قانون الارهاب والصوفية في البلقان والذهب التركي   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 8:07 (مكة المكرمة)، 5:07 (غرينتش)
مقدم الحلقة محمد البوريني
تاريخ الحلقة 14/04/2001






ماجد الزير
عمدة القرية
اورهان جوتشكان
الشيخ مسعود ميليتش
محمد خير البوريني
محمد خير البوريني:
أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من برنامجكم (مراسلو الجزيرة). نشاهد معاً في حلقة هذا الأسبوع: تقريراً حول قانون الإرهاب الجديد في بريطانيا الذي يسمح باعتقال أي شخص بدون توجيه تهمة إليه، وكيف يرى مراقبون ومعنيون أن هذا القانون يخلط ويساوي بين القاتل والضحية، فيستهدف النيل من تنظيمات معينة تنشط في الشرق الأوسط ولا تتفق توجهاتها مع السياسة البريطانية، وسياسات أنظمة حكم معينة.

كما تشاهدون تقريراً آخر يتحدث عن الطرق الصوفية في البلقان، وتحديداً في البوسنة، وكيف دخلت إلى تلك البلاد عن طريق الامبراطورية العثمانية في أوج قوتها، وكيف يصف البوسنيون بعض العرب الذي شاركوا معهم في الحرب ضد صربياً بالمتشددين.

وبعد الرد على مجموعة من رسائلكم نزور معكم تركيا حيث نشاهد قصة حول مظاهرات يقوم بها فلاحون في مدن كبرى احتجاجاً على استخدام مادة (السيانور) السامة في مشروع للتنقيب عن الذهب بالقرب من قريتهم ومزروعاتهم في قضية تحير القضاء التركي حتى الآن.
أهلاً بكم معنا إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

لغط وجدل كبيرين دارا حول قانون الإرهاب الذي سنته بريطانيا، والذي يسمح باعتقال أي شخص لمجرد الاشتباه بقيامه بأنشطة مخالفة لهذا القانون، إذ يتم الاعتقال دون تهمة أو دون صدور مذكرة توقيف بحق المشتبه فيهم، يرى مراقبون أن من حق بريطانيا أن تسن القوانين التي تراها مناسبة وتضمن لها أمنها، ويرى مراقبون آخرون أن القانون الجديد شكل انتكاسة وضربة كبرى للحقوق المدنية في البلاد، وأنه تم بالاتفاق مع أنظمة حكم عربية وشرق أوسطية بهدف محاصرة وتصفية تنظيمات إسلامية تمارس العنف لتحقيق أغراض سياسية، ليس ابتداءً من تنظيم القاعدة التابعة لبن لادن ولا انتهاءً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويرى هؤلاء أن هذا القانون يساوي بين القاتل والضحية، ويقولون: إنه يحرم فعل مقاومة الاحتلال والظلم الذي تصر بريطانيا أن تراه إرهاباً، ويحلل الإرهاب الذي تريد أن تراه بريطانيا والولايات المتحدة نضالاً حسب مصالحها كما يحدث بالنسبة للتنظيمات التي تدعمها الدولتان، وتهدف إلى إسقاط نظام الحكم في العراق، ولكن هل سيتمكن هذا القانون بالفعل من تحقيق الأهداف التي سُن من أجلها، وهل يلقى تجاوباً من قِبَل من استهدفهم؟ تقرير عبد القادر إمام أعده من لندن.

عبد القادر إمام:
لم يكن لدى الحكومة البريطانية أي خيار -كما قالت- سوى أ، تصدر قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب يسمح باعتقال أي شخص يشتبه في نشاطه في بريطانيا دون مذكرة توقيف لإخضاعه لحبس يمتد أسبوعاً كاملاً دون توجيه أي اتهام.

مايكل أوبراين (نائب وزير الداخلية البريطاني):
لبريطانيا تاريخ يمتد على مدى العقود الماضية للتعامل مع الإرهاب سيما فيما يتعلق بالإرهاب الأيرلندي وهذا ما دفعنا إلى سن قوانين صارمة تتعامل مع المسائل الإرهابية، والحكومة لا تريد أن تعتذر حول هذا الموضوع، لهذا فإن التشريع قد رُسخ الآن.

البرلمان البريطاني يناقش قانون الإرهاب

عبد القادر إمام:
قانون الإرهاب اختزل واحداً وعشرين اسماً لمنظمات وجماعات وأحزاب أجنبية بعضها لها تمثيل على الأراضي البريطانية، وبعضها لا يعرف بريطانيا على الخارطة الجغرافية قيل تلك هي المجموعات الإرهابية ويتوجب على البوليس البريطاني ملاحقتها أينما اشتم رائحتها أكانت إرهابية حقيقة، أو أنها غير مستساغة الرائحة للبريطانيين.

أحمد كَّلم (جامعة لندن):
إذا البريطانيين كان بدهم يعني يحطون أو يصنفون المنظمات الإرهابية عليهم أن يخدون بعين الاعتبار أولاً: وين عمل هاي المنظمات الإرهابية، نشاط هاي المنظمات الإرهابية؟ هل هاي المنظمات الإرهابية تقوم بعمل ضمن بريطانيا، أو ضمن أوروبا؟ بالطبع لأ.

عبد القادر إمام:
إحدى وعشرين منظمة إذن أغلبها من الجماعات الإسلامية مع بعض الإستثناءات الطفيفة والسواد الأعظم منها ينتمي إلى منطقة الشرق الأوسط، وإذا ما أخذنا أسماء من اللائحة بدت الصورة مشتملة على هذه الجماعات منظمة القاعدة التي يرأسها المنشق السعودي أسامة بن لادن، الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية المصريتان، الجماعتان الإسلاميتان المسلحة والسلفية للدعوة والقتال في الجزائر، منظمة الأمن الخارجي التابعة لحزب الله، كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس الفلسطينية، منظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وجماعة أبو نضال، جيش عدن الإسلامي، ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وحزب العمال الكردستاني، وثلاث منظمات كشميرية ونمور التاميل في سيرلانكا، العديد من المهتمين بالشأن البريطاني يعرفون أنه لا أحد يواجه الحكومة البريطانية بالانفجارات المتتالية سوى المجموعات المسلحة الأيرلندية وعلى رأسها الجيش الجمهوري الأيرلندي وهو ما دفع على الاعتقاد أن القانون وسع أساساً ليستهدف الحركات الإسلامية المعارضة تحديداً، ومن سار على نهج معارضة بعض الأنظمة والحكومات التي تربطها ببريطانيا مصالح خاصة، وبعض الفصائل الفلسطينية التي لها آراء خاصة حول عملية السلام في الشرق الأوسط.

ماجد الزير (رئيس نادي العودة الفلسطيني):
مشكلتنا مع هذا القانون أنه لم يفرق ما بين ما هو إرهاب، نجمع -بدون تحفظ- على إدانته كإرهاب يجب أن يحاسب عليه القانون وبين ما هو عمل مقاومة مسلح لدحر احتلال كما هي الحالة في فلسطين.

ياسر السري (رئيس المرصد الإسلامي لحقوق الإنسان):
هذا القانون بلا شك يعد خرقاً للحقوق والحريات.. حرية التعبير، حرية الانتماء، حرية التنظيم وأيضاً يعد تجاوزاً للمبادئ التي نصفت عليها الاتفاقية الأوروبية، أو الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان.

عبد القادر إمام:
الحكومة البريطانية قالت إنها عانت من الإرهاب بما فيه الكفاية، وليست هناك أية مخاوف.

مايكل أوبراين:
نريد أن نؤكد هنا في بريطانيا بأنه لدينا قوانين تحمي هذه البلاد والأقليات بما فيها الجالية الفلسطينية التي تعيش هنا، الحكومة خطت هذه الخطوة يقصد التعامل مع الإرهاب، لقد واجهنا إرهاباً قوياً في الماضي، خصوصاً مع منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي، وهذا ما يدفعنا إلى التشدد مع الإرهاب.

الجماعات الإسلامية تتظاهر ضد فرض قانون الإرهاب في بريطانيا

عبد القادر إمام:
برأي بعض السياسيين والإسلاميين أن بريطانيا بسنها هذا القانون تكون قد انتهكت كل الأعراف والمواثيق التي تقدس الحريات المختلفة للإنسان.

ياسر السري:
الصلاحيات التي منحت للسلطات الأمنية البريطانية تعتبر السلطات البريطانية وكأنها جندي وحارس وحامي للأنظمة القمعية في المنطقة العربية.

الشيخ أبو قتادة (داعية إسلامي):
هذا القانون الذي يقال له -قانون الإرهاب هو.. هو قانون إرهاب، يعني إذا جاز الذي سموه قانون الإرهاب أي لمعالجة الإرهاب في حد ذاته إرهاب، وإلا في الحقيقة لن يغير شيئاً، سيمد أيدي الأقسام الأمنية في داخل بريطانيا لأن تتجاوز كثيراً من حدودها الـ.. في التعامل مع المشتبه به، يعني إلى الآن قانون.. حتى قانون الإرهاب 1989م الذي نؤخذ به، الذي أخذت به الكثير ثم أطلقت سراحهم هو فقط قانون لمعالجة المشتبه بهم، وليس المتهمين.

عبد القادر إمام:
الجزيرة نقلت هذا القلق إلى نائب وزير الداخلية البريطانية الذي دحض ذلك الاعتقاد.

مايكل أو براين:
إنها نظرة الحكومة، فقبل هذا التشريع نستطيع أن نؤكد إدراج تلك المنظمات الخاصة ضمن اللوائح ونستطيع أن نتعامل مع كل ذلك ضمن القانون الدولي، وكل القوانين تقول لنا: بأننا على أحسن ما يُرام مع القانون الدولي، وإذا كانت هناك نظرة مختلفة فعليكم عرضها على وزارة الداخلية للنظر فيها فيما إذا كانت جديرة بالاهتمام.

عبد القادر إمام:
ولكن هل هناك تأثير على الحركات السياسية في شكلها الإسلامي إذا ما كانت تأخذ من بريطانيا قاعدة لعملها، عينة من هذه الاتجاهات لم تخف قلقها من تداعيات القانون.

سعد الفقيه (معارض سعودي):
القانون لم يكن جديد علينا لأننا تابعنا سير الأحداث منذ أن نوقش القانون في البرلمان ومضى في مراحل الإقرار النهائي حتى دخل حيز التنفيذ، فحن عايشنا ترتيب القانون خطوة.. خطوة وكنا مستوعبين ما أتى به من جديد، وعلى كل حال طبيعة نشاطنا ليس لها علاقة بهذا القانون، ولا يشملها هذا القانون، نشاطنا سلمي، متشددين في القضية السلمية، ولذلك ليس لنا علاقة بما يسمى بإرهاب، أو أي نشاط فيه نوع من أنواع العنف.

عبد القادر إمام:
ولكن الكثير يعتبر أن قانون الإرهاب بني على مراعاة المصلحة البريطانية.

سعد الفقيه:
نعم نعلم أننا ليس مرغوباً فينا كثيراً من قِبَل جهات بريطانية كثيرة المستفيدة والمتمصلحة من العلاقة مع النظام السعودي، وكذلك غيرنا من الجماعات والتنظيمات العاملة على الأرض البريطانية لا ينظر لها بسرور من قبل الحكومة البريطانية، ومن الجهات البريطانية، ولكن لا تستطيع الحكومة البريطانية أو أي جهة داخل بريطانياً عمل شيء إذا لم يخرق القانون.

عبد القادر إمام:
وهل هناك من يراعي حرص بريطانيا على مصلحتها إذا كانت على حساب القانون، ويكون بمقدوره مواجهة الواقع؟

ياسر السري:
كمعارض للنظام المصري سأستمر في دعم نشاط إخواني في داخل مصر، والعمل بما أؤمن به من ضرورة التغيير لهذا النظام، ولن يوقفني لا قانون بريطاني ولا قانون من الأمم المتحدة، ولا قانون.. هذا أمر ربَّاني.

عبد القادر إمام:
ولكن القانون الجديد يعتبر أن الجماعة التي تستخدم لغة العظة والتحريض في أي شكل من أشكال المعارضة التي تتعاطاها هو عمل إرهابي.

سعد الفقيه:
لا نعتقد أن نشاطنا يندرج تحت مسمى التحريض، لا شك أن نشاطنا في الانتقاد الشديد أو العنيف، نشاطنا في توجيه الناس لتصرف مُعيَّن تصرُّف سلمي، لا شك أنه غير مرضي للحكومات المعنية بهذا الأمر، وكذلك يضايق الحكومة البريطانية لأنه يحرجها مع هذه الحكومات التي لديها مصالح كبيرة معها، لكن لا يمكن أن يعرف بأنه تحريض على العنف، أو تحريض على إرهاب، أو تحريض على استخدام القوة.

عبد القادر إمام:
بعض ممن تابع الجدل الذي أعقب صدور القانون رأى أن بريطانيا اعتبرت إرهاباً حلالاً، وإرهاباً حراماً، وأنها لم تدرج الكثير من الجماعات السياسية والثورية الأخرى كبعض الجماعات العراقية مثلاً.

مايكل أوبراين:
ننظر بكثير من الحذر إلى تلك المجموعات التي تم وضعها على اللائحة، هناك بعض المنظمات نعتقد إنه يجب وضعها على اللائحة، ولكن بالمقابل نظرنا إلى ماضي بعض المنظمات الأخرى وحاضرها فوجدنا أنها لا تمارس الإرهاب، ولا تشكل أي مشكلة معنا، ولا مع أي جهة أخرى.

عبد القادر إمام:
يجمع كثير من الناشطين السياسيين هنا أن القانون البريطاني للإرهاب يُعدُّ أسوأ انتكاسة تحصل للحقوق المدنية في التاريخ البريطاني المعاصر، ويشكك الكثيرون في محاولة بريطانيا احتواء نشاطات المجموعة السياسية العاملة فوق أراضيها، لأن القانون -برأيهم- فُصِّل على مقاسات سياسية دون أن يراعي الجوانب القانوني السليمة، وهو ما يجعله دائماً عُرضة للإثارة والجدل. عبد القادر إمام لبرنامج مراسلو الجزيرة (لندن).

حضرة من الطقوس الصوفية

محمد خير البوريني:
كان المتصوفون الذي خدموا في صفوف الجيش العثماني أول من أدخل الطرق الصوفية إلى منطقة البلقان، يطرح كثيرون أسئلة مشروعة لا تجد أجوبة شافية حول بعض الطقوس التي تمارسها فرق الصوفية وتصفها بالكرامات، بينما يراها كثيرون إيذاءً للنفس البشرية التي هي ملك لله وحده.
الصوفية شيوخ ومريدون في تقرير سمير حسن أعده من البوسنة.

سمير حسن:
تؤكد الدلائل التاريخية أن الدراويش الدين كانوا في صفوف الجيش العثماني هم الذين نشروا الطرق الصوفية في البلقان بأكمله في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.

الشيخ مدحت تشالابتش (منسق العلاقات مع الجمعيات الدينية):
الإسلام جاء إلى هنا على أيدي المتصوفين قبل الفتح التركي للبوسنة، كما أن معظم قادة وجنود جيش السلطان محمد الفاتح كانوا من المتصوفين، ومنذ ذلك الحين والطرق الصوفية تعتبر القوة التي تدافع عن الإسلام والمسلمين في المنطقة.

التكية – مركز انطلاق الطريقة

سمير حسن:
الطرق الصوفية آنذاك كانت تتمتع بثقل سياسي تقدره الدوائر التركية الحاكمة في البوسنة، إلا أن هذه الطرق فقدت وزنها السياسي مع وصول الشيوعيين إلى الحكم، بل وفي وقتنا الحاضر رغم حضور بعض المسؤولين البوسنيين لحلقات الذكر والاحتفالات الصوفية.

الشيخ مدحت تشالابتش:
أصعب المراحل التي مر بها المتصوفين في البوسنة كانت أثناء الاحتلال المجري -النمساوي، حيث جرت محاولات عدة لمحو وجودهم، لكن المتصوفين تمكنوا من بناء تكايا في الجبال والغابات بعيداً عن أعين الاحتلال، وأيضاً في العهد الشيوعي تمكن النظام من خلال موظفين في الجمعية الإسلامية من منع الطرق الصوفية من ممارسة نشاطهم.

سمير حسن:
غير أن شيوخ ومريدي الطرق الصوفية في البوسنة كان لهم دور إيجابي في الحرب، إذ حملوا السلاح لمقاومة العدوان على بلدهم عام 92، وكانوا أول من انضم إلى الكتيبة المسلمة في الجيش البوسني، ومع أن دستور الجمعية الإسلامية الرسمية في البوسنة يعترف بالطرق الصوفية، إلا أن كل طريقة تنظم شؤونها بنفسها بالإضافة إلى مجلس يضم مشايخ الطرق، لكن قراراته ليست ملزمة، وتتمتع الطرق الصوفية بانتشار واحترام كبيرين في الأوساط البوسنية، وفي أعقاب الحرب ظهر من البوسنيين من ينكر على الطرق الصوفية ممارساتهم وشطحاتهم.

الشيخ مسعود حاجي ميليتش (شيخ الطرق الصوفية في البوسنة):
بعض الطلاب الذين درسوا العلوم الشرعية في الخارج هم الذين يقفون ضد المتصوفين في البوسنة.

الشيخ مدحت تشالابتش:
المسلمون الذين جاءوا لمساعدتنا أثناء الحرب رغم حسن نواياهم إلا أن بعضهم جلب إلى البوسنة أفكارا متشددة، أنا أعتبرها لا تختلف عبر أفكار الخوارج الأولى، هؤلاء الشباب هنا يطلق عليهم الوهابيون.

سمير حسن:
ولم يبق في البوسنة من اثنتي عشرة طريقة إلا أربع فقط النقشبندية، ثم الرفاعية، والقادرية والمولوية.

الشيخ مسعود حاجي ميليتش:
الطريقة الأكثر شهرة هي النقشبندية بنسبة 80% وتليها الطريقة الرفاعية بنسبة 15%، و3% للطريقة المولوية، وعدد قليل للطريقة القادرية.

بعض أزياء الصوفية

سمير حسن:
وهي طرق ذات أصول عربية وتركية، أما الطريقة البوسنية الوحيدة وهي الحمزوية التي أسسها الشيخ حمزه بليي فقد اندثرت في أواخر القرن السادس عشر لأنها كانت ضد وجود الأتراك في البوسنة، وإذا كان شيوخ الطرق يؤكدون عدم وجود فوارق جوهرية بين طريقة وأخرى، إلا أننا لاحظنا اختلافاً بين زي الشيخ والدراويش من حيث الألوان وشكل العمة، بالإضافة إلى نوعية الآلاف الموسيقية المستخدمة في الموالد.

الشيخ مسعود جاجي ميلتش:
لا يوجد اختلاف كبير في أوراد الذكر أو الحركة أثنائها، لكن في النقشبندية تقرأ الأوراد الفتحية قبل صلاة الصبح أو بعدها فردياً أو في جماعة، لكنها تكليف فردي من شيخ الطريقة، أما الرفاعية والقادرية فيشترطون وجود جماعة، وفي الرفاعية الشيخ مسؤول عن عدد مرات الذكر، فيطلب من الحاضرين مثلاً قراءة "قل الله أحد" تسع مرات وهكذا.

سمير حسن:
كما أن النقشبندية والقادرية يقبلون حضور النساء لحلقات الذكر في الصفوف الخلفية، ويوافق النقشبنديون على التواجد في وسائل الإعلام، بينما يرفضه الرفاعيون، ربما لأنهم يطعنون هذه الأسياخ في أجسادهم أثناء الذكر كدليل على عميق خشوعهم، وقد نجحت الطرق البوسنية في ترجمة عدد كبير من الكتب القديمة والحديثة التي كتبت عن الصوفية من اللغتين العربية والتركية إلى البوسنية.

وتفتخر كل طريقة بما يسمى بالسلسلة، وهي الشجرة التي تبدأ بمؤسس الطريقة مروراً بالشيوخ الذين توارثوا قيادتها، ومركز انطلاق الطريقة هو التكتية التي تستضيف مختلف الأنشطة الدينية والثقافية، وقد أتت الحرب على عدد كبير عن التكايا التاريخية، ولم يبق منها غير تكية سنان باشا المبنية في القرن السابع عشر، والتابعة للطريقة القادرية، بالإضافة إلى خمس عشرة تكية بنيت حديثاً والمسؤول عن التكية هو الشيخ، أما من يساعده أو يعمل على خدمته فهو مريد، ويلتقي أتباع جميع الطرق الصوفية في البوسنة أثناء الاحتفالات السنوية بموالد من يسمونهم بالأولياء والعارفين، وهي احتفالات لا تختلف البدع فيها عم يجري في نظيرتها في دول أخرى مثل التمسح بالقبور، أو الاحتفاظ بتراب من قبر مؤسس الطريقة، وقد ساهمت المشاكل الاقتصادية والنفسية التي خلفت الحرب في زيادة أعداد المقبلين على هذه الموالد.

الشيخ مسعود حاجي ميليش:
عندما يقع شخص في أزمة يريد الخروج منها فإنه يأتي إلى قبور الأولياء كوسيط عند الله للاستجابة لدعائه، إنها روحانية واحترام للأولياء، إنه شيء يطلبه القلب.

سمير حسن:
وأشهر الاحتفالات هو ما يعرف باسم (أيفاتو فيتسا) في وسط البوسنة، وله قصة تاريخية تعود إلى عام 1467 ميلادياً، حيث انقطع المطر عن بلده (بروستس) فلجأ (أيفازديدو) أو الجد أيفاز إلى الصلاة والدعاء والعبادة من أجل الاستسقاء، وبعد صلاة فجر اليوم الأربعين أخذته سِنَة من نوم رأى فيها أن الجبل ينشق إلى شطرين وتتفجر منه الماء، وبالفعل هذا ما حدث بعد أن استيقظ من نومه، ويأتي مسلمو البوسنة راكبين وراجلين قاصدين نفس المكان سنوياً في موكب تتقدمه القيادات الدينية لإحياء هذه الذكرى، ويزور البعض قبر (أيفاوز ديدو) ثم يلتقي الحاضرون لسماع الوعظ وحضور الذكر في المساء، وفي صباح اليوم التالي تنطلق الأفواج حاملة الرَّايات الخضراء باتجاه (أيفاتو فيتسا) مشياً على الأقدام لمسافة 6 كيلو مترات حيث الجبل الذي انبجست منه الماء، وهناك يدعون دعاء المطر، ثم يستمعون إلى وعظ من رئيس العلماء، ويطلق البعض على (أيفاتو فيتسا) الكعبة الصغيرة أو حج البوسنيين، لكن بعض العلماء هنا ينكرون هذه التسميات.

ورغم اختلاف اللغة والعادات بين دول العالم الإسلامي إلا أن شطحات الطرق الصوفية في البوسنة تتشابه مع نظيرتها في دول أخرى، غير أن الطرق الصوفية البوسنية تفتخر بأنها تحافظ على وجود المسلمين في منطقة البلقان.
سمير حسن –الجزيرة- أيفاتوفيتسا- وسط البوسنة.

محمد خير البوريني:
وإلى فقرة الردود على رسائلكم نبدأ من المغرب والرسالة بعثها المشاهد علي فخري يقترح فيها على البرنامج أن يقوم بطرح بعض القضايا المغربية المحددة ومنها: أحداث الصخيرات والانقلاب العسكري الثاني الذي قاده الجنرال أوفقير كما يطلب إعداد تقرير حول جمعية العدل والإحسان المحظورة والمضايقات، والابتزاز الذي يتعرض له أعضاء هذه الجمعية وزعيمها –على حد قول صاحب الرسالة- شكراً للمشاهد الكريم على رسالته، سبق يعني وأن عرض البرنامج تقريراً مفصلاً حول موضوع انقلاب الصخيرات وعائلات المفقودين وقضية التعويضات التي أثارت جدلاً واسعاً في المغرب، أما محاولة انقلاب أوفقير فلا نعلم بعد ما إذا كان بالإمكان القيام بإعداد تقرير مفصل حوله، وما إذا كانت الوسائل لذلك متوفرة وأقصد المواد الفيلمية الكافية وغير ذلك من شروط، على أي حال شوف نحاول الخوض في هذه القضية.

ومن السويد أرسل دكتور فاروق بدر الدين وهو في الأصل من مدينة (كركوك) العراقية، أرسل رسالة فاكس طلب فيها إعداد موضوعات حول حياة وعادات وتقاليد التركمان ونظرة الحكومات إليهم في الوطن العربي، ويقول: إنهم البقية الباقية من الإمبراطورية العثمانية، أجيب دكتور فاروق بالقول إن التركمان في العالم العربي باتوا جزءً من نسيج وهوية شعوب الدول العربية، حيث يتمتعون فيها بحقوق المواطنة الكاملة، كما هو الحال بالنسبة للأرمن في عدد من الدول العربية، لم تذكر في رسالتك ما إذا كان التركمان في الدول العربية يواجهون مشكلات معينة، ولا أعتقد بوجود مثل هذه المشكلات إلا إذا كانت في سياق هموم جميع مواطني الدول المعنية بغض النظر عن الأصول والمنابت والديانات التي يعتنقونها، على أي حال سوف تحاول البحث في هذا الأمر، ومن المعروف أنه يوجد تركمان في كلٍ من العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان، كما هو الحال بالنسبة للأرمن أيضاً.

ومن تونس بعث المنجي بن حسن نصر بعث رسالة قال فيها: الجزيرة هي القناة العربية الوحيدة التي تبث الحق وتنفي الباطل، وتنقل الخبر بكل مصداقية دون كذب ومبالغات، يطلب المشاهد الكريم من القناة تسليط الضوء على كيفية تنشئة الأطفال رياضياً، الرسالة وصلت وقمنا بتحويلها إلى القسم الرياضي في الجزيرة، ونود أن نؤكد هنا على ضرورة توجيه رسائل السادة المشاهدين التي تخص برامج أخرى توجيه تلك الرسائل إلى القائمين على البرامج المعنية من خلال كتابة عناوين تلك البرامج مباشرة وعلى نفس صندوق البريد الذي نعرضه في نهاية كل حلقة من حلقات (مراسلو الجزيرة).

ومن تونس أيضاً أرسل لحبيب بن عبد الله أرسل طالباً زيادة وقت البرنامج، كما طلب تسليط الضوء على حدائق بابل المعلقة في العراق، ويسأل المشاهد كيف هو شكل تلك الحدائق؟ وأجيبه بالقول: إنني كنت قد أعددت تقريراً أثناء زيارة عملٍ قمت بها إلى العراق في عام 97 وقد تطرقت في ذلك التقرير إلى عدد من أبرز الرموز الحضارية في العراق ومن بينها الحدائق المعلقة، ولكن لا بأس، وسنحاول تسليط الضوء على تلك الحدائق في وقت آخر إن شاء الله.

والسيدة منيرة من الجزائر بعثت إلى البرنامج قائلة في بداية رسالتها: قناتكم مستقلة وهذا ما جعل منها قناة القمة –وتتابع- أراهن أن معظم الجزائريين يتابعونها وخاصة الطبقة المثقفة منهم، فنحن نعشق حرية التعبير وبرامجكم تدل على جهد كبير وعمل جبار ورسالة نبيلة. تنتقد المشاهدة استخدام الجزيرة الدعايات التجارية والفواصل خلال عرض نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، كما تنتقد عرض مواجز من الأنباء خلال فترات بث البرامج الحوارية وتقول: إن ذلك يسبب الملل وفقدان التركيز لدى المشاهد.

كما تنتقد المشاهدة بعض الزملاء في الجزيرة وتقول: إنها تنتقدهم من منطلق الملاحظات البناءة والحفاظ على بقاء الجزيرة في القمة. شكراً للمشاهدة الكريمة، بالنسبة لانتقاد بعض الزملاء فقد وصلت الرسالة إلى أصحابها، وبالنسبة للفواصل ومواجز الأخبار فإن الجزيرة تقوم بشكل مخطط ومنسق بالكامل بعرض نشرات أخبار مفصلة وموجزة في كل ساعة من ساعات البث وعلى مدار الساعة، لأنها محطة أخبارية متخصصة، وبناءً على ذلك لا يمكن لها إلا أن تواصل وضع المشاهدين في صورة ما يجري في العالم بشكل متواصل، وأولاً بأول لاسيما التطورات والمستجدات المتلاحقة للأحداث، ربما تلاحظين أن مدة مواجز الأخبار التي تعرض خلال البرامج الحوارية لا تتجاوز مدة الواحدة منها الدقائق الثلاثة فقط، الأمر الذي لا يشكل عبئاً كبيراً على المشاهد، أما الفواصل الدعائية فلابد من عرضها على الشاشة خلال البرامج الحوارية وغير الحوارية، وحتى خلال نشرات الأخبار أحياناً ويدخل هذا في إطار اتفاق يتم عادة بين محطات التلفزة والجهة صاحبة الإعلان التجاري، وشكراً لك.

ومن سلطنة عُمان بعث سرحان المحرزي بعث رسالة انتقد فيها ما نعرضه حول السلطنة، ويقول: إن بعض التقارير التي تعرض تصور عُمان وكأنها بلد ديمقراطي وهي ليست كذلك في واقع الحال -حسب تعبير المشاهد-، شكرا على الرسالة التي تضمنت وجهة نظرك، إن مهمة مراسل الجزيرة الموجود في أي دولة من دول العالم أن يتابع الأحداث والأخبار وخاصة تلك التي تهم المشاهد العربي وأن ينقل للمشاهدين ما يرى ويسمع بكل موضوعية وحيادية، لا نسعى أو نعمل لمدح أو تلميع أي جهة، كما لا نسعى لذمها والحط من قدر إنجازاتها، الديمقراطية لم تطبق بعد بمفهومها الشامل ياسرحان في أي دولة عربية، كما أنها تبقي نسبية في الغالبية الساحقة من دول العالم أو ربما جميعها، مهما يكن فإن من الخطأ إنكار الخطوات الإيجابية الإصلاحية التي قامت بها بعض الدول العربية وبالتالي تسليط الضوء على أي تطور بهذا الشأن.

وأخيراً وصلتنا رسالة من مؤيد يوسف عمر في أوكرانياً، ومؤيد هو طالب في السنة الخامسة في كلية الطب هناك، جاء في الرسالة: "انشغالكم في قضايا الأمة في شتى أنحاء العالم هو الذي دفعني وشجعني أن أكتب إليكم، وأن أفتح صدري معاتباً عتاب العاشق لقناتكم الغالية في تقصيركم بحق الطلاب العرب في دول أوروبا الشرقية وأخص بالذكر روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء وملدافيا".. يتحدث مؤيد عن حال العديد من الطلبة العرب والدارسين في الجامعات الأوكرانية ويقول إنهم تناسوا الغرض من السفر إلى هذا البلد، وأصبحوا طلاب خمر ولهو ونساء وطلاب مراقص ليلية وقمار متناسين من ينتظرهم بفارغ الصبر، يحرموا أنفسهم –أي الأهل- من الطعام لكي يوفروه لهم، نجيب المشاهد بالقول إننا يمكن أن ننسى قضايا الطلبة العرب، ونتمنى أن نتمكن من الوصول إلى أي مكان في يوم واحد، لا يوجد لدينا مراسل في أوكرانيا، ولكننا سوف نبذل جهدنا لزيارتها –إن شاء الله- وطرق مثل هذا الموضوع وغيره، ونعتقد يا مؤيد أن انحراف أشخاص بعينهم عن الخط القويم لا يعني انحراف الجميع ونفضل عدم التحدث عن قضية تهم قطاعاً من الناس بصفة الجمع.

مشاهدينا الكرام إلى هنا نكتفي بهذا القدر من الردود على رسائلكم، ونأتي إلى نهاية هذه الفقرة من البرنامج، نعود الآن لمتابعة ما تبقى من فقرات.

مظاهرات تسير بين الحين والآخر في مدن تركية كبرى، احتجاجاً على عملية تنقيب –لم تبدأ بعد- عن الذهب، من المقرر أن تقوم بها إحدى الشركات الغربية، الاحتجاج ليس على الذهب أو الثروة الموعودة، وإنما على مادة (السيانور) السامة التي تستخدم في التنقيب، يقول منظمو المظاهرات وهم من القرويين في إحدى البلدات حيث يقام المشروع: إن مادة السيانور قد تلحق أفدح الضرر بهم وبتسويق مزروعاتهم، يستمر الجدل بين مؤيد ومعارض، ولكن ما هو سر هذا الوعي البيئي في صفوف مجموعة القرويين البسطاء الذين يستبقون الأحداث ويقومون بتنظيم تلك المظاهرات بأسلوب غريب وغير مألوف، من أجل قضية حيَّرت القضاء التركي حتى الآن؟ تقرير يوسف الشريف، أعده من تركيا.

يوسف الشريف:
منذ سنوات، ومن وقت لآخر ودون كلل أو ملل يواظب أهالي قرية (بيرجما) على تنظيم مظاهرات احتجاج في كبرى المدن التركية: أزمير، أنقرة، واستانبول.. يطالبون فيها بوقف عمل شركة (يوروجولد) الأجنبية على أراضيهم بحجة أنها تنقب عن الذهب هناك باستخدام مادة (السيانور) السامة التي يقولون أنها تهدد حياتهم وبيئتهم.

جانب من المظاهرة

مظاهرات أهالي (بيرجما) هي الأعجب بين مثيلاتها، إذ يصير المتظاهرون على التجمع، وهم شبه عراة، حفاة الأقدام أمام كبرى المؤسسات الحكومية والبرلمان في إصرار عجيب يثير أسئلة كثيرة حول من ينظم هذه المظاهرات؟ ومن يزرع هذا الوعي البيئي بين هؤلاء الذين لم يسمعوا في حياتهم عن السيانور، ولم يكمل أوفرهم حظاً من العلم دراسته الابتدائية، والأعجب أن الشركة الأجنبية (يوروجولد) لم تبدأ عملها بعد حتى الآن، وتنتظر من حوالي عشر سنوات حل خلافها مع أهالي (بيرجما) بعد ما صرفت عشرة ملايين دولار حتى الآن على المشروع المجمد، والذي ينتظر انتهاء الصراع الدائر بين العلم ووسائله الحديثة وبين البيئة وأنصارها في قضية حيَّرت القضاء التركي حتى الآن.

هذه التلال الرملية هي سبب النزاع القائم، فبعد أبحاث جيولوجية مكثفة اكتشفت شركة (يوروجولد) أن هذه الرمال والتي لا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن منازل القرويين تخفي بين ذراتها خمسة وعشرين طناً من الذهب ومثلها من الفضة، وما هذه سوى البداية؟! إذ تؤكد الشركة أن في تركيا آلاف الأطنان من الذهب غير مكتشفة بعد، ومصيرها معلق على بدء هذا المشروع الأول من نوعه، والذي سيفتح المجال فيما بعد أمام التنقيب عن بقية الذهب في تركيا، في البداية سُرَّ الجميع لهذا الكشف، وسارع أهالي القرية لبيع أراضيهم للشركة الأجنبية بأسعار مضاعفة، فيما لم تتأخر الشركة من جانبها في الحصول على التراخيص والأذون اللازمة من الحكومة التركية للتنقيب عن الذهب على مبدأ الاستثمار الأجنبي الذي تحصل بموجبه الدولة على 40% من صافي أرباح بيع الذهب والفضة، فيما تتكفل الشركة بجميع النفقات والتكاليف، وعليه قامت يوروجولد ببناء هذا الصرح الصناعي الذي بمقدوره أن يكتشف دقائق الذهب آلياً ويفصلها عن ذرات التراب بعد غسل التربة بالماء والسيانور، وبدا وكأن أطنان الذهب أصبحت أقرب للمثول واقعاً لولا تفجرت قضية السيانور وكيفية التخلص منه، وقد حاول القائمون على الشركة الأجنبية التأكيد مراراً على أن أسلوبهم في العمل يحول دون اختلاط السيانور المستخدم بالأراضي الزراعية أو المياه الجوفية.

خيري أوغت (خبير كيميائي-شركة يوروجولد):
نقوم بجمع الطين والمياه التي تحتوي على السيانور في بحيرة اصطناعية قمنا بإنشائها هنا، وعلمياً هناك طريقتان للتخلص من السيانور، أولهما طبيعية من خلال تعرض السيانور في البحيرة إلى أشعة الشمس التي تفككه كيميائياً إلى الكربون والأزوت، والطريقة الثانية، هي أن نقوم بما تفعله الطبيعة داخل هذا المصنع، فنسرَّع عملية تفكك السيانور بحيث لا يزيد تركيزه في البحيرة عن واحد مليجرام لكل لتر وهي نفس النسبة الموجودة في مياه الشرب.

جانب من القرية المجاورة لشركة التنقيب عن الذهب

يوسف الشريف:
ويؤكد المسؤولون في الشركة على أن هيئات علمية وحكومية ودولية متخصصة قد اختبرت استعدادات الشركة للتخلص من السيانور، وأكدت في تقاريرها أن الشركة قد اتخذت جميع التدابير اللازمة لذلك، ويؤكدون أن بحيرتهم الاصطناعية تستطيع أن تصمد أمام ز لزال بقوة تسع درجات على مقياس ريختر، بل وتعيش فيها بعض الحيوانات كدليل على عدم سمية مياهها المختلطة بالسيانور، وتتهم الشركة أهالي القارية بخداعهم، بعد ما باعوا لهم أراضيهم بأثمان مرتفعة جداً، لاحتوائها على الذهب، ومن ثم يمنعونهم من التنقيب عنه، ويشيرون إلى أن جهل القرويين وعدم إيمانهم بالوسائل العلمية يحول دون حصول حوار علمي مقنع بين الطرفين ومن الجانب الآخر فرقت هذه القضية بين أهالي قرية (بيرجما) بين مؤيد ومعارض، فالمعارضون لعمل الشركة يؤكدون على أن حياة الإنسان أهم من أي اكتشاف اقتصادي أو علمي، ولا يجب تعريضها للخطر.

فلاح تركي (من أهالي القرية):
إذا مت أنا فماذا تنفعني الثروة، وحتى لو صدقنا أن السيانور لا يؤذينا، كيف سنقنع التجار الذين سيشترون محاصيلنا الزراعية، وهم يشكون بأنها ملوثة بالسيانور.

القرويون يتظاهرون

يوسف الشريف:
ويذكر هؤلاء القرويين بأن 30 مليجراماً من السيانور كافية لقتل الإنسان ويخشون أن تفيض البحيرة بما فيها من سيانور شتاءً فتأتي على أراضيهم وتختلط بالمياه الجوفية التي يشربون منها وعلى بعد مائتي متر فقط نرى الطرف الثاني من أهالي القرية الذين يؤيدون عمل الشركة الأجنبية حتى توفر لهم فرص عمل، ومعظمهم من العاطلين يقضون أوقاتهم بالجلوس على المقاهي.

قروي تركي (عامل في شركة يوروجولد):
أنا بنفسي نزلت إلى تلك البحيرة وسبحت بها ساعة كاملة ولم يحصل لي شيء، هؤلاء الذين يرفضون عمل الشركة، هم أصحاب المزارع والمقتدرين مالياً، ولا يهمهم مصلحة العمال والفقراء جميعنا هنا عاطلون عن العمل، ونفكر بالذهاب إلى إيران للعمل هناك.

عمدة القرية:
نحن هنا كلنا جهلة، لا نفقه في العلم، فإذا كانت الدولة والعلماء يقولون: إن هذا المشروع لا يضر بنا، فعلينا أن نسمع ونطيع، لكن هؤلاء المعارضين يحاولون أن يحققوا مكاسب سياسية من وراء هذه القضية، ويتصنعون الخوف على البيئة ولا يمكن لقريتنا أن تتطور بالزراعة وحدها، يجب أن نستثمر خيرات الأرض ونتوجه إلى الصناعة أيضاً.

يوسف الشريف:
ويذكر المؤيدون لعمل الشركة أن الحكومة نفسها تستعمل السيانور للتنقيب عن الفضة في محافظة (كُتاحيا) وأن هناك مشاريع مماثلة في كل من إيران واليونان، وهناك أكثر من مائة مشروع مماثل أيضاً في الولايات المتحدة الأميركية ويتساؤلون: لماذا هذا الاعتراض إذن على أول تجربة للاستثمار الأجنبي في التنقيب عن الذهب في تركيا؟

هذا التساؤل يحمل الخلاف إلى ساحة سياسية واسعة حسب ادعاءات ممثلي شركة يوروجولد-.
أورهان جوتشكان (عضو مجلس إدارة شركة يوروجولد- ممثل تركيا):
يجب أن نتذكر أن تركيا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بمخزون من الذهب ولم تنقب عنه حتى الآن، وبدلاً من ذلك تستورد تركيا سنوياً مائتي طن ذهب من دول أوروبية أهمها ألمانيا، ومن المؤكد أن هذه الدولة لن تسعد باستخراج تركيا لذهبها أو استغنائها عن الذهب الأوروبي، ولو تتبعت جماعات حماية البيئة هنا، لوجدتها تستمد دعمها المادي من تلك الدول، ولذلك يحق أن نشك في نوايا هذه الجماعات خصوصاً إذا علمت أن في تركيا ذهباً يكفي لسداد ديونها الخارجية.

يوسف الشريف:
ويذكر ممثلو شركة (يوروجلود) في تركيا أن جماعات حماية البيئة يطلبون المستحيل، ويعلمون أنه لا يمكن أن تتخذ الشركة تدابير حماية أكثر من تلك التي اتخذتها. وفي المقابل يدافع حماة البيئة عن موقفهم تجاه قريتهم، وعلى رأسهم عضو في حزب الشعب الجمهوري اليساري.

صفا طاشكن (عضو حزب الشعب وناشط في الدفاع عن البيئة):
نحن لا نجري وراء السياسة، بل الشركة الأجنبية هي التي تُحظى بحماية سياسية من السيد (أجاويد) وسابقاً الرئيس (ديميريل) و(مسعود يلمظ)، نحن نريد أن نعيش بأمان دون تهديد، ولدينا تقارير من علماء تقول: إن السيانور يهدد حياة الإنسان، ويجب ألا ننسى مأساة السيانور التي وقعت هذا العام في رومانيا، وسعي بعض الدول لإغلاق هذه المناجم، فلماذا نتبع الأمثلة السيئة، ولا نبدأ باتخاذ الخطوات الصحيحة؟

يوسف الشريف:
وبذلك تبقى (بيرجما) تنتظر حل هذا الخلاف الطويل حتى تظفر إما بالذهب، أو ببيئة مثالية، وكلاهما نصر لها؟ إلا أن هذه القضية طرحت للنقاش مسألة جمعيات الحفاظ على البيئة التي بدأت تنتشر بسرعة وأهدافها ومن وراءها، وكذلك إلى أي مدى يمكن أن تضحي الدول بجزء من هواجسها الأمنية، من أجل الاستثمار الأجنبي.

عشر سنوات من الخلاف فشل خلالها أهالي مدينة (بيرجما) بالتوصل إلى حل وسط، أو أي اتفاق حول عملية التنقيب عن الذهب باستخدام مادة السيانور، إلا أن الجميع هنا يتفق على أمر واحد، وهو التنديد بموقف الحكومة السلبي الرافض للتحكيم في هذه القضية، مما جعل القضية تستمر لعدة سنوات.
يوسف الشريف (مراسلو الجزيرة) (بيرجما).

محمد خير البوريني:
مشاهدينا الكرام، إلى هنا نأتي إلى نهاية حلقة هذا الأسبوع من البرنامج، لمتابعي البرنامج، يمكنكم مشاهدة تفاصيل هذه الحلقة من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والموقع هو www.aljazeera.net ويمكنكم مراسلة البرنامج على العنوان التالي: برنامج (مراسلو الجزيرة) صندوق بريد رقم 23123 الدوحة-قطر، أما رقم الفاكس فهو 4860194، علماً بأن الرقم الدولي هو 00974، نقول من جديد نتابع طلباتكم واستفساراتكم واقتراحاتكم أولاً بأول، وسنرد عليها كذلك أولاً بأول بحول الله تعالى، حتى الأسبوع المقبل، هذه تحية من المخرج صبري الرماحي وفريق البرنامج، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني.. إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة