعلاقات الثابتة والمستقرة بين تونس وفرنسا، في السابع من فبراير الماضي، آخر شيء سنة 2000م وزير الخارجية الفرنسي "إبير فيدرين" صرح بأن العلاقات الفرنسية التونسية أنها جيدة وعميقة الجذور رغم التوتر الذي عبر عنه مسؤولون فرنسيون بخصوص منع تونس لبعض وسائل الإعلام الفرنسية في بداية التسعينات، مع نمو الحركة في الجزائر، والاضطرابات التي وقعت في الجزائر المجاورة، وما يدعيه النظام في تونس بأن هناك.. ولكن العلاقات..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هناك تيار في فرنسا يبدو أنه لديه..

د. موسى زريق:

نعم، الآن ما حدث أن النظام في تونس يعني تمادى في سياسة تكميم الأفواه، وقطع شوطًا كبيرًا جدًّا في الاستهانة بحقوق الإنسان، وبالاستهانة بمقومات الشعب التونسي الثقافية؛ بأحكام العقيدة الإسلامية، وتمادى في التضييق..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هذا لا يقتصر على تونس وحدها إحقاقًا للواقع..

د. موسى زريق:

عفوًا.. أكمل.. نعم.. لأن الحالة..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هناك دول أخرى تشهد مثل هذه المضايقات، وهذه القيود.

د. موسى زريق:

لكن لأن الموضوع بخصوص تونس، ممكن أن نناقش المواضيع التي تتعلق بالدول الأخرى في حصص (حلقات) أخرى، فالنظام الآن في تونس وصل إلى القطرة التي جعلت افاضت الكأس، ولذلك عندما فرنسا تحتج فهو احتجاج الحبيب على حبيبه، والصديق على صديقه، وهذا لا يعني أن هناك سوء تفاهم، فالعلاقات مستمرة وقوية جدًّا لأن تونس تحقق جدًّا ما تسعى إليه وتتمناه فرنسا من دول المغرب العربي، الشيء الذي لم تحققه الجزائر، ولم تحققه المغرب.

نأتي الآن لما قاله بخصوص دول الجوار، يا أخي ما حدث في دول الجوار، ونبدأ بالجزائر حدثت فيها مصالحة، تصافح الإخوة، وهدنة، ووئام، وصلح قويٌ جدًّا لم يحدث في أية دولة عربية، هذا يدل على المستوى الفكري العالي الذي وصلت إليه السلطة في الجزائر مع معارضيها، كذلك حدث في المغرب، الملك الجديد غَيَّر النظام، وغيّر أكبر شيء وأكبر عقبة كانت موجودة في النظام القديم الي هو عزل "إدريس البصري"، هذا يدل على أن دول الجوار بخير، لم يحدث فيها ما حدث في تونس، إحنا بتونس نحبها،وتونس بلد شقيق، وبلد كان في السابق منارة للحضارة، وكانت جامعة "زيتونة" التي أغلقها النظام الجديد واستغنى عنها وشرد العلماء، ما حدث فيها لا يكاد يصدق.

جميل عازر:

دعنا نأخذ مكالمة هاتفية من الدكتور الصحبي العمري من تونس، تفضل دكتور.

د. الصحبي العمري:

السلام عليكم، بودي أبلغ بعض الأفكار فيما يخص موضوع المناورات الصحفية بين تونس وفرنسا، هي في الحقيقة الحملة الصحفية المسمومة ضد تونس منبعثة من فرنسا تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان وكبت الحريات، هي -في الحقيقة- رد فعل ضد سياسة التعريب التي توخاها سيادة الرئيس بن علي منذ التحول، وخطا فيها خطوات كبيرة، ثم هناك صراع اقتصادي بين مجموعات إقليمية أوروبية وأمريكية للاستيلاء على سوق منطقة المغرب العربي الكبير، والتي تعتبرها فرنسا امتدادًا لميدان نفوذها التقليدي التي اعتادت فرنسا استغلاله اعتمادًا على أصدقائها من المسئولين القدامى في تونس، والذين خلفتهم وراءها بعد فترة الاستعمار المباشر حتى تسيطر على هذه السوق لوحدها وبشروطها المجحفة مقابل ضمان أمن تونس من طرف فرنسا، والدموع التي تسكبها حاليًّا الصحافة الفرنسية على قضايا من نوع توفيق بن بريك هي -في الحقيقة- دموع تماسيح تسكبها عند الحاجة للضغط على زر حقوق الإنسان في المناطق التي لها بها مصلحة اقتصادية خاصة، فبقدر ما نندد بتصرفات بعض مراكز القرار والنفوذ في تونس في عدم تمكين توفيق بن بريك من جواز سفره والمضايقات لعائلته، بقدر ما نلومه على تصرفاته غير المدروسة في الإضراب بالجوع لجذب الأنظار والاهتمام والأضواء الخارجية للاستعطاف من الأجانب والاستجداء، إذ كان عليه أن يتوجه للقضاء بأسلوب حضاري..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور الصحبي، ولكن يمكن القول إن السلطات في طريقة تعاملها مع هذه القضية ربما أفسحت المجال للتدخل الخارجي، ولدموع التماسيح كما أشرت، دعنا نأخذ مكالمة أخرى من دكتور أحمد المناعي في فرنسا، تفضل يا سيدي.

د. أحمد المناعي:

أهلاً أستاذ.. شكرًا.. أريد أن أقول كلمة بسيطة في خصوص هذا الموضوع، إن هذه القضية هي عاصفة في كأس، وأثارها النظام التونسي لتوظيفها في سياسته الداخلية، يتحدثون عن معاداة فرنسا إزاء التعريب، لنذكر فقط أن قانون التعريب صدر سنة 1993، وأن تطبيقه جاء في شهر نوفمبر، أي بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبعدما افتضح أمر هذا النظام الديكتاتوري بنتائج انتخابات الرئيس بـ 99.6%، مع وجود منافسين له اختارهما بنفسه، القضية أوسع بكثير من قضية الصحفي بريك، هي قضية الحريات المنعدمة في تونس منذ عشر سنوات، هي حريات مقتولة، وهي حريات التعبير، وحريات الفكر، وحريات التنظم. الأحزاب المعارضة قضي عليها منذ البداية، بعد القضاء على حركة النهضة تمَّ القضاء على بقية الأحزاب، وتمَّ القضاء على "اتحاد الشغل" وهو المؤسسة الكبيرة والعظيمة التي ساهمت في نضالات المجتمع التونسي..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور أحمد.. دعني أفسح المجال للدكتور الحامدي للرد على هذه الملاحظات، تفضل دكتور حامدي.

د. الهاشمي الحامدي:

لو سمحت لي باختصار ثلاث ملاحظات، لأن اتهامات كثيرة تكررت الآن، أول حاجة: فيما يتعلق بتونس والفرنسيين، الآن تكلم الأخ موسى عن علاقة تونس بفرنسا، والاتصال المستمر بين فرنسا وتونس، هذا مبرر طبعًا، فرنسا شريكنا التجاري والاقتصادي الأول، علاقتنا بها وثيقة، وأيضًا لأن بلدنا الآن هو ممثل أفريقيا في مجلس الأمن، وآخر الحاجات الإيجابية العظيمة التي قام بها مندوبنا؛ مندوب تونس ومندوب أفريقيا في مجلس الأمن، أنه نسق تحرك عربي وأفريقي لإفشال مخطط كندي لطرح قضية السودان في مجلس الأمن بهدف فرض عقوبات على السودان الشقيق، هذا تحرك إيجابي، ماناقص أمام السودان وتونس الآن إلا إعادة العلاقات الدبلوماسية -إن شاء الله- بحكمة الرئيس بن علي وبحكمة الرئيس عمر البشير ترجع العلاقات في أقرب وقت.

بالنسبة للصلح والهدنة في الجزائر والوئام المدني -الأخ موسى- أول حاجة شوف: الجزائر هي بلادي أصلاً، "أسامة" ولدي أخواله في الجزائر في "الأبيار" في قلب العاصمة، و"زبيدة" زوجتي جزائرية، وهم أهلي وناسي، لا يوجد فرق بيني وبينك إذا كنت جزائري وأنا تونسي، بأمكانك تجيني واجيلك، بلاد واحدة، كلنا بلاد واحدة قبل الاستعمار، وإن شاء الله يرجعوها واحدة.

الذي حصل كارثة لا ننساها، مائة ألف قتيل -كما قال الرئيس بوتفليقة- ومليون عائلة تألمت وعانت، وتقول لي: هذا حاجة بسيطة، وما تحمدش ربنا، وتقول: إن الحمد لله والشكر لله أن تونس بلد جاركم وأهلكم نحن، وربنا عافانا من تلك النكبة وهذه المحنة، أما الوئام.. الرئيس بن علي بعد برنامج الجزيرة الي فات "الاتجاه المعاكس" نهار 26 أكتوبر، بعد الانتخابات الرئاسية، الرئيس بن علي أعلن بصريح العبارة قال: حركة النهضة، مش هي حركة النهضة فيها مشكلة؟ عاوزين وئام يشمل حركة النهضة؟ اسمعوا يا مؤيدي حركة النهضة، قال: ترجع الحركة كلها -اسمح يا أخ جميل بثلاثين ثانية خذها من المداخلة الجاية- قال الرئيس بن علي وليس أي وزير ثاني: ترجع حركة النهضة بإقرار واحد بنبذ العنف، لأنه كان فيه جناح سري ومدني، ورئيس سري ورئيس علني، وتنظيم عسكري حاول الانقلاب في نوفمبر 1987م وفشل، وكان فيه عنف، ألغوا العمل العنيف واتفضلوا في البلاد بما فيه احتمال عودة إعلامية.. عرضناها على قيادة الحركة..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور..

د. الهاشمي الحامدي:

عرضناها على قيادة الحركة، رفضت لأنه يوجد أحقاد -لحظة فقط يا أخ جميل- أحقاد على بن علي.. أحقاد على من سعى في هذا الصلح، إذا كنتم موافقين أن تنتظروا مع قيادة النهضة هذه لعشرين سنة أخرى تفضلوا، إذا كنتم عاوزين أن تتفاهموا مع الرئيس بن علي ادخلوا في المفاهمة، افرزوا من بينكم من يؤيد هذا المسعى، وخلال ستة أشهر قبل نهاية السنة -يا أخ موسى- قبل نهاية السنة تكون النهضة، والإسلاميين يطلعوا من الحبس، ويرجعوا.. وهذا الكلام تأكدت منه اليوم -أيضًا- فاتجاه الوئام والوفاق والحرية في تونس متاح بالعمل مع رئيسنا، وليس بالعمل ضد بلادنا أو بإشانة سمعتها أو بالتطرف وبالتشدد.

جميل عازر:

دكتور قيس، معروف أن الجالية -إن صحّ التعبير- التونسية.. المهاجرين التونسيين في فرنسا يشكلون الفئة الكبيرة الثانية بعد الجزائريين في فرنسا، ما تقديرك لمدى تأثير اللوبي التونسي في فرنسا على -مثلاً- موقف الاشتراكيين من النظام التونسي؟

د. قيس العزاوي:

أحسنت، هذا السؤال جيد للغاية، لكن قبل أن أجيب عليه، أود أن..

جميل عازر [مقاطعًا]:

باختصار رجاءً.. لأن الوقت يدركنا.

د. قيس العزاوي:

باختصار، إنه لو كان الرئيس التونسي بن علي سيوافق على إجازة حركة النهضة، هذا أمر عظيم وجيد، لكنما فليوافق أولاً إجازة حزب الوحدة الشعبية الذي هو عضو بالأممية الاشتراكية مثله.

إثنين: حزب التجمع الدستوري التونسي وحزب الوحدة الشعبية "أحمد بن صالح" الاثنان أعضاء الأممية الاشتراكية، واحد يحكم والثاني ممنوع، غير مصرح له بالعمل سياسيًّا، فلندع هذا الأمر جانبًا، وأقول لك: بالفعل أنا التقيت ببعض الشخصيات الاشتراكية، من بينها -أذكر- مسئول العالم الإسلامي في الحزب الاشتراكي "آلان شونال" الذي قال لي بصريح العبارة: إن الطبقة المثقفة التونسية الموجودة في فرنسا تضغط عليهم كثيرًا لكي يغيروا موقفهم من النظام التونسي، وقد نجحوا مؤخرًا في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة، نجحوا إلى درجة كبيرة، بحيث غيَّروا المواقف لصالح الضغط على النظام التونسي لكي يقلل من وسائل القمع.. قمع الحريات.. وحريات الصحافة.. وحريات المواطنين، وهناك مثلما تعرفون حوالي 2500 سجين من بينهم ستون امرأة مسجونة، هناك تعذيب.. هناك اغتصاب للنساء، يعني أنا أريد أن أقول إن الحملة.. ليست فرنسا فقط التي تشنها يا سيدي الكريم، هناك المجلس الوطني للحريات في تونس، ومقره في تونس، وغير مصرح له بالعمل يقول أكثر من هذا، التحالف الديمقراطي من أجل الحرية والعمل للدكتور "مصطفى بن جعفر" ينتظر من عام 1993 أن يصرح له بالعمل، موجود في تونس هذا مش في الخارج.. أنا في تقديري.. علينا أن نحاول إصلاح الموقف، علينا أن نضغط نحن كمثقفين أيضًا، هذا واجبنا، وتونس بلدنا، وأتمنى بلادي أيضًا أن تخرج من الحصار، فيها قمع أكبر من تونس بكثير، أتمنى أن يهتدي.. يعني نحن نطلب الهدى لهؤلاء الرؤساء حتى يستطيعوا أن يقوموا بواجباتهم إزاء الشعب الذي انتخبهم ووكَّلهم بهذه المسئولية، عليهم احترام هذه المجتمعات المدنية للشعوب العربية.

جميل عازر:

الآن معنا مكالمة هاتفية من أم زياد في تونس.

أم زياد:

السلام عليكم، أرجو منحي أكثر وقت من الحامدي الذي يقص قصة حياته، أريد أن أقول: إن تونس والاعتراف بأن تونس تعيش في فراغ إعلامي شبه تام، فلا صوت فيها إلا صوت الإدارة والحزب الحاكم، حتى بيانات المعارضة -على سبيل المثال- لا ينشر منها إلا ما يناسب الإدارة والبقية تحذف، ولا أحد يحتج، وهذا الوضع هو المتسبب الأصلي في تدخلات الغرب في شئوننا، لسنا فرنسا يا دكتور الحامدي، ولكنا لا نقترب منها ولو قليلاً.. والقول أيضًا إن السلطة ليست وحدها المسئولة عن الوضع وإنما يتحمل المسئولية أيضًا النخبة، النخب التونسية من المثقفين والسياسيين وأصحاب الجرائد، لقد اختاروا الصمت وتذرعوا بالمنع حتى قبل أن يفكروا في الفكاك منه.

تمَّ في أوائل عام 1988 تعطيل جريدة "الرأي" التي كان الدكتور الحامدي كتب فيها عندما كان حر الرأي وقبل أن يصير دكتور، ولم يحرك منهم أحد ساكنًا رغم أن هذه الجريدة كانت من أهم منابرهم، كذلك -في مناسبات كثيرة- جاء في الخطاب الرسمي أن المسئول عن حالة الإعلام هي الرقابة الذاتية، ولم يستغل أحد هذه المناسبات ليجعل الخطاب الرسمي على محك التجريب حتى نرى مَنْ هو الرقيب، الإدارة أم دائرة الكُتَّاب؟

يجب الاعتراف بأن حرية الرأي في تونس ليست مطلبًا شعبيًّا، بل هي مطلب النخبة، ونخبنا تشكو من قصر في النفس النضالي، وفتور في المطالبة بما هو مشروع لها دستوريًّا وقانونيًّا، لقد بقي في مقام الانتظار، وصارت الروح الانهزامية عندها وجهة نظر تدافع عنها، ولهذا نرى الأصوات الحرة تهمش وتتعرض للمضايقات، ولهذا نبقى مرتبطين بالغرب، ولو خيرنا ما اخترنا ذلك، ما اخترنا أن يبقى بلدنا مضغة في أفواه أجنبية..

جميل عازر [مقاطعًا]:

شكرًا..

أم زياد [مقاطعًا]:

ولفَضَّلنَا أن نعبِّر عن أنفسنا وبأنفسنا، شكرًا جزيلاً..

جميل عازر:

مكالمة أخرى من تونس مع السيد عفيفي البوني..

عفيفي البوني:

مساء الخير أستاذ جميل، أولاً أريد أن أعلق على عبارة وردت في البدء أن رد الرئيس بن علي على الحملة المعادية لبلادنا كانت بغضب، الحقيقة -في نظري وفي نظر الرأي العام في تونس، وفي نظر الوطنيين، بما في ذلك المعارضين في هذا البلد- كان ردًّا عقلانيًّا؛ لأن الرئيس بن علي صاحب قرار تعريب الإدارة خلال سنة 2000، وقد تزامنت الأحداث وأصبح إضراب شخص عن الجوع وهو في إطار تتبع قضائي؛ أصبح يُطالب به في الغرب الديمقراطي أن يعطينا درس، وأن حتى القضاء يجب أن يتوقف لأن هذا التزامن الذي وقع استغلاله بسبب وفاة الرئيس السابق الزعيم بورقيبة -رحمه الله- أرادوا تحويل هذا الحدث وهذا التزامن بشكل توظيف إعلامي من طرف اليسار الفرنسي، وبالذات بعض الأوساط في الحزب الاشتراكي الفرنسي، والحزب الاشتراكي الفرنسي معروف على صعيد تاريخ المنطقة العربية بعداوته لكل قضايانا، من فلسطين إلى العراق إلى غيره.. أريد أن أسأل الأخ -أقول باقتضاب- الأخ موسى رزيق عن هويته السياسية لأنه تقدم كخبير في القانون ويتكلم -المفروض أن يتكلم- بحياد وبنزاهة.. يتكلم عن النظام كنظام ويتكلم عن غلق الزيتونة وهو غير صحيح، أصحح له المعلومة وللرأي العام، وكذلك بالنسبة للأستاذ قيس -أيضًا- استخدم لغته العراقية، اللغة العراقية يعني.. تصفية إسلاميين، لم يحدث تصفية، بن عليّ أنقذ الإسلاميين من المشانق في تونس، هذا كان يجب عليه أن أذكره، وأذكِّره به الآن.

جميل عازر:

السيد عفيفي، المشكلة يمكن أن يقال في أن التأثير على المواقف الرسمية في مثل هذه الحالة يأتي من خلال الضغوط من الإعلام الخارجي، من المنظمات مثل منظمة العفو الدولية، من جماعات ضغط معينة، تدافع عن حقوق الإنسان، دكتور موسى، يعني، سمعت ما قاله عفيفي البوني عن مسألة إغلاق الزيتونة، فما ردّك على ذلك؟

د. موسى زريق:

ممكن أن أرجع إلى الأستاذ الحامدي حتى نأخذ الموضوع بالتسلسل لنصل إلى ما قاله الأستاذ البوني باختصار إن شاء الله.

جميل عازر:

باختصار، رجاءً..

د.  موسى زريق:

فيما يتعلق بالصلح أو المصالحة التي يدعو إليها السيد الرئيس زين العابدين، هذه دعوة كريمة في الحقيقة أن ندعو أن تتصالح الحكومة مع معارضيها، وأن يلتئم الشمل، طبعًا نحن نرحب، وكل مواطن، وكل إنسان، وكل فرد يرحب بأن يتصالح الإخوة الأشقاء، وينفضون كل غبار الخلافات، لكن لابد أن يكون هذا التصالح شامل لكل المعارضة، وبكل فصائلها؛ لأن وجود المعارضة هو توازن للسلطة في الدولة الديمقراطية، في النظام الجمهوري، لابد من وجود المعارضة، ولابد من أن ترفع القيود على المعارضة، وعلى صحف المعارضة، ولابد أن ترد الحقوق الشخصية والأساسية للأشخاص، ولوجوه المجتمع، ولممثلي المجتمع المدني، هذا هو الحكم الديمقراطي، هذا هو الحكم الذي يرجع إلى الشعب، والذي يستند إلى شرعية شعبية، كذلك لابد من رفع القيود عن ثقافة الشعب، ثقافة المجتمع التونسي، ولابد من التوقف عن تقييد الحريات الأساسية، كتلك التي تعني.. عفوًا، معلش أكمل الفكرة.. يعني ما هي حكمة الدولة في أن تحدد زيّ الناس؟! ما هي حكمة الدولة في أن تحدد أشكال الناس؟ هل يحق للدولة أن تتدخل في زيّ فلان كيف يلبس؟! وهل يحلق ذقنه أو يترك ذقنه؟! هل يدرس في الزيتونة أو يدرس في جامعة أخرى؟! هذه مسائل من حقوق الإنسان، هذه من أبجديات الدولة الديمقراطية، انظروا إلى العالم، نحن في الألفية الثانية( يقصد المتحدث الألفية الثالثة) بعد الميلاد.. عفوًا.. عفوًا، يمكن أن أرجع إلى قضية البوني هو يسألني.. أنا أستشهد بالأخ "الشرفي" الذي يرد عليه "الشابي".. ماذا يقول برنامج الشرفي، وهو شخص مسئول، وهم يعرفونه، فضرب الزوجة والعبودية وقوانين الميراث وغير ذلك.. كل هذه المواضيع من شأنها أن تعطي عن الإسلام انطباعًا سلبيًا، هذه المسائل.. قوانين الميراث.. يعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة من ينكرها قد كفر، هذه لا تشوّه وجه الإسلام‍‍!!  يعني نحن.. هذا مجتمع تونسي، ما هي ديانته؟ الدستور التونسي يقول: إن الإسلام دين الدولة، فمعنى ذلك أن هذا الشعب المسلم، لابد أن يحتكم إلى الإسلام، قوانين الميراث..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هنا.. هنا يوجد.. دعني أطرح..

د. موسى زريق:

لم تجرؤ دولة على تعديلها، لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة.. وتقول لي: أين المخالفات؟ هذا عجيب.

جميل عازر:

دكتور موسى.. دعني أطرح لك هذا السؤال، المرأة في تونس يبدو أنها تتمتع بدرجة كبيرة من الثقافة، يعني لديها المجال لكي تتثقف وتتعلم، لديَّ فاكسين من جمعية الاتحاد الوطني للمرأة التونسية بفرنسا، وجمعية العهد الجديد للمرأة التونسية بفرنسا، والاثنتين تقولان: إن جمعية العهد الجديد تستنكر بشدة الادعاءات والأكاذيب التي تروجها الصحافة الفرنسية، بغرض النيل من النظام التونسي، وتشويه سمعته أمام الرأي العالمي، إن جمعية الاتحاد الوطني للمرأة تستنكر بشدة الادعاءات والأكاذيب التي تروجها.. وهكذا.. دكتور..

د. موسى زريق:

وأنا -يا سيدي- أنا لديَّ الدليل على هذا، هناك اعتماد المنشور (108) الخاص بتحريم لبس الخمار والزي الشرعي على النساء والفتيات التونسيات، واعتباره لباسًا طائفيًّا لا يليق -في نظر الحكومة- بالمرأة التونسية، وهذا المرجع هنا موجود، راجع الفصل الخامس بعنوان محاربة المرأة التونسية، كذلك، ومن ثم ملاحقة النساء والفتيات المتمسكات به.. سن قانون المساجد.. تعميم المنشور (29) القاضي بإلغاء كافة المصليات.. إغلاق جامع الزيتونة سنة 1990 وحظر التعليم فيه ومصادرة أوقافه.. يعني هذه مسائل من أساسيات حقوق الإنسان!

جميل عازر:

فيها خروج عن صلب الموضوع الذي نناقشه.

د. موسى زريق:

لكنها في حقوق الإنسان.

جميل عازر:

أود أن أوجه السؤال إلى الدكتور الحامدي في لندن، دكتور الحامدي ألا تعتقد أن مشكلة النظام التونسي هي مشكلة تتلخص وتتمثل في أن هناك طبقة متوسطة مثقفة تشكل نسبة كبيرة جدًّا من المجتمع التونسي؟ ولكن هناك القيود المفروضة على حرية الرأي، حرية التعبير.. حرية الاجتماعات.. مضايقات من قبيل التنصت على المكالمات الهاتفية إلى آخره.. وهذه أشياء يشكو منها ليس نفر واحد حتى يشكك في صحتها، وإنما يعني هناك مجموعة من الشكاوى، إذن هل المشكلة هي في التوفيق بين وجود هذه النسبة الكبيرة من المثقفين من الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي، وبين فرض قيود عليه؟

د. الهاشمي الحامدي:

والله -يا أستاذ جميل- والله فيه نقاط كثيرة قيلت عن تونس، قد يكون من الظلم لي شخصيًّا ولبلدي ألا تعطينا الوقت، لكي أرد بعض الأساسي منها، أول شيء أن الرئيس زين العابدين بن علي هو الذي أنهى مفعول قرار الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بإغلاق جامعة الزيتونة، وأعادها للحياة، ووجه لأن تكون منارة للعلم الإسلامي في تونس والمغرب العربي وإفريقيا، ورأيي الشخصي أن بعض اليساريين الذين استغلوا أيام النـزاع بين الحكومة والإسلاميين في أوائل التسعينات أفسدوا قرار الرئيس، وأفرغوه نسبيًّا من مضمونه، لأنهم وضعوا برامج وحاجات لم يرض عنها أساتذة الكلية والجامعة، وهذه يمكن إصلاحها باهتمام وبعناية خاصة من رئيس الجمهورية، لكن الجامعة الآن موجودة، الحجاب -يا أخي موسى- الخمار هذا منع في 1981م، في عهد الرئيس بورقيبة، وعهد الوزير الأول الأستاذ المحترم "محمد مزالي" ربما عنده غدوه برنامج في الجزيرة، إذا كان أحمد منصور يستطيع أن يسأله سؤال ثانٍ عن هذا الموضوع بالذات..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هذا موضوع آخر.

د. الهاشمي الحامدي:

موضوع الخمار.. لحظة.. لازم.. لأن المعلومات تعرض على ملايين المشاهدين، ولابد أن تصحح، لم يكن زين العابدين بن عليّ هو من أقر هذا المشروع، هذا حصل في عهد بورقيبة أيام كان الأستاذ محمد مزالي -وهو رجل نحترمه- وزير أول، والآن هذا إذن ليس من إرث الرئيس بن علي، وممكن -رأيي الشخصي أمام الناس وأمام الملأ- أن هذا القرار من المفروض ألليلة ينزاح بقرار سيادي من رئيس الجمهورية ويجعل التونسية التي تحب أن ترتدي خمارًا ترتدي خمارًا، تلبس "سرسري" تلبس "سرسري"، لا تلبس لا تلبس هي حرة، وهذا المفروض أن ينسجم مع خطابات الرئيس وقانوننا ودستورنا، بالنسبة -وأنتم أصل الموضوع كله- الأخت أم زياد تشتم فينا وتقول النخبة تخلت، هو صحيح أكثر الناس في تونس يهمهم التشغيل ومكافحة البطالة وبناء دولة حديثة قوية مستقرة، وهذا الذي بن علي نجح فيه نجاح كبير جد بشهادة كل المؤسسات الدولية ذات القيمة والمرجعية والمصداقية، ولا ينبغي أن يقلل أحد؛ لأن هناك دولاً بترولية إلى جانبنا لا تستطيع أن تدفع مرتبات الناس في أوقاتها، نحن بدون البترول والنفط والغاز -صراحة- بلادنا أحسن من الدول الخليجية أصلاً، وكل من يراها يقول: يا سلام‍!! دولة جميلة وقوية، ومؤسساتها حديثة، وبنيتها الأساسية يحسدها عليها كل إنسان، وأي رئيس جمهورية يقوم بهذا الشيء لازم للناس أن يحترموه ويعترفوا له بالجميل، لكن يا أخت أم زياد نحن نحاول، هذه الجريدة التي فيها السيد محمد مزالي -مادام ذكرناه- قبل فترة، في الرقابة في تونس، كلهم أصحابي، في الرقابة رجعوها لي ومنعوها لي من أجل محمد مزالي، واجعلها في الكاميرا لو سمحت.. (رافعًا جريدة المستقلة).. هذا السيد محمد مزالي، كنا دعونا لعودته، لكن الرقيب لم يحب ذلك..

جميل عازر [مقاطعًا]:

هذه دعاية مجانية للمستقلة!

د. الهاشمي الحامدي:

نحن نحاول في تونس، لكن الفرق بيننا وبين الآخرين -يا أخ جميل لحظة- الفرق بيننا وبين آخرين يحبون أن يعطونا دروس عن حقوق الإنسان، أننا أول شيء فخورين بالإنجازات الكبيرة في بلدنا، وثانيًا حينما يكون هناك نواقص نقولها ونطورها، وما دمنا ذكرنا مزالي اليوم نقول في الجزيرة إن الرئيس بن علي قال مجددًا: بإمكان وزيرنا الأول السابق الذي نحترمه ونحترم عطاءه التونسي؛ يرجع لتونس.. قال فورًا وبدون أية تعقيدات، قال: وإن أراد العمل بالسياسة يستطيع، وإن أراد إعادة نشر مجلة الفكر قال لي: يستطيع، هذه معلومات وأخبار يا أهل بلدي والله لا أخونكم ولا أغشكم، لو كان بن علي لا يوجد به أمل ولا يريد حريات.. أبدًا، لماذا المشكلة؟ أنا أعيش في لندن ولا أحتاج إلى شيء، أقول لكم هذا رئيس We Can Do Business With.. نقدر نعمل معه، وننفع بلدنا..

جميل عازر:

دعنا نستمع..

د. الهاشمي الحامدي [مقاطعًا]:

وأنتم يا إسلاميين، وأؤكد في برنامج الأخ جميل عازر.. يا إسلاميين اقبلوا عرض الصلح مع رئيسنا، ما تعيشوش مهمشين في آفاق بوركينا فاسو، وفي فرنسا، وفي لندن..

جميل عازر [مقاطعاً]:

دعنا نستمع إلى..

د.  الهاشمي الحامدي [مقاطعاً]:

طالما جاءتكم الفرصة لماذا ترفضون العرض؟ ولماذا تقلل منه يا أخ قيس العزاوي؟ هذا عرض تاريخي من الرئيس زين الدين بن علي، لماذا ترفضونه؟

جميل عازر:

دعنا نستمع إلى الأستاذ شوقي الطبيب.

شوقي الطبيب:

أنا شوقي الطبيب رئيس الجمعية التونسية للمحامين الشباب، يعني سأحاول بكل عجالة أن أشارك في هذه النقاش الذي -على ما يبدو- تفرع إلى عدة مسائل لا يتسع لها مثل هذا البرنامج أو حتى العديد من البرامج الأخرى، اود أن أقول -بكل سرعة يا أخ جميل- هو أن ضيفينا الكريمين كلا من الدكتور قيس والدكتور الهاشمي، يعني مواقفهم في نظري الشخصي في حاجة إلى تعديل، فالشيء الثابت -في نظري- هو أن هناك صحيح رغبة واضحة من السلطة ودعني أقول من بعض الأطراف في السلطة في بلادنا في ممارسة السلطة بقبضة حديدية، وهناك عديد أمثلة، وهناك العديد من الأمور التي تؤكد هذا التوجه، ولكن هناك -كذلك- هامش للحريات في تونس، هناك جمعيات مستقلة، هي قليلة صحيح باعتبار أن معظم الجمعيات في بلادنا للأسف يعني غير مستقلة بصفة كاملة عن السلطة، ولكنها موجودة، وهي تدفع الثمن غالي لاستقلالها، وكان المفروض أن يقع التعريج على هذا للاعتراف بهذه الجمعيات، وبنضالات أصحابها ومنخرطيها.. مثلاً إضراب المحامين في تونس، ما كان يقع في دولة من الدول الأخرى، وربما سندفع كمحامين وكقطاع ثمن هذا الإضراب، وربما تتفهم السلطة ويقع تجاوز الموضوع وتتفهم دواعي إضرابنا، هناك كذلك حتى حركات وجمعيات، أو حتى لجان، غير معترف بها تنشط في مجالات حقوق الإنسان، صحيح أن هناك مساءلات قضائية في شأنها، ولكنها موجودة، وبصدد فرض نفسها واقعيًّا.. على النخب.. وحتى على السلطة.

خلاصة القول فيما يخص هذا الملف السياسي، يعني هناك هامش، ونحن بصدد النضال من أجل أن يتحول هذا الهامش إلى مساحة تستطيع أن تستفيد منها البلاد بكل تياراتها؛ السلطة والمعارضة ومؤسسات مجتمع مدني. أما فيما يتعلق بوظائف الإعلام التونسي، وخاصة فيما يتعلق بوضعية الإعلام التونسي السمعي البصري وضعه يا أخ جميل؛ ولا أستطيع هنا إلا أن أؤكد ما يقوله الجميع هنا في تونس وفي الخارج.. وضع يدعو بكل صراحة إلى الخجل والفزع وحتى الحيرة، والغريب أن موقفي هذا يتفق عليه تقريبًا الجميع.. السلطة والمعارضة والمجتمع المدني.. حتى يعني إن الرئيس بن علي في العديد من المناسبات أقر وقال: الإعلام تخلف عن ركب التحول.. والإعلام بحاجة إلى مراجعة..

جميل عازر [مقاطعاً]:

شكرًا للمداخلة أستاذ شوقي.. شكرًا للمداخلة، دكتور قيس في باريس لديك بعض التعليقات على ما ورد في مداخلات الإخوة المشاهدين؟

د. قيس العزاوي:

بطبيعة الأمر يعني إحنا خلي يكون الباعث لكلامنا هو محاولة أن تمر تونس سالمة من هذه المحنة.. محنة الحريات، ومحنة استبعاد واجهات المجتمع المدني، إذا كانت تونس -ويشهد لها الجميع- توُفقت في المسائل الاقتصادية والمسائل التقنية وفيها مثقفين كثار وتقنيين كثار، فعليها أن تتوفق أيضًا في مجال الحريات، أنا أقول في مجال الحريات هناك نواقص كبيرة، وهناك قضايا كبيرة، فلتفتح صفحة جديدة، لماذا يخاف حزب التجمع الدستوري من المعارضة؟ يا سيدي الكريم أنتم تعلمون أن توني بلير صرح مرة بيقول: أنا حزين لأن المعارضة ضعيفة عندي، يريد معارضة قوية لديه حتى يستطيع أن..

جميل عازر [مقاطعاً]:

 توني بلير رئيس وزراء بريطانيا..

د. قيس العزاوي:

نعم.. نحن نتمنى أن يعي المسئولون التونسيون هذه الحقيقة، ويُقووا المعارضة لكي يستقيم النظام، ولكي نعطي لكل الأحزاب حرياتها، ليش يُمنع كثير من الأحزاب؟ لماذا تُمنع كثير من الصحف؟ لماذا الصحف الأجنبية.. حتى إن هناك قانون عجيب وهو قانون مراقبة المراسلات البريدية، يا أخي، هذا قد يكون غريبًا عجيبًا أن نراقب حتى المراسلات البريدية، وقانون رقم 38 بتاريخ 2/6/1998، وحتى الإنترنت.. أنا لديَّ معلومات.. عندما بعثوا لي بعشرات المئات من الأوراق من تونس ومن خارجها، حتى إنهم أعطوني تلفونات معارضين موجودين في تونس حتى أتحدث باسمهم في هذه الفرصة..

جميل عازر:

دكتور قيس، دعني أسألك هذا السؤال، ألا يمكن أن يكون التيار الاشتراكي الفرنسي يقع تحت تأثير قوى يعني لها مآرب بالنسبة إلى العلاقة بين فرنسا وتونس؟

د. قيس العزاوي:

أحسنت في هذا السؤال، في واقع الأمر إحنا نعلم أن هناك تأثيرات صهيونية على الحزب الاشتراكي قديمة، لكن الأمر مستبعد جدًّا أن يكون في هذا المجال -في مجال تونس- أن يكون هناك تأثير، لماذا؟ لأن تونس مُطبِّعة مع إسرائيل، وهناك مكتب للاتصال موجود من عام 1996، والعلاقات جيدة، ولا يوجد أي توتر في العلاقة بين تونس وإسرائيل، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فرنسا -يا سيدي الكريم- لم تتوقف عن مساعدة تونس، فرنسا رسميًّا في عام 1997 قررت عشرة مليارات فرنك مساعدة لتونس، وقررت عام 2000  مساعدة بعشرة مليارات أيضًا، فرنسا في التبادلات في إطار مشروع الشراكة تساهم بـ27 % من المساعدات التقنية والتدريبية والمهنية وفي مجال التشغيل، أنا لديًّ أرقام عديدة، لم تتوقف فرنسا عن مساعدة تونس أبدًا سواء كانت اشتراكية أو يمينية. 

جميل عازر: 

دعنا نأخذ مكالمة تلفونية من السيد رشيد خشانة من تونس، سيد رشيد.. تفضل يا سيد رشيد..

رشيد خشانة:

مساء الخير.. أنا أعتقد أن الإعلام -في الحقيقة- هو مفتاح الديمقراطية في تونس وكل البلدان، لأنه هو أساس كل تجربة تعددية، إذا نهض نهضت، وإذا انتكس انتكست معه، وهذا بالتجربة التونسية في الأعوام الأخيرة. الشيء الثاني الذي يبدو حوله إجماع هو أن الإعلام التونسي عليل، ونتيجة لمرضه المستفحل هاجرت الأقلام الجيدة والكفاءات الإعلامية، وكانت الهجرة من نوعين -في الحقيقة- هجرة داخلية أي أن يلوذوا بالصمت أو أن ينتقلوا إلى عمل آخر، وهجرة خارجية عززت -من حسن الحظ ربما- الفضائيات والإذاعات العربية، ومعنى ذلك أن هذه الكفاءات متوفرة في تونس رغم النزيف الذي حصل، ويمكن لها أن تجعل الإعلام التونسي في المقدمة، لكن للقائل أن يقول: لماذا لا تقوم هذه الكفاءات بوظيفتها الإعلامية؟ بصراحة -في تقديري- القائمون على السياسة الإعلامية في تونس يعاملون بلدنا ووطننا -الذي هو لديه إرث حضاري خصيب- وكأنه "ليسوتو".. أو جزر الرأس الأخضر، تونس بتاريخها وحضارتها ليست هذه البلدان الصغيرة، تونس لا تستحق أن تمارس عليها الوصاية، ورأيها العام لا يحتاج إلى أن يملى عليه ماذا يقرأ.. وماذا لا يقرأ.

بالنسبة لصحافتنا التونسية الداخلية هناك تحديد لما يجب أن يُكتب وما لايجب أن يكتب، كذلك بالنسبة للصحافة التي تأتينا من الخارج هناك من يقررون نيابة عنا ما ينبغي أن نقرأ وما لا ينبغي.. وهذا وضع غير طبيعي، ووضع شاذ في عصرنا الحاضر، من حسن الحظ أن..

جميل عازر [مقاطعاً]:

سيد خشانة شكرًا جزيلاً لهذه المداخلة، ونتحول إلى ألمانيا، والسيد يوسف مكي..

يوسف مكي:

مساء الخير..

جميل عازر:

تفضل..

يوسف مكي:

أستاذ، هذه الأيام من يراقب الإعلام التونسي -سواء كان المقروء أو المسموع أو المرئي- يلاحظ أن النظام التونسي يحاول جاهدًا أن يطرح المسألة وكأنها قضية استعمار، فالنظام يحاول أن يعبئ الشعب ضد فرنسا على أساس أنها يراودها الحنين إلى الماضي وأنها تريد استعمار تونس من جديد، وصانع التحول -طبعًا- دائمًا يقف بحزم وبشجاعة ضد الأطماع الاستعمارية الفرنسية، وهذا أمر سخيف، وفيه محاولة لاستحمار الشعب التونسي، وإلا فإن الأساطيل الأمريكية ترسو صباح مساء في الموانئ التونسية، والوفود اليهودية الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية تجول في البلاد كما يحلو لها، وهي سيدة الموقف هناك، ثم إن النظام التونسي ما يفتأ يأتي بالشهادات الفرنسية التي تتحدث عن المعجزة الاقتصادية وعن النمو والازدهار الذي تحقق في عهد نظام بن علي، وإذا تحدثت الصحافة الفرنسية عن وضع حقوق الإنسان فهذا تدخل واستعمار جديد، لسان حال النظام يقول: أعطونا من فضلكم شهادات في الاقتصاد ولكن غضوا الطرف -يرحمكم الله- عن كرامة الإنسان وحقوقه، وفي الأخير أنا أستغرب من وجود السيد الهاشمي الذي يملك صحيفة أسبوعية وقناة فضائية ولم يجرؤ على طرح قضية إنتهاكات حقوق الإنسان في بلده، بل أن يأتي مهرولاً إلى برنامج الجزيرة ليصب جام غضبه على الصحافة الفرنسية ويتحدث دائمًا كالعادة: اليوم قابلت الرئيس، واليوم قال لي الرئيس.. يعني " كلاوي" كما نقول نحن في تونس.. أي كثير الكلام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تعاسة النظام الذي لم يجد أحدًا يدافع عن سياسته السيئة سوى هذا المنافق الذي يسمى دكتور..

جميل عازر [مقاطعًا]:

للقضية جوانب عديدة، ومنها ما يمثلها الدكتور الحامدي أيضًا.. دكتور موسى..

د. الهاشمي الحامدي [مقاطعًا]: 

هل يمكن أن أرد على هذا أولاً يا أستاذ جميل قبل ان..؟ الا يمكن ان أرد؟!

د. موسى زريق:

أنا أرجع -بعد إذنك- إلى المحور الأساسي وهو العلاقات الفرنسية التونسية لأربط الواقع الذي حدث في تونس قبل أيام، والذي نجمت عنه اعتقال الصحفي بن بريك وحدث هذا التوتر موضوع حلقة، في ثاني يوم، أول شيء نحن أكدنا بأن العلاقات الفرنسية التونسية هي علاقات على أحسن ما يرام، وعلى أوثق ما يرام، كيف نفسر وجود هذا التوتر وهذا التراشق الإعلامي الذي حدث مؤخرًا؟ هذا نتيجة لوجود غليان في الشارع التونسي، وطبعًا هناك أجهزة تراقب وتتحسس ما يحدث في تونس وفي غيرها من الدول العربية، وترصد هذه المسألة، وأظن -في رأيي- أنني أحمل هذا التدخل الفرنسي وهذا التراشق من باب تقاسم الأدوار ليس إلاَّ؛ لإضفاء نوع من البطولة والشرعية على النظام التونسي المرفوض داخليًّا والمرفوض خارجيًّا، لأن حاولت تونس  أن تتدخل على المستوى الإقليمي وعلى مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي ورفض تدخلها في عدة مسائل..

جميل عازر [مقاطعًا]:

طيب...

د. موسى زريق:

معلش، أنا سأرجع إلى هذه النقطة.بالنسبة للتدخل الفرنسي، هو لا يعدو أن يكون من أجل امتصاص غضب الشارع وامتصاص الغليان الي تكلمنا عليه، هناك طبعاً ظلم اجتماعي جسيم على الأشخاص، وعلى الهيئات الاجتماعية، وعلى الأحزاب، هناك مصادرة للحريات، هناك..

جميل عازر:

أنت تفترض أن هناك اتفاق بين تونس وبين الفرنسيين في هذه الحملة بالذات؟

د. موسى زريق:

لا، لا، ليس اتفاق بهذا الشكل المباشر، هناك الحكومة الفرنسية.. أنا اعطيتك تصريحات المسئولين يقولون إن نحن على.. لكن هناك جهات معينة في فرنسا لها صوت إعلامي مسموع بدأت بهذا التراشق، طبعاً هذا ليس مقصود بذاته..

جميل عازر [مقاطعًا]:

أدركنا الوقت، وسنفسح المجال للدكتور الحامدي للرد على بعض ما جاء في مداخلة السيد يوسف مكي من ألمانيا.

[موجز الأنباء]

جميل عازر [مستأنفاً البرنامج]:

دكتور الحامدي، المجال لك لترد على ما جاء في مداخلة يوسف مكي من المانيا.

د. الهاشمي الحامدي:

شكرًا يا أخ جميل، هو مشكلة يوسف مكي وقلة آخرين من الإخوان التوانسة اللي زمان انا كنت معهم؛ إنه حينما يُعمي الحقد قلوب الناس لا يرون الحق بموضوعية، وبعدين لأنه كثير من الناس يصعب عليهم تصنيفي، هم يظنون أنني هنا الناطق الشخصي -كما قال الأستاذ محمد المواعدي إن شاء الله يأخذ كل حريته- باسم الرئيس بن عليّ، وأنا لا أبداً، أنا لو ناطق شخصي أكون باسم أهلي في "الحوامد" الذين في "سيدي بوزيد"، وهذه قرية من القرى وهم وحشتهم وعاوز ازورهم في أقرب وقت، أو باسمي الخاص، إنما مسؤولية الدفاع عن تونس مش مربوطة بـ بن عليّ وحده، كل تونسي يدافع عن سمعة بلده بالحق. الاعلام اللي يقول لي: انت والله ما لقاش الا واحد عشان ينافق قبل أن يقول هو ذاته ليس لديه طريقة حتى يؤثر في تونس لا بالسلب ولا بالإيجاب، هذه "المستقلة" هنا حكينا على ملف الإعلام، وقلنا إن شاء الله بعد فترة عشان نريح كثير من الحكومات العربية؛ الرئيس بن عليّ  سيستدعي الشيخ حمد بن ثامر في الدوحة، ومحمود السهلاوي ومحمد جاسم العلي -إن شاء الله- معانا نعمل قناة جزيرة ثانية في تونس حرة، فيها رشيد خشانة ومحمد كريشان والتوانسة يأتون من كل حته  لتنافس قناتكم يا أستاذ جميل عازر، ونحن.. ودعني أريك.

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور حامدي..

د. الهاشمي الحامدي:

يجب أن أقول لك؛ لأنني شُوِّهت في التلفزيون، قبل أن أدافع عن الرئيس بن علي..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور حامدي.. لأنه لدينا عدد كبير من الأسئلة ومن الفاكسات.. أود أن أقرأ لك الفاكس فيها سؤال موجه إليك شخصيًّا، يقول: إذا تعرض سجل حقوق الإنسان في تونس من جهة غربية، فهذا يعني أن معيار حقوق الإنسان التونسي لا يتوافق مع المعيار الغربي، ومن المعلوم أنه لا يتوافق مع المعيار الإسلامي، فما هو معيار حقوق الإنسان من وجهة النظر الحكومية التونسية، وهل تتفق معه أنت مع ما عُرِفَ عنك سابقًا؟

وهذا فاكس من السيد فضيل بنيني من جريدة "البننسولا" "Peninsula" الصادرة في قطر، وكذلك فاكس آخرى من أبي سلمى يقول.. يريد أن أسأل الدكتور الحامدي حول ما إذا كان ،يعني، يستطيع أن يتوجه أو يعود إلى تونس للعمل هناك بالحرية التي يقول إنه يستطيع أن يعمل بها؟ فتفضل وأجب من فضلك.

د. الهاشمي الحامدي:

شكرًا يا أخ جميل، اقولك حاجة، هذه بس، الرئيس والجمهور يريدون صحافة حرة، والمحافظون المتشددون يخشون ثقافة الرأي والرأي الآخر، في ملف أزمة الإعلام التونسي. رشيد خشانة قال موضوع التلفزيون والأخ شوقي الطبيب وأنا أشاركهما، أنا قلت ، كتبت في "المستقلة"، أنصار الإعلام الخشبي يهيمنون على التلفزيون ويمنعون الرأي منعًا باتًا، وهذا مسيء للرئيس بن عليّ وأنا رأيي كده، وعندما تحادثنا ذات مرة أنا والأستاذ عبد الوهاب عبد الله الناطق الرسمي باسم رئيس رئاسة الجمهورية مرة مرة، هو عنده أيضًا رغبة في تطوير الإعلام، وهذه ليست مسئوليته وحده، بل هي مسئولية كل الإعلاميين التونسيين، فأنا أكتب في جريدتي، وجريدتي ترجع أحيانًا من تونس ولا توزع، وعندي سنتين النسبة للأخ الذي امتلأ قلبه حقدًا وغضبًا والذي قال عني إن الرئيس قال لي أو أنا قلت للرئيس؛ فماذا لو تأملت ما نقلت عن الرئيس، نقلت عنه أنه عفا عنك وعن أمثالك من الذين غُرّر بهم في وقت من الأوقات، أو أخطأوا الطريق، نقلت عنه تسوية لموضوع الأستاذ محمد مزالي، ستمائة معتقل إسلامي لا تسال عنهم فرنسا إطلاقًا، سأل عنهم رئيسك زين العابدين بن عليّ، وتحدثنا وهم الحمد الله الآن أحرار، ونقول للنساء المعتقلات في تونس..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور هاشمي، لنكن منصفين؛ لأن هناك بعض المشاهدين الذين يتساءلون: لماذا عندما تريد الظهور على برنامج في الجزيرة أنك تقول بأنك اتصلت مع الرئيس زين العابدين بن عليّ وتحدثت إليه في شأن من الشؤون، وهذا شيء يعني.. يثير التساؤل. 

د. الهاشمي الحامدي:

أقول لك ليش؟ ما الذي نتحدث عنه؟ نتحدث الآن عن حقوق الإنسان، هل تريد حكومتنا التونسية أن تقمع التونسيين وتقهرهم وتلغي الرأي الآخر أم لا؟ مَنْ يجيب عن هذا السؤال أحسن إجابة؟ يجيب عنه رئيس النظام اللي هو السيد زين العابدين بن عليّ الرئيس المنتخب، واللي أيدته كل الأحزاب في عام 1989 بما فيها الإسلاميون. يا سيادة الرئيس تقبل حرية للتوانسة أم لا تقبلش؟ فيجيب: نقبل.. تقبل العفو عن الإسلاميين اللي خاصموك وكانوا يحاولون الانقلاب عليك أم لا؟ فيقول: نقبل.. تقبل أن نتشاور مع الصحفيين في حرية الإعلام؟ يقول: نقبل.. عندما يقبل الرئيس هذا يا ترى نفخر به ونقول له أحسنت، أم تحبوه مثل رؤساء العرب الآخرين الذين لا يهتز لهم جفن يقتلوا الناس بالآلاف ويحكمون دولهم بالقهر، وعندما يتفاهم رئيسنا مع التوانسة ويتحدث نرفض الحوار ونرفض الحديث، وأنا عندما قلت هذا في الجزيرة -حتى أقول لكم- حتى نفخر بأننا عندنا في تونس مساحة للحوار وللتواصل، وأرجوك قبل أن ينتهي البرنامج أن تنظر لهذه الورقة الخاصة بالعملة التونسية لأن عشان هو أصل البرنامج، شايف صورة الحبيب بورقيبة يا أخ جميل؟ هذه صورة الرئيس الحبيب بورقيبة، وأنتم قلتم في بداية البرنامج بأن الرئيس بن عليّ كان منزعج من جنازة الرئيس بورقيبة، وحتى الآن 13 سنة بعد إقالة الرئيس بورقيبة من الحكم، 13 سنة، شوف السلوك الأخلاقي ولم يتغير، لم تزل صورة الرئيس بورقيبة من العملة التونسية، ولم توضع محلها صورة الرئيس زين العابدين بن عليّ، حتى يعرف الناس أن عندنا حضارة وقيم وأخلاق..

جميل عازر:

لم نقل إن الرئيس كان منـزعجًا من جنازة الرئيس الراحل بورقيبة، ولكن دعنا نأخذ مكالمة من زياد الهاني في تونس.

زياد الهاني:

مساء الخير.. بدايةً نحب أن نلاحظ أن مشكلة الإعلام في تونس هي جزء من مشكلة الحريات العامة، والنهوض بوضع الإعلام يحتاج أساسًا -بدل من أساليب التضليل والتعمية- يحتاج أساسًا إلى قرار سياسي بفتح المجال أمام هذه الحريات، ونضرب مثالاً على هذا.. أنا كنت تقدمت بطلب للترخيص ببث إذاعة حرة تحمل اسم "إذاعة قرطاج" والقانون التونسي لا يمنع وجود الإذاعات الحرة، ولكن مع ذلك وقع رفض الترخيص، وقد وجهت السؤال  لوزير المواصلات المشرف الأساسي مباشرةعن هذه المسألة بمقتضى القانون، فقال وزير المواصلات: الموضوع يتجاوزني!‍! ‍

بالنسبة للصحافة هناك كذلك نوع من التحكم في مصادر الخبر، وفي الترخيص بإصدار الصحف، توجهت لوزارة الداخلية، والقانون يقول: إن إصدار الصحف هو حر ويخضع فقط إلى الإعلان، يُقدَم إلى وزارة الداخلية مقابل وصل، قدمت هذا الإعلان من وزارة الداخلية، فرفض قبول الملف، فالمشكلة -كما ترون- هي مشكلة قرار سياسي. حاجة أخرى فيما يتعلق بجنازة السيد الحبيب بورقيبة..

جميل عازر [مقاطعًا]:

سيد زياد الهاني في تونس شكرًا لمداخلتك، ونتحول إلى لندن، وأحمد جعلول.

أحمد جعلول:

السلام عليكم.. أود في البداية التعليق على بعض النقاط التي وجهها السيد الهاشمي الحامدي إلى حركة النهضة بصفتي عضوًا من الأعضاء ومن مناضلي هذه الحركة، فيما يخص النقطة واتهام السيد الهاشمي الحامدي للحركة بالعنف، فإن هذه القضية حاولت السلطات -حتى الإعلام الخارجي- إلصاقها بالحركة، وقد برأها القضاء البريطاني المحايد في محاكمة مجموعة من الصحف في هذا، وحاولت السلطة إثبات كل الأدلة ولم تقدر على ذلك، الجهة الوحيدة التي تتهم الحركة -بخلاف السيد الهاشمي الحامدي- بالعنف هي الجهة التي تمارس العنف على الحركة، وعلى جميع فصائل المجتمع، والحقيقة أن الحركة هي ضحية هذا العنف، النقطة الثانية فيما يخص أن بن عليّ يريد المصالحة مع الحركة، إن كان صادقًا في ذلك فليس الهاشمي الحامدي هو الباب.. حركة النهضة معروفة.

النقطة الثانية حركة النهضة لا تريد خلاصًا فرديًا لنفسها كحركة، ولا أبناؤها يرغبون في التوبة من ذنوب لم يرتكبوها، الذنب الوحيد الذي ارتكبه أبناء حركة النهضة هو تبنيهم لقضايا المجتمع بجميع فئاته، وكذلك حركة النهضة تريد مصالحة وطنية شاملة، لا تستثني أحدًا.. مشكلة البلاد -في الحقيقة- لا تكمن خارج تونس، مشكلة البلاد تكمن في تونس، مشكلة البلاد تكمن في فئات عديدة من الشباب التونسي.. أغلقت أمامهم كل الأبواب، وجهضت كل أحلامهم، مشكلة البلاد هو في تلك الفئات التي قمعت وكممت وسدت آذانها وعميت أبصارها، مشكلة البلاد هي مشكلة شعب مستضعف من هذه السلطة، إذا كانت السلطة الحاكمة تريد صلحًا فلتصالح، مشكلة البلاد، تتصالح مع البلاد لا أن تتهم جهات خارجية كشأن كل مَنْ يريد أن ينكر النقص في نفسه فيقول: تواطأ مع جهات خارجية، إذا كانت السلطة تريد حلاًّ لمشكلة البلاد فلتحلها، ولتواجه نفسها بصراحة، ولا تتخذ من أمثال بعض الخونة الممثلين لها..

جميل عازر [مقاطعًا]:

أستاذي، شكرًا جزيلاً للمداخلة، دكتور قيس العزاوي.. هناك مَنْ يشيرون إلى أن فرنسا ربما تكون قلقة إزاء –مثلاً- العلاقة وخلفيات العلاقة بين الرئيس زين العابدين بن علي والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في إطار المنافسة الاستراتيجية على أفريقيا وعلى البوابات الأفريقية، هل هناك بُعد لهذه العلاقة.. العلاقة الفرنسية التونسية رغم ما تقول بأنها علاقة قوية؟ 

د. قيس العزاوي:

أستاذ جميل، هذا سؤال جيد طرحه، في واقع الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تطرح -كما تطرح دول الاتحاد الأوربي- مشروع الشراكة على دول شمال أفريقيا، ولو صح هذا القول، والمنافسة بين أمريكا وفرنسا قائمة، وهي قائمة بالفعل في شمال أفريقيا، لكان ذلك صحيحًا على المغرب أيضًا، لماذا لا تعمل فرنسا حملة إعلامية أيضًا ضد المغرب؛ لأن المغرب أيضًا منضم إلى اقتراح الشراكة الأمريكية المغاربية، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية العكس هو الصحيح، فرنسا إذا كانت هناك منافسة بينها وبين أمريكا في شمال أفريقيا يمكن تتفهم أكثر الوضع التونسي، وتلتقي أكثر مع النظام التونسي.

أنا أعتقد أن حقيقة ما حدث ليس جديدًا، التوتر الذي حدث ما بين فرنسا وتونس ليس جديدًا، أنا سأقول لك: أول مرة حدثت أزمة حقيقية بين فرنسا وتونس كانت عندما نشر أحد المعارضين التونسيين وهو "أحمد المناعي" كتابه عام 1995 "الحديقة السرية للرئيس بن عليّ" ثم توترت الأحوال أيضًا في كتاب اللي نشروه الصحفيين الفرنسيين الأثنين تحت عنوان "صديقنا الرئيس ابن عليّ"، ثم جاءت قضية الصحافة ومنع الصحف الفرنسية، ومنعت صحيفة "ليبراسيون"، ومنعت صحيفة "اللوموند"، ومنعت القناة التلفزيونية الثانية الفرنسية، ومنعت القناة الإيطالية، وبعد ذلك كللت كل هذه الأشياء بالوفد أو النائبة في البرلمان الأوربي من حركة الخضر "هيلين فلوت" التي ذهبت إلى تونس ودرست أوضاع حقوق الإنسان ورجعت وقدمت تقريرها.. تقريرها الذي يقول: إن حقوق الإنسان تُخرق بشكل يومي، والتقرير معروف وموجود، ونشرته الصحافة، إذن تطور الأمر كله، وجاء الحادث تبع إضراب أحد الصحفيين عن الطعام ففجر الموقف، هذا الموقف ليس جديدًا بل هو قديم، تحدث تنافسات في طبيعة الأمر، وستحدث أكثر وأكثر في منطقة شمال أفريقيا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ككل، وسوف ينجم عنها كثير من القضايا سنعالجها في حينها عندما تنشأ..

جميل عازر [مقاطعًا]:

دكتور موسى زريق.. اقتربنا من نهاية البرنامج.

د. موسى زريق:

أنا عندي ملاحظة على علاقة فرنسا وتونس -على ما تفضل به الأستاذ العزاوي- طبعًا أنا أؤيد أن هناك وضعًا يعني صار متردي في تونس على حقوق الإنسان وعلى الحريات، وبلغ حدًّا لا يُطاق السكوت عليه، كذلك اتفاقيات الشراكة تتضمن حد أدنى من رعاية حقوق الإنسان، ونوعًا من الديمقراطية؛ لأن هذا ضمان للعمل الاستثماري في حد ذاته، واتفاقات الشراكة تقوم على مصالح اقتصادية محضة.

جميل عازر:

الشراكة بين تونس والاتحاد الأوربي؟

د. موسى زريق:

نعم.. فرنسا طبعاً هي دائمًا لها حصة الأسد في الاستثمارات، سواء كانت في تونس أو في الجزائر أو في المغرب، بحكم الواقع التاريخي، الذي جمع بين فرنسا وبين دول شمال أفريقيا الثلاث؛ المغرب وتونس والجزائر، وهو واقع تاريخي كثيف جدًّا، ولا يسعنا المجال للتعرض له.

نرجع إلى قضية ما يحدث في تونس، ودعوة الرئيس إلى التصالح وبدء صفحة جديدة وما شابه ذلك، هذا الوضع غير ممكن، لأن الصفحة الدامية بين المعارضة ككل، كل فصائل المعارضة، إحنا لا نؤكد على المعارضة الإسلامية فقط، المعارضة الإسلامية والعلمانية ومؤسسات المجتمع المدني.. إلخ، هناك مثلاً عندنا في تقرير منظمة العفو الدولية، رقم الوثيقة 92430 فيه ثلاثين حالة وفاة تحت التعذيب بالأسماء، وإن شئتم أقرأ الأسماء والعنوان وكذا، فيه ضحايا المضايقات والتعذيب والسجن من النساء بالعشرات..

جميل عازر:

دكتور هاشمي أود أن نعطيك آخر دقيقة للرد فيها على.. مثلاً مصالحة تونس مع ذاتها، كيف تتم في ظل هذه الظروف في اعتقادك؟ وباختصار.

د. الهاشمي الحامدي:

تتصالح تونس مع ذاتها لأنها لديها مقومات الصلح والتقدم، أولاً الذين يتحدثون عن الخيانة.. هذا لمشاهدي الجزيرة في تونس، هم أنفسهم الذين عندما مات بورقيبة في يوم وفاته رفضوا أن يقولوا: الله يرحمه، المرضى بالأحقاد يعالجون في المستشفيات النفسية.. أنا أحكي عن الناس الذين يحبوا أن يصلحوا ويطوروا.. أنا أرجو من الأخوة الحكومة التونسية أنها تسمح بمثل هذا البرنامج في القناة التونسية، والله نقدر نعملها دون أن تهتز شعرة من وضعنا أو استقرارنا، إن شاء الله نمشي باتجاه الحرية.

اثنين: إنني اقترحت تيار جديد في السياسة التونسية، اللي يحب يؤيدني فيه يتفضل، تيار الشراكة الإيجابية مع الحكومة، نصلح فيما ينبغي فيه الإصلاح، ونؤيد الحكومة في كل خير تقوم به، هذا هو الطريق، لا المعارضة اليسارية المتطرفة ولا المعارضة الأصولية التي فشلت منذ أوائل التسعينات وانتهت وأصبحت في خبر ماضٍ.

نحن الآن نعمل مع حكومتنا، نصلح، ونطور، وأرجو من عائلات المعتقلين في تونس أن يبلغوا المعتقلين بهذا الكلام للمعتقلين، عندنا فرصة جديدة، وفيه منبر إسلامي جديد سيظهر قريبًا ويتشكل الآن حتى ينهي احتكار الساحة الإسلامية التونسية لمجموعة فاشلة من أول الزمان.. مجموعة جديدة، أفكار جديدة، وإن شاء الله تكون قبل الانتخابات القادمة في تونس، وعندنا جرائدنا وصحفنا، وينظم التيار الإسلامي ضمن تونس بن عليّ.. تونس الحرية والتسامح، ويكون هناك إعلام حر، وقناة جزيرة ثانية، انتبهوا.. يا "محمد جاسم"، يا "سهلاوي" حنعمل قناة جزيرة أحسن  -إن شاء الله- في القريب في تونس، في "الحمامات" أو في "سوسة" إن شاء الله بدعم الحكومة وبموافقتها، وبمشاركة الصحفيين التونسيين الأحرار.

جميل عازر:

دكتور الهاشمي الحامدي في لندن شكرًا جزيلاً لك، وقد أدركنا الوقت، في نهاية هذا اللقاء لا يسعنا إلا أن نشكر ضيوفنا في الاستديو موسى رزيق أستاذ القانون المتابع للشأن التونسي، ومن لندن الدكتور الهاشمي الحامدي رئيس تحرير صحيفة المستقلة، ومن باريس دكتور جواد العزاوي رئيس تحرير مجلة دراسات شرقية.

مشاهدينا الكرام.. إلى اللقاء في حلقة قادمة، والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة