التصرفات السياسية للنبي وأثرها في العمل السياسي   
الخميس 1434/6/8 هـ - الموافق 18/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 10:35 (مكة المكرمة)، 7:35 (غرينتش)
 عثمان عثمان 
 محمد عمارة

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110]وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه ((إنّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)) ما أهمية التمييز بين التصرفات النبوية للنبي عليه الصلاة والسلام والتصرفات السياسية؟ وما انعكاسات ذلك على الفقه السياسي والفصل بين السلطات وعلى تأسيس الحكم على أساس دنيوي مصلحي؟ "التصرفات السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في العمل السياسي" موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة والذي ينضم إلينا من القاهرة السلام عليكم دكتور.

محمد عمارة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبا.

حكمة توكيد القرآن على بشرية الرسول

عثمان عثمان: القرآن الكريم تحدث عن بشرية النبي عليه الصلاة والسلام وكان في هذا الحديث إلحاح على هذه البشرية ما مغزى ذلك؟

محمد عمارة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلاة وسلاما على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين أولا دعني أقول في بداية هذا اللقاء وفي بداية هذا الموضوع أن هذا الموضوع "تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالسياسة" من أهم الموضوعات بل أقول إنها فريدة غائبة في الفكر الإسلامي لأنها تؤسس للسياسة الشرعية، سياسة الدولة الإسلامية، وهذا الموضوع تزداد أهميته  في ظل هذا الحراك الذي يحدث في الوطن العربي والذي يعود فيه الإسلام إلى الدولة فنحن في أمس الحاجة إلى بحث هذا الموضوع لتأسيس وإشاعة علم السياسة الشرعية.

عثمان عثمان: لماذا كان غائبا في الفترة الماضية؟

محمد عمارة: كان غائبا لأن الدولة ولا أقول الأمة استبعدت السياسة الشرعية واستبدلت وأتت بالسياسة الوضعية، السياسة البراغماتية، السياسة المكيافيلية وبالتالي علم السياسة الشرعية ضمر في تراثنا في ظل الاستبداد وفي ظل العلمنة يعني أنت تنظر فتجد أن هناك تضخما في فقه العبادات وتجد أن المعاملات الاجتماعية والمالية حالها طيب في الفقه، فقه المعاملات، أما في الدولة أما في السياسة في ظل الاستبداد قديما وفي ظل العلمنة حديثا ضمر علم السياسة الشرعية المؤسس على التمييز في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بينما هو دين ورسالة وبلاغ ووحي وبين الفروع والمتغيرات والسياسة الشرعية، فهذا الموضوع في غاية من الأهمية.

عثمان عثمان: بالعودة إلى السؤال دكتور ما مغزى أن يُلح القرآن الكريم في أكثر من موضع على بشرية النبي عليه الصلاة والسلام؟

محمد عمارة: أولا كي لا يعبد لأن هناك من عبدوا بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لو لم يتم التأكيد على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لانحرف الفكر الديني كما انحرف في رسالات سابقة ولحدث عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصا أنه زعيم وقائد أولي العزم من الرسل وصاحب الرسالة الخاتمة، السبب الثاني للتأكيد على هذه البشرية كي لا تتقدس تصرفاته السياسية وتصرفاته في المتغيرات الدنيوية، ما الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى؟ أنها قدست الدولة قدست العلم فجعلت كل شيء مقدس، الدين ثابت ومقدس ومعصوم، فلو لم تكن هناك تأكيدات على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لحدث تقديس لهذه التصرفات الدنيوية لتجمدت وتثبتت وأصبحت معصومة هذه التصرفات، ولذلك أنا الفت النظر إلى أن طبيعة الدولة، طبيعة السياسة، طبيعة الفقه، والمتغيرات في النظام الإسلامي مختلفة عن الشرائع السابقة، الشرائع السابقة كانت تأتي بكل التفاصيل، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث في غاية من الأهمية كانت بنو إسرائيل  تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي إنما سيكونون خلفاء أي أن طبيعة الدولة طبيعة السياسة تغيرت بعد أن كانت مقدسة سياسة نبوية معصومة مقدسة في التراث الإسرائيلي أصبح هناك خلافة والخلافة عن الأمة، إذن هذه التأكيدات القرآنية على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم كي لا يعبد كي لا تتقدس هذه التصرفات وبالتالي تتجمد وتثبت وتصبح مقدسة ومعصومة فيحدث ما حدث في الفكر الإسرائيلي أو يحدث ما حدث في الكهانة في الكنسية في العصور الوسطى، التأكيد على أنه بشر لكن ليس فقط بشرا وإنما بشر يوحى إليه.

عثمان عثمان: هنا أريد أن أسأل كيف نفهم قول الله عز وجل انطلاقا مما ذكرتم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم3-4]..

محمد عمارة: هذا خاص بالقرآن الكريم، هذا خاص بالقرآن الكريم لأن القرآن وحي والقرآن عندما استخدم كلمة الوحي استخدمها بالنسبة للتنزيل للبلاغ القرآني {النَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[النجم:1-4] إذن هنا الكلام عن القران، أما تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد الرسول معصوم لا ينطق عن الهوى عندما يبلغ عن الله سبحانه وتعالى، أما عندما يجتهد فهو بشر لكنه لا يقر على الخطأ عندما يجتهد في غير الأولى ويشير بغير الأولى لا يقر على الخطأ ولذلك كان هناك اجتهادات لرسول الله صل الله عليه وسلم وسورة ويعود عنها كما سيأتي الحديث لذلك على أن..

عثمان عثمان: لكن دكتور هنا أريد أن اسأل نعم، نعم يعني نتحدث عن وحي هو القرآن الكريم جاء بألفاظ نزل بها جبريل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هناك من يقول أن تصرفات النبي صل الله عليه وسلم أيضا هي وحي يوحى من الله عز وجل وبالتالي يعني إذا قارناه بسائر البشر أين موضع القدوة هنا؟

محمد عمارة: هنا التصرفات النبوية هي وحي معصوم عندما يكون في العقائد عندما يكون في العبادات عندما يكون في منظومة القيم والأخلاق، هذه هي الأصول أصول الإيمان أصول الإحسان قواعد الإسلام كل هذا وحي معصوم، تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم هنا نتأسى هنا نتبع لا يكون هناك تجديد ولا يكون هناك ابتداع، أما في الفروع في المتغيرات في شؤون الدنيا التي تتغير هنا يكون الاجتهاد الذي يخضع للشورى والذي يأخذ فيه الرسول ويدع مع الصحابة والذي تدار فيه الدولة، وهذه التصرفات ليست ثوابت وإنما هي متغيرات يعني أنا سأضرب مثلا رسول الله صل الله عليه وسلم السنة هي فعل الرسول إقرار الرسول قول الرسول عمل الرسول، القول والفعل والإقرار عندما فتحت خيبر رسول الله صل الله عليه وسلم وزع ارض خيبر أربعة أخماس الأرض للجند الفاتحين وخمس للدولة، عندما فتحت ارض مصر والشام والعراق وفارس في عهد عمر بن الخطاب صحابة كثيرون في داخل الجيش الفاتح طالبوا عمر بتوزيع الأرض كما وزع رسول الله صل الله عليه وسلم أرض خيبر، رفض عمر لماذا؟ لأن هذا التصرف ليس بلاغا قرآنيا ليس جزءا من الرسالة وإنما هو من السياسة من الفروع، ولذلك عمر بن الخطاب استشار الصحابة ووصلت المشورة إلى أن تكون هذه الأرض وقف وأن يكون الخراج لبيت المال لأنه أصبحت الدولة في وضع غير الوضع السابق إلى آخره، إذن أنا أقول هنا عمر يحقق المقاصد يعني رسول الله صل الله عليه وسلم بتوزيع ارض خيبر يحقق المقاصد، تحقيق المقاصد تحقيق المصلحة هذا هو الدين، هذه هي القاعدة "لا ضرر ولا ضرار" أما التصرفات تتغير تتطور وفي تغيرها وتطورها هنا يكون تحقيق المقاصد اضرب لك مثلا ثانيا، رسول الله صل الله عليه وسلم يقول ((مَنْ قَتلَ قتِيلاً فلْهُ سَلبْه)) فإذن ليه؟ لم يكن هناك جيش نظامي ولم يكن هناك مرتبات للجيش فواحد قتل قتيل يأخذ سلاحه ويأخذ ثيابه وإلى آخره، لكن هل الآن عندما يقتل قتيل واحد وقع طيارة في الحرب يأخذ الطيارة واحد وقع دبابة يأخذ الدبابة، مثل آخر رسول الله صل الله عليه وسلم كان ينظم الحرب والجيش ميمنة وميسرة وقلب، هل نحن الآن لنحقق مقاصد النصر والمصلحة في النصر هل لا بد أن نتأسى بهذه التصرفات النبوية في موضوع الحرب وفي موضوع تنظيم الجيش، كل هذه تصرفات دنيوية الذي يحكمها هو تحقيق المصلحة، تحقيق المقاصد من وراء هذه التصرفات النبوية، إذن هو ما يميز بين هذا الجانب والثوابت الدينية فهذا لون من عدم الفهم لهذه القضية.

الجانب السياسي في حياة النبي الكريم

عثمان عثمان: يعني عندما نميز بين تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بحسب الوظيفة التي كان يقوم بها القضاء، الفتوى والتبليغ، الإمامة والسياسة، يعني ما أهمية هذا التفريق في تصرفات النبي عليه الصلاة السلام؟

محمد عمارة: أهميته أننا في الفتوى هو يوقع عن الله سبحانه وتعالى وذاك ابن القيم عندما كتب كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" المفتي يبلغ، المفتي يبلغ الحكم، يكشف عن الحكم، أما القاضي ينشئ الحكم يعني لا بد أن ندرك دقة هذا التعبير، فارق بين الكشف عن الحكم اللي هو موجود في الكتاب والسنة وبين إنشاء الحكم اللي هو إنشاء الحكم القضائي لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقضي كان يتحدث عن أنه ربما يكون إنسان ألحن بحجته من إنسان هولا يقضي بناء على الوحي، لكن عندما يبلغ العبادات يبلغ القيم يبلغ الأخلاق يبلغ العقائد هنا يبلغ عن الله، هنا يكشف حكم الله، أما عندما يقضي فهو ينشئ حكما بالاجتهاد بناءا على بينة ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)) أيضا عندما يتصرف بالسياسة هو ينشأ حكما ينشأ حكما بالاجتهاد عندما يتصرف في مسائل الاقتصاد وإلى آخره وهنا ينشأ حكما فهنا فارقا بين قطاعين من الأحكام قطاع الرسول صل الله عليه وسلم يكشف فيه عن حكم الله ولا ينشئ من عنده لأنه يبلغ جزء من الرسالة يبلغ، وقطاع آخر ينشأ فيه أحكام بالاجتهادات حتى لو أخطئ في حكم من الأحكام وعتب رسول الله صل الله عليه وسلم في كثير من المواطن وجاء هذا في القران الكريم، فالله سبحانه وتعالى يوحي إليه بالصواب لا يقره على خطأ لأنه أسوة كي لا يكون أسوة إلا في الصواب الموافق للإرادة الإلهية.

عثمان عثمان: ما معنى التصرف السياسي للنبي عليه الصلاة والسلام؛ دكتور؟

محمد عمارة: يعني خذ على سبيل المثال رسول الله صل الله عليه وسلم عندما كان يتصرف أو يقول قولا كان الصحابة يسألونه سؤالا تقليديا تجده منتشرا بالسيرة النبوية ((يا رسول الله أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟)) يعني في غزوة بدر عندما نزل منزل سأله الخباب بن المنذر أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأي والحرب، قال هذا ليس لك بمنزل)) نزل على الشورى في غزوة الأحزاب في غزوة الخندق أراد أن يكسر الحصار الشركي من حول المدينة فتفاوض مع ممثله غطفان ونجد على ثلث ثمار المدينة في نظير فتح ثغرة في هذا الحصار، لكنه قبل أن يمضي المعاهدة يعني هنا أمام معاهدة بالأحرف الأولى لكنها ليست نهائية سأل سعد بن عبادة يا سعد بن معاذ، سألوه: أهذا وحي أم هذا رأي رأيته لنا؟ قال هذا رأي رأيته لكم، فقالوا أنهم مشركين لم يكونوا يتذوقون ثمار المدينة إلا بقرى الضيف أو بالتجارة، كيف نعطيهم ثلث ثمار المدينة بعد أن أعزنا الله بالإسلام، مزق مشروع المعاهدة، لماذا؟ لأنه هنا يجتهد، هنا ليس وحيا، هنا ليس بلاغا عن الله سبحانه وتعالى، في فارق بين الوحي، كان يسألون هو الوحي أم الرأي والمشورة، كان يدير السياسة سياسة الدولة بالشورى.. الدين البلاغ العقيدة الشريعة أصول الشريعة القيم والأخلاق ليس فيها شورى فيها سمع وطاعة ليس فيها إبداع ولا ابتداع وإنما فيها إتباع، أما عندما تكون الأمور سياسة فكان يستشير، عندما يقول: لو كنت مؤمراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد الله بن مسعود يعني تعيين أمير للجيش هذه سياسة يعينه بالشورى، عندما يقول لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما، أغلبية وأقلية، اثنين لواحد، كان أكثر الناس مشورة لأصحابه في السياسة في أمور الدولة في الفروع، أما في الدين في العقائد في القيم والأخلاق في العبادات هنا المشورة ولا تدخل من العقل البشري لأنه حتى ولو لم نفهم الحكم من هذه العبادات وهذه العقائد فنحن نؤمن بأن أحكم الحاكمين يعرف هذه الأحكام، السياسة معللة بعلل ولذلك فيها الشورى وهي من الفروع لأنه إحنا عند أهل السنة والجماعة السياسة الخلافة كل ما يتعلق بشؤون الدولة هو من الفروع والفقهيات ولذلك ليس فيها تفسير يعني الدين واحد لكن هل السياسة واحدة ؟ أنت عايز لك الآن تعددية سياسية بين الأحزاب السياسية ومشروعية التعددية سنة من سنن الله سبحانه وتعالى بل حتى التيار الإسلامي في أي بلد من البلاد يمكن أن تكون فيه تعددية سياسية بين تيارات الفكر الإسلامي والأحزاب الإسلامية، أما في التوحيد أما في الدين أما في العقائد أما في الكتب أما في النبوات والرسالات والغيب والقضاء والقدر هذه منطقة مشتركة منطقة موحدة للأمة كلها، هذا التمييز بين ما هو دين ورسالة وبلاغ وبين ما هي سياسة وفروع في هذه المجالات.

تصورات خاطئة حول مفهوم السياسة

عثمان عثمان: إذن نتحدث هنا عن مسائل توقيفية العبادات العقائد الأخلاق وما إلى ذلك ونتحدث عن السياسة دكتور لكن في أذهان البعض هناك التباس حول مفهوم السياسة والتي هي بلغة اليوم المصلحة البراغماتية الانتهازية الحزبية الشخصية حتى أن الإمام  محمد عبده كان له رأي أيضاً في موضوع السياسة، كيف يمكن إزالة هذا الغبش وتوضيح هذا اللبس الموجود؟

محمد عمارة: أيوه، هذا سؤال في غاية من الأهمية، فارق بين السياسة بالمعنى المطلق التي هي تدبير يحقق المصالح الدولية، فارق بين هذا اللون من السياسة وبين السياسة الشرعية التي هي كما قال ابن عقيل وابن القيم: التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، السياسة بالمعنى البراغماتي بالمعنى الميكافيلي بالمعنى العلماني هي التي تحقق المصالح بالمعنى النفعي أما حتى المصالح عندنا في السياسة الشرعية ليست مجرد مصلحة، الذي يتاجر في الخمر هذه مصالح، الذي يشتغل في الدعارة أو يتاجر فيها هذه مصالح، إحنا عندنا  في الغرب أكبر 3  تجارات في الحضارة الغربية العلمانية الوضعية تجارة السلاح، تجارة المخدرات، تجارة الدعارة، تدر مليارات الدولارات في كل سنة من السنوات، هذه مصالح بالمعنى الميكيافلي بالمعنى البراغماتي المجرد أما مصلحة السياسة الشرعية تسمى المصلحة الشرعية المعتبرة، إذن ليست أية سياسة إنما هي سياسة شرعية، أيضاً  السياسة بالمعنى البراغماتي والميكيافلي والعلماني هذه سياسة تحقق مصالح دنيوية، أما السياسة الشرعية تحقق مصالح دنيوية وسعادة أخروية، تحقق سعادة الناس في المعاش وفي المعاد لأن الإسلام يجعل صلاح الدنيا أساس لصلاح الدين وصلاح الدنيا سبيل لسعادة الآخرة، هذا فارق أساسي وجوهري بين الدولة الإسلامية والدولة البراغماتية العلمانية الميكافيلية، بين السياسة الشرعية وبين السياسة بالمعنى البراغماتي والنفعي، الغرب يعرف السياسة أنها فن الممكن والواقع يعني اللي تغلبه العب به، بصرف النظر عن منظومة القيم والأخلاق، أما السياسة بالمعنى الشرعي بالمعنى الإسلامي فكما قال ابن القيم وابن عقيل البغدادي هي التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ولأنها فروع قالوا: وإن لم ينزل بها وحي أو ينطق بها رسول هي علم المستجدات، علم المتغيرات هي شرعية طالما لم يكن هناك نهي عنها عن هذه التصرفات في كتاب الله وفي سنة رسوله، إذن معنى السياسة عندنا في السياسة الشرعية مختلف عن معنى السياسة في الفكر العلماني والفكر الميكيافلي والبراغماتي، معنى المصلحة هي المصلحة الشرعية المعتبرة، ليست أية مصلحة، لماذا لأنها لا تحقق فقط مصالح دنيوية مجردة وإنما لذلك حتى العلمانية حُرفت بأنها دنيوية أنها دهريه ، إنما في السياسة الشرعية تحقق سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وتحقق صلاح الدنيا كي يتأسس صلاح الدين على هذا الصلاح الدنيوي.

عثمان عثمان: نتحدث عن السياسة الشرعية المعتبرة وعن ضوابط هذه السياسة من الذي يقدر المصلحة هنا، هل العلماء والذين يتهمون غالباً بأن لهم فتاوى سياسية، أسمع الإجابة ولكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام، نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان التصرفات السياسة للنبي صلى الله عليه وسلم مع الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف الذي ينضم إلينا من جديد من القاهرة، مرحباً بكم دكتور من جديد، نتحدث عن السياسة الشرعية ما أُعتبر لها من ضوابط، ما أبرز هذه الضوابط، من الذي يقدر المصلحة السياسية الشرعية المتغيرة بتغير الزمان والمكان والأحوال، هل هم العلماء، هل هم القادة والزعماء والسلاطين، من؟

محمد عمارة: شوف أولاً الذي يقدر أن هذه سياسة شرعية أم سياسة غير شرعية هو أن تكون السياسة شرعية مضبوطة بقواعد الفقه الإسلامي بقواعد الشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية لم تأتِ بتفاصيل تشريع، لو جاءت بتفاصيل تشريع وتغير الواقع لأصبحت هناك فجوة بين الواقع الذي تغير وبين تفاصيل التشريع، كان هذا يحدث في النبوات والرسالات السابقة كلما حدث هذا يأتي نبي جديد بشريعة جديدة، ختم الرسالات السماوية بشريعة رسول الله صلي الله عليه وسلم جعل هذه الشريعة تقف عند كليات التشريع، عند فلسفات التشريع، عند قواعد التشريع وتترك التفاصيل للاجتهاد، اجتهاد الفقهاء، هذه واحدة، الأمر الثاني أن السياسة بالمعنى البراغماتي يحددها ويحدد الصواب والخطأ فيها شورى الأمة بشكل مطلق يعني مجلس الشورى، مجلس النواب مجلس الأمة يستطيع أن يجعل الحلال حراماً والحرام حلالاً، في المجتمعات العلمانية، أما في المجتمع الإسلامي الذي يحدد إسلامية السياسة شورى الأمة، شورى الأمة المحكومة بالحلال والحرام، أي أن الأمة في النظام الإسلامي مصدر السلطات شرط أن لا تحل حراماً أو تحرم حلالاً، يبقى إذن القواعد الشرعية والفقهية هذا ضابط شورى الأمة بالمعنى الشورى وليس بالمعنى الديمقراطي أي أن شورى الأمة وسلطة الأمة محكومة بإطار الحلال والحرام الديني، الأمر الثالث هو تحديد السياسة التي تحقق المصلحة بالشرط الذي أشرنا إليه وهو أن تكون السياسة المصلحة مصلحة شرعية معتبرة، أيضاً العلماء له دور كبير في تحديد هل هذه السياسة هل هذه التدابير سياسة شرعية تدابير شرعية تقرب الناس من الصلاح وتبعدهم عن الفساد أم أنها بالمعنى الدنيوي وبالمعنى البراغماتي هنا يقوم صنف من العلماء المستقلين عن الأمراء ولذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :((صنفان من أمتي إذا صلحا، صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء)) أنت عندما تقرأ في كتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إحياء علوم الدين للغزالي ونحن نشرنا هذا الباب باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملحق بمجلة الأزهر، عندما تقرأ بالسياسة الشرعية ونحن نشرنا السياسة الشرعية للشيخ عبد الوهاب خلاف وفي العدد الحالي من مجلة الأزهر نشرنا السياسة الشرعية للشيخ عبد الرحمن تاج عندما تقرأ هؤلاء العلماء الذين هم ضابط لإسلامية السياسة لشرعية السياسة لا بد أن يكونوا مستقلين عن الأمراء، ولذلك في أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن العلماء الذين يقفون على أبواب الأمراء، العلماء الذين يقفون على أبواب الأمراء يفقدون شرعيتهم ومصداقيتهم ويمدح الأمراء الذين يذهبون إلى العلماء إذنً استقلال مؤسسة العلم مؤسسة الاجتهاد هذا ضامن كي تكون هذه السياسة شرعية وسياسة إسلامية ولا تكون مجرد تدابير دنيوية.

الفتاوى وممارسة السياسة

عثمان عثمان: هناك فتاوى يطلقها بعض العلماء والمشايخ في أكثر من مناسبة يتهمون بأنهم يفتون فتاوى سياسية وكأن العالم لا علاقة له بممارسة السياسة، له المسجد له الزاوية له الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك ولا علاقة له بالفتاوى السياسية، كيف يمكن أن نقنع الناس أو أن نقدم لهم المبررات أن للعالم أن يمارس الفتوى السياسية وأن يضبط المصلحة السياسية؟

محمد عمارة: شوف.. يعني الإسلام دين ودولة، الإسلام دين وسياسة، الإسلام أصول وفروع ولذلك على العلماء وليس فقط للعلماء أن يشتغلوا في السياسة وأن تكون هناك فتاوى في الأمور السياسية لكن يشترط أن يكون العالم مستقلاً، أن يكون المرجع لهذا العالم هي القواعد الفقهية هي المصلحة  الشرعية المعتبرة، أما إذا أصبح العالم جزءاً من حزب سياسي أو أصبح العالم ملحقاً بالسلطة وأصبحوا فقهاء سلاطين وفقهاء السلطة هذا لون ليس لوناً من العلماء الذين يستحقون.. إحنا في تراثنا علماء كانت سلطانهم أعلى من سلطان الأمراء، يعني ليست هناك أمة في حضارة من الحضارات جعلت للعلم سلطنة كالأمة الإسلامية، إحنا عندنا سلطان العلماء العز ابن عبد السلام عندنا سلطان الفقهاء عندنا سلطان العارفين، إذن أصبح للعلم سلطنة وأصبح للفقه سلطنة تعلو سلطان الأمراء وتعلو سلطان الحكام السياسيين، هذا هو اللون من العلماء الذين يكونون ضوابط وفتاواهم السياسية سياسية شرعية، سياسة شرعية أما الذين يفتون حسب الهوى وجعلوا إلههم هواهم وألحقوا أنفسهم بسلطات البذل والاستبداد والتجبر والظلم فهؤلاء لا يستحقون حتى لقب العلماء فضلاً  عن أن يكونوا علماء شرعيين.

عثمان عثمان: دكتور علق الفقهاء عدداً من الأحكام في المجال العام وفي العقوبات وغيرها على اجتهاد الإمام أو إذنه، هل يعني ذلك أنها مصلحة، أنها مسألة مصلحية اجتهادية وغايات توقيفية؟

محمد عمارة: نعم هي مصلحة لكثير من الأمور المتغيرة في السياسة وفي الاجتماع وفي الاقتصاد وإلى آخره، هذه أمور ننظر فيها لفقه الواقع ونبحث لفقه الواقع عن فقه الأحكام، أنا كتبت مقالا أيهما أولاً فقه الواقع أم فقه الأحكام؟ وأنا ألفت النظر إلى أن تراث الإمام ابن القيم فيه أمور نفيسة تجعل الاجتهاد جزءا من الشريعة يعني ابن القيم قال كلاماً قد يبدو غريباً عند بعض الناس الذين لم يفقهوا، يقول الشرع 3 أنواع: شرع ُمنزّل وشرع ُمتأول وشرع ُمبّدل، المرفوض هو الشرع المبدل، الشرع المنزل هو الذي جاء به الوحي ونطق به الرسول، الشرع المتأول هي أحكام القضاة واجتهادات الفقهاء، إذن الشريعة وضعٌ إلهيٌ ثابت لكنها تنمو، يعني عندك شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، يخرج منها فروع وأوراق وأغصان تظلل المستجدات، كل هذه اجتهادات كل هذه أمور تقتضي مواكبة المستجدات الدنيوية، هنا يكون الاجتهاد هو المصدر لكن بشرط أن يكون هذا الاجتهاد نابعاً من أصل الشجرة من روح الشجرة من روح الشريعة كي تكون السياسة والأحكام والمستجدات والجزئيات والفروع شرعية وسياسة شرعية لابد أن يعني تتغذى من الأصل الإلهي وهو الوضع الإلهي والقواعد الشرعية، لذلك أنا أقول تعلق كثير من الأحكام على الاجتهادات طالما أن هذه الاجتهادات اجتهادات بالمعنى الشرعي أنها تصطحب الثوابت وتجتهد في المتغيرات، عندك نصوص قطعية الدلالة والثبوت لازم تقف عندها لكن في المتغيرات في الجزئيات في التفاصيل تكون هناك اجتهادات جديدة طالما أنها مرتبطة بالقواعد ومرتبطة بالمصلحة الشرعية المعتبرة وليس بالمصلحة الدنيوية بالمعنى البراغماتي والنفعي.

عثمان عثمان: أي أثر دكتور لتصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بالفتوى والقضاء والإمامة يترتب على الأحكام الشرعية، ما الأثر الذي يترتب على ذلك؟

محمد عمارة: يعني هذا التمييز بين تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبلاغ البلاغ القرآني والبيان النبوي للبلاغ القرآني وبين التصرفات السياسية هذا يجعل الدولة سياسة غير معصومة غير مقدسة وهذا هو الذي جعل علماء أهل السنة والجماعة يقولون أن السياسة والخلافة وكل ما يتعلق بها هي من الفروع ليس فيها تكفير ليس فيها تكفير لأن التكفير يكون في ثوابت العقائد يعني الخلاف في التوحيد إيمان وتكفير، الخلاف في النبوات والرسالات إيمان وتكفير، الإيمان بالغيب وإلى آخره كل هذه الأصول فيها إيمان وفيها كفر أما الفروع أما السياسات أما الفقهيات يعني على سبيل المثال علماؤنا اجتهدوا في الفقه وهناك قاعدة اجتهاد مجتهد غير ملزم للمجتهد الأخر، ليس هناك تفسير رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، هذا مطبق في المجال السياسي يعني عندما نتحدث عن التنمية عندما نتحدث عن الأمور الحياتية والسياسية وتنظيم المجتمع وجمهوريات أم ملكيات الخ كل هذه الأمور السياسية الاختلاف فيها سنة من سنن لله سبحانه وتعالى ولذلك ليس فيها تكفير لأن الخلط بين هذه الأمور وبين أمور العقائد هو الذي يؤدي إلى التكفير، أيضاً هناك ملمح أخر أنك في فقه الواقع تبحث في الواقع عن حكمه في الأحكام، تنظر في الواقع المعيش وتنظر للمستقبل أما أنت في أمور العقائد في الأمور الثوابت فأنت تنظر إلى المنبع ولذلك هناك سلفية صحية أن تعود في الدين إلى المنابع الجوهرية والنقية وهناك سلفية خاطئة أن تعود بالدنيا إلى الماضي تهاجر من الحاضر إلى الماضي وهذه لها أبعاد كثيرة.

تطبيق الحدود وحقوق الإنسان

عثمان عثمان: أسأل عن موضوع تطبيق الحدود أين موقعه من كل ما ذكرته خاصة وأن هناك من يتحدث عن إلغاء بعض الحدود، عن تعديل بعض الحدود بحجة المصلحة بحجة مسايرة الواقع بحجة المحافظة على حقوق الإنسان وغير ذلك؟

محمد عمارة: شوف موضوع الحدود، أولاً الحدود هامش محدود في المنظومة العقابية الإسلامية، بعض الناس يتصور أن تطبيق الشريعة هو الحدود بعض الناس يتصور أن كل المنظومة العقابية والقانونية في الشريعة الإسلامية هي كلها حدود، هذا ليس صحيحاً، التعزيز والاجتهاد في الأحكام وفي القضاء له المساحة الأغلب في المنظومة العقابية والقانونية الإسلامية، الحدود ثوابت لا يمكن الخروج على هذه الثوابت لأنها جاءت بنصوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، أيضاً لأن هذه الحدود من الأصول الثوابت التي لا تخضع للمتغيرات، يظل الصدق  صدقا دائماً وأبدا،ً يظل القصاص حقا دائماً وأبداً، يظل منع السرقة دائماً وأبداً، يظل الحفاظ على مقاصد الشريعة، الحدود هي تحافظ على النفس، تحافظ على العقل تحافظ على الدين تحافظ على العرض تحافظ على المال، هذه هي الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان أما الذين يخلطون بين أمرين: يخلطون بين ضرورة توفر شروط إقامة الحدود وبين إلغاء هذه الحدود، يعني أنت في مجتمع يكون فيه الناس مثل عام الرمادة أيام عمر بن الخطاب في مجتمع يغلب فيه الفقر 50% أو أكثر من شعوب الأمة الإسلامية تحت خط الفقر، هناك من يبيع عقيدته لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء، وهناك من يموت بالتخمة في ظل غيبة العدل، في ظل غيبة العدالة للمجتمعات لا يمكن أن تقيم هذه الحدود في ظل العنوسة في ظل إغراءات إعلامية يبقى إذن لا بد أن تتوفر شروط إقامة الحد، ونحن لدينا.. يعني شوف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الحرب والمقاتلين لم يقم حدُّ شرب الخمر، هناك في عام المجاعة أوقف لا نقول ألغي النص.. هذا كلام خطأ ولا يتجاوز النص.. هذا كلام خطأ إنما أوقف تنفيذ الحكم، يعني عندك الحكم قائم لكن شروط تطبيق هذا الحكم وتنزيل هذا الحكم في الواقع لم يتوفر، إذن نقول لا بد من إصلاح الإسلام لأنه صلاح الدين كما قال أبو حامد الغزالي مؤسس على صلاح الدنيا،لابد من إصلاح المجتمعات كي يكون هناك عدل إلهي من يخرج على عدل الإسلام تطبق عليه عقوبة الإسلام، أما إذا كان الناس في حالة من البؤس وإلى آخره فلا يمكن أن تطبق الحدود لأن الحدود لها شروط وتدرأ الحدود بالشبهات، إذن نميز بين الذين يريدون إلغاء الحدود بدعوى حقوق الإنسان، حقوق الإنسان إيه؟ إذا كان الإتحاد السوفيتي اللي يختلس يقتل، مش تقطع يده يقتل ولم يكن أحد يتحدث عن حقوق الإنسان، أنت الآن الغرب اللي يتكلم عن الليبرالية ويتكلم عن حقوق الإنسان في الحروب العالمية التي شهدها القرن الماضي 60 مليون أُبيدوا، الغرب أباد 3 مليون في فيتنام وفي العراق أباد ملايين وإلى آخره ولا يتحدثون عن حقوق الإنسان، هل لديهم من الكذب الصريح والوقح عندما تصور هذه العقوبات وهي عقوبات رادعة، الحدود عقوبات رادعة، ولكن  عندما يكون هناك ردع في ظل عدالة اجتماعية لا يكون هناك مشكلة.

عثمان عثمان: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[البقرة: 179] دكتور البعض يرى في تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بوصفه إماماً أو رئيساً مدخلاً بالقول بمدنية الدولة باعتبار أن ما يقوم به النبي عليه الصلاة والسلام من تصرفات هي تصرفات بشرية وليست من الوحي ما رأيكم بمثل هذا الكلام والمدخل؟

محمد عمارة: شوف إحنا عندنا غبش وخلط في استخدام المصطلحات، الإسلام دين مدني، النظام الإسلامي نظام مدني، الحكم الإسلامي حكم مدني حتى دولة النبوة كانت دولة مدنية بمعنى أن الدولة كانت تدار بالشورى ولا تدار بالسمع والطاعة، كان هناك سمع وطاعة في التبليغ من الله سبحانه وتعالى، أما في الدولة فكانت دولة مدنية، إنما المشكلة في حياتنا الثقافية والسياسية المعاصرة إن إحنا خلطنا مضامين غربية بالمضامين الإسلامية في المصطلح، إحنا عندنا المصطلح مثل هذا الوعاء هذا الكوب ده مصطلح لكن لا مشاحة في الكوب في المصطلح إنما هناك مشاحة في مضمون المصطلح في المفهوم في المحتوى الموجود داخل هذا الإناء، كلمة مدني في الحضارة الغربية معناها لا ديني هذا ديني وهذا مدني، أما عندنا تقرأ لابن خلدون وغيره وغيره المدني هو الاجتماعي من المدينة لأن الناس في المدينة لا يستقل الفرد بحياته ولابد من مجتمع واجتماع وجماعة والإسلام دين الجماعة لذلك إذا فهمنا كلمة مدني بالمعنى الإسلامي أنها معنى اجتماعي نخرج هذه المدنية والدولة المدنية عن اللاديني والدهري والدنيوي كما عرف في الحضارة الغربية، أيضاً كون السياسة دنيا نعم السياسة دنيا ولكن ليست دنيا وفقط، دنيا تحقق سعادة الآخرة لأن الآخرة مؤسسة على الدنيا والدنيا هي المعبر إلى هذه الآخرة ولذلك عندما نقول أن السياسة دنيوية نعم لأنها تحقق مصالح الدنيا ولكن ليس مصالح الدنيا بالمعنى المطلق والبراغماتي وإنما كما قلنا المصالح الشرعية المعتبرة، إذن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم تؤسس للحياة المدنية للسياسة المدنية لكن بهذا المعنى، المعنى الاجتماعي وليس بالمعنى اللاديني وأنها سياسة دنيوية تبتغي صلاح الدنيا لكن كما قال ابن القيم وابن عقيل التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، السياسة الشرعية مصلحة كلها بهذا المعنى حكمة كلها بهذا المعنى عدل كلها بهذا المعنى، حتى كلمة العدل الناس تقلك آه أي نظام يحقق العدل فهو دا يبقى الإسلام، لا العدل له مفاهيم مختلفة، العدل في المنظومة الماركسية له معنى، العدل في الليبرالية له معنى، العدل في الإسلام له معنى..

مضامين الفصل بين السلطات

عثمان عثمان: هذا موضوع جيدة مضامينه، موضوع جيد لكن أريد أن أستفيد ما تبقى من الوقت في موضوع التفريق بين تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام البعض جعل من هذه التفرقة بين تصرفاته عليه الصلاة والسلام دليلاً أو مدخلاً للفصل بين السلطات نتحدث عن السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية كيف يمكن تحقيق ذلك؟

محمد عمارة: شوف أولاً مرة أخرى أخ عثمان نعود إلى التدقيق في استخدام المصطلح، ليس هناك تفرق بين التصرفات، ليس هناك فصل بين التصرفات، هناك تمييز، هناك تمييز ولذلك عندما كتب علماؤنا في هذا الفن وإحنا في مجلة الأزهر منذ نحو عامين ننشر نصوصاً لعلماء الإسلام في هذا الموضوع الذي نبحثه في هذه الحلقة الإمام القراضي ولي الله البهلوي السيد عبد العزيز الجويش الشيخ الخضر حسين الشيخ شلتوت الشيخ الطاهر ابن عاشور الشيخ علي الخفيف الشيخ عبد الجليل عيسى، كل هؤلاء العلماء كتبوا في هذا الفن في هذه السياسة الشرعية في هذا التمييز بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، التمييز شيء والفصل شيء، أما موضوع الفصل بين السلطات التمييز بين السلطات هذا ليس جديداً هذا ليس طارئاً لدينا من الحضارة الغربية، أنظر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هناك سلطة قضائية 14 قاضي عينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للفصل في القضاء هذه واحدة، عندما فتحت البلاد يعني على سبيل المثال عندما فتحت مصر كان في والي للخراج دي سلطة كان في والي للحرب دي سلطة كان في والي للقضاء دي سلطة، كان في والي للإدارة دي سلطة، إذن التمييز بين السلطات ليس أمراً جديداً ليس أمراً أخذناه عن الحداثة الغربية وإنما هو منذ نشأة الدولة الإسلامية كان هناك تمييز بين السلطات في قضاء الحرب الخراج الإدارة القضاء، كل هذه كانت أمور موجودة لأنها أمور تفرضها الحياة تفرضها الفطرة تفرضها الممارسة السياسية، ولذلك نحن نقول لا نفصل بين السلطات لأن الفصل معناها العزل أما التمييز بين السلطات تتمايز هذه السلطات في إطار المرجعية الإسلامية فهذا هو النظام الإسلامي وهذه هي فلسفة السياسة في الإسلام.

عثمان عثمان: يبقى هناك الكثير من الأسئلة التي يجب أن تطرح هناك الكثير من النقاط التي يجب أن تناقش في هذا الموضوع لأنه موضوع كبير وواسع وهام خاصة في ظل الحراك العربي والإسلامي ووصول بعض الإسلاميين إلى الحكم لكن الوقت انتهى، أشكركم الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف كنتم معنا من القاهرة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وفي المتابعة عبير العنيزي وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة