الغيوم التي في الضواحي لمحمد علي شمس الدين   
الاثنين 1429/2/12 هـ - الموافق 18/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:48 (مكة المكرمة)، 11:48 (غرينتش)

- قصائد شبيهة بساحة حلم
- الشعر هو رحيل في الأزمنة

 

قصائد شبيهة بساحة حلم

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
: العنوان "الغيوم التي في الضواحي" هو عنوان صوري محسوس (كلمة أجنبية) ولكنه دائما يسحب الأشياء من الضوء إلى الظلمة وبينهما الغسق. دائما الطيور، النساء، الرجال، الأوطان، الأرض، العناصر كلها مسحوبة في ساحة القصيدة من مرحلة الوضوح الطبيعية، من ضوء الشمس إلى ضوء العتمة، ثمة في القصائد ما أسميه ضوء للعتمة. إن الشعر هنا يطير في اتجاه ما أسميه الغيب، في اتجاه اللامرئي، في اتجاه المخيلة، وهذا هو أساس الشعر في ديوان "الغيوم التي في الضواحي" حتى لكأن الشعر يصبح شكلا من أشكال الغناء ضد الرعب. قلت إن الديوان محمول على جناحين وهو مقسوم إلى قسمين، القسم الأول أبواب الموسيقا والقسم الثاني هو رحيل الصواري. أما رحيل الصواري فهو الانتقال والتنقل والتحول، وأما أبواب الموسيقا فمؤسسة على سبعة أبواب للموسيقا وخماسية للطيور، يضاف لذلك قصيدة بعنوان "الفراشة" وهي قصيدة مرثية لأمي التي رحلت في الشهر الجميل، أمي آمنة، ولكن أيضا سنجد فيها تشابك الأحياء بالموتى. وفي تصوري أن علاقة القصائد بتواريخها وأسمائها ورموزها شبيهة بما قلته في قصيدة "الفراشة":

في الليل

في الحلك العظيم

وعند تشابك الأحياء بالموتى

وولولة الرياح

دفنت أمي

القصائد مسرح لتشابك الأحياء بالموتى وتوليد حيوات شعرية جديدة من رمادها، من رماد التواريخ، رماد المعارك، رماد الموتى، رماد الأشخاص، يولد دائما طائر القصيدة مرحا، طائرا أول، طائرا لا يشبه سوى ذاته إذ أن في الشعر القصيدة لا تشبه إلا نفسها، حتى ولو اتكأت على الواقع أو على التاريخ. لا بد هنا في القصائد مما أسميه أنا محول (كلمة أجنبية) محول، أي يحول الماء كيميائيا من طبيعة إلى طبيعة أخرى، لا بد في هذه القصائد من هذا المحول. واتكاء هذا الشعر على قاع من التاريخ والفلسفة هو اتكاء قديم عندي أنا، من "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" الديوان الأول الذي صدر عام 1975، حتى "شيرازيات" مسبوقا بـ "ممالك عالية". لا أقول اتكاء ولكن أقول توليد، لأن الشعر ليس كلمات، الشعر هو معرفة شعرية وهو بالحقيقة كما قال مالارميه عن المعرفة الأورفية يعني المعرفة الشعرية معرفة أوروفية، نسبة لأورفيوس، امتلاك العالم بالكلمات بالقصيدة بظلال الكلمات وامتلاك العالم بالموسيقا أو معرفته بالموسيقا. هنا أعتقد أن القصيدة، ساحة القصيدة شبيهة بساحة حلم، كما أقول في "حلقات العزلة" شبيهة بساحة حلم بمعنى أنه في الأحلام قد تجدين حصانا برأس رجل وقد ترتفعين في السماء فجأة وتعودين إلى الأرض وتنظرين إلى نفسك في المرآة فتكونين أنت أنت وأنت لست أنت، يعني أنت ما تشاهدين في الحلم ولا تدركين أن هذا حلم. ساحة القصيدة كما أقول في "حلقات العزلة" هو هنا أطبق في "الغيوم التي في الضواحي" هي ساحة للرؤية، يضاف إلى ذلك أن معنى العقل في القصيدة كمعنى العقل في الحب، إذ أعتقد تماما أنه لا عقل للحب أي أن ما يحرك هو ذاك الشعور الغامض في القلب وبالتالي حتى الذهاب في القصيدة هنا إلى الجنون هو ذهاب شعري أو ذهاب عشقي بمعنى أن الشعر يصبح أيضا ليس فقط غناء ضد الرعب، بل أيضا يصبح ذاك الجنون في القلب، والجنون في القلب كما قال فريد الدين العطار النيسابوري صاحب منطق الطير هو أعظم بكثير من جنون العقل، الجنون في القلب هو النشوة، نشوة بالعالم، نشوة بالحب، نشوة بالله عز وجل، نشوة بالوجود، هذا الجنون في القلب يتفجر في القصائد.

الشعر هو رحيل في الأزمنة

"
الشعر هو رحيل الكلمة من موقع إلى موقع، هو رحيل الصورة من مكان إلى مكان آخر، هو تأليف صُوَري يختلف عن أصله
"
محمد علي شمس الدين:
أصل إلى مسألة اللغة واليقين اللغوي فكان ثمة تطوح بين أن تكون الكلمات عارمة وقاطعة وصاحبة سلطة من حيث قاموسها أو من حيث تركيبها أو من حيث صياغاتها وبين أن تكون خافتة كأجنحة الطير أو أن بين أن تكون كواسر في الطيور أو ظلال طيور. أنا أميل إلى أن أكون في الظلال في هذه الكتابة، لأنه للصمت على ما أعتقد ومن خلال تجربة في الكتابة، للصمت أجراس قوية ليست للصوت، حيث قوة الصمت هي قوة الإحياء وحيث تبدأ القصيدة من حيث تنتهي الكلمات، أي يبدأ صدى القصيدة في نفسك أو في نفس القارئ أو في نفس المستمع من بعد أن يقرأها أو يسمعها. هذه هي الساحة الشاسعة للشعر وهي ساحة طيران حقيقة، وأنا أقول في "حلقات العزلة" كتاب النثر، بأن الشعر هو رحيل لا أدري إلى أين، هو رحيل الكلمة من موقع إلى موقع، هو رحيل الصورة من مكان إلى مكان آخر، هو تأليف صُوَري يختلف عن أصله، هو رحيل في الأزمنة حيث حين مثلا أكتب عن ليلى، ليلى ومجنون بني عامر، وثمة قصيدة في المجموعة "وجه لليلى أو باب ليلى"، فأية ليلى أكتب عنها أنا؟ أكتب عن ليلى التي هي مزيج غسقي بين الأحياء والموتى ومزيج ملتبس بين حقيقة من كانت ليلى وحقيقة ما صورتها الأسطورة وحقيقة ما تلقيتها أنا حتى الآن، هذه الصيرورة لليلى في التاريخ تنتهي إلى القصيدة.

باب ليلى

كان عشقي لها يعذبني

وموتي جميلا

على قاب قوسين من بابها

يصطفيني

تقول:

وهل أنت قيس العليل؟

أقول: نعم

وأضيف: القتيل

إن ليلى

التي لا تزال هناك

محجبة لا تراني

تحيط بها نسوة من حديد

ورجال عبيد

ونسر عجوز على بابها

يرصد القادمين إليها

فيا أهلها في العراق

اسمعوا زفرتي

وهي تمضي مع الريح

أو دمعتي

وهي موصولة بالفرات الجريح

من الشام تمضي

مواكب عشقي

وتحمل راياتها

في الفلاة

وتحدي لها

بالغناء الحداة

ولكن ما حيّر العقل

حتى براه الجنون

أن ليلى

-التي مت في حبها ألف عام-

تخون

هذه التحولات، هذه التغيرات هي التي تشكل سهل حصان الشعر في "الغيوم التي في الضواحي" أو هي سماء هذه "الغيوم التي في الضواحي".

فهرست الكتاب

سبعة أبواب للموسيقى
الفراشة
الغيوم التي في الضواحي
عرس القاسم
زيارة إلى موقع الغراب
حدود الحيرة وأحوال المقيم فيها
خماسية الطيور
في الغابة
عصابة الوردة
ينشق جسمك النحيل قطعتين
أنا والقمر وظلي
غراب دجلة
لو أصغى للموسيقى
الخناجر تحت العباءات
قصيدة المياه
جملة في الموت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة