دور الصورة في توثيق الانتهاكات بسوريا   
الاثنين 1434/6/12 هـ - الموافق 22/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 10:20 (مكة المكرمة)، 7:20 (غرينتش)
محمد كريشان
عبد الوهاب بدرخان
محمد الدندل
تمارا الرفاعي

محمد كريشان: السلام عليكم وأهلاً بكم في حديث الثورة، في البدء كانت الثورة السورية ومنذ بواكرها رافقتها العدسات لتوثق يوماً بعد يوم تطورها من تظاهرات سلمية للمطالبة بالديمقراطية إلى صراع مسلح دموي بين نظام الأسد والمطالبين برحيله، سواء تعلّق الأمر بعدسات الجوالات أو كاميرات المحترفين خاصة من الصحفيين سجلت الصورة بصمتها بقوة من خلال مشاهد غاية في القسوة كان يفترض بها أن تقنع الرأي العام الدولي بفعل شيء ما لوقف ما بات يعرف بالمحرقة السورية، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث؛ تواصلت المذبحة واستمرت معها العدسات تسجل يومياتها الدموية وتحوَّل الضحايا للمفارقة شيئاً فشيئاً إلى مجرد أرقام في إحصائيات تعوّد العالم ودوله سماع جديدها في نشرات الأخبار المتتالية.

[تقرير مسجل]

مريم أوبابيش: في العام الثالث للثورة السورية مرة أخرى حرمة الميت مفقودة في بلد استنفذت فظاعة الصراع فيه كل المفردات، عثر على صور في هاتف عنصر في الجيش النظامي في حماة يعتقد أن الجثث المنكل بها لمدنيين في مدينة السفيرة في ريف حلب، أعادت الصور المروعة إلى الأذهان تصرفات غير إنسانية في مجازر سابقة احتلت عناوين وسائل الإعلام واستنكرتها عواصم عربية وغربية ولكن ماذا بعد عبارات الإدانة والشجب لمجازر الحولة وداريا وجبل الزاوية وحمص؟ لا شيء؛ تتكرر صور الجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزل وتتكرر معها الاجتماعات العقيمة لمن يعتبرون أنفسهم أصدقاء سوريا، مرّ عامان ونيف على ثورة بدأت سلمية قبل أن تصبح مسلحة ومعقدة وورقة حسابات سياسية في أكثر من عاصمة، هل الحضور الدائم للخبر السوري في وسائل الإعلام ميزة أم لعنة لا يمكن تجاهل الخبر لأهميته وفي الوقت ذاته بات مألوفاً ومكرراً لدرجة تكون فيها ردود الفعل باردة أو ليست بمستوى هول المصيبة، المصيبة الأكبر أن المجتمع الدولي دخل في لعبة قانونية تطيل من عمر حصانة النظام السوري وتعرقل إحالة ملف المجازر إلى محكمة الجنايات الدولية الذريعة هي أن سوريا لم توقع على معاهدة روما لذلك لا يمكن إحالة الملف إلّا بقرار من مجلس الأمن وهو أمر شبه مستحيل بسبب الفيتو الروسي الذي لن يسمح بذلك، وثق التقرير الأخير للأمم المتحدة عن العنف الجنسي في الحروب 700 حالة اغتصاب في الأفرع الأمنية للنظام السوري ولا يمكن تجاهل تورط أطراف في المعارضة المسلحة في جرائم انتقام تشبه جرائم النظام، حالات قليلة وتصرفات فردية- يقول بعض المعارضين- ولكنها بقعة سوداء في سجل الجيش الحر، وما لا يشرف المجتمع الدولي ودور المتفرج المستمر رغم كل الفظاعة المرتكبة في سوريا للأسف كثر من يشعلون النار فيها وغاب من يخمدها.

[نهاية التقرير]

توثيق الصور وأهميته في الثورة السورية

محمد كريشان: معنا في هذه الحلقة من القاهرة كل من تمارا الرفاعي المتحدثة باسم منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، عبد الوهاب بدرخان الصحفي والكاتب والباحث السياسي، ومعنا هنا في الأستوديو الدكتور محمد الدندل الاختصاصي في الطب النفسي، أهلاً بضيوفنا جميعاً، نبدأ بعبد الوهاب بدرخان كصحفي وكسياسي ما أهمية الصورة وتأثيرها في المسألة السورية منذ بدايتها بتقديرك؟

عبد الوهاب بدرخان: يعني أعتقد أن الصورة استطاعت أن يعني أن تخاطب الرأي العام ليس فقط العربي وإنما العالمي أيضاً وكوّنت فكرة واضحة بالنسبة للعالم عما يحصل سواء كان ضحايا القمع الآتي من النظام، المجازر، ما بعد المجازر، الدمار، القصف، الأماكن المقصوفة، كل ذلك استطاع أن يعطينا فكرة واضحة عما يحصل وبطبيعة الحال كثيرون منا يختزنون الألم لما يحصل في سوريا وللأسف نشهد لأول مرة مأساة كهذه أو كما سميتها محمد "المحرقة السورية" لا تحرك للأسف الساكن الدولي الذي لا يزال يصدر بيانات جامدة وباردة كالتي صدرت أمس عن مجلس الأمن وجرى الاحتفال بأن هذا البيان البارد والذي لا يعني شيئاً لم يحظ بأي فيتو، بنفس الوقت هناك منظمات تعد أرقام النازحين والمشردين واللاجئين وللأسف حتى الموضوع الإنساني لا يستطيعون أن يفعلوا فيه شيئاً، هذه فعلاً ثورة صنعتها الصور بالنسبة إلى الرأي العام في الخارج أما بالنسبة إلى السوريين فإنهم يدفعون فيها لحمهم ودمهم وأطفالهم وأحباءهم وذكرياتهم أيضاً.

محمد كريشان: نعم هو مثلما أشرت الثورة في البداية كانت صنعتها الصور كانت سلمية كانت المظاهرات بشعارات تطالب بالإصلاح السياسي وبإنهاء الدولة البوليسية وبإطلاق الحريات، لكن الآن الصور سيد دكتور محمد دندل الصور الآن أصبحت ملطخة بالدماء يومياً بغض النظر عن الضحايا من يكونون سواء ضحايا النظام أو ضحايا المعارك أو حتى ضحايا بعض التجاوزات من الجيش السوري الحر بغض النظر من الفاعل، هناك دم يومي يجري في سوريا هل هذه الصورة، ما تأثيرها النفسي على المشاهد؟

محمد الدندل: هي لا شك إنه الفظاعات اللي عم تجري بسوريا لها تأثيرات نفسية كارثية سواء المجتمع السوري أو حتى على الموجودين من يتابع هذه الصور سواء كان بأي مكان بالعالم لأنه طبعاً هذه الصور الصادمة جداً يعني إحنا شاهدنا صور لا يمكن تصورها يعني غير مسبوقة على الإطلاق لم يسبق بالتاريخ أن ارتكب نظام هكذا جرائم ضد شعبه بهذا يعني هذا طبعا مدعاة للصدمة أكثر يعني إحساس المواطن أو الآخر بالخيانة والخذلان أنه الجيش المفروض يدافع عنه هو عم يقتله فبالتالي هذا يزيد الشعور بالصدمة تماماً مثل لو فرضنا أن شخص تعرض لإساءة ما إذا كانت من القريبين يكون تأثيرها أكبر بكثير لأن الشخص لا ينتظر هذه الإساءة من هذا الطرف، فهذا ساهم بالصدمة أكثر يعني لو كان هذه الفظائع ترتكب من جيش يصنّف أنه جيش معادي قد يكون هناك نوع من المواساة، إحساس الشخص إنه هو عم يدفع روحه أو يتعرض للأذى إكراماً لقضية مركزية أو وطنية حقيقية، طبعاً لكن هذا الشعور غير موجود للأسف الشديد، بالمقابل حجم العنف كذلك كبير جداً لدرجة أن كثيرا من السوريين يقارنون بين عدد القتلى اللي دفعوها كسوريين أثناء هذه الثورة وبين ما تم دفعه بكل حروبنا مع العدو الصهيوني مثلا الرقم لا يقارن هناك أضعاف أضعاف من عدد القتلى والمعاقين المنتشرين على كل البقاع السورية.

إمكانية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات

محمد كريشان: أنت أشرت إلى الصور الصادمة الحقيقة ما نواجهه أحياناً هنا في الجزيرة رغم أننا نتهم عموماً بأننا نصور المشهد السوري بشكل دموي ومزعج جداً، بعض الصور لا نستطيع أن نبثها وأحياناً نعتذر يعني مثلما تابعنا في تقرير مريم أوباييش جرافات تأخذ الناس ثم يتم حرقها، وصلتنا بعض الصور لحرق جثث بعد قتلها بشكل يعني فعلاً صادم، في هذه الحالة سيدة تمارا الرفاعي، الصور سواء كانت في موبايلات أو صور ثابتة إلى أي مدى تلعب دور أساسي في التوثيق للانتهاكات الجارية في سوريا وبالتالي لاحقاً في يوم من الأيام قد يكون قريب قد يكون متوسط للمحاسبة ولإحقاق العدل في هذا الموضوع؟

تمارا الرفاعي: نعم نحن رأينا في الثورة السورية أو في الوضع السوري ولكن أيضاً في مناطق نزاع أو مناطق اضطراب يصعب وصول الصحفيين والإعلاميين إليها رأينا أن الفرد يصبح صحفياً، ومع سهولة إيصال الصورة وإيصال الصوت ومع سهولة التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي ولكن أيضاً عبر الموبايل الخاص يعني أصبحت الصورة حاضرة، حاضرة على شاشات التلفزيون، حاضرة في المنظمات الحقوقية كالتي أنا أمثلها هيومن رايتس ووتش أصبحت الصورة الشخصية والجهد الشخصي يلعب دور الصحفي تقريباً وهذا شيء واجهناه في سوريا كثيراً وواجهتموه أنتم في الجزيرة حيث اعتمدتم كثيراً على الصور وعلى الفيديو واليوتيوب الذي يصلكم من هناك، نحن في منظمة هيومن رايتس ووتش نعتمد كثيراً على الصورة وعلى الفيديو وعلى اليوتيوب ولكن أيضا على الصور من الأقمار الصناعية حتى نرى مثلاً وضعية الناس والقرى والأسلحة الخ، طبعاً لا شيء يعوّض عن التحقيق المباشر ولا شيء يعوّض عن التحدث لعائلات الضحايا والمعاينة المباشرة لأماكن النزاع للإطلاع على نوعية الأسلحة المستخدمة وأثرها ونوعية الجروح التي يصاب بها الناس، لكن في حالة صعوبة الوصول نحن نعتمد كمنظمة حقوقية على وثائق وعلى صور تصلنا من الميدان لكنّا ندقق فيها يعني بشكل جداً قريب يعني قد لا نعتمد عدد كبير من الصور المؤثرة أو من الفيديوهات لأننا نشكك بمصدرها أو نشكك بأنها حقيقية لذلك هي نعم تلعب دوراً وقد تلعب دوراً في أي تحقيق فقد اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية مؤخراً إمكانية يعني أن تستخدم فيديوهات تم التحقق منها أن تستخدمها في التحقيقات طبعاً فهي صبحت يعني كأرشيف.

محمد كريشان: ولكن في انتظار الوصول لمثل هذا التحقيق المباشر، الآن التغطية الإعلامية لما يجري في سوريا، التغطية الإعلامية المهنية الحرة تكاد تكون منعدمة، هناك وسائل إعلام تمارس ما يوصف بالتشبيح الإعلامي هم مع النظام ويصورون بأن الثوار هم مجموعة من العصابات والقتلى وبالتالي هم يصورون فقط هذا الجانب، وهناك وسائل إعلام أخرى متعاطفة مع الثورة البعض يصفها بالتحريضية لا تغطي إلّا الجانب المتعلق بالثوار وجرائم النظام وقد تكون هناك جرائم أخرى لا تغطيها، في هذه الحالة كيف يمكن لكم أن تمارسوا هذا التدقيق وهو صعب للغاية؟

تمارا الرفاعي: نحن التدقيق الذي نمارسه، نمارسه على صور وعلى فيديوهات تصلنا مباشرة من شبكة من الناس نعمل معهم في الميدان، لكن أريد فقط أن أذكر أيضاً أن الباحثين من هيومن رايتس واتش والخبراء يدخلون إلى سوريا إلى مناطق يعني في سوريا ويدققون بشكل مباشر ويأخذون هم الصور ويحققون في آثار النزاع على الأرض يعني نحن لا نعتمد فقط على معلومات تصلنا من الآخرين نحن نعتمد أولاً على مصادرنا نحن يعني على مشاهداتنا مشاهدات زملائي الذي يدخلون إلى سوريا والصور الذين يأخذونهم ونعتمد أيضاً على شهادات وعلى صور تصلنا من شبكة أشخاص موثوقين نعمل معهم منذ سنوات.

محمد كريشان: نعم، سيد عبد الوهاب بدرخان الصورة على امتداد النزاعات الدولية مثلاً في الحرب العالمية الثانية أو غيرها وعند استعمال النابالم أو غيرها كانت صورة واحدة بالأسود والأبيض مثلاً لتلك السيدة التي كانت تهرول وهي عارية بعد قصف جرى في الحرب العالمية الثانية في حرب الفيتنام عفواً لعبت دور كبير في إيقاف بعض ما يجري، الآن أصبحت الصورة موجودة على قارعة الطريق والكل يصور ولكن التأثير لم يعد بالغ القوة برأيك لماذا؟

عبد الوهاب بدرخان: أنا أعتقد أن التفاعل الدولي مع المأساة السورية كان ضعيفاً ولذلك فالصور في البداية كانت مؤثرة كانت تثير الاهتمام ولكن حتى عند السوريين أنفسهم تغيرت المشاعر لأن القسوة ازدادت وبالتالي لم يعد هناك أحد في مأمن خصوصاً أن النظام يعتمد القصف بالطائرات بالصواريخ بالمدفعيات بكل الأنواع والآن بدأ أيضا بالسلاح الكيماوي، حتى بالنسبة إلى السلاح الكيماوي نرى أن هناك ترددا في الاعتراف بما إذا كان هناك استعمال أم لا؟ هناك دول تقول أنها لديها أدلة وهناك الولايات المتحدة التي تقول أنها بصدد إجراء تحقيق، هناك كتابات كثيرة كتبها سوريون يقولون بأنهم يخشون مع مضي الوقت بأن القتلى يصبحون مجرد أرقام بعدما كانوا وجوها بعدما كانوا أسماء تتردد والناس تذهب للمآتم، والمأتم يعني أيضا بالنسبة لديهم نوع من الفعالية من داخل الثورة مع الوقت مع اشتداد المخاطر، كما قلت والخشية التي أبداها الكتاب السوريون وغيرهم صارت تقريبا واقعا لأنه لم يعد هناك مجال لمتابعة الضحايا فردا فردا بسبب كثرتهم وأيضا الصور التي تصل بكثرة وبغزارة إلى اليوتيوب وغيرها أيضا صلبت المشاعر- إذا جاز التعبير- وأصبح الموت شيئا عاديا في سوريا، هذا ربما يكون من طبيعة الأشياء ولكن..

محمد كريشان: ولكن سيد بدرخان كيف يمكن أن يكون من طبيعة الأشياء لأن في السابق كان البعض يتحجج بأنه لم نكن نعرف، لم نكن نعرف ماذا يجري في البوسنة في المذابح العرقية هناك في فترة من الفترات كان العالم يتحجج بأن البعض لم يكن يدري بالضبط ما الذي يحصل، في روندا لم نكن نعرف، في بعض الأماكن كانت الحجة هذه بغض النظر عن دقتها قائمة، الآن الصور متوفرة ومع ذلك يبدو العالم متبلد الإحساس هل يمكن أن نجد أي تفسير لهذه الظاهرة؟

عبد الوهاب بدرخان: نعم، أنا قلت من طبيعة الأشياء يعني دعني أقول بين مزدوجين يعني بالنسبة إلى السوريين المتعرضين لهذه المخاطر  أصبح كل شخص وكل عائلة يفكر في سلامته الشخصية، أصبحت أخبار القتلى بالنسبة إليهم شيئا عاديا لأن كل واحد منهم ينتظر موته كل يوم وكل ساعة، لهذا قلت من طبيعة الأشياء، أما بالنسبة إلينا نحن دعني أقول للأسف المتفرجين فقط فإنه يعني ليس فقط مدعاة للألم وإنما مدعاة أيضا لأكثر من ذلك أنه عار وأنه مسألة أخلاقية عويصة نطرحها على أنفسنا، المشكلة أن هناك مجتمع دولي أراد أن يضع المأساة السورية في خانة أن هناك محاذير للتعاطي معها سواء بالنسبة إلى الموضوع العسكري أو بالنسبة للموضوع الإنساني والآن إلى الموضوع السياسي ليس هناك أي حل، لا إغاثي ولا عسكري ولا سياسي ولا أي شيء ولا أي نوع من أنواع الحلول، هذا ما فرضه النظام بأجندته الحقيقة، وقد تبلدت المشاعر لدى الدول ولم نر في مجلس الأمن أي ملمح من الملامح الأخلاقية السياسية.

تكرار الانتهاكات وردود الفعل الباردة

محمد كريشان: والمشكل دكتور دندل التبلد لم يكن فقط تبلدا سياسيا من المجتمع الدولي مثلما قال السيد عبد الوهاب بدرخان، التبلد حتى لدى الرأي العام العربي، الحقيقة ولو أن هذه المقارنات تؤلم يعني عندما كانت إسرائيل تقصف في جنوب لبنان أو في غزة أو في حرب العراق خرجت مظاهرات هنا أو هناك بعضها ليس بالكثافة المرجوة ولكن خرجت مظاهرات، الآن يوميا كل عائلة عربية لا تستطيع أن تقول أنها لم تكن تعرف ماذا يجري في سوريا، هذه الانتهاكات اليومية وهذا الذبح برأيك كيف نفهم نفسانيا أن المواطن العربي رغم كل الحمية ورغم كل العواطف يتابع هذا ثم يذهب يأكل وينام وحتى لا يستطيع حتى أن يتظاهر في الشارع للتعبير عن احتجاج؟

محمد الدندل: يعني هو للأسف الشديد هو دائما موقف الكائن البشري معقد أكثر مما يبدو يعني حتى بالظاهر إحنا لما نقرأ موقف شخص ما دائما في عوامل تلعب  دور في هذا الموقف إحنا قد تكون لا واعية أحيانا هلأ بطبيعة الكائن البشري يعني أنه دائما ينزع نحو السلام النفسي نحو الراحة نحو التوازن بطبيعته، يعني يتجنب الألم ويسعى إلى المتعة يعني هذا محرك احد الدوافع الأساسية بالنفسية البشرية، فبالتالي الصور الصادمة والمؤلمة هي مجهدة جدا للبناء النفسي للشخص وتسبب حالة من القلق والشعور بعدم الأمان  أو شعور بالذنب، طبعا مع الزمن عندما يطول النزاع يعني هذه المقارنة اللي سقتها حضرتك أنه بجنوب لبنان كان الموضوع صادم وسريع يعني كان حجم العنف كبير وبفترة قصيرة هلأ ما تم بالنزاع السوري بدأ بالتدريج العنف يعني طالت الفترة الأخيرة يعني خلال ست شهور كانت المظاهرات والثورة كانت سلمية تم عسكرة الثورة بشكل بطيء بسبب النظام بسبب عنفه وبالتالي إذا لاحظت أنه النظام كان يسلك يبدو أنه عنده بعض الخبراء النفسيين بهذا المجال كان في محاولة لتدريج جرعة العنف يعني النظام بدأ بالرصاص الحي وانتقل بالتدريج إلى الرشاشات الثقيلة ثم الدبابات وأخيرا القصف بالطائرات، طبعا بالنسبة للرأي العام الدولي أو العربي للأسف الشديد يعني الكائن البشري دائما يتجنب الأمور المزعجة فبالتالي هناك شكل من أشكال الإحساس بأنه هذا النزاع طبعا بالنسبة للرأي العام العالمي أنه هذا النزاع أهلي  يعني ما بشعر بالمسؤولية ويشعر بالذنب..

محمد كريشان: سوري يقتل سوري.

محمد الدندل: تمام، أنت ضربت تمام أنت ضربت مثال جميل انه الصورة صورة الطفلة اللي ظهرت عارية بعد استخدام النابالم في فيتنام كانت لها اثر كبير لنحرك ضمير المواطن الأميركي، الشعور بالذنب أنه مسؤول عما يجري، حاليا المواطن الأوروبي يستطيع أن يهرب من هذا الشعور بالذنب يعني بإلقاء المسؤولية علينا نحن كسوريين أو كعرب أنه هذا نزاع انه العرب يقتلوا بعض يعني فبالتالي هذا قد يكون مخرج للأسف ضمن يعني خلينا نقول يعني حالة الخذلان الدولي السياسية وتردد المجتمع الدولي وغياب المصلحة بالتدخل يعني عادة يعني شوف كيف ينبني الرأي العام، الرأي العام لا يبنى  يعني رغم أهمية الصورة لا يبنى على الصورة فقط يبنى كمان على إرادة وسائل الإعلام يعني دائما وسائل الإعلام يعني ما في وسائل إعلام يعني حتى بالغرب يعني يدعي الحرية حرية وسائل الإعلام هي دائما مرتبطة بطريقة أو بأخرى وضمن توجهات معينة فبالتالي الرأي العام يصنع من خلال الميديا عموما، طبعا ما بقي من وسائل الإعلام، وسائل الإعلام الحديث سواء يعني يوتيوب أو الفيسبوك طبعا لعب دورا في تسريب يعني حتى ما يتم الامتناع عن نشره بسبب قسوته على الجزيرة أو غير الجزيرة عادة ما يوصل للناس عن طريق اليوتيوب أو الفيسبوك فطبعا ساهم هذا بطريقة أو بأخرى بإيصال صورة عن حجم الفظاعات التي تجري بسوريا، لكن أنا لا أتوقع تحرك كبير بالرأي العام العالمي تعاطفا مع الثورة السورية بالرغم ما سقته من حجم الدمار والقتل لأنه مثلما حكينا أنه القضية هناك عدة عوامل تلعب دور بهذا الموضوع، الموضوع فردي، إحساس المواطن الغربي أنه ما يجري قد يكون متعاطف لكن لا يشعر بالذنب يشعر أنه  حتى يتخذ موقف ويضغط على حكومته لأنه يشعر أن دولته غير مسؤولة عما يتم رغم مسؤوليتها برأيي بطريقة أو بأخرى عما يجري.

محمد كريشان: على كل في الجزء الثاني من هذه الحلقة سنواصل الحديث في الجوانب والقضايا التي تثيرها المدونة المفتوحة للصور التي توثق الفظاعات التي ترتكب بحق الشعب السوري  منذ انطلاق ثورته قبل أكثر من عامين نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد ما زلتم معنا في هذه الحلقة التي نطرح فيها دور الصورة في توثيق الفظائع التي يتعرض لها الشعب السوري وكيفية تعامل الرأي العام العربي والدولي مع ذلك، الحقيقة كان بودنا أن يكون معنا في هذه الحلقة مصور أو مصور فوتوغرافي أو مصور سينمائي أو مصور تلفزيوني أو مخرج يتعامل مع الصورة ولكن للأسف لم نوفق في ذلك سيدة تمارا الرفاعي، ونحن نتحدث عن الصور والأفلام البعض متأتي من مواطنين، البعض الآخر متأتي من صحفيين، وهناك أيضا المواطن الصحفي كما أصبح يسمى الآن ولكن هناك مفارقة أيضا بعض الصورة تأتي أيضا من رجال أمن ومن رجال جيش يوثقون فظاعات يرتكبها زملاءهم، لكن نريد أن نعرف بالضبط ما هو السبب لذلك هل هو من باب التشفي أم من باب التخويف، ولكن أنتم كمنظمات حقوق الإنسان هذا النوع من الأشرطة كيف يجري التعامل معه في سياق توثيق الانتهاكات؟

تمارا الرفاعي: يعني التعامل معه بحرص شديد كما يجري التعامل بحرص شديد مع جميع الأفلام التي تصلنا، نحن بحاجة أن نتأكد من صحتها نحن بحاجة أن نقارنها بصور أخرى تصلنا، نحن بحاجة أن نقارنها بمعلومات تصلنا من الميدان يعني يجب أن تتوفر المعلومة والصورة وأن نتأكد من صحة الصورة حتى نصل إلى خلاصة لكن هنا أنا كنت أود أن أشير إلى نقطتين مهمتين في استخدام الصورة عموما الأولى هي ما ينص عليها القانون الدولي الإنساني فيما يخص حماية خصوصية الضحايا يعني هناك مسؤولية من قبلنا جميعا ومن قبل الإعلام أن نحترم أو يعني أن لا نتعرض بشكل مهين للضحايا للأسير للمعتقل للجريح، أن لا يعني نعرضه هكذا على الملأ بشكل يهينه أو بشكل قد يعرضه لخطر اكبر، يعني تنص اتفاقيات جنيف ينص القانون الدولي الإنساني ينص قانون الإذاعات المسلحة على ضرورة حماية الضحايا من أي إهانة إضافية قد يتعرضون لها من جراء عرضهم هكذا في الصور وعلى التلفزيون، ومن هنا يمكن أن نتحدث أيضا عن مسؤوليتنا نحن كمنظمة حقوقية وأيضا عن مسؤولية الإعلام حين يريد أن يوازن بين حرية التعبير وحق الفرد أو المشاهد بالوصول إلى المعلومة وبين وثيقة الشرف وبين المهنية وبين ما ينص عليه القانون أن لا نعرض هذه الضحية إلى إهانة إضافية.

محمد كريشان: نعم هو هل الحقيقة ما أشرت إليه سيدة تمارا الرفاعي يثير إشكال حتى من الناحية المهنية سيد عبد الوهاب بدرخان، كيف نستطيع أن نراعي هذا الجانب الذي أشارت إليه السيدة تمارا الرفاعي وهو جانب مهم وجزء منه أيضا يتعلق بأخلاقيات المهنة وحق أي ضحية في أن تقع معاملته بكرامة وضرورة أن نظهر للناس وللرأي العام فظاعة ما يجري، كيف يمكن أن يقع التوفيق مهنيا وأخلاقيا بين الأمرين؟

عبد الوهاب بدرخان:  يعني اعتقد بشكل خاص يعني كفكرة مباشرة أنه إذا كان هناك أي شريط يعرض وجوها يمكن أن نتعرف إليها الناس فلا بد من حجب الوجوه كما تفعلون في الجزيرة وكما تفعل أيضا في قنوات أخرى وأيضا يمكن عدم بطبيعة الحال عدم ذكر أي أسماء وبنفس الوقت يعني مراعاة مشاعر الأهل، أهل الضحايا، إذا كانت هذه الضحايا معروفة أين وقعت وفي أي محلة لأنّ هذا بطبيعة الحال سيدل إلى من هم الضحايا ولكن يعني أنا أعتقد بأن المأساة السورية، المحنة السورية، فرضت شيء من الاستثنائية لأنّ يعني هناك واجب أيضاً مساعدة هذا الشعب يعني هذا الشعب هو الذي يرسل الصور وهو الذي يريد لهذه الصور أن تنشر لعلّ الضمير العالمي يتحرك، وبالتالي لم يعد هناك مجال للحديث كثيراً عن المعايير إلاّ فيما خص الخصوصية الشخصية بالنسبة لأشخاص يمكن أن تظهر وجوههم كما قلت، أمّا بالنسبة إلى عموم الصور التي نرى فيها جثثا أو ضحايا مكدسة أو غير ذلك فأنا أعتقد بأنّ ربما هذا يساعد الشعب السوري في محنته وإلاّ لكان السوريين أنفسهم امتنعوا عن إرسال هذه الأشرطة ولكانوا هم أيضاً التزموا بأنّ هذا من خصوصياتهم، لكن الحروب عادةً يعني تغير كثير من المعايير التي تكون متبعة في الحياة العادية، تسقط كثير من التحفظات عندما جنود يأخذون صور لعمليات تعذيب لعمليات تنكيل وإهانة بالناس أو لجثث ويرسلونها أو ربما هنا الأرجح ربما يبيعونها لأشخاص، فهذا طبعاً يعني استكمال لعدم الأخلاقية التي ارتكبت سواء في الاعتقال أو التنكيل أو التعذيب أو القتل هي هيّ، كلها عملية غير أخلاقية بات الجنود السوريون بشكل أساسي يعني يرتكبون فيها عملية لا أخلاقية متكاملة وهم واثقون بأنّ لن يكون هناك محاسب.

محمد كريشان: لعلَّك سيد بدرخان تذكر جيداً تلك الصور التي سربت آنذاك في الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 عندما كانت بعض اللقطات تظهر جنود إسرائيليين يحاولون كسر أيادي بعض الشباب الذين يلقون بالحجارة آنذاك، تلك الصور جابت العالم كلها واتخذت كنموذج لفظاعة ما ترتكبه قوات الاحتلال، الآن الصور التي تُظهر فظاعات في سوريا أصبحت تقريباً لا تحرك ساكناً هنا نريد أن نسأل السيد الدندل، النظام في سوريا كان نظام شمولي بوليسي تقريباً الكل يخاف من الكل الآن نريد أن نفهم هذه الظاهرة عادة إذا رأى شخص صورة أو لقطة لشخص نُكِّل به..

محمد الدندل: نعم.

إصرار شعبي على المقاومة رغم الفظاعات

محمد كريشان:  ويعرض هكذا يفترض أن يثير ذلك الخوف والذعر فلا يقدم أحد على أن يتحدى النظام من جديد، شاهدنا في المأساة السورية منحى معاكس تماماً كلما ظهرت فظاعات كلما كان الناس أكثر قدرة على التحدي، كيف نفهم هذه الظاهرة؟

محمد الدندل: تماماً هذا للأسف الشديد هذا ما اعتقده النظام يعني دائماً الردود النفسية للكائن البشري معقدة يعني لا يمكن أنا أصيغ ردة فعل الآخر يعني أنا ممكن أقوم بالفعل لكن ردة الفعل هي ليست ملكي هي ملك الآخر، وهي ثمرة أمور كثيرة ثقافته إحساسه بشخصيته بكرامته يعني فبالتالي الكائنات البشرية حتى إذا تعرضوا إلى نفس الفعل هناك ردود أفعال مختلفة يعني بين كائن وآخر فبالتالي يبدو أنّ هذا ما فات على النظام، المواطن السوري لديه مخزون كبير من الإحساس بالإهانة والتنكيل المستمر، إحساسه بأنه مغيب مسروقة حقوقه سواء الاقتصادية أو النفسية أو كرامته فبالتالي تجنبه يعني هذا لا يذهب سداً يعني هو طبعاً هذا دليل على غباء المنظّرين للنظام سواء إعلاميين أو غيره، طبعاً بالمفهوم النفسي لا شيء يذهب سداً يعني أنا عندما أتعرض لتأثير نفسي ما سواء كان سلبي أو إيجابي هذا يتخزن بشكل..

محمد كريشان:  يتَرسب.

محمد الدندل: تمام يترسب فبالتالي.

محمد كريشان :  ينتظر الفرصة..

محمد الدندل: تمام ، أنا تعرضت للإهانة مثلاً أنا حتى لو تكيفت مع هذا الإحساس بالإهانة لسبب أنه أنا غير قادر أواجه خصمي أو أني أوجه له إهانة لظرف سياسي أو ما فبالتالي هذا موجود بداخلي حتى لو أنا لم أدركه بشكل، فعندما تحين الفرصة يتم فبالتالي الشعب السوري وصل نقطة اللاعودة يعني طبعاً هذا دليل غباء الأنظمة الدكتاتورية والشمولية كان يغيب عن ذهنهم حقيقة، الشعوب قد تأخذ وقتا طويلا حتى تستفيق لكن عندما تستفيق هذه الشعوب لا يمكن أن تنام بأي شكل من الأشكال يعني لا يمكن أنا أجبر شعب استفاق أن ينام بالبندقية يعني هذا متناقض يعني فهذه الصور ساهمت عكس ما كان يتوقعه النظام ساهمت بإيقاظ الآخرين ساهمت بالتحريض ضد النظام يعني صار في شكل من أشكال الشعور بالصدمة الشعور بالخذلان والخيانة من قبل هذا النظام لدرجه أنه صار حتى المدافع عن النظام موقفهم ضعيف يعني الآن النظام ما يسوقه النظام هو أن قوات مغرضة ومن هذا القبيل ودائماً يكّذب ما يعرض يعني بطريقة أو بأخرى أو ينسبه إلى دول أخرى..

محمد كريشان: مفبركة!

محمد الدندل: مفبرك هذه فكرة الفبركة والمجسمات وهذا الكلام سخيف طبعاً لأنه بسبب أنه ما تركت أثر عند الآخرين يعني لم يجد.. تفاجأ النظام بردة فعل الشعب السوري على هذه الفظاعات هو كان يتوقع أنه طبعاً أنا بوجهة نظري الشخصية أنّ هذه الفيديوهات لا يتم تسريبها بشكل عفوي لا يجرؤ مجند أن يسرب فيديو فيه صور..

محمد كريشان: البعض يتحدث بعضهم يبيعها.

محمد الدندل: البيع يتم إذا كان تصوير فيديو أو موقف بشكل سري يعني أمّا عندما يصور أحد الجنود وجوه رفاقه يتحدث إليهم بالاسم معروف من صوّر فبالتالي النظام قادر يصل إلى من صوّر هذا الفيديو فعندما يعرف ..

محمد كريشان: كيف تفسر؟

محمد الدندل: تمام، أنا أفسر أنّه يحاول أن يوصل رسائل كثيرة من قبل هذا، أول شيء يحاول توريط الطائفة العلوية أغلب يعني هنا أو كل الفيديوهات كان يتم عمداً إظهار لهجة مكون سوري معين طبعاً هذا لإيصال رسالة إلى يعني المواطنين السوريين، الأخوة من الطائفة العلوية بأنكم متورطين فيما يجري وسوف وأنتم مجبورون على الوقوف مع النظام يعني هذا النظام يحتمي بالطائفة باسم حمايتها طبعاً هذه أحد الرسائل، بالإضافة إلى اعتقاد البعض أنه هذه الصور قد تخوف الآخرين وخصوصاً أنّ هناك أسماء ووجوه معروفة يعني هذه أيضاً النظام يستفيد منها بأنك أنت متورط ما عاد في مجال للعودة إلى الوراء أو التراجع خطوة إلى الوراء هذه أحد الرسائل التي تصل، كذلك النظام تخدمه في مجال آخر بإثارة شكل من أشكال يعني الفتنة الطائفية إذا صح التعبير، النظام ..

محمد كريشان: هنا الصورة ممكن أن تلعب دور مهم جداً، سيدة تمارا الرفاعي أشرتِ قبل قليل إلى أنّ التحقيق المباشر والميداني لخبراء محايدين مختصين هو الكفيل بالدرجة الأساسية لإظهار الحقائق على الأرض، ولكن الآن هناك كم هائل من الصور الثابتة ومن الأفلام من مواطنين ومن غيرهم بانتظار انتهاء هذه المأساة، هل هيومن رايتس واتش أو غيرها من منظمات حقوق الإنسان تقوم الآن بعمل غربلة إن صح التعبير وأرشفة في انتظار أن تأتي ساعة الحساب، وهذه الساعة لابد أن تأتي إن الآن أو حتى بعد عشرين سنة ثلاثين سنة مثلما يجري الآن في البوسنة أو مثل ما جرى رواندا؟

تمارا الرفاعي: طبعاً منظمة هيومن رايتس واتش ومنظمات حقوقية أخرى تراقب عن قرب كل ما يخرج من سوريا وحين أقول كل ما يخرج يعني من جميع الأطراف لأنّ المهم إذا أردنا الانتقال إلى مرحلة أخرى أن تكون المرحلة مبنية على ثقافة المحاسبة والمساءلة وأن نبتعد عن ثقافة الإفلات من العقاب لذا منظمة هيومن رايتس واتش يعني تغربل كما قلت حتى نستطيع التوصل إلى أجوبة حول المنهجية هل هناك منهجية محددة في استخدام العنف؟ هل العنف من قبل أشخاص بعينها؟ هل المعارضة المسلحة أيضاً تمارس نوع من العنف وبأي منهجية؟ الحالة السورية برمتها كلها يجب أن تخضع للمحاسبة والمساءلة والمسؤولين المباشرين عن أي انتهاكات يجب أن يخضعوا للمساءلة والمحاسبة وهذا موقف المنظمات الحقوقية النظر إلى الحالة السورية وانتقالها إلى حالة يحاسب فيها الجميع.

محمد كريشان: أغلب منظمات حقوق الإنسان لحد الآن السيدة الرفاعي تشير إلى انتهاكات فظيعة من قبل قوات النظام ولكن أيضا مثلما أشرتِ تشير إلى وجود انتهاكات أيضاً من قبل بعض المقاتلين المعارضين وإن لم تكن كما يذكر في التقارير، في هذه الحالة كيف تستطيعون من خلال اللقطات ومن خلال الصور تنسيب هذه المسائل حتى نصل إلى حقيقة أقرب ما تكون من الحقيقة إن جاز التعبير؟

تمارا الرفاعي: بنفس الطريقة التي نتبعها دائماً في التحقيق وهي أن نقارن بين المعلومات التي تصلنا وبين شهادات الأشخاص الذين يكونون موجودين وقت الانتهاك وبين الصور التي تصلنا ونستطيع مع الوقت أن نحدد ما إذا كانت التصرفات فردية أو إن كانت هي منهجية، طبعاً كما أشرت يعني حضرتك يجب المحافظة على جميع هذه التحقيقات كأرشيف ويجب نقلها إلى المستوى الأعلى الذي هو المستوى الأعلى الذي هو المستوى القانوني والمحاكمة إن كانت في محكمة دولية أو محكمة خاصة، طبعاً يجب الرجوع إلى جميع الإثباتات حول الجرائم التي يتم انتهاكها لنستطيع يعني أن نبتعد عن ثقافة الإفلات من العقاب.

النظام السوري وحروب نقل الصورة والتوثيق

محمد كريشان: ولكن في انتظار ذلك سيد عبد الوهاب بدرخان هل المواطن العربي بشكل عام ضحية حرب صور إن جاز التعبير لأن مثلاً من يتابع الجزيرة حتى لا أذكر إلاّ الجزيرة يجد واقعا سوريا معينا لكن من يتابع التلفزيون السوري أو تلفزيون المنار وهناك قنوات شبيهة أيضاً يجد واقع سوري آخر مثلاً يعني التلفزيون السوري قبل يومين كان يبث حلقة في ذكرى الجلاء ويظهر وسط سوريا والحياة عادية وكأن شيء لا يوجد بينما من يتابع الجزيرة أو غيرها حتى لا أسمي إلا الجزيرة يجد واقعا سوريا آخر مختلف هل المواطن أيضا قد يكون العربي ضحية هذه الحروب حروب الصورة وحروب التوثيق؟

عبد الوهاب بدرخان: لا أعتقد بالنسبة للموضوع السوري أصبحت هناك فكرة واضحة لدى الرأي العام العربي هناك جزء أو جانب من الرأي العام العربي في الأساس اتخذ موقفا إلى جانب النظام ويبرر مواقفه لأسباب كثيرة منها أيديولوجية ومنها فقط لمجرد أن هذا الرأي هذا الجانب في الرأي العام أو ذاك لديه مصالح أو كانت لديه مصالح مع النظام..

محمد كريشان: أو بحجة المقاومة التي البعض لا يمل من الإشارة إليها وهي محور الممانعة رغم أن ذلك لم تعد له مصداقية كثيرة على الأقل من وجهة نظر الكثيرين يعني.

عبد الوهاب بدرخان: صحيح يعني المقاومة والممانعة وغير ذلك، بنفس الوقت الإعلام الذي يظهره لنا الإعلام الرسمي عند النظام الذي يظهر لنا جانبا حيا في بعض الأماكن هو طبعا الكاميرا هي التي تتحكم في المشهد وأعتقد حتى يلجئوا أحيانا إلى مشاهد قديمة كما حصل كثيرا ومن دون شك أن المواطنين السوريين على الأرض أصبحت لديهم على الأقل فكرة واضحة لأنهم يعيشون حتى في الأماكن التي لا تشهد حاليا نزاعا مسلحا مباشرا الناس لا يعيشون حياة طبيعية يعيشون فعلا بالخوف والتوتر، النظام طبعا لا يزال يعمل على المنهجية البروغندانية السوفيتية إذا جاز التعبير وهذا لم ينفعه إطلاقا بشيء وهذا ما سميناه دائما يعني غير واقعي أو بعيد عن الواقع سواء كان على مستوى الرئيس السوري نفسه أو على مستوى الإعلام الذي يعبر عن النظام، المؤسف- محمد- في موضوع الصورة أنه ككل شيء عندما تكرر المشاهد بالنهاية ربما تصل إلى لحظة بأن المشهد لا يعود يعني لك شيئا حتى ولو كان مشهدا مأساويا وفيه طبعا نرى مآسي إنما تكرار المشاهد كل يوم بنفس الموضوع ربما يصل بنا إلى هذه النتيجة وهذا مؤسف جدا جدا.. 

محمد كريشان: مؤسف حتى سيد  بدرخان مؤسف حتى مهنيا لأنه أحيانا العنوان السوري يفرض نفسه كعنوان أول في نشرات الأخبار وتجده كأنه عنوان البارحة أو عنوان الأسبوع الماضي أو عنوان الشهر الماضي، لكنك في نفس الوقت لا تستطيع أن تتجاهله أو تذهب إلى عنوان أخر لأنك بهذا الشكل كأنك تقول بأن هؤلاء الذين سقطوا لا قيمة لهم في النهاية لأنهم سقطوا عشرين أو ثلاثين اليوم فقط علينا أن نعطيه العنوان الأول إذا تجاوزوا المائة، هنا نريد أن نسأل سيد دكتور الدندل في نهاية هذه الحلقة، التعود على المأساة أشرنا قبل قليل إلى مخاوف تبلد الإحساس وأشرت أن لا شيء يضيع في النهاية كله يترسب، لكن إنسانيا ونفسيا ما هي النقطة التي ربما تخرج المشاهد والمواطن من هذا التبلد في مرحلة معينة كيف؟

محمد الدندل: جميل هو عادة الكائن البشري في حالة النزاعات دائما الإنسان في آليات البقاء تتحكم في الكائن البشري كله مبني يعني الهدف الأخير والأسمى للكائن البشري هو بقاؤه فبالتالي هو في حالات الموت أو القصف أو غياب الطعام مثلا أو أماكن المأوى دائما في تركيز يركز الكائن البشري كل طاقاته على أمنه الشخصي على أمن أولاده على لقمة الطعام، طبعا لكن يختزن هذه المشاهد الصادمة التي يشوفها بداخله،  للأسف الشديد يحدث بعد فترة عندما يذهب هذا المواطن إلى أماكن اللجوء مثلا لا يعود طبعا يتم تأمين المأوى والمأكل والملبس يعود إلى حالة يجتر ما شاهد من صور ويدخل بحالة نحن نسميها posttraumatic stress disorder أو اضطراب الشدة ما بعد الرفض هذا من أكثر الاضطرابات النفسية حدوثا في حالة الحروب والأزمات، طبعا هذا الاضطراب خطير جدا معيق جدا للشخص يعني من يعاني هذا الاضطراب، والأخطر من ذلك هو طول الفترة التي يبقى في هذا الاضطراب وتبقى تأثيراته حتى هناك ما نسميه اضطراب الشدة بالإنابة يعني عندما يتحدث شخص رأى مشاهد عنيفة لشخص آخر هو يكون عرضة لهذا الاضطراب أو عندما يتحدث الأب يعني تخيل هناك قسم السوريين لم يولدوا بعد سوف يعانون من هذا الاضطراب نتيجة نقل أخبار ما تمَّ أو نتيجة ما مشاهدة ما يتم، فبالتالي  تبلد الإحساس هو حاجة نفسية الإنسان هو بحاجة أنه يُشكِّل شكل من أشكال الجدار النفسي بينه وبين ما يحدث حتى يقدر أن يخلق حالة من التوازن والسلام النفسي قادر أن يستمر من خلالها.

محمد كريشان: شكراً جزيلا لك الدكتور محمد الدندل الاختصاصي في الطب النفسي شكرا أيضا لضيفيّنا السيدة تمارا الرفاعي المتحدثة باسم منظمة هيومن رايتس واتش المعنية بحقوق الإنسان وعبد الوهاب بدرخان الصحفي والكاتب والباحث السياسي، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة