الصلاح والصالحون في القرآن الكريم   
الثلاثاء 1430/3/20 هـ - الموافق 17/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)

معنى الصلاح ومواصفات الصالحين
كيفية اكتساب الصلاح ومعنى وراثة الصالحين
دور الصالحين في نصرة الأمة وعلاقة الإيمان بالصلاح
تأثير العمل الصالح وجزاؤه في الدنيا والآخرة

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ..}[الأعراف:168]، إن الصلاح والصالحين والعمل الصالح من المفاهيم المحورية في القرآن الكريم التي تستحق التأمل والتبصر فالإيمان اقترن بالعمل والعمل الصالح على وجه التحديد مما يطرح جملة من التساؤلات عن معنى الصلاح في القرآن الكريم وعن صفات الصالحين ولماذا اقترن عمل الصالحات بالإيمان؟ وهل من الممكن أن يصدر العمل الصالح عن غير المؤمنين أيضا؟ الصلاح والصالحون في القرآن الكريم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي
.

يوسف القرضاوي: يا مرحبا.

معنى الصلاح ومواصفات الصالحين

عثمان عثمان: لفظ الصلاح ولفظ الصالحين من الألفاظ المحورية في كتاب الله عز وجل، بداية ماذا نعني بالصلاح؟

صلاح الشيء معناه أن يكون ملائما لتحقيق الهدف الذي يراد منه
يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فإن صلاح الشيء معناه أن يكون ملائما لتحقيق الهدف الذي يراد منه فإذا كانت مثلا السكين يراد منها القطع وبعدين لقيناها سكينة تالمة، غير صالحة، يعني لو فرس يراد منه أن يكون في السباق وبتاع ولكنه سمين وثخين وغير صالح يعني صلاحه أن يكون مستقيما مؤديا للمقصود منه، وصلاح الإنسان معناه أن يكون ملائما لتحقيق المقاصد التي تراد من الإنسان. ربنا خلق الإنسان لتحقيق مقاصد ثلاثة أولها عبادة الله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، الأمر الثاني استخلافه في الأرض، أن يكون خليفة الله في الأرض {..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..}[البقرة:30]، الأمر الثالث عمارة الأرض {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..}[هود:61]، فصلاح الإنسان أن يكون لائقا بتحقيق هذه المقاصد، ملائما لها، إذا لم يكن صالحا لأداء هذه الأشياء ملائما يعني ليقوم بها لم يعد صالحا، شيء تالف لا يصلح لهذا، فهذا معنى الصلاح الحقيقة
.

عثمان عثمان: {..مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ..} هل يعني هذا تقسيم الأمم إلى صالح وطالح؟

يوسف القرضاوي: طبعا، تقسيم الأمم وتقسيم الأفراد وتقسيم الجماعات، منهم صالحون ومنهم دون ذلك أقل من الصالحين ومنهم فاسدون ومنهم مفسدون في الأرض، الصلاح مقابل الفساد، يعني {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا..}[الأعراف:56] فدائما الصلاح مقابل الفساد. ففي فرد صالح وفرد دون الصالح وفرد فاسد وفرد أكثر من ذلك مفسد في الأرض مثل فرعون ونمرود والجبارين وبتاع، إنه كان من المفسدين كما قال الله تعالى عن فرعون {..إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:4]، فالأمم والأفراد والجماعات تختلف ما بين الصالح والفاسد على حسب أيضا إقامتهم لمقاصد الله تعالى من خلقه، هل يعمرون الأرض؟ هل قاموا بحق الخلافة في الأرض بإقامة الحق والعدل؟ هل عبدوا الله وأدوا له حقه؟ بمقدار ذلك نحكم عليهم هل هم صالحون أم غير صالحين.

عثمان عثمان: يعني هؤلاء الصالحون مصطلح قرآني والله عز وجل يعني كما سماهم الصالحون كان هناك الدعاء وألحقني بالصالحين، يعني هل هذا الإلحاق بالصالحين هو إلحاق بجماعة أو فئة معينة من البشر أم هو إلحاق صفة؟

يوسف القرضاوي: هي فئة ذات أوصاف معينة كالمتقين كالمؤمنين كالصديقين يعني جماعة لها أوصاف معينة، يعني رب اجعلني منهم يعني احشرني في زمرة المتقين أو اجعلني مع المؤمنين، كذلك الصالحين، كذلك سيدنا إبراهيم يقول {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[الشعراء:83]، سيدنا يوسف يقول {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف:101]، سيدنا سليمان حينما سمع النملة وفهم كلامها {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}[النمل:19]، فالكل يتمنى أن يكون في هؤلاء الصالحين والله تعالى يقول {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ}[العنكبوت:9] وقال عن سيدنا عيسى {..وَمِنَ الصَّالِحِينَ}[آل عمران:46] وأيضا يحيى من الصالحين {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ}[الأنعام:85]، الأنبياء وصفهم الله بأنهم من الصالحين مما يدل على أن الصالحين دي يعني ليست شيئا هينا، بعض الناس يفهم أن رجلا صالحا يعني درويش ويعني كذا، لا، صالح ده يعني كلمة كبيرة جدا، يعني إنسان آمن وعمل صالحا وقام بواجبه نحو ربه ونحو نفسه ونحو أسرته ونحو مجتمعه ونحو أمته ونحو الإنسانية جمعاء ونحو الكون الكبير، هذا معنى الصلاح والصالح.

عثمان عثمان: هل يمكن أن يكون هناك مواصفات محددة لهؤلاء الصالحين يمكن أن يعرفوا من خلالها؟

يوسف القرضاوي: هو القرآن ذكر لنا صفات هؤلاء، الصالحون هم الحقيقة هم المؤمنون هم المتقون هم أولو الألباب في القرآن، هم الأبرار هم عباد الرحمن {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً}[الفرقان:63] إلى آخره {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:1، 2] أصل الصلاح هو انبثاق من الإيمان من ثمرات الإيمان، الإيمان الحقيقي هو الذي يثمر الصالحات، عمل الصالحات لذلك القرآن دائما يقرن بين الإيمان والعمل الصالح، عمل صالحا أو عملوا الصالحات {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }[الكهف:107]، {وَالْعَصْرِ،إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر:1-3] كلمة الصالحات كلمة قرآنية من التعبيرات القرآنية الجامعة يعني تشمل كل ما يصلح به الفرد وما تصلح به الأسرة وما تصلح به الجماعة وما تصلح به الأمة، ما يصلح به الفرد روحيا وما يصلح به عقليا وما يصلح به بدنيا وما يصلح به نفسيا، هذه هي كلمة الصالحات، بدل ما يقول أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وكفلوا اليتيم ورعوا الفقراء وعملوا كذا، يقول عملوا الصالحات ليشمل الصالحات في الدين والصالحات في الدنيا، ما تصلح به الدنيا وما يصلح به الدين معا، كل ده تشمله كلمة الصالحات.

عثمان عثمان: يعني في موضوع الصفات الأخ شيخ أحمد من موريتانيا يقول عندنا في موريتانيا اختلط الأمر ما بين الصالحين والمشعوذين، فهناك شريحة اجتماعية تطلق على نفسها اسم الشيوخ يدعي بعضهم معرفة الغيب وشفاء المريض وبعضهم ادعى عد حصى الأرض إلى آخر هذا الكلام اللائحة طويلة من الادعاءات التي لا يصدقها العقل كما يقول، الغريب في الأمر أن الكثير منهم يجهل أمور الدين مدعيا أنه أدرى بالعلم الباطن على الظاهر، السيء في الأمر أن الكثير من العامة وحتى الخاصة يصدقونه. يعني يريد أن يعرف من خلال هذه الصفات كيف تكون مطابقة لصفات الصالحين كما يزعمون؟

يوسف القرضاوي: الصالحون ليست بالادعاء بالعكس هذه الأشياء التي يقولها الشعوذة وادعاء معرفة الغيب هذا ضد الإسلام وضد ما جاء به الإسلام، القرآن يقول {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ..}[النمل:65]، {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ..}[الأنعام:59]، ويقول عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ..}[الأعراف:188] ومحمد لا يعلم الغيب ولا يعني، وكل الأنبياء لا يعلمون الغيب فكيف يدعي هؤلاء؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول من ذهب إلى كاهن فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ما أنزل على محمد الغيب لا يعلمه، الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله، فهؤلاء الكهنة والدجالون، هؤلاء الإسلام يعني منع من كل هذا، السحرة والمشعوذون والذين يضربون الرمل أو يفتحون الكتاب أو يعملون بالطرق هذه كلها يعني طرق تعتبر من الدجل الذي يرفضه الإسلام فهؤلاء ليسوا صالحين ولا دون ذلك حتى، هؤلاء فاسدون ومفسدون في الأرض.


كيفية اكتساب الصلاح ومعنى وراثة الصالحين

عثمان عثمان: الأخ عبد العظيم المراغي يقول الصلاح هل هو منة وهبة ومنحة من الله عز وجل، أم أنه يكتسب من الحياة ومعاشرة الصالحين؟

الصلاح هبة من الله للإنسان بحيث يجعله قادرا على العمل الصالح, لأن جميع الناس قادرون على العمل لكن جزءا منهم من يرغب في العمل الصالح
يوسف القرضاوي:
الصلاح هو كل إنسان أقدره الله على أن يعمل صالحا، يعني هناك هبات من الله عز وجل، يعني يعطي بعض الناس إنما كل الناس قادرون على أن يكونوا صالحين لأن الله سبحانه وتعالى مكن للإنسان أعطاه العقل الذي به يفكر والإرادة التي بها يرجح والقدرة التي بها ينفذ وأعطاه من المواهب العقلية والنفسية والروحية وأنزل عليه الكتاب وبعث له الرسول وأوضح له المحجة وأقام عليه الحجة فلم يعد هناك عذر لأحد {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا..}[الأنعام:104]، {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا..}[الإسراء:15]، الطريق واضح للجميع، كل إنسان قادر على أن، ومع هذا الإنسان أيضا من شأنه أن يستعين بالله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] يستعن بالله حتى يديم عليه التوفيق ويديم عليه الهداية ويقول يارب اهدني، إحنا في كل يوم في قراءة الفاتحة في الصلواة الخمس، نقرأها على الأقل 17 مرة لو اقتصرنا على الفرائض ونقول {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}[الفاتحة:6] نستعين بالله سبحانه وتعالى على الهداية
.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما السؤال {..وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ..}[الكهف:46]، عندما تحدث القرآن عن الباقيات الصالحات، ما المقصود بهذه الباقيات الصالحات؟

يوسف القرضاوي: القرآن دائما يقارن بين زينة الدنيا ومتاع الدنيا وبين ما هو خير وأبقى {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[الأعلى: 16، 17]، {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه:131]، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[آل عمران:14]، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران:15] وبعدين يقول {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}[آل عمران:16، 17]، ففي حب الشهوات من النساء والبنين والدنيا وفي هذه الأشياء، هنا القرآن يقول {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}[الكهف:46] في المال والبنون الذي يتعلق بها الناس من متاع الحياة ومن زخارف هذه الدنيا وهي فتنة للناس {..أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ..}[الأنفال:28] وفي مقابل هذا هناك القيم العليا التي يجب أن يتشبث الناس بها ويستمسكوا بعراها ولا يحيدوا عنها، الباقيات الصالحات من الأقوال، جاء في بعض الأحاديث إن من الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. فيعني في أقوال وفي أعمال التي ذكرها القرآن في سورة المؤمنون {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}[المؤمنون:1- 5] يعني في فعل مأمور وترك محظور، ترك محظور زي {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون}، {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} ده ترك المحظور. وفعل المأمور {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون}، {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}[المؤمنون:8] فهذا هو المقصود في هذه.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور بالانتقال إلى محور آخر عن متعلقات الصلاح، القرآن الكريم ربط بين الصلاح وبين وراثة الأرض كما قال الله عز وجل {..أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء:105]، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ..}[النور:55] إلى آخر الآية. يعني وراثة الصالحين واستخلافهم في الأرض ما حقيقتها؟

يوسف القرضاوي: الله سبحانه وتعالى يريد من الناس أن يطبقوا منهجه في الأرض وقد بعث الله رسله وأنزل كتبه ليعرف الناس منهج الله في حياتهم، وإذا صلح الناس وكانوا كما يحب الله تعالى المفروض هم الذين يرثون الأرض، الصالحون، الصالحون كما قلنا في أول الأمر بعض الناس الصالحون يعني الدراويش، البلهاء، زي بعضهم بيقول لك أهل الجنة البله، يعني وربنا بيقول {أولو الألباب} يعني وصف أهل الجنة بأنهم أولو الألباب {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ..}[الرعد:23] ده وصف أولي الألباب وهؤلاء بيقول لك أكثر أهل الجنة البله، هذا فهم غلط، الصالحون هم الصالحون في دينهم، الصالحون في عقولهم، الصالحون في أخلاقهم.

عثمان عثمان: هؤلاء يرثون الأرض.

يوسف القرضاوي: هم الذين يرثون الأرض كما أورثها الله للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه وتابعيهم من بعدهم، ملكوا الدنيا، كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس ولكن الله سبحانه وتعالى مكن لهم في الأرض وأورثهم الأرض بعد الظالمين والفجرة والمشركين كما قال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}[إبراهيم:13، 14] هؤلاء الذين يرثون الأرض هم الذين يخافون مقام الله ويخافون وعيد الله كالصحابة الذين ورثوا ملك كسرى وملك قيصر، فهؤلاء هم الذين يرثون، الذين أورثهم، في جبابرة في الأرض ممكن يتحكمون بالناس مثلما تحكم فرعون {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات:24] {..مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..}[القصص:38] واستضعف طائفة منهم {..يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:4] مثل يعني نمرود {.. إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ..}[البقرة:258] هؤلاء الجبابرة ليسوا من الذين أورثهم الله، هم نهبوا الأرض أخذوها نهبا إنما ليسوا هم الذين استخلفهم الله على عباده، كما قال الله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً..}[النور:55] هؤلاء هم خلفاء الله في الأرض.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا يعني ربما هذا الموضوع بحاجة إلى كثير من أو إلى أكثر من التوضيح، موضوع الفاسدون الذين يتحكمون في رقاب العباد، يتحكمون في أرزاقهم وفي السلطات، البعض يرى هذا تمكينا في الأرض بينما التمكين يكون للصالحين، نحاول أن نضيء أكثر على هذه القضية بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي هي بعنوان الصلاح والصالحون في القرآن. فضلية الدكتور حين نجد أن المتحكمين في الأرض في العباد في البلاد في السلطات من الطالحين أين يكون الخلل هنا؟

يوسف القرضاوي: مش من الصالحين من غير الصالحين.

عثمان عثمان: الآن نجد هناك من الطالحين، من غير الصالحين من المفسدين يتحكمون في البلاد والعباد أين يكون الخلل هنا؟

يوسف القرضاوي: الخلل هو من الناس، كما جاء في بعض الآثار، كما تكونوا يولى عليكم، أي أن الحكام هم من إفراز المجتمعات نفسها، المجتمعات أحيانا أيضا تفسد هي فيسلط عليها بسبب فسادها أناس يسومونها سوء العذاب. وقد يكون المجتمعات يعني تضعف تجبن عن مقاومة الظالمين، في مثل يقول إيه؟ يا فرعون إيش فرعنك؟ قال لهم ما لقيت حد يردني، يعني الذي يجعل الفراعنة يتجبرون في الأرض، استسلام الناس لهم خنوع الناس، وهذا ما لا يريده الإسلام ولا يريده الدين، يريد أن يرفع رأس الناس أن يقول الناس لا، كما قال سيدنا عمر يعجبني من الرجل إذا سيم الخسف أن يقول بملء فيه لا. فالناس، استسلامهم لهؤلاء الناس كما قال الله تعالى عن فرعون {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ..}[الزخرف:54] وقال عن قوم هود {..وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}[هود:59] فاستسلامهم للجبارة جرأ الجبابرة على هؤلاء الخلق، ولذلك لكي يعني يذهب هؤلاء لا بد أن يتغير الناس. القرآن أشار إلى قانون مهم جدا في التغيير وهو أن الناس يعني يجب أن يتغيروا من داخلهم يعني لكي تغير الإنسان غيره من ضميره ومن عقله، الإنسان لا يقاد من أذنه كما تقاد بهيمة الأنعام إنما يقاد من عقله الذي يفكر به من ضميره الذي يتعامل به مع الأشياء والقيم، والله تعالى يقول {.. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..}[الرعد:11] فإذا تغير الناس حالهم من فساد إلى صلاح ومن ضعف إلى قوة ومن انحراف إلى استقامة استطاعوا أن يغيروا هذا الواقع وأن يصيروا هم الممكنين في الأرض كما قال الله تعالى {..وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ..}[الحج:40، 41].


دور الصالحين في نصرة الأمة وعلاقة الإيمان بالصلاح

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ رميزان التميمي من السعودية، السلام عليكم.

رميزان التميمي/ السعودية: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وأخي الشيخ الدكتور يوسف، أحبك في الله أخي الدكتور يوسف أولا، لكن أخي، السؤال يعني نلحظ بالقرن المعاصر افتقاد الأمة للهوية الإسلامية التي تناسب هذا الزمن والله سبحانه وتعالى يقول {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}[الفرقان:33]، لاحظ أن الديدن الجامع في هذا الزمان أخذ نظام الفتية مما أعطى يعني صبغة أو تشكيلة لعلماء العصر في قالب معين، يعني اللي أقصد طاولة علماء الإسلام تحتاج إلى تنوع العلم في اتحاد الهوية وتجمعهم لا إله إلا الله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من أراد الفرائص يذهب إلى فلان، يعني أظن علي بن أبي طالب، ومن أراد الفقه يذهب إلى فلان، ومن أراد..

عثمان عثمان (مقاطعا): سؤالك، سؤالك أخ رميزان؟

رميزان التميمي: السؤال يعني كيف يوجد، تحقق الهوية المعاصرة من يعني ورثة الأنبياء وهم العلماء في هذا العصر الذي كثرت فيه الماديات، يعني تكييف الماديات بهوية العلماء..

عثمان عثمان (مقاطعا): واضح سؤالك أخ رميزان. نأخذ الأخ علي مطاوع من مصر، أخ علي من مصر تفضل.

علي مطاوع/ مصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحياتي لك ولفضيلة مولانا الشيخ. وسؤالي ما هي مسؤولية العالم، عندما تمنع تسجيلات شيخ جليل مثل الشيخ الشعراوي قلما يأتي مثله ويحرم جميع المسلمين من الاستفادة من علمه وذلك استجابة لمطلب صهيوني، فما هو دور العالم في هذه الحالة ومن يتصدى لمثل هذه الأفعال؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ علي مطاوع من مصر. نأخذ الأخ كمال شكري من ألمانيا.

كمال شكري/ ألمانيا: تحية لك وتحية خاصة من ألمانيا لأستاذنا الكبير الدكتور يوسف القرضاوي، ربنا يدي له الصحة ونستمتع بالمعلومات القيمة. الحقيقة الصالحون في الإسلام بوجهة نظري يجب أن يعتمد عليهم الإسلام لحماية القيم الإسلامية وعلشان ما أطولش عليك في الحلقة بالضبط مشكلتي الأساسية، القدس، من يحمي القدس؟ من مسؤول عن القدس؟ الحكام العرب كما نراهم بعيدين البعد الكافي ومملوكين بالقرارات الصهيونية لحماية كراسيهم وعملية التوريث التي نحن نراها، المسجد الأقصى يا سيدي كما قال الشيخ..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ كمال شكري الوقت يضيق أتمنى لو كان هناك سؤال محدد، ما دور الصالحين في تحرير القدس؟ هذا هو السؤال؟

كمال شكري: السؤال، الصالحون في الأرض بوجهة نظري اللي هم المفروض أن يحمي هذا المكان المقدس الإسراء والمعراج..

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا جزيلا أخ كمال شكري من ألمانيا. فضيلة الدكتور نبدأ من..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): أنا لم أسمع شيئا.

عثمان عثمان: نعم. نبدأ من السؤال الأخير الأخ كمال شكري يسأل عن دور الصالحين في تحرير المقدسات ونصرة الأمة؟

الصالحون هم الذين دائما تتحرر بهم البلاد ويصلح بهم أمر العباد، والأرض من غير الصالحين يعم فيها الفساد
يوسف القرضاوي:
الصالحون هم الذين يعني دائما يعني تتحرر بهم البلاد ويصلح بهم أمر العباد، هم ملح الأرض، الأرض من غير الصالحين يعني فساد في فساد ولذلك هؤلاء هم موضع الأمل والرجاء أن تتحرر بهم القدس وتحرر بهم فلسطين وتحرر بهم غزة وتتحرر بهم كل الأراضي المسلط عليها أعداء المسلمين. والنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى ذلك في حديث في الصحيحين، أنه لا زلتم تقاتلون اليهود ويقاتلونكم حتى يقتلهم المسلمون فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر، يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله. الحديث يشير إلى أن الذين سيقاتلون اليهود ويحررون الأرض ويكون كل شيء معهم حتى الحجر والشجر، هل ينطق الحجر والشجر بلسان المقال أم بلسان الحال؟ هل فعلا حينطق ويقول ولا معناه ده كناية، العرب يقولون لسان الحال أفصح من لسان المقال، يعني كناية عن أن كل شيء يدل على اليهود كل شيء يعني يكشفهم حتى طوب الأرض كما نقول. فبيقول، يقول الحجر يا عبد الله يا مسلم. مما يدل على أن الذين سيقومون بمعركة التحرير الكبرى والنهائية هم عباد الله المسلمون، يا عبد الله، ليس عبد الشهوات وليس عبد رأس المال وليس عبد المرأة وليس عبد الكاس والطاس، لا، عبد الله. وهو المسلم يقاتل تحت شعار العبودية لله وتحت راية الإسلام، يقول له يا مسلم، ما بيقولش له يا أردني يا فلسطيني يا مصري يا عراقي، لا، يا مسلم فهو دخل المعركة مسلما. في وقت من الأوقات أرادوا أن ينحوا الإسلام عن المعركة فدخلها هؤلاء القوم يهودا ولم ندخلها نحن مسلمين، دخلوها ومعهم التوراة وليس معنا القرآن، قالوا نعظم السبت ونحن لم نعظم الجمعة، قالوا الهيكل ولم نقل الأقصى، فلذلك انتصروا علينا لأنه إحنا مصدر القوة أهملناه وهو الاستمساك بالإسلام والقرآن والإيمان
.

عثمان عثمان: طبعا الأخ رميزان تحدث عن الهوية الإسلامية والأخ علي مطاوع تحدث في موضوع آخر ربما ليس في إطار ومضمون الحلقة. فضيلة الدكتور نجد أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن الإيمان يربطه بالعمل الصالح، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هل ينفع الإيمان دون تحقيق العمل الصالح في حياة الناس؟

يوسف القرضاوي: الإيمان لا يصلح بلا عمل، السلف قالوا ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وهذا ما يعبر عنه القرآن، القرآن حينما تحدث عن الإيمان جسده في أعمال وأخلاق إيجابية فزي ما ذكرنا {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحجرات:15] فالإيمان يقين لا ريب فيه وجهاد، جهاد الظلم وجهاد للعدوان وجهاد للشرك وجهاد للجبروت في الأرض، هذا الإيمان الحقيقي لا بد أن ينشئ واقعا في الحياة يلمسه الناس بأيديهم ويروه بأعينهم، ما فيش إيمان نظري كده، الإيمان، يعني الشجرة لا بد أن يكون لها ثمرة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا..}إبراهيم:24، 25] فهذا هو الإيمان الصحيح.

عثمان عثمان: بالمقابل فضيلة الدكتور يعني هل يمكن لغير المؤمن أن يقوم بعمل صالح؟

يوسف القرضاوي: يقوم بظاهر العمل الصالح إنما العمل الصالح الحقيقي لب العمل الصالح روح العمل الصالح هو الإخلاص لله هو النية، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". العمل الصالح إذا قصدنا به العمل المقبول عند الله الذي يرفع صاحبه يعني ليكون بين يدي الله عز وجل، هذا العمل الصالح لا بد أن يقصد به وجه الله عز وجل، لازم كما قال أبو علي الفضيلي بن عياض عن العمل الحسن قال لا بد أن يكون فيه أمران، أن يكون خالصا وصوابا. فإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم، وخلوصه أن يكون لله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..}[البينة:5] وصوابه أن يكون على السنة، يعني على المنهج الشرعي، ما يكونش مبتدعا {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ..}[الشورى:21]، كل بدعة ضلالة، فلازم العمل لكي يكون صالحا ومقبولا عند رب العباد أن يكون خالصا لله مصحوبا بالنية الصادقة وأن يكون على المنهج الشرعي حتى يقبل عند الله.


تأثير العمل الصالح وجزاؤه في الدنيا والآخرة

عثمان عثمان: القرآن الكريم في بعض آياته ذكر بعض الصفات السلبية واستثنى منها الذين آمنوا وعملوا الصالحات، كيف يعصم الإيمان والعمل الصالح هذا الإنسان؟

يوسف القرضاوي: نعم القرآن ذكر أن الإيمان هو العصمة من كل سوء ومن كل خسر كما قال الله تعالى {وَالْعَصْرِ،إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر:1- 3]، {..وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ..}[ص:24] يعني دائما القرآن يقول لنا هذا الصنف من الناس يعني ليس مبذولا في، لا، هم قليلون عادة، أكثر الناس غافلون عن الله {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ..}[الأعراف:179]، {..وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}[غافر:59]، {..وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}[غافر:61] إنما هذه القلة هم ملح الأرض كما قلت، الصالحون من عباد الله عز وجل، فهؤلاء استثناهم الله سبحانه وتعالى وجعل الإيمان هو العاصم لهم من أن يضيعوا مع الضائعين، لأن الإيمان هو قوة هادية وقوة حافزة تحفز على الخير، وقوة رادعة تردع عن الشر والسوء. الذي جعل واحد مثلا زي سيدنا يوسف وهو شاب في مقتبل العمل وفي ريعان الشباب وغريب عن بلده لايعرفه أحد والفتنة جاءت تسعى إليه، لم يسع هو إليها، وجاءت امرأة العزيز وهيأت الأسباب {..وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}[يوسف:23] ما الذي عصم يوسف من الوقوع في الفتنة وفي هوى المرأة ويسير فيما تطلبه؟ الإيمان. معاذ الله، حتى المرأة حينما هددته بالسجن {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}[يوسف:33] الذي عصمه من هذا كله هو الإيمان بالله عز وجل وبالدار الآخرة وبالجزاء عند الله سبحانه وتعالى.

عثمان عثمان: في القرآن الكريم أيضا فضيلة الدكتور {..فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97] يعني هل هذا يعتبر وعدا من الله عز وجل للصالحين بالحياة الطيبة في الحياة الدنيا مع العلم ربما نلاحظ من خلال سيرة الأنبياء والصالحين من بعدهم قد عانوا وعاشوا حياة صعبة وفيها بلاء وابتلاء؟

يوسف القرضاوي: هو لا بد أن نعرف ما هي الحياة الطيبة، القرآن يقول {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ..} شوف شرط، هذا شرط وهو مؤمن، العمل الصالح وحده لا يغني لازم يكون مؤسسا على الإيمان {..فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..} أي في الدنيا {..وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الآخرة.

عثمان عثمان: كيف تكون الحياة الطيبة في الحياة الدنيا؟

يوسف القرضاوي: الحياة الطيبة في الدنيا هي سكينة النفس، أن يشعر الإنسان بالرضا عن الله والرضا عن الكون والرضا عن الحياة أن يكون عنده أمل لا ييأس أبدا {..إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87]، أن يشعر بالأمن النفسي {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}[الأنعام:82] ولذلك تراه مبتسما وإن عبس الناس راضيا وإن سخط الناس مطمئنا وإن قلق الناس، ليه؟ أساس هذا إيه؟ هو الإيمان الذي في قلبه {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ..}[الفتح:4]، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد:28] حتى إن بعض الصالحين كان يقول إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجلدونا عليها بالسيوف.

عثمان عثمان: إبراهيم بن أدهم.

يوسف القرضاوي: السعادة الروحية سعادة القلوب مش سعادة المادة ولا الفلوس ولا هذه. كثير من الناس الذين يملكون الملايين أو البلايين والذين يملكون القصور والقناطير المقنطرة والذين يستطيعون أن يأمروا وينهوا وينفذوا، أصحاب سلطان ومناصب ولكنهم أشقياء في الدنيا لأنهم حرموا من هذا الإيمان {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..} الضنك هنا ضنك النفوس {..وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}[طه:124-126]، فالأنبياء الذين ذكر النبي أنهم أشد الناس بلاء في الدنيا كانوا مع هذا يحييون حياة طيبة بإيمانهم ويقينهم ورضاهم عن ربهم ورضا ربهم عنهم، {..رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ..}[المائدة:119].

عثمان عثمان: أي ليس المقصود رغد الحياة الدنيا من جمع المال وسكنى القصور وركوب السيارات وغير ذلك؟

يوسف القرضاوي: لا ليس هذا هو المقصود وإن كان الإسلام يعني لا يمنع ذلك، لا يمنع أن يستمتع الإنسان بطيبات الحياة وأن يكون غنيا، نعم المال الصالح للمرء الصالح. والنبي عليه الصلاة والسلام قال "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" وروى عنه سعد بن أبي وقاص حديث إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي البعيد عن الأضواء وعن الشهرة، وقال ما نفعني مال كمال أبي بكر. وقال الله تعالى {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}[الضحى:8] ولكن هذه الأشياء لا يرضاها الإسلام غاية للإنسان ولا مهمة له، يستمتع بها على أنها وسائل ولكنها ليست أهدافا ولا غايات، الأهداف والغايات أن يعيش لله ويعيش مع الله ويؤدي حق الله ويؤدي حق العباد، هذا هو الذي ينبغي أن يعيش له أهل الإيمان والصلاح.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلى أن نشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم لهذه الحلقة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة