العلاقة بين الشعر والدبلوماسية   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - حيدر محمود، شاعر وسفير الأردن لدى تونس
تاريخ الحلقة 06/04/1999





الشاعر حيدر محمود
محمد كريشان
محمد كريشان: السفير حيدر محمود، أهلاً وسهلاً.

حيدر محمود: يا مرحباً بك.

محمد كريشان: يعني في البداية نقول السفير حيدر محمود أم الشاعر حيدر محمود؟

حيدر محمود: كما تشاء في الواقع، لكن أفضل الشاعر، طالما أن الجلسة تتعلق بالشعر –أولاً- فنادني حيدر بيكفي يعني.

محمد كريشان: يعني تفضل الصفة الأولى، وهي التي نشأت عليها أكثر من الدبلوماسية التي دخلتها ربما في مرحلة أخرى؟

حيدر محمود: الشعر موضوع يختلف تماماً عن أي وظيفة في الدنيا، الشعر موضوع ملازم للشاعر كله، كحياته، كالهواء والماء الذي يعيش عليها، أما أي وظيفة أخرى، فهي وظيفة عابرة قد تنتهي في أي وقت، فأفضل أن يكون الحوار شعرياً، وإن كان هناك لابد من الدبلوماسية فلتكن يعني القضية.

محمد كريشان: هل تعتبر الدخول الدبلوماسية، محطة عابرة؟ هل جاءت صدفة يعني؟ حيدر محمود أساساً شاعر، إعلامي، مذيع، تجربة إذاعية وتليفزيونية في فترات متعددة، ثم دبلوماسي، يعني كيف كان الانتقال بين هذه المحطات؟

حيدر محمود: هي ليست صدفة في الواقع، شاعر وسفير منذ القدم، خاصة عند العرب، كان الشعراء في الجاهلية الأولى شعراء قبائلهم لدى القبائل الأخرى –كما تعلم– لذلك ليس غريباً أن يكون الشاعر سفيراً لقبيلته، وبالتالي لبلده، عند إما القبائل الأخرى أو الدول الأخرى، وهناك شواهد كثيرة فيما بعد بعد العصر الجاهلي كان الشعراء يوفد في مهمات خاصة من قبل رؤساء قبائلهم، أو رؤساء دولهم، ليتولوا شرح أي قضية من القضايا المطروحة، ثم بعد ذلك وفي الزمن الحديث هناك الكثير من الشعراء الذين أصبحوا سفراء لبلادهم، على الصعيد العربي، وعلى الصعيد العالمي أيضاً، على الصعيد الدولي (بابلو نيرودا) على سبيل المثال كان سفيراً لبلاده، كان شعراء عرب كثيرون سفراء لبلادهم، وفي الأردن بالذات، كان فيه هناك كان أكثر من سفير شاعر، كان محمد الشريقي سفير يعني، زمان طبعاً كان المرحوم عبد المنعم الرفاعي سفير الذي أصبح من بعد رئيساً للوزراء، هناك الكثير، لأن الشاعر ليس فقط شاعراً يستطيع أن يؤدي مهام أخرى في الحياة، حتى ولو كانت مهام دبلوماسية.

محمد كريشان: ولكن، هل الشاعر عندما يصبح دبلوماسياً بالمعنى الوظيفي لنقل هل يتغير؟ هل..

حيدر محمود: يعني، هو معادلة صعبة في الواقع، هي ليست معادلة سهلة أن يكون الشاعر سفيراً، تعرف شرط الدبلوماسية أن يكون الدبلوماسي مجاملاً من الطراز الأول، وأن يكون متحملاً لكثير من المشاكل، وأن يتفهم هذه المشاكل، الشاعر يعني لديه مواقف أحياناً قد تتعارض مع كونه يعمل في الحقل الدبلوماسي، لكن لابد من التوفيق، فيه عندنا قدرة، وخصوصاً الإنسان العربي المعاصر بشكل عام، لديه القدرة على التكيف بحكم الضرورة، أنا أتصور يمكن مجال التناقض الوحيد أن الشاعر عندما يريد أن يقول شعراً يتجاوز كل حدود الدبلوماسية، وكل حدود المألوف حتى مش بس الدبلوماسية، إنما الشعر ليس عملاً يومياً، الدبلوماسية عمل كل ساعة، أو كل دقيقة، عمل أربعة وعشرين ساعة، أما الشعر فهو عمل آني، وقد يأتي كل عام، يجوز كل شهر يكتب قصيدة، لا يمكن أن يكون الشعر عملاً يومياً..

محمد كريشان: إذن يعني يصعب على الدبلوماسي أن يكتب الشعر، يعني إذا القصيدة شاءت أن تتجاوز الأعراف الدبلوماسية كما تعارف عليها القول؟

حيدر محمود: تتجاوزها بكل جرأة، وبكل صراحة، وبكل قوة، وميزة أن الدبلوماسي في بلد عربي شقيق، تختلف عن الدبلوماسي الذي لا يكون العربي، أنا أتكلم عن الدبلوماسي العربي الشاعر عندما يكون في بلد عربي شقيق، يتفهمه المسؤولون الناس في ذلك البلد العربي لأن الشاعر له مكانة خاصة في المجتمع العربي، عند كل العرب على الإطلاق، المشكلة تكمن في أن الشاعر العربي عندما يكون سفيراً –مثل حالتي أنا- في بلد أجنبي، هناك يعني لوم كبير على الشاعر عندما يسلك سلوك الشاعر.. على الدبلوماسي عندما يتصرف كشاعر، أنا من حسن حظي أنني عينت في بلد يهتم بالشعر، تونس، تعرف تونس لها تاريخ طويل في الحضارة العربية، في الفكر العربي، في الشعر العربي، في الفن العربي، لذلك ليس هناك أي تناقض إطلاقاً، حتى الأشياء غير المألوفة إذا جاز التعبير، وإذا مورست وتكون فيها الذنوب مغفورة إذا جاز التعبير أيضاً، لأن المجتمع يتقبل الشاعر، ويعرف ما هو الشاعر، وكيف يمكن أن يكون شاعراً في محاولة الشعر، في بلد أجنبي لا يمكن يسمح لك، لأنه ماحدش بيفهمك إذا كنت شاعر ودبلوماسي وسلكت السلوك الشعري، في بلد عربي مغفور الذنب، ومن حسن الحظ –فعلاً- أنني لم أعين في أي بلد آخر من قبل، ولا أظن أنني سأعين في بلد آخر من بعد، يعني هي التجربة الأولى والأخيرة -ربما- في حياتي التي استمرت ثماني سنوات حتى الآن، منذ أن عينت سفيراً، فلا تناقض إذن.

محمد كريشان: ولكن هل يزداد الإحساس بأهمية الدبلوماسي في البلاد العربية إن كان شاعراً، هل يزداد حجم التقدير لشخصه؟

حيدر محمود: ما في شك، هذا صحيح، لأن الشاعر مقدر عند غير العرب بشكل عام، والشعر ديوان العرب، وللشعر حضور كبير جداً، وخصوصاً في المحافل التي تصنع النجومية في الوسائل الإعلامية، في المنتديات في اللقاءات الثقافية، في الإذاعة والتلفزة، مهم جداً فالشاعر يتاح له هذا المجال أكثر من الدبلوماسي العادي، ومن حسن الحظ –كما قلت- أن تونس لها تاريخ طويل في هذا المجال، وأنا سبقني اسمي إلى تونس –كشاعر- وعندما يمكن أنا أروي لك قصة من أغرب القصص في الدنيا، عندما حضرت إلى تونس كسفير، هناك تقليد متبع عادة بين السفراء العرب، عندما يأتي سفير عربي جديد إلى أي بلد عربي آخر يعين فيه، يذهب لاستقباله السفراء زملاؤه، السفراء الذين سبقوه، أنا فوجئت –ولم أكن أدري- عندما وصلت إلى مطار تونس، أن السفراء العرب كانوا في انتظاري جميعاً وبلا استثناء، وأيضاً كان هناك الشعراء، والصحفيون، والكتاب، والإعلاميون، حتى السفراء العرب بدؤوا يتساءلون لماذا هؤلاء؟

محمد كريشان [مقاطعاً]: أي ما الذي أتى بهم؟

حيدر محمود [مستأنفاً]: شو علاقة هادول بالسفير، فقيل لهم، حتى قبل وصولي، إن هذا واحد من زملائنا الإعلاميين، الإذاعيين، التليفزيونيين، والشعراء أيضاً الذين نعرفهم، فكم أسعدني ذلك ويسعد أي شاعر على وجه الأرض، وأسعد زملائي السفراء أيضاً، فلذلك يعني نعود إلى القول: إن هناك سلبيات وإيجابيات لمثل هذا العمل، أن يكون السفير شاعراً، أو أن يكون الشاعر سفيراً، سلبياته: أن المزاج الشعري أحياناً قد يتدخل ويلغي السفير، العكس لا يمكن يحصل، السفير لا يلغي الشاعر، الخشية من أن يلغي السفير.. يلغي الشاعر السفير..

محمد كريشان: وربما السفير يلغي الشاعر، إن كان الشاعر منضبطاً إدراياً أكثر من اللازم؟

حيدر محمود: لا يمكن الشاعر يكون إذا كان هو شاعراً حقيقي، لا يمكن أن يلغيه شيء آخر –على الإطلاق- لا دبلوماسي، ولا حتى لو يصير رئيس وزراء، لأنه –قلت لك- الله يرحمه عبد المنعم رفاعي صار رئيس وزراء، وبقى شاعراً يعني، فرئيس الوزراء برضه عمله أصعب بكثير من السفير –بالتأكيد- وبقى شاعراً، يعني بقيت حاسة الشاعر، ورهافة الشاعر، ورقة الشاعر موجودة فيه، فلا يستطيع أن يلغي الشعر أي منصب في الدنيا على الإطلاق.. خصوصاً إذا كان في بلد عربي شقيق، يقدر الشعر، ويقدر الشعراء، ويقدر الإبداع، ويمكن عندما يكون في بلد أجنبي –قلت لك- سيؤثر ذلك سلباً على شاعريته، لأنه مضطر أن ينضبط، ونحن –بالمناسبة- الشعراء مقولة غير صحيحة أن الشعراء غير منضبطين، الشعراء في قمة الانضباط عادة، لأن عملية الإبداع –في حد ذاتها- عملية انضباطية، فيها قوانين، فيه الموسيقى، فيه الكلام الجميل اللي من اللازم يقال، فيه الخيال، كل هذا بده ضبط، ضبط الإيقاع أيضاً، ضبط إيقاع الشاعر ينطلق من ضبط إيقاع القصيدة أيضاً، فليس صحيحاً أن الشاعر غير منضبط، بالعكس يمكن أنا مواعيدي –والجميع يعرف- مواعيد منضبطة تماماً، كأي عسكري حتى مش كأي سفير، لكن قلت لك الجانب الآخر: أنك عندما تريد أن تقول، تقول ما تريد أن تقوله بكل جرأة، وبعيداً عن الرسميات، وبعيداً عن.. وخاصة في الشعر، وليس في الدبلوماسيات..

تتوحـد الدنيـا وتنفصل ونقل نحن وتكثر الدول

وتصر كـل لغاتها لغـة وعلى حروف الجر نقتتل

هل ظـل للمستعمرين يد فيما يحل بنا وقد رحلوا؟!

أم أنها يـدنا التي فعلـت في حالنا أضعاف ما فعلوا؟

فكأنه لا فرق بين يد ويد ومن خرجوا كمن دخلوا؟

تتوحد الدنيا على هدف وتضيع من أهدافنا السبل

حتى حدود الشمس قد وصلوا وإلى حدود النفس لا نصل

فلمن إذن تشكو قوافلنا أحزانها وقد انتهى الرسل؟

وإلى متى ستظل نجمتنا تطوى لياليها، ولا أمل؟

يا صاعدين إلى الذرا قدر أن ينحني لذراكم الجبل

قولوا لهذا الجدب إن لنا يا جدب، ماء سوف ينهمل

ولنا بظهر الغيب أغنية عربية بالنار تغتسل

الفجر موعدها وموعدنا فاستعجلي الأشواق يا قبل

واطو الليالي السود يا أملاً ستجيء مهما عاند الأجل

محمد كريشان: ولكن هل يمكن للشاعر أن يخدم الدبلوماسي، بمعنى أن.. المواقع التي زرتها أو قد تزورها، بعض المحافل الثقافية والفكرية، أو حتى الندوات والملتقيات ربما يصعب على الدبلوماسي التقليدي -إن صح التعبير- أن يذهب لهكذا الندوات، ولكن الشاعر البوابة مفتوحة باستمرار؟

حيدر محمود: هو صحيح يعني المشكلة تكمن في النشاط الشخصي للسفير، إذا كان سفيراً سواءً كان شاعراً، أو كان مبدعاً، أو لم يكن كذلك، أنا من حسن حظي أنني جئت إلى بلد فيه إبداع، وإبداع يلفت النظر، تونس في المنتدبات الثقافية، لازم أكون أول واحد، قبل كل السفراء، وقبل كل حتى الموجودين أصلاً أكون موجود؟ لأنه أنا معني بهذه النشاطات، هذه نقطة.

النقطة الثانية: من قال إن التدخل في المنتديات سواء كان للسفير، أو للشاعر، أو لغيرهما محظور؟ إطلاقاً أنت عندما نتدخل في النقاش، أي نقاش بوجهة نظر لا تتعارض –أصلاً- مع وجهة نظر الدولة التي تمثلها، ولا بالتالي تتعارض مع وجهة نظرك التي تحملها، يعني لا ينبغي أن يكون هناك تعارض في وجهات النظر بين الشاعر وبين السفير، لأنهما واحد في الأساس، ولا بين ما يؤمن به وما تؤمن به دولته، نحن نمثل الدولة، ومسموح لنا أن نقول رأينا ضمن هذا الإطار، طبعاً.. قد نختلف في التفاصيل، لكن ليس الأساسيات، فمن قال: إنه ممنوع على الدبلوماسي أن يتكلم؟ بالعكس، أنت تمثل الدولة بكل قنواتها، بما فيها.. بما فيها وزارات الثقافة في البلد، أنت ما بتمثل وزارة الخارجية فقط، السفير يمثل الدولة بكاملها، بما فيها الثقافة، وبما فيها الاقتصاد، وبما فيها السياسة، وبما فيها.. كل هذه التفاصيل يمثلها السفير، فلماذا لا يمثل الجانب الثقافي أيضاً؟

محمد كريشان: نعم، لكن الحس المرهف للشاعر والمبدع –بشكل عام- قد يجعله أكثر اهتماماً بهذه المسائل وربما من المسائل الاقتصادية أو السياسية الصرفة، يعني هل يمكن –مثلاً- أن يوجه لوم إلى الشاعر الدبلوماسي على أنه –ربما- مقصر في الاهتمام بالنواحي الفنية التقنية من الاقتصاد وغيرها، ومهتم أكثر بالنواحي الفكرية، هل يمكن أن يسجل كعيب على الدبلوماسي؟

حيدر محمود: هو عيب على الدبلوماسي –حقيقة- سواءً كان شاعراً أو غير شاعر، أن ينحاز إلى فئة دون الأخرى من الشؤون يعني.. أنا أزعم أنني مهتم بكافة الشؤون التي تهم بلدي، أو تهم العلاقة بين البلدين بشكل ثنائي، بالتفصيل أستطيع أن أروي لك قصص كثيرة عن مدار الاهتمام، لكن لا ينسى أحد من بلدي أو من البلد الآخر الذي أمثل فيه بلدي أنني شاعر في الدرجة الأولى، لكن لا يعني ذلك أن الشعر على حساب الاقتصاد أو على حساب السياسة أو على حساب الصحة مثلاً، لدينا مع تونس اتفاقيات كثيرة، منها اقتصادية، ومنها فنية، ومنها ثقافية، أنا شخصياً أتعامل مع كل هذه الاتفاقيات على قدم المساواة زائد انحياز –بالضرورة أن يكون ذلك- إلى جانب الثقافة، يعني هذا مغفور أيضاً أو مبرر، لأنه الجانب الثقافي يطغى على الجوانب الأخرى، إنما ليس على الحساب الأساسي للجوانب الأخرى.

محمد كريشان: المعروف أنه كل سفير عندما يدلي بتصريح سياسي أو غيره يجري رصده بشكل خاص، هل يمكن أن يجري هذا الرصد بهذه الدقة عندما يتعلق الأمر بقصيدة، يعني هل يمكن أن يحاسب السفير على قصيدة أو ديوان؟

حيدر محمود: لأ، في الواقع يختلف الأمر، لأنه مجال الإبداع الفني يختلف عن التصريح المباشر يعني في كل العالم مش بس.. عندنا قلت لك الجانب الشعري أو الإبداعي الذهني وليس المباشر لا يخضع للاعتبارات، حتى في رقابة المطبوعات في أي بلد في الدنيا يعامل الإبداع على أساس شيء آخر، فيه فرق كبير بين أن يقول السفير قصيدة أو أن يقول تصريحاً مباشراً، التصريح المباشر يحاسب فيه كلمة كلمة، الإنسان يدرس ب.. أما القصيدة فهي تحتمل أكثر من معنى، لذلك فيه فرق، بالتأكيد فيه فرق، قلت لك العمل الشعري ليس عملاً يومياً، بينما العمل الدبلوماسي عمل يومي، يخضع للتصريحات الصحفية، وما تنساش إنه أنا الجانب الإعلامي فيَّ أيضاً عمل عملية ضبط للكلمات، لما أقول أو ما لا ينبغي أن يقال، وبعدين أنا ما بأصرح تصريحات إعلامية إلا عند الضرورة القصوى، يعني أنا لست من هواة التصريحات حول أي قضية من القضايا، لكن لا يعني ذلك أنني لا أجرؤ على التصريح، بالعكس نحن مسموح لنا في الأردن في هذا الجو الديمقراطي العظيم الذي نعيشه أن نقول رأينا، وحتى أحياناً إذا بتتابع الصحافة الأردنية، والإعلام الأردني، وهذا الكلام عام، لا علاقة له بالشعر، هناك منابر للقول، للتعبير عن وجهات النظر كائناً ما كانت هذه الوجهات، بغض النظر عن الاجتهادات في التفاصيل، ولا أحد يحاسب، إذا كانت وجهة النظر بناءة، بالتأكيد يعني ليس المطلوب بأن تدمر أو تخرب ما هو قائم، فمسموح لنا أن نقول، على الصعيد الدبلوماسي فيه عملية ضبط يعني فيه هناك انضباط، لأنه لا تتأثر بلدك وحدها في القضية هذه.. تتأثر بلاد أخرى تمثل أنت بلادك فيها.. صح أم لا؟

محمد كريشان: نعم..

حيدر محمود: فالمسألة فيها شقين أو طرفين في المعادلة، ليس طرفاً واحداً، يعني اذهب إلى عمان لنفرض كسفير، وقل ما تريد في الصحافة، لكن فيه هناك حساسية البلد الآخر، هنا الدبلوماسية بتشتغل فبدك تكون حذر، عندما تكون.. سفيراً أو دبلوماسياً في أن لا تشبك العلاقة بين البلدين أو تلخبطها على الأقل يعني.

محمد كريشان: لكن هاتف الحس لدى الشاعر المبدع بشكل عام مع الوتيرة اليومية للعمل الدبلوماسي والسياسي، يعني هل يمكن أن تشكل بعض الأحداث السياسية، أو بعض المواقف السياسية، أو الجلسات السياسية في العمل الدبلوماسي اليومي، هل يمكن أن توحي للشاعر بقصيدة ما، أو بخاطرة ما؟

حيدر محمود: هو أي تجربة جديدة تضاف، يعني هو السفر –في حد ذاته- يضيف إلى الشاعر جديداً باستمرار، والعمل الدبلوماسي أو أي عمل في الخارج –أصلاً- يضيف باستمرار إليَّ، أنا أضافت تونس إليَّ الكثير على الصعيد الثقافي والفكري –بدون شك- لأنه –كما قلت- بلد له تاريخه الطويل الحافل بالحضارة العربية، وله بصماته الهائلة في تاريخ الحضارة العربية، ولديه مكتبات مهمة جداً، قد لا يلتفت إليها الدبلوماسيون الآخرون بقدر ما ألتفت أنا –شخصياً- أو من هم من مثلي لهم علاقة بالحركة الثقافية العربية، يعني أنا أزعم أن مكتبات تونس وهي مفتوحة دائماً لي ولغيري في الواقع، لكن هي تحتاج لمن يطرق الباب، فهناك تعرف الزيتونة، القيروان، هناك حتى تاريخ تونس العربي المشرق المضيء، عندما حاربوا عن اللغة، وعن الثقافة العربية، حاربوا المستعمر القوي جداً، وحافظوا على اللغة، وحافظوا على التراث العربي، هذه مجالات أو أبواب لدخولها، مالهاش مفاتيح –في الواقع– للعربي خاصة، يعني فهذه ميزة للدبلوماسي المهتم بالثقافة، أنها فتحت الأبواب لتعطيني ما أشاء من معلومات ثقافية وتاريخ وحضارة، وقد لا تضيف جديداً إلى الآخرين –على فكرة– يعني ممكن بييجي واحد يقعد ألف سنة ولا يعرف مثل هذه الأشياء، وأنا بمجرد وصولي بدأت أعمل اتصالاتي مع.. في المكتبات المهمة، والمخطوطات الهائلة، عند تونس ذخيرة هائلة من المخطوطات العربية، تعرف إنه الأسماء الكبيرة ابن خلدون وسواه إيجوا من تونس، من هذه المنطقة، من هذه البلاد، فهذا التاريخ المشرق المضيء كان شمس ساطعة أضاءت لي كثيراً من العتمات، ولا تكتمل شاعرية الشاعر من المشرق إلا عندما تتلاقح مع المغرب، لا يكتمل مواطن عربي على الإطلاق من أي منطقة إلا إذا دخل الجزء الآخر من هذا الوطن العربي، العروبة كل لا يتجزأ في المشرق أو المغرب، فأنا شخصياً أعتبر إنه أنا كملت نصف ديني الآخر –إذا جاز التعبير– بالتعرف على الحضارة العربية الهائلة والمذهلة والمضيئة، والمشرقة في منطقة.. في المركز الحقيقي للحضارة العربية في المغرب العربي وهي تونس، تعرف القيروان، على سبيل المثال، اللي خرجت ابن خلدون وسواه، يعني كان إضافة هائلة لي كمثقف عربي كشاعر عربي أن أنال هذا الشرف العظيم في أن أطلع على هذا التاريخ المشرق.

محمد كريشان: ولكن هل.. هل صبغت هذه المرحلة أشعارك بمسحة معينة، يعني هل تأثر حيدر محمود الشاعر بمرحلة تونس في إبداعه؟

حيدر محمود: بدون شك، هو التأثر عادة الشاعر يتأثر.

محمد كريشان: بيئته.

حيدر محمود: بمجموعة أشياء منها البيئة، حتى مفرداتي تغيرت، مش تغيرت بالمعنى أرجو ألا يفهم إنه أنا تخربطت، يعني لا بالعكس صار فيه إضافات، قد لا تحس بها بشكل مباشر يعني تدخل بعض المفردات دون أن تدري بحكم البيئة، وبحكم الاختلاط، وبحكم القراءات المتعددة، لابد أن يكون هناك تأثير وإلا كما لو كانت زيارة.. ليوم واحد، هذه ثمان سنوات، لا يمكن أن أخرج بدون أي تأثير أو تأثر، هناك تأثير وهناك تأثر في الأوساط الثقافية التونسية، في قراءاتي، في اطلاعاتي، في رؤيتي للآخرين، لابد من هذا التأثر، وقد -فعلاً- بدأت تظهر، ولاحظ النقاد في الأردن على قصائدي التي كتبتها في تونس أن هناك مسحة تونسية أو إذا جاز إنه يعني فيه بصمات تونسية –بدون شك– وإلا تعتبر الزيارة لاغية، يعني كأنها لم تكن أو الإقامة لاغية.

يؤرقني فاروق اللون بيني وبيني

فيا حزن قبل اكتشاف دمي

لا تسأليني عن الياسمين

من الجرح تأتى شفافية البوح

من وتر في الشرايين يأتي الغناء الحزين

ويمضي إلى النهر دون شراع

ويسقط دون وداع

كما يسقط الدمع من حدقات العيون

هو الوجد حد السكاكين حيناً

ونار البراكين حيناً

ولكنه فرح متجدد فينا

وصدفتنا الأزلية خيمتنا الأبدية

ندفنه.. ثم نبكي عليه..

ونهرب من سهده المستبد إليه

فلا شفيت منك يا وجع الشوق

لا حرمت من عذابك

أفئدة العاشقين

يحاصرني الطين

كيف يحاصر هذا الجدار المعلق خيطاً من النور؟

كيف يصادر هذا الرداء الممزق نبض الحضور؟

ويمنعني من مغادرتي!

ويسد عليَّ سبيل العبور

إلى وهج مرحلتي

وراء الضفاف ضفاف

وبعد المسافات بعد

وخلف العيون عيون

لماذا تأسرني لغتي

كلما أوشكت لحظتي أن تبين

لتبدأ من أول الحلم

كيف يكون بكائي على بكاء إليَّ

إذا اتسعت بقعة الضوء هل سأراني

لم تف الكشف حتى الحضور

متى حين تبلغ حد اليقين

نهاري كغيري

ولكن ليل الحمام المهاجر لا ينتهي

وحنين الغمام المسافر لا ينتهي

قبل أن ينتهي أصيح

إذا هبت الريح

فيك غناء حبيبي

وأهتف بالقمر المستريح على كتف النخل

هذا البهاء جنوبي ويا نخل

هل تتبادل

جزعك هذا بجسمي

وسعفك باسمي

فيصفعني

من يبادل واحة أمن

بسجن رهيب؟!

وما أصعب الكشف عن حاضر غائب!

ممكن.. مستحيل!

وما أكبر الخوف.. يا وجعي

في انتظار الوصول!!

ويا وجع الشوق

دعني لأهرب مني

وخذني لأبحث عني

محمد كريشان: في الندوات والملتقيات التي حضرتها يعني النقاد وزملاءك الشعراء، هل ينظرون –فقط– إلى حيدر محمود الشاعر، أم دائماً يمزجون بين السياسي والشاعر؟

حيدر محمود: والله هي فيه خلط بالأوراق، مافيش فصل يعني أنا.. يبقى حيدر محمود هو نفسه سواءً كان دبلوماسياً أو شاعر، يعني أنا ماليش وجهين –إطلاقاً– أنا أتصرف مع الآخرين بنفس الوجه، لا أستطيع أن أكون للحظة دبلوماسياً، ثم في اللحظة التي تليها شاعراً، أنا واحد ومقبول على علاتي، وهذه –قلت لك- هذه ميزة أن تكون في بلد عربي، إنه ما حد يقدر يفصل بينك وبين الآخر فيك، إني هنا أتعامل معك كدبلوماسي، وبعد عشر دقائق أتعامل معك كشاعر، مش معقول.. لو كنت في بلد أجنبي لكان هناك فصل، لأنه فيه عامل الثقافة، وعامل اللغة، وعامل الأشياء، في بلد عربي مافيه مشكل –إطلاقاً– وخصوصاً مثل تونس –كما قلت لك- إنه مسكونه بالثقافة، وأنا اسمي موجود فيها، يعني إلي ذلك الحضور الذي تبدى لي منذ أول يوم وصلت فيه إلى تونس فكان مفتاح يعني لحظة وصولي كانت مفتاحاً جميلاً، فتح الآفاق لي وسمح لي بأن أدخل إلى البيوت الثقافية بالمعنى المطلق للكلمة دون مفاتيح، لأنه مفاتيحي معي يعني اللي هي الشعر، وإني جزء من هذه الأمة، وإني شاعر مسكون بهموم الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، يعني هذه الصورة عند التونسيين، وحتى عند التونسيين العاديين، يعني مش.. مش.. من غير المثقفين، أصبحت هناك ألفة خاصة جداً تميزني عن بقية السفراء، وهذا يسعدني طبعاً أن أكون مميزاً عن بقية الدبلوماسيين، لأني شاعر، هذا بيسعد الشاعر أيضاً، ويسعد الدبلوماسي أيضاً، وبالتالي بينعكس على العلاقة الثنائية بين البلدين.

محمد كريشان: خاصة وأن أعمالكم الشعرية لم تكن أردنية بالمعنى الضيق.

حيدر محمود[مقاطعاً]: قومية..

محمد كريشان: قومية، همومها واسعة، اهتمامها بالشأن العربي والهموم العربية، هذا –أيضاً– جعل التواصل مع الآخرين أكثر يسراً.

حيدر محمود: صحيح، آه، وبعدين وسائل الإعلام التونسية كلها مفتوحة أمامي، يمكن أكثر من أي سفير عربي أو غيره، مش لأني بأحكي في السياسة ما بأحكي في السياسة، أنا بأحكي في الثقافة، والثقافة العربية لا خلاف عليها، قد تختلف في السياسة، الدول تختلف لكن، وفى الاقتصاد ممكن تختلف، وبنختلف في وجهات النظر، لكن على الثقافة العربية لا خلاف على الإطلاق، وهي العنصر الرئيس الذي يوحد هذه الأمة –على الإطلاق– مين بيختلف أنه المتنبي شاعر العرب كلهم، ما فيه دولة عربية تقول لأ المتنبي مش شاعر أنهو.. هات لي دولة عربية تختلف على اسم شاعر، أو على بيت شعر، ما فيه خلاف، نشيد الأمة الذي رضعناه.. منذ كنا أطفالاً، ونحن.. أنا عرفت تونس قبل أن آتي إلى تونس، وجيلي كله عرف تونس من خلال نشيد الأمة: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" لأبو القاسم الشابي، وأنا يمكن ربما الوحيد من الشعراء، أو من السفراء.. الشعراء يمكن هناك الكثير، استـأذنت الدولة التونسية في أن أقدم إضافة إلى أوراق اعتمادي الرسمية كسفير إلى رئيس الدولة، ذهبت إلى ضريح أبو القاسم الشابي، وقدمت أوراق اعتمادي كشاعر إليه في (توزر) فلذلك المسألة متداخلة، أمام هذه الصورة أنا هون لست سفيراً فقط في تونس، قلت لك سفير وشاعر، ولا فصل بينهما إطلاقاً ومواطن عربي –في الدرجة الأولى– قبل هذا وقبل ذاك أنا مواطن عربي في بلدي، لأنني مؤمن بوحدة هذه الأمة، من محيطها إلى خليجها، لا فرق عندي –إطلاقاً– بين بلد عربي وبلد عربي آخر إطلاقاً، لأن الوجوه نفس الوجوه، حتى اسمك أنت، الآن اليوم كنا في السفارة، إحنا عندنا عائلة (كريشان) كما هو اسمك في معن، وهاي الأخ علي كريشان موجود بيننا الآن، القنصل الأردني في السفارة، واسمك محمد كريشان، فحتى العائلات الأردنية–التونسية-العربية مشتركة، يعني هناك.. ليس هناك فصل على الإطلاق بين قطر عربي وقطر عربي آخر، إحنا بلادنا واحدة ممتدة، ومن هذا المنطلق أنا سفير للأردن وسفير لتونس وسفير للأمة العربية، وأيضاً شاعر مثل ما أنا شاعر عربي على الإطلاق أيضاً أنا سفير عربي على الإطلاق.

محمد كريشان: لكن علاقة القربى –إن صح التعبير– علاقة القربى، هل تشعر بها أكثر مع زملائك الشعراء أم مع زملائك السفراء والدبلوماسيين؟ أين تجد نفسك مرتاح أكثر: جلسة شعرية، أم جلسة دبلوماسية؟

حيدر محمود: والله أقول "كل صلاة لها آذانها" يمكن بيقولوا في التعبير العامي..

محمد كريشان[مقاطعاً]: كل شيخ وله طريقة..

حيدر محمود: كل شيخ وله طريقته، فعندما أكون مع السفراء الآخرين أكون دبلوماسياً بكل معنى الكلمة، وأنا الآن عميد السلك الدبلوماسي في تونس –كما تعلم- العرب والأجانب، مش فقط العرب، وأحياناً تضطر للمجاملة، تضطر اضطراراً للمجاملة، وتجامل أيضاً، عندنا..

محمد كريشان[مقاطعاً]: لكل مقام مقال.

حيدر محمود[مستأنفاً]: قلت لك في البداية إن الشاعر قادر على التكيف أيضاً لأن الحياة هذه.. الحياة فيها أبيض وأسود، وليل ونهار، وثلج ونار، فيها كل المتناقضات، فلماذا يستطيع الشاعر أن يعيش في كل ظروف الدنيا، ولا يستطيع أن يعيش مع الظروف الدبلوماسية؟ يستطيع ذلك أيضاً، شأنه شأن أي إنسان في الدنيا، ففيه هناك توفيق وقدرة، أو قدرة على التوفيق بين الحقيقتين، أحياناً المتناقضتين، يعني تعيش في متناقضات، وتخرج منها سليماً معافى ، وأزعم أنني حتى هذه اللحظة لم يصبني ضرر من كوني دبلوماسياً وشاعراً في آن واحد، وأتعامل مع الجميع باتزان، وبعقلانية تقتضيها أحياناً الطبيعة والضرورة.

محمد كريشان: ولكن هل تخشى أحياناً أن يتمرد فيك الشاعر على الدبلوماسي وعلى السياسي، يعني خاصة هموم الأمة العربية أحياناً وما يصاحبها من سخط على هذا الواقع العربي المتردي ربما تجعل الشاعر ينأى بنفسه عن كل هذه الأطر السياسية الرسمية، ويريد أن يعانق الفضاء الرحب، بمعناه التمردي على هذا الواقع؟

حيدر محمود: بيحصل هذا باستمرار في شعري أحياناً قصائد ترفض مثل هذا الواقع، وموجودة هي ليست سراً وأنشرها، وأقرأها في المنتديات والمحافل سواءً في تونس، أو في عمان، ولا أحد يحاسبني، لأنه في هذه الحالة موضوع مختلف تماماً عن الحالة الدبلوماسية، أيضاً دولتي تقدر فيَّ الشاعر يمكن أكثر من أي بلد في يقدر هذا، ويعطيني الحق في أن أقول شعراً..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لا تصادر حقك هذا؟!

حيدر محمود: إطلاقاً، بالعكس، على الإطلاق وتنشر كبريات صحفنا، وأحياناً

الإذاعة والتليفزيون بيذيعوا القصائد هذه، ولا تناقض إطلاقاً، ما فيه مشكلة، يعني لا أعاني من هذه القضية إطلاقا، أقول ما أريد أن أقول شعراً، وينشر حتى في بلدي، وبالعكس تأتيني اتصالات من كبار المسؤولين لتهنئني على هذه القصيدة

أو تلك، يعني المسألة زي ما حكيت لك لست صعبة، معادلة ليست صعبة، وإن كانت تبدو في سطحها مستحيلة، إنما هي ليست مستحيلة.

محمد كريشان: وتشعر بنفسك أنه الصفة التي تجعلك مستمراً في أذهان الناس هي صفة الشاعر قبل أن تكون.

حيدر محمود: مؤكد.. مؤكد، أنا لو خيرت بأن أكون في أي منصب في الدنيا

أم شاعراً، أقول لهم : لا، أنا شاعر أولاً، وعاشراً سفير أو غيره، يعني فيه مسافة بعيدة جداً بين الشاعر فيَّ، وخصوصاً لأني شاعر عربي، يمكن على الأقل ما بديش أدعي إن لي مكانة خاصة، لا.. إطلاقاً يعني إطلاقاً، يعني واحد من هؤلاء المسكونين بالثقافة العربية، والمؤمنين بوحدة الأمة من خلال هذه الثقافة، معني بهذا الجانب أكثر من الجوانب أكثر الجوانب السياسية التي لا توحد أصلاً، وفيه عليها خلافات وإشكاليات، فالعنصر الرئيس الذي لا خلاف عليه هو عنصر الثقافة، وهو الأمل، هذا العنصر هو الأمل في إعادة توحيد الأمة، فكيف أتخلى عن الشمس الوحيدة المشرقة في حياتي؟

محمد كريشان: المسؤولين التونسيين أو غير التونسيين، الذين تلتقي بهم من خلال عملك السياسي والدبلوماسي، هل يسعون إلى أحياناً إلى دغدغة جانب الشعر فيك؟ يعني هل..

حيدر محمود: كلهم على الإطلاق، في الواقع في تونس أنا محظوظ شوية، يمكن بخلاف ماجربتش أن أكون سفيراً في بلد آخر صحيح.. لأنه أول مرة، ويمكن آخر مرة ما بأعرف.. هذه تعتمد على رأى الدولة –دولتي أنا- في الموضوع، بس بالفعل أنا محظوظ من أن التقدير العالي جداً لي كشاعر حتى من رئيس الدولة وجميع المسؤولين، على صعيد المسؤولين، على صعيد الناس هناك تقدير قائم باستمرار من قبل أن آتي، لكن –فعلاً– حتى من رئيس الدولة ومن الوزراء والمسؤولين إلى آخره، فيه هناك تقدير هائل جداً لي كشاعر، ولي كسفير، ولي كسفير للأردن –بشكل خاص– لأن العلاقة الأردنية التونسية علاقة خاصة ومميزة، وهذه حقيقة، وليس فيها مجاملة ولا فيها دبلوماسية، أنا بأتكلم الآن بأخذ الجانب الشعري يمكن أكثر، وفعلاً بأقول الكلام بصدق وعفوية وتلقائية.

محمد كريشان: من الأحداث الكبيرة التي هزت الأردن والبلاد العربية في الفترة الأخيرة رحيــل الملك حسين، كأردني، كعربي، وكشاعر، وكدبلوماسي، كيف تفاعلتم مع الحدث؟ يعني كيف تفاعلتم شعراً مع الحدث؟

حيدر محمود: أنا واحد من الذين حزنوا أكثر من غيرهم في كل الدنيا على فقد جلالة الملك الحسين –طيب الله ثراه- لأنه لم يكن ملكاً فقط، كان إنساناً كبيراً، وكان قريباً من كل الناس، ومتفاعلاً مع كل الناس وفعلاً هو يعني غيَّر مسار الملوك في كل تاريخهم، كان يمكن إنساناً معاصراً بكل معنى الكلمة، ولم نبكه وحدنا في الواقع بكاه العالم كله في كل أنحاء الدنيا، تأثروا لهذا الفقد، لأنه فقد الملك حسين كان فقد شاهد كبير على قرن كامل من الزمن، كان شاهد العصر بكل معنى الكلمة، ولذلك لاحظت يمكن في جنازة –المغفور له- الملك حسين لما جرت في عمان حضور ليس له مثيل في تاريخ كل الجنازات التي حدثت في القرن اللي إحنا فيه، القرن العشرين، تقديراً لقيمة هذا الرجل العظيم، وإيماناً بدوره الذي كان كبيراً، ويمكن أكبر من حجم الأردن، وهذا فعلاً الأردن صغير، لكن أعطى الملك حسين حجماً لهذا البلد الصغير يعادل الدنيا بكاملها، لأن العالم كله جاء للتعزية –فعلاً– فكان الأردن في ذلك اليوم بحجم الدنيا، لذلك كان لابد من التأثر، أنا كشاعر قريب الصلة جداً بالمرحوم، وكانت علاقة خاصة ومميزة بيني وبينه، وبينه وبين كل المبدعين:

ليس يقوى على رثائك شعري فبماذا أرثيك يا بعد عمري

كان يجري على لساني كما النهر وما عاد في غيابك يجري

كلما هم أن يقول طواه حزنه فانثنى عن القول ثغري

كيف يا ملهمي يطاوعني الحرف ونار الأسى تمزق صدري

أفقدتني فجيعتي فيك وعيي فتساوى لديَّ حلوي ومري

وتساوى لديَّ طيي ونشري وتساوى لديَّ كري وفري

ليتني مت قبل هذا، ومن قال بأن الذي قضى كان غيري

سيدي يا حسين من يكمل السطر فلن أستطيع إكمال سطري

يرفض القلب أن يصدق أنَّـا هكذا.. فجأة ومن دون عذر

لم نعد نلتقي، فيا ويل روحي من عذاب الفراق يا ويل فكري

ما تراني أقول للورق الملتاع ماذا أقول ثم.. لحبري؟

كيف لي أن أواجه الموج والثلج وجمري.. ما عاد بعدك جمري؟

كيف لي أن أواجه النمل والرمل وقهر المستنفرين لقهري؟

لا لشيء.. وأنت تعرف إلا لاعتدادي بهمتي، وبشعري

ولقد كان كله.. يا أعز الناس وقفاً عليك.. طيلة عمري

ومن الناس من يباع ومن يشري وحسبي أنا.. شهادة فقري

وكفاني فخراً، كفاني اعتزازاً أن عصر الحسين قد كان عصري

سيدي يا حسين يا طلة الفجر لقد كنت سابقاً كل فجر

قبل شمس الغد الذي سوف يأتي كنت تسري وبعدك الشمس تسري

قبل كل الذين يصحون تصحو قبل كل الذين يدرون.. تدري

أي قدر هذا الذي جعل العالم يسعى إليك من كل قطر

لم يجئ للوداع بل جاء يهديك -اعترافاً بالفضل- أعظم شكر

جاء يصغي لما تقول.. وفى صمتك سحر يا سيدي أي سحر

فلقد كنت شاهد الزمن الصعب وقد كنت فيه ليلة قدر

لم يزاحمك في شفافية الفكر ولا في صفائه أي فكر

وتفردت بالمحبة حتى صرت رمزاً لها على كل ثغر

ذلك الفضل من إلهك لا ما كان في الناس من رخاء ويسر

سيدي يا حسين، ما مات من خلف ما قد خلفت من طيب ذكر

دوحة العز دائماً تطرح العز وتؤتي ثمار مجد.. وفخر

والجنى يتبع الجنى وغصون الخير تعطي من خيرها كل خير

ويظل الركب المبارك يمضي في جلال.. وفي دلال وكبر

واللواء الخفاق من يد حر حفظت عهده.. إلى يد حر

سيدي يا حسين، هذا قضاء الله فينا.. ومالنا من مفر

ولنا في أبي الحسين رجاء ودعاء توفيق في كل أمر

محمد كريشان: الشاعر أولاً حيدر محمود والسفير ثانياً.. شكراً جزيلاً.

حيدر محمود: شكراً، بارك الله فيك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة