الحاجة إلى التدين   
الثلاثاء 11/2/1431 هـ - الموافق 26/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)

- مفهوم الدين وجوانب الحاجة إليه
- الحاجة العقلية للدين وفطرية التدين

- الحاجة النفسية والروحية للتدين

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا..}[الروم:30] قديما قال أحد المؤرخين لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون ومدن بلا قصور ومدن بلا مدارس ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد. فلماذا يحتاج الإنسان والمجتمع إلى التدين؟ وكيف ينتقل التدين من مسألة تقليد ووراثة إلى مسألة تعقل وتبصر؟ الحاجة إلى التدين موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي؟

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

مفهوم الدين وجوانب الحاجة إليه

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور قبل التحدث عن الحاجة إلى التدين لا بد لنا أن نحدد مفهوم الدين الذي نحن بحاجة إليه.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب عن سؤالك يا أخ عثمان إن هناك بعض الإخوة طلبوا مني أن أعلق على بعض ما كتبته بعض الصحف على ما حدث في بعض المساجد في الضفة الغربية وأنا في الحقيقة لا أريد أن أشغل المسلمين ولا أشغل المشاهدين بهذه الأمور، فالحياة لا تتسع لهذه المهاترات، حسبي أنني قلت كلمة الحق كما أراها وكما أفهمها من دين رضي من رضي وسخط من سخط،

ومن في الناس يرضي كل نفس

وبين هوى النفوس مد بعيد

بحسب الإنسان أن يرضي ربه ويدع الناس إلى الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين الجميع كما قال الله تعالى {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}[الحج:68، 69]. وأعود إلى سؤالك ما هو الدين؟ الدين هو ذلك الشعور بقوة غيبية عليا لها قدرة فوق القدرات العادية ولا تحكم عليها الأسباب المادية والسنن المادية، أصل الدين هو هذا ومنه تتفرع الأديان السماوية والأديان الوثنية، حتى الأديان الوثنية، يعني هو الشخص اللي بيعبد الوثن مش معتقد أن الوثن ده هو الخالق أو.. إنما فيه سر من القوة العليا هذه أو من الإلوهية الخفية فهذا أصل الدين ونحن نعتقد كمسلمين أن الدين بدأ بالوحي، أن آدم هو أبو البشر وآدم علمه الله بالأسماء وعلمه الدين وعلم أبناءه عن طريق ولذلك نحن نعتقد أن الدين بدأ توحيدا ولم يبدأ وثنية أو كما يقول علماء الاجتماع دوركايم وآخرون أن بداية الطوطمية ومش عارف إيه وعبادات الحيوانات، هذه نحن نعتقد أن الناس كانوا أمة واحدة فبعث الله النبيين -بعد أن انحرفوا- بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فهذا هو أصل الدين أن الله خلق الإنسان بفطرته محتاجا إلى الدين محتاجا إلى قوة يركن إليها إلى حصن حصين يلجأ إليه خصوصا في الشدائد والملمات يقول يا رب، فمن أجل هذا شرع الدين وكان هو جوهر الوجود، الحياة من غير دين لا معنى لها كواحد يعني في البحر يصارع الموج والموج يصرعه ويغالب الموت والموت يغلبه ومحتاج إلى سفينة ولا قارب ولا حتى لوح يعني يمسك به لينجو من الغرق فلا يجد، الدين هو قارب النجاة وسفينة الإنقاذ.

عثمان عثمان: زيادة في التوضيح فضيلة الدكتور، الله عز وجل يقول {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..}[آل عمران:19] ما معنى ذلك؟

يوسف القرضاوي: الدين طبعا الناس أخذوا أديانا مختلفة هناك من دان بالوثنية وهناك من دان بعبادة الأشياء، هناك من عبد البقر يعني زي المصريين كانوا بيعبدوا عجلا اسمه عجل أبيس وكما نرى الهنود إلى الآن يعبدون البقرة، هناك من عبد الشجر وهناك من عبد الجبال والأنهار يعني هناك من يعبد مظهر القوة، هناك من يعبد مظهر النعمة، يعني البقرة لأنها تأتي بالألبان وهكذا يعني يعبدها يعني واحد يعبد النهر لأن الحياة والماء هي {..وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..}[الأنبياء:30] ولكن الناس يعني في هذا مثلا في الهند عبدوا البقرة ولم يعبدوا الجاموسة والجاموسة يمكن أكثر لبنا من البقرة أو لبنها أحلى من ألبان الأبقار وعبدوا الأنثى ولم يعبدوا الذكر الثور وهو أشد قوة وهو اللي بيعمل في الحراثة وفي السقي، يعني تخاريف البشر في هذه.. ولذلك المؤرخ اليوناني اللي أنت ذكرت كلمته أنه عرفت مدن بلا حصون ومدن بلا قصور وتعرف مدن.. هذا صحيح ولكن المهم في هذه المعابد التي عرفت طوال التاريخ ماذا عبد فيها؟ الناس ضلوا سواء السبيل وعبدوا غير الله، ولذلك الأنبياء والرسل بعثهم الله لا ليقيموا الدليل على وجود الله لأن دي لم تكن قضية مطروحة، الملحدون طوال التاريخ قلة لا وزن لها، لم يكن هناك ملاحدة إنما المشكل الشرك والوثنية وعبادة غير الله هذه التي ولا تزال الوثنية إلى عصرنا هذا، الديانات الكبرى في عالمنا أكثر من المسيحية والإسلام واليهودية الوثنيات، في إفريقيا وآسيا آلاف الملايين فالشرك والوثنية أضلا البشر من قديم ولذلك كانت مهمة كل رسول أن ينادي قومه يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هي دي عبادة غير الله هي التي أفسدت حال الناس وأضلتهم عن الصراط المستقيم.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور ذكرتم أن الدين هو جوهر الحياة وهنا طبعا تكمن الحاجة لهذا الدين ولكن هذه الحاجة يعني هل هي إلى مطلق الدين بمعناه العام؟

يوسف القرضاوي: لا، إلى الدين الصحيح إلى الدين الحق، نحن قلنا الأديان حرفت حتى لما كل هذه يعني القرآن يقول عن الوثنيين الكفار العرب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}[الكافرون:1، 2] وبعدين في آخر السورة قال {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[الكافرون:6] فاعتبر دينهم الوثني ده دين، فهو يعني هذا دين وقال لأهل الكتاب يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم، قال {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ..}[آل عمران:85] فحتى الأديان الباطلة تعتبر، إنما المطلوب من الناس أن يدينوا دين الحق ولذلك الآية التي ذكرتها قبل ذلك قال{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..} هو دين واحد يعني الإسلام ليس دين محمد عليه الصلاة والسلام، هو دين كل الأنبياء من آدم عليه السلام ونوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم السلام كل هؤلاء كانوا مسلمين ودعوا إلى الإسلام، {..رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[الأعراف:126]، {..وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[يونس:72]، سيدنا نوح يقول{..وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[البقرة:132] فكلهم كانوا.. فالدين الحقيقي عند الله ومعنى الإسلام أن يسلم الإنسان وجهه لله، لا يسلمه لبشر ولا لكاهن ولا مخلوق، يسلم وجهه لله وأمره لله ويتلقى التعاليم من الرسول الذي بعثه الله، فأصل الدين هو تحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله حتى يكون عبدا لله وحده هو عبد لله اضطرارا، ما معنى عبد لله اضطرارا يعني هو في حياته وموته وصحته ومرضه ونومه ويقظته كله يعني بتجري عليه أحكام الله وأقدار الله، ما يقدرش ما ينامش ما يقدرش ما يأكلش ما يقدرش يمتنع عن الموت، ما يمتنعش عن المرض، دي العبودية لله الاضطرارية ودي مالهاش قيمة، العبودية التي لها قيمة والتي يمتحن بها الإنسان ويبتلى ويثاب عليها أو يعاقب هي العبودية الاختيارية، أن يكون عبدا لله اختيارا ومن هنا أنزل الله الشرائع لتخرج الناس من هواهم من اتباع أهوائهم أو أهواء الآخرين لأنه حتى يقول لهم {..وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ..}[المائدة:49] لا تتبع أهواءهم واحذرهم أن {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الجاثية:18] فالشريعة مهمتها إخراج الإنسان من اتباع هواه ومن الركض وراء شهواته ليكون عند أمر الله ونهيه فيتبع منهج الله عز وجل في التفكير وفي السلوك وفي التعبد وفي الحركة، حركة الحياة كلها تكون وفق ما هدى الله إليه وما أمر الله به.

الحاجة العقلية للدين وفطرية التدين

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أحد ضرورات الدين أنه يجيب ربما على التساؤلات الكبرى التي تواجه الإنسان، كيف يلبي الدين الحاجة العقلية لهذا الإنسان؟

يوسف القرضاوي: الدين يعني من أول الضرورات التي يلبيها الدين، لما نقول يعني الدين مش بس حاجة إلى الدين يعني في نحن نقول ضرورة إلى الدين، نحن عندنا المصالح يعني حسبما يقسمها الأصوليون والمسلمون ضرورات وحاجات وتحسينات، فالدين ليس حاجة فقط بل الدين ضرورة هو ضرورة عقلية وضرورة فطرية وضرورة لغوية وضرورة نفسية وضرورة اجتماعية فأول شيء ضرورة عقلية لأن الإنسان لا بد يتساءل عن هذا الكون كيف جاء ومن أي جاء والإنسان نفسه من الذي جاء به إلى هذا.. وليه؟ لماذا خلقت أنا إذا كان لي خالق لماذا خلقني؟ هل لي رسالة أو لي.. ما هي هذه الرسالة؟ ولذلك نقول هناك أسئلة ثلاثة سألها الإنسان منذ بدأ يفكر من قديم الزمان وهي بيلخصوها في كلمة من أين وإلى أين ولم؟ يعني من أين جئت وجاء هذا العالم من حولي بأرضه وسماواته بأفلاكه وجماداته ونباتاته وحيواناته وإنسانه يعني من أين جئت؟ هل هي المسألة مالهاش حل ولا لها يعني العقل يطلب، كما يقول القرآن {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..}[الطور:35، 36] يرددهم يعني ما ينكرش أنه في شيء يخلق من غير شيء، هذا ينافي القانون في السببية وفي العلية أن كل معلول لا بد له من علة وكل مسبب لا بد له من سبب وكل متحرك لا بد له من محرك وكل موجود لا بد له من موجد يعني فهذا وإلا يلزم عليه كما يقولون الدور أو التسلسل كما يقول علماء الكلام وكلاهما باطل، فلا بد أن ننتهي إلى أن هذه الموجودات لازم في موجد أوجدها، فهذه لا بد أن تجد إجابات على هذه الأسئلة، من أين وإلى أين؟ بعد أن أعيش لما أعيش ستين سنة سبعين سنة مائة سنة وعشرين سنة يعني إلى أين أذهب؟ سأموت، طيب هل الموت هو نهاية المطاف؟ هل الحياة هي هذه الأيام المعدودة والأنفاس المحدودة ثم تنتهي؟ هل الموت عدم صرف أو هو حياة أخرى جديدة رحلة جديدة مرحلة جديدة من مراحل الوجود؟ كما قال عمرو بن عبد العزيز "إنكم خلقتم للأبد وإنما تنقلون من دار إلى دار" كما قال الشاعر،

وما الموت إلا رحلة غير أنها

من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

فلا بد الإنسان يعرف أنه من أين وإلى أين ولم؟ لماذا جئت؟ لازم يعرف هل في هدف لحياته، في رسالة ليؤديها، فرق كبير بين أن يعيش ويعلم أن له رسالة يجب أن تؤدى وإنسان آخر لا يعرف لحياته معنى ولا يعرف لها طعما. ولذلك الناس الملاحدة والناس المرتابون حتى وإن لم يكن ملحدا إنما شاك ما عندوش يقين في شيء ويشك ويشك في أنه يشك فهؤلاء لا يحسون للحياة بمعنى ولا يذوقون لها طعما وهذا سر الانتحارات والمستشفيات النفسية اللي بالآلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف في أوروبا وأميركا، فهذا يعني هنا مهم في الدين أنه يعرف الإنسان من هو؟ هو مخلوق ولا غير مخلوق؟ وكائن له مهمة ولا كائن كما توجد الأشياء بلا هدف ولا كذا وسينتهي كما تنتهي الحيوانات الأخرى؟

عثمان عثمان: إذاً الدين يقدم إجابات كثيرة على أسئلة كثيرة. فضيلة الدكتور هناك من يقول بأن بعض الأديان أيضا بعض الفلسفات حاولت تقديم إجابات موازية ويطرح تساؤلا هل يمكن لهذه الفلسفات والأديان أن تشكل تحديا للأديان السماوية؟

يوسف القرضاوي: كل الفلسفات الوضعية وكل الأيديولوجيات التي اخترعها البشر وأهمها وأبرزها الماركسية، يعني أبرز الفلسفات التي استطاعت أن تقيم مجتمعات على أساسها في فلسفات وجدت ولكن لم تقم مجتمعا يعني مثلا أوغست كنت فيلسوف الوضعية المعروف وصاحب نظرية الأدوار الثلاثة، دور الثلاثية أن الأديان بدأت الأمر غيبيات وكهانات الناحية الدينية وبعدين انتهى دور الدين وجاء دور الفلسفة الميتافيزيقية وبعدين انتهى هذا الدور وجاء دور الفلسفة الوضعية التي تقوم على الحس والمشاهدة والتجربة وقال إنه نحن في هذا بتاع.. وإن التاريخ انتهى إلى هذا الحد، وهذا ناقشه شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه "الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان" ومن أعظم ما كتب في فكرة الدين والتدين وناقشه كذلك أستاذنا الدكتور محمد البهي في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث" والدكتور الرازي رحمه الله بين خطأ هذه النظرية أنها اختصرت التاريخ كله في شوط واحد يقال إنها يعني حتى دورات وحترجع، يقول كانت تكون أقل خطأ يعني لو كان الدين بعدين يجي الفلسفة وبعدين يجي العلم وبعدين تبدأ دورة أخرى.. ولكن هو يقول إن هذا غير صحيح، إن الدين والفلسفة موجودة في العصر الواحد في ناس يهتمون بالجانب الفلسفي وناس يهتمون بالجانب الوضعي والعلمي وناس يهتمون بالجانب الديني، بيقول حتى في النفس الإنسانية هذه النزعات موجودة في الإنسان الواحد يعني يفكر تفكيرا دينيا لاهوتيا غيبيا خالصا ويفكر تفكيرا عقليا مجردا، يتفلسف وينظر في أسرار الأشياء وفي أسرار الكون وفي الوقت نفسه ينظر نظرة حسية يقوم على التجربة وعلى.. يقول حتى في الشخص الواحد فناقش هذه الأشياء والعجيب النقاد أن كنت فيلسوف المدرسة الوضعية انتهى في حياته على غير ما دعا إليه، انتهى متدينا ومتصوفا عجيبا ونظرية دينية جديدة جعل لها طقوس وشعائر ومراسم وكهنة ويعني يقول وبنص كلام الشيخ دراز الله يرحمه يقول إنه أعاد السرحية بفصولها كاملة وإنما غير أشخاصها، وكثير من هؤلاء الذين كانوا ضد الدين يعني سبنسر هو فيلسوف التطور المعروف وحتى الأستاذ رشدي فكار ذكر إن ماركس في أواخر حياته كان له آراء في الدين وآراء في الإسلام ومدح الإسلام ولكن العلمانيين والجماعة خصوم الدين وخصوم الإسلام يخفون هذه الأشياء من تاريخ هؤلاء الفلاسفة ولا يبرزون الأشياء لأنها ضد مقولتهم وضد ما انتهوا إليه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني نتحدث عن هذا الأمر وهناك فئة من المتدينين ربما تدينهم وراثي بلا عقل وهناك بعض المشايخ الذين يريدون من أتباعهم مجرد الامتثال مجرد الاقتداء وبشكل أو بآخر يعطلون الحاجة العقلية لهذا الدين؟

يوسف القرضاوي: هذا ليس من الإسلام في شيء، الجانب العقلي في الإسلام جانب أساسي، يعني لأن الإسلام يقول {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ..}[يوسف:108] ويقول {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ..}[هود:17] يعني يريد أن يسلم الإنسان عن بينة {أفلا تعقلون}، {أفلا تتفكرون}،  {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ..}[الأعراف:185] تفكر ساعة خير من عبادة سنة، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً..}[آل عمران:190، 191] فهو يصفهم بالذكر ويصفهم بالفكر فهؤلاء هم أحباب الله عز وجل الذين وصفهم بعد ذلك بأن لهم جنات ولهم كذا ولهم، فالإسلام يرفض التدين الجاهل، الإيمان عندنا يقوم على العقلانية {..قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ..}[الأنبياء:24] هكذا ينادي الإسلام الوثنيين وينادي الجاحدين، قل هاتوا برهانكم، وينادي اليهود والنصارى {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة:111] فهو يحاج الجميع بالبرهان، القرآن هو الكتاب الوحيد من الكتب السماوية التي تجد فيه هذه الألفاظ منتشرة وتتكرر عشرات ومئات المرات، الحجة البرهان العقل العلم التفكر يعني لا يوجد كتاب إلا القرآن مليء.. أنا لي كتاب اسمه "العقل والعلم في القرآن" وبينت فيه كيف أنشأ القرآن العقلية العلمية التي ترفض اتباع الظن أو اتباع الهوى أو التقليد الأعمى {..إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}[الزخرف:22] أو {..إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[الأحزاب:67] بل لا بد من استخدام العقل ولذلك أنا أقول دائما العلم عندنا دين والدين عندنا علم، الدين عندنا علم، المحققون من علماء الإسلام قالوا إيمان المقلد غير مقبول كما حفظنا في جوهرة التوحيد، هي منظومة كنا ندرسها في الأزهر في الثانوي تقول "إن كل من قلد في التوحيد إيمانه لم يخلو من ترديد" فلا بد يؤمن بالدليل ولو إجمالي يعني لما تقول له آمنت بالله لازم يكون عنده.. طيب من اللي خلق الكون ده؟ آه معناها عنده، آمنت بمحمد، أمال من اللي؟ القرآن ده جابه من أين؟ أمال لماذا نصره على أعدائه؟ لماذا؟ في أدلة إجمالية فالمفروض كل مسلم لا بد أن يكون عنده على لماذا أسلم لماذا آمن بمحمد لماذا آمن بالقرآن لماذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، لا بد من هذا.

عثمان عثمان: نأخذ فاصلا فضيلة الدكتور ندخل بعده إلى الحاجة إلى التدين إن شاء الله، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الحاجة إلى الدين مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور الله عز وجل يقول {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] هل الهدف والغاية من الحياة العبادة فقط وبأي معنى؟

يوسف القرضاوي: العبادة لها معنى خاصة ومعنى عام، معنى خاص الكثير من الناس يعني الصلاة والصيام وكذا، ولكن العبادة كما فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته عن العبودية يقول لك العبادة كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فليست مقصورة على الشعائر التعبدية فقط، لا، إتقان العمل عبادة، حسن تربيتك لأولادك عبادة، رعايتك لزوجتك عبادة، إكرامك لجيرانك عبادة، بر الوالدين، صلة الأرحام، إتقان العمل، "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه"، عمارة الأرض يعني أيضا، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، القيام بالخلافة لله في الأرض {..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..}[البقرة:30] كل ده داخل في معنى العبادة فليس معنى العبادة أنك تمسك سبحة وسبحان الله سبحان الله وتعتكف في زاوية في المسجد وتتدروش وتترك الآخرين يتصدقون عليك، هذا ليس من الإسلام يعني في شيء. وأريد أن أعلق على كلمة..

عثمان عثمان: موضوع الامتثال.

يوسف القرضاوي: قلتها في السؤال اللي فات إن اللي بيقولوا الإسلام مجرد امتثال يعني تمتثل للشيخ وتنفذ أوامره حتى وإن كانت غلط يعني يقول لك يعني من قال لشيخه لم؟ لا يفلح، المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لا، الإسلام ما فيهش ده، الصحابة كانوا بيناقشوا الرسول عليه الصلاة والسلام ويعترضون أحيانا وسيدنا عمر قال له يا رسول الله أنت بعثت أبو هريرة يقول للناس من قال لا إله إلا الله يدخل الجنة؟ قال له آه، قال له لا، خل الناس يعملون، حيتكلوا على هذه الكلمة ولا يعملوا، قال خليهم يعملون خلاص ما تكملش مشوارك يا أبا هريرة. والصحابة يقولون يا رسول الله أهذا أمر أمرك الله به أم هو الرأي والحرب؟ قال له هو الرأي والحرب، قال له لا رأيك ده مش مظبوط، الرأي الصحيح أننا نعمل كذا ونعمل. إذا كان الصحابة يعملون هذا فكيف.. بل الإسلام عاب على أهل الكتاب من اليهود والنصارى كما جاء في سورة التوبة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ..}[التوبة:31] وعلي ابن حاتم وكان نصرانيا في الجاهلية قال له يا رسول الله ما كناش بنعبدهم، قال ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلوه ويحرمون عليكم الحلال فتحرموه؟ قال بلى، قال فتلك عبارتكم، الامتثال المطلق حتى وإن أحل الحرام وحرم الحلال، لازم يكون عندك موقف هذا في أشياء قواطع، ضد قواطع الدين لو قال لك الشيخ قل له إزاي؟ هذا لا يليق، فلا يريد الإسلام أنك تلغي عقلك أمام شيخك حتى وإن كنت تتعلم منه مع الأدب والاحترام طبعا ولكن من حقك أن تقول لا ولم وتناقش، هذا ما يربي الإسلام عليه المسلم يعني جوانب التربية العقلية أن المسلم لا بد أن تتكامل تربيته من الناحية العقلية والناحية الروحية ومن الناحية الخلقية ومن الناحية الجسمية ومن الناحية السياسية، من كل النواحي.

عثمان عثمان: إذاً {..إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] فضيلة الدكتور النزوع إلى التعبد هل هو حاجة فطرية مركوزة بالنفس أم ثقافية تأتي بالتعلم والتقليد؟

يوسف القرضاوي: لا، حاجة الإنسان إلى الدين وإلى عبادة الله هذه حاجة فطرية يعني حتى من غير تعلم وفي تراثنا الفكري هناك فيلسوف أندلسي اسمه ابن طفيل، ابن طفيل له قصة معروفة في تاريخ الفلسفة اسمها "حي ابن يقظان" هو تخيل واحدا يعني أمه وضعته في البرية أو كذا وماتت وبعدين جاءت عنزة وبقيت ترضعه لحد ما كبر وبعدين بدأ يعني يتعلم بالتجربة وبعد شوية ماتت العنزة فبدأ يفكر في الموت، إيه حكاية الموت ده؟ وإيه.. المهم أنه بطريقة تفكيره بدون ما حد يعلمه انتهى إلى أن في إله وأن هذا هو الذي خلق هذا الكون وخلقنا وهكذا يعني هذا بالفطرة، فطبعا بالثقافة يعني الإنسان يزداد معرفة ويزداد فهما ولذلك جاء الإسلام فطلب العلم قال طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة والتفقه في الدين "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وهذا ما هو مطلوب من الإنسان.

الحاجة النفسية والروحية للتدين

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ بعض المشاركات من الفيس بوك، الأخ أنس يقول "أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى التدين لأنه يحس بأنه ضعيف أمام هذا العالم إذاً فهو يحتاج إلى قوة دائمة عليا يلجأ إليها عند الشدة" يعني هذه الحاجة من أين تنبع، حاجة الإنسان إلى قوة عظمى وقوة عليا يلجأ إليها؟

يوسف القرضاوي: هي تنبع من ضعف الإنسان نفسه والإنسان نفسه كما قال الله تعالى {..وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28] ولكن هذا الإنسان الضعيف أحيانا يتجبر وأحيانا يعني يستكبر على غيره وأحيانا يأخذه العجب الإعجاب يعني بالنفس ثم تأتيه الشدائد فترده إلى فطرته كما حكى لنا القرآن عن أهل الجاهلية أنفسهم والمشركين {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[يونس:22] وهم ساعة ما أحاط بهم الموج من كل وعصفت بهم الرياح وأصبحوا خلاص على الموت يعني يهددهم في أي لحظة في هذه الحالة يقولون يعني يا رب يدعون الله مخلصين له الدين يعني ما بيقولش يا هبل ولا يا لات ولا يا عزى، الأصنام دي بينساها ويقول يا رب، معناها رجع إلى فطرته فعند الشدة يعود الإنسان إلى الفطرة السليمة ويلوذ بالله سبحانه وتعالى ويبسط كف الضراعة إلى الله ولذلك لأنه دعا مخلصا ربنا بيستجيب لأن كل من دعا الله مخلصا له الدين يستجيب، هو في هذه الحالة كان مخلصا، تجرد من الوثنية وعاد إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.

عثمان عثمان: إذاً نتحدث عن الحاجة النفسية والروحية للتدين، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، يعني ما أهمية الصلاة بشكل خاص والعبادات بشكل عام أن تكون كشفاء روحي لما يصيب الإنسان من الابتلاءات والمصائب؟

يوسف القرضاوي: هو الصلاة هي ابتهال إلى الله عز وجل وخشوع بين يدي الله ولجوء إليه يعني حتى النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث القدسي "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي إذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي إذا قال إياك نعبد قال هذا بيني وبين عبدي إذا قال اهدنا الصراط المستقيم قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" فهي مناجاة بينه وبين الله. في فيلسوف غربي هو عالم كوني كبير اسمه ألكسيس كاريل اللي هو صاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وهو ممن حصلوا على جائزة نوبل في العلوم له كتاب في الصلاة يبين أن الصلاة دي يعني حاجة من حاجات الإنسان يشعر فيها بذاته حينما تشغله الدنيا ويستغرق في هموم الدنيا وفي المادة وفي الأرقام يسحب نفسه فيجد نفسه وسكينة نفسه في هذه الصلاة ولذلك القرآن بيعتبر الصلاة مددا في معركة الحياة وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة:153] الصبر قوة خلقية والصلاة قوة روحية ولذلك يعني فعلا النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر من شدائد الأمور يفزع إلى الصلاة ويقول أرحنا بها يا بلال، حينما يقترب وقت الصلاة يقول لبلال أرحنا، يعني في بعض الناس بتصلي وتقول أرحنا منها، تعال نصلي ركعتين ونخلص يعني كأنه يريد أن يستريح من الصلاة إنما النبي يستريح بالصلاة ولذلك قال "جُعلت قرة عيني في الصلاة" فالصلاة حاجة روحية وحاجة نفسية للإنسان أنه في اليوم يجعلها القرآن تتكرر في اليوم كما تتكرر الوجبات في اليوم يأكل ثلاث مرات دي وجبات روحية في كل يوم خمس مرات {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}[هود:114].

عثمان عثمان: اسمح لنا فضيلة الدكتور أن نشرك بعض السادة المشاهدين، الأخ إبراهيم شعولة من البرازيل، تفضل أخ إبراهيم، أخ إبراهيم من البرازيل تسمعني؟.. عماد أبو صقر من الأردن، جلال الخوالدة من الإمارات، أخ جلال تفضل.

جلال الخوالدة/ الإمارات: السلام عليكم. والله يعني منمسي عليك وعلى فضيلة الشيخ وحلقة اليوم مميزة جدا الشريعة والحياة عن موضوع الحاجة للتدين..

عثمان عثمان: سؤالك أخي الكريم؟

جلال الخوالدة: نعم قبل ما أحكي على سؤالي أقدمه لفضيلة الشيخ كنت بدي أضيف بس على موضوع الحاجة للتدين في موضوع الحب لله عز وجل والخوف والطمع يعني في ثلاث مسائل اللي هي حب الله عز وجل اللي هو في النفس البشرية إضافة إلى الخوف الشديد، الخوف يعني قد يدعو إلى حاجة أو يدفع بحاجة ماسة للتدين إضافة للطمع الإنسان طماع يعني بطبعه وعنده رغبة يحصل على كل شيء والتدين يبدو لي أنه واحد من الرغبات خلينا نسميها. سؤالي لفضيلة الشيخ حول موضوع أنه هو فتح الباب على موضوع مناقشة الشيخ أن نناقش الشيخ في المسائل العقلية فسؤالي هل هي هذه دعوة يا دكتور أن نناقش الشيخ ونناقش غير الشيخ يعني أولياء الأمر نناقشهم برضه يعني لما نشوف شيئا لا يعجبنا هل نناقشهم؟ هذا ترى تصريح صحفي بكره رح يطلع، هل نناقش الجميع ولا نناقش بس الشيخ؟

عثمان عثمان: وضح السؤال أخي جلال، نحن طرحنا السؤال على الشيخ في موضوع مناقشة الشيخ أو عدم مناقشته. الأخ غياث علي، الإمارات. أخ فياض علي، تفضل أخ فياض.

فياض علي/ الإمارات: السلام عليكم ورحمة الله.

عثمان عثمان: وعليكم السلام، باختصار أخ فياض بارك الله فيك.

فياض علي: تحياتنا لفضيلة العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه ذخرا للأمة ولطلاب العلم والعلماء، نرجو من فضيلة الدكتور أن يتكرم وينبه على بعض الأخطاء والمغالطات الدارجة مثل قولهم رجال الدين ورأي الدين والأديان، ونحن نعلم أن الدين واحد {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..}[آل عمران:19] الأنبياء إخوة دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، كما أنهم يطلقون على المتدين متشدد أو متعصب وهكذا، وهل يكفي العقل للوصول إلى التدين السليم والصحيح؟ جزاكم الله خيرا.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ عبد السلام من العراق تفضل.

عبد السلام ملا سعيد/ العراق: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام تفضل بسؤالك أخي الكريم.

عبد السلام ملا سعيد: بدي أكلم الدكتور القرضاوي حأسأله سؤالا حول مظاهر التدين، هل فضيلة الدكتور مظاهر التدين التي نراها في العالم الإسلامي وفي الأمة الإسلامية الآن هل هذا هو صلب التدين؟ بمعنى أن بعض المسلمين الآن يتظاهرون بأنهم مسلمون ويؤدون العبادات ويؤدون الصلوات ومع ذلك يناقضون هذا التدين بأفعال أخرى.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ عبد السلام من العراق. فضيلة الدكتور نبدأ من الأخ عبد السلام يقول هناك بعض المسلمين عندهم مظاهر تدين بالشكل والممارسة إلا أنهم في بعض الأمور خاصة في العلاقات الاجتماعية ربما في العلاقات التجارية والاقتصادية يخالف فعلهم شكلهم ومظهرهم.

يوسف القرضاوي: شكل إيه؟

عثمان عثمان: عملهم على الأرض يخالف شكلهم اللي هو في الظاهر التزام وتدين.

يوسف القرضاوي: الإسلام لا يهمه الشكل، ممكن تلبس عمامة أو تطلق لحية طويلة أو تلبس ثوبا قصيرا أو تمسك مسبحة أو تعمل كذا هذا لا قيمة لهذا كله في الإسلام، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، المهم هو السلوك هو الذي يدل على سلامة إيمان المرء المسلم فنقيس الإنسان بعمله لا بمجرد أقواله {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }[الصف:3]، أو تلبس.. لا، هذا بالعكس أنا اللي يهمني أنك تلتزم، وحتى لا يكفي أن تصلي ولكن تأكل حقوق الناس، واحد يذهب إلى الصلاة في المسجد وهو عاق لوالديه أو قاطع لرحمه أو مسيء إلى جاره أو يعني لا يتحرى الحلال في معاملاته، إن كان تاجرا يأكل المال بالباطل لا يبالي أن يحتكر السلعة ليبيعها يعني للناس بأغلى الأثمان، يكذب يحلف كاذبا، هذا المهم نحن هنا في السلوك يعني ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول "بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان"، الإمام البيهقي يعني ألف كتابا اسمه "الجامع لشعب الإيمان" 17 مجلدا لشعب الإيمان فالمهم ماذا عنده من شعب هذا الإيمان، والقرآن لما يذكر لنا الإيمان يجسده في أخلاق وأعمال {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}[المؤمنون: 1- 5]، {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}[المؤمنون:8] وهكذا فالإيمان يتجسد في أخلاق وفي أعمال يشاهدها الناس وليس مجرد شعارات أو مجرد زي يظهر للخلق.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ الأخ محمد الأيوبي على بريد البرنامج يقول "في غمرة الزحام تثقل الهموم عاتق النفوس بهواجس الخوف من القادم المجهول، الخوف على الرزق على الولد الخوف من تقدم العمر الخوف على البنات ومستقبلهن وغير ذلك، كيف يمكن للتدين أن يوصلنا إلى حقيقة الطمأنينة المطلوبة؟"

يوسف القرضاوي: هذا أنا عالجت هذا الأمر في كتابي "الإيمان والحياة" وذكرت أن الإيمان هو أساس السعادة للفرد، الفرد دائما يحب أن يسعد، لا يمكن أن يسعد الفرد بغير الإيمان لأنه لكي يسعد السعادة أصلها مش فلوس ولا قصور ولا شيء من.. ولا وظيفة ولا جاه ولا مال، السعادة تنبع من النفس فلذلك يحتاج إلى الرضا إلى القناعة إلى الأمن إلى الأمل إلى سكينة النفس، والقرآن يقول {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}[الأنعام:82] وبعض السلف يقول إن الله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في السخط والشك، ولذلك لو أن هؤلاء كانوا مؤمنين إيمانا حقيقيا ما يحس بالقلق ولا باليأس ولا بالاكتئاب ولا بالخوف إنما غير المؤمن هو اللي خائف دوما خائف من المستقبل خائف من الشيخوخة خائف من المرض خائف على الأولاد خائف على كل شيء، المؤمن سد أبواب الخوف كلها إلا الخوف من الله وعاش آمنا الأمن النفسي ده، الذين آمنوا، وعاش راضيا كل الرضا، {..رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ..}[المائدة:119] فهذه وعاش آملا لا ييأس أبدا لأنه {..لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87]، {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ}[الحجر:56]. ولذلك آفة الحضارة الحديثة الأمراض النفسية هذه القلق، الاكتئاب، الشعور بالأسى، الشعور بالفراغ الشعور بالضياع بتفاهة الحياة، واحد اسمه هنري لينك طبيب نفسي ألف كتابا اسمه "العودة إلى الإيمان" هو كان ملحدا عاد إلى الإيمان عن طريق مرضاه، رأى أن المؤمنين هم دائما أقوى شخصية ولا تقهرهم الشدائد ولا ينتحرون ولكن غير المؤمنين ضائعون خالص فعاد إلى الإيمان وألف هذا الكتاب اسمه "العودة إلى الإيمان".

عثمان عثمان: مولانا هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد من التفصيل والمناقشة ربما ولكن انتهى الوقت، أشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أعتذر من كل الذين راسلونا ولم نستطع الإجابة على أسئلتهم، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة