أفق أوراس .. أحزاب اليسار في تركيا   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:42 (مكة المكرمة)، 2:42 (غرينتش)

مقدم الحلقة

يوسف الشريف

ضيف الحلقة

أفق أوراس: زعيم حزب الحرية والتعون التركي.

تاريخ الحلقة

24/01/2001

أفق أوراس
يوسف الشريف
يوسف الشريف:

مشاهدي قناة الجزيرة، أهلاً وسهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج لقاء اليوم، ضيفنا لهذه الحلقة هو (زعيم حزب الحرية والتعاون اليساري) أفق أوراس. تأسس هذا الحزب عام 1996م في إطار نسخة مصححة عن الأحزاب الشيوعية والماركسية التي يختلف عنها في رفضه لسيطرة وهيمنة الشخص الواحد على كامل الحزب. حزب الحرية والتعاون اليساري كان الحزب الوحيد الذي وقف إلى جانب السجناء اليساريين في تركيا، ورفض عملية اقتحام السجون التي قامت بها قوات الأمن مؤخراً.

نناقش مع زعيمه اليوم مستقبل اليسار في تركيا، وحقوق الإنسان، وأوضاع السجناء في السجون التركية.

وأتوجه أولاً بالسؤال: هل تلقى الأفكار التي يدعو إليها الحزب رواجاً في تركيا؟ تركيا البلد المسلم الذي اختار منذ بداية الخمسينات أن يكون إلى جانب الناتو والنظام الغربي.

أفق أوراس:

بالرغم من أن الحزب تأسس عام 96، إلا أنه يحمل ثورة عام 68 يعتبر امتداداً لها، وقد كانت لنا في السابق تجارب سياسية منذ بداية التسعينات من خلال حزب (الوحدة الاشتراكي) وحزب (اليسار الموحد) ونعتبر أن حزبنا الحالي امتداد طبيعي لتلك التجارب السياسية حاولنا أن نجمع في تجربتنا هذه جميع ألوان الطيف من اليسار الحر، ومنهم جماعات الخضر، وجماعات الحفاظ على البيئة. ربما كان المجتمع بحاجة إلى الأفكار التي يطرحها حزبنا في وقت أبكر، ولكن يجب أن نعترف بأنهم تتكون في تركيا ثقافة سياسية مناسبة لأفكارنا، وخلق مثل هذا الجو السياسي أحد أهدافنا حتى يستسيغ المجتمع وجودنا، ونستطيع أن ننتشر ونعمل بشكل أفضل، ولأنه لا يمكن أن ننتظر أولاً حتى تتوفر هذه الثقافة، وأجواء الحرية السياسية كي نبدأ العمل، كان علينا أن نعمل من أجل خلق وتوفير هذه الأجواء لأنفسنا، وأعتقد أننا بدأنا نصل إلى عدد لا بأس به من الناس، لأننا ندافع عن الحريات وحقوق الإنسان.

يوسف الشريف:

ما هي أهم العقبات التي تواجهكم في سبيل خلق هذه الأجواء التي ذكرتها من أجل الوصول إلى نظام أكثر ديمقراطية وحرية؟

أفق أوراس:

هناك عقبتان أساسيتان، الأولى: النظام القمعي المتسلط الذي فرضه الانقلاب العسكري منذ عام 80، وما ورثه من دستور غير ديمقراطي يسعى للحد من الحرية السياسية، وتعود السياسيين والشعب عليه، وتأقلمهم مع هذه الوضع الشاذ. والعقبة الثانية: هي ما أشرت إليه قبل قليل. إدمان تركيا على علاقتها بالناتو والعالم الرأسمالي الغربي، وما نتج عنه من تفشي مبادئ وحشية لليبرالية الجديدة، وأهمها أن كل إنسان مسؤول عن نفسه فقط، ولا داعي لأن يفكر بغيره، ولعل انهيار (الاتحاد السوفيتي) وانتهاء الحقبة الشيوعية والاشتراكية يعد عقبة ثالثة. وأعتقد أن لا بديل أمام الشيوعية والاشتراكية وكل اليسار في العالم في وقتنا الحالي سوى التوجه إلى الديمقراطية والحرية، لأن تحقيق الأهداف السابقة من بيروقراطية الدولة أصبح صعباً للغاية، ويحتاج إلى خطة طموحة وصبورة وبعيدة المدى.

يوسف الشريف:

لكن المعروف عن الشعب التركي -وخصوصاً الغالبية التي تعيش في الأناضول -أنه شعب متمسك بعاداته وتقاليده، ويحترم -إلى حد كبير- مبادئ الإسلام، فيما حزبكم -وبسبب أصوله الشيوعية- يهمل عامل الدين، بل ويشجع على التحرر من العادات والتقاليد القديمة. ألا يشكل إهمالكم لعنصر الدين وعوامل القومية المزروعة -وبشكل بارز داخل معظم المواطنين- عقبة في وصولكم إليهم؟

أفق أوراس:

لا أعتقد ذلك، فنحن هنا ندعو إلى حرية الدين والعبادة ولا ننكر أبداً الدين ولا نرفضه، ولكننا في ذات الوقت لا ندعو إليه أيضاً، وننظر إلى جميع طوائف المجتمع في تركيا دون تمييز، وهذا يميزنا عن بقية الأحزاب التركية.

نحن نطالب أن نعيش في نظام علماني حقيقي كالذي يطبق في كافة أنحاء القارة الأوروبية.

يوسف الشريف:

هذا الطرح قد يكون صحيحاً نظرياً، ولكن الواقع قد لا يتفق مع ما تقوله، فهل يمكنك أن تجزم أن عدداً من المتدينين كانوا ضمن من صوتوا لحزبكم في الإنتخابات الأخيرة؟

أفق أوراس:

بالطبع، لأننا -وببساطة شديدة- حصلنا على أصوات كثيرة من الأناضول المحافظ الذي ما يزال متمسكاً بتقاليده الإسلامية. وأريد أن أقول: إن الشعب التركي استطاع خلال فترة طويلة أن يتعايش مع بعضه على اختلاف طوائفه ومذاهبه حتى ظهر من يثير الفتنة بينهم، وشعبنا ليس متعصباً دينياً بطبيعته، كما أن اليسار يبدي قدراً من التفهم والمرونة أكثر من اليمين، إذا نظمنا سابقاً اجتماعاً مع كل من الحزب الشيوعي اليوناني، وحزب الشعب الجمهوري اليساري القبرصي، وخلال ساعة ونصف الساعة فقط توصلنا إلى صيغة تحل كل المشاكل بين تركيا و اليونان و قبرص. هذا يعني أن اليسار عندما يجتمع يمكنه أن يحقق السلام أما اليمين -ولإصابتة بمرض القومية المزمن- فإنه يتغذى على الفوارق الثقافية والعرقية، فمثلاً النازيون الجدد في ألمانيا لا يحبون الفاشيين الأتراك، فيما أحزاب اليسار في مختلف دول العالم لها القدرة الكافية على التفاهم.

يوسف الشريف:

بمناسبة حديثك عن التوافق بين أحزاب اليسار فإنكم على خلاف كبير مع أكبر حزبين يساريين شاركا في ائتلافات حكومية هما حزب (الشعب الجمهوري) وحزب (اليسار الديمقراطي) المشارك في الحكومة الحالية!

أفق أوراس:

لا أعتقد أن بيننا أي نقاط اتفاق في الأصل، وأنا كنت أتحدث عن أحزاب اليسار الحقيقي، وبينما يسيطر على هذه الأحزاب مفهوم الرجل الواحد، والرئيس القائد، ولا مجال فيها لآراء الأفراد أو الأعضاء، وبرامجها السياسية التي تقدمها لا تختلف أبداً عن برامج أحزاب اليمين، فهم يدعمون سياسات العسكر، ويتبعون سياسات ليبرالية حسب مفاهيم الرأسمالية، وأعتقد أن مشاركة هذه الأحزاب في الحكومة أدى إلى تشويه صورة اليسار في تركيا، لأن المواطن يشهد تعاون وتعاقب أحزاب اليمين واليسار على الحكم، واتباعهم سياسات متشابهة وفاشلة ولذلك فإنك تجد أغلب الناخبين في تركيا غير مستقرين على اختيارهم. والمشكلة لا يمكن حصرها بين اليمين واليسار، وإنما في فقداننا لبدائل سياسية حقيقية تدعو للديمقراطية والحرية في وجه هذه الأحزاب اليسارية واليمينية البالية التي لوثها فشلها السياسي وعدم المصداقية، ويجب ألا ننسى أن العالم يبحث عن دور جديد لليسار. نحن نناقش ذلك من خلال علاقاتنا مع اليساريين في البرلمان الأوروبي، فنحن نحضر اجتماعات جبهة اليسار في البرلمان كمراقب، نبحث عن حلول جديدة لمشاكل الشعوب في القرن الجديد تجنبنا العودة لبيروقراطية الشيوعية، والدخول إلى وحشية الرأسمالية.

يوسف الشريف:

نلاحظ أن العلويين والأكراد يشكلون كتلة كبيرة بين ناخبي حزبكم اليساري دون بقية الأحزاب الأخرى فما الذي يجذب هذه الجماعات إليكم؟ ما الذي توفرونه لهم في حزبكم اليساري؟

أفق أوراس:

ليس الأمر بهذا الشكل تماماً، وإن كان ظاهره يشير إلى ما تقول، واسمح لي هنا أن أوضح نقطة مهمة وهو نظام الانتخابات، فأنت تعلم أن دخول البرلمان مشروط بحصول الحزب على 10% من مجموع الأصوات، ولذلك أصبح البرلمان حكراً على عدد معين من الأحزاب، إذ أن الناس لا تفضل التصويت لحزب قد لا يدخل البرلمان حتى لا تذهب أصواتهم هدراً، وقد طالبنا بتخفيض هذه النسبة إلى 5 أو 3%، وعندها ستظهر شعبيتنا الحقيقية، أو سنحصل على 4% من مجموعه الأصوات، وليس 1% كما ظهر في الانتخابات الماضية. وإذا نظرنا إلى خريطة توزيع الأصوات التي حصلنا عليها سنجدها موزعة بين جميع الفئات العرقية والمهنية، ولكن انجذاب الفئات هذه إلينا أمر طبيعي للغاية إذ أننا نعبر عن صوت من لا صوت له.

يوسف الشريف:

دعنا ننتقل إلى موضوع السجون والإضراب عن الطعام الذي بدأه السجناء اليساريون، وعملية اقتحام قوات الأمن لهذه السجون، ونقل السجناء إلى سجون انفرادية أصغر. ففيما أيدت جميع الأحزاب السياسية هذه العملية الأمنية ودعمت الحكومة خرجتم أنتم إلى الشوارع وتظاهرتم ضدها، ووقفتم إلى جانب السجناء الذين تسميهم الدولة إرهابيين، فلماذا كان هذه الموقف المخالف؟

أفق أوراس:

نتائج هذه العملية الأمنية أظهرت أننا كنا على صواب، فهذه العملية التي حملت اسم (العودة إلى الحياة) تحولت إلى عملية وحشية قتل وجرح خلالها العشرات. ولذلك كان من واجبنا أن نقف في وجهها، لأنه -وببساطة- من حق السجناء أن يحظوا بمعاملة إنسانية، كما أننا نرفض أصلاً الانتقال إلى نظام السجون الجديد، لأنه يعزل المسجون عن المجتمع، ويحصر عالمه بين أربعة جدران، لا يرى -حتى- زملاءه السجناء. وحتى أن وزير العدل أكد أن السجناء لن ينقلوا إلى تلك السجون قبل توفير شروط الحياة الإنسانية فيها، وقبل إعداد القوانين اللازمة التي تحفظ حقوقهم، وهذا ما كنا نطالب به.

وفي الوقت الذي كنا نتفق فيه مع الحكومة على هذه النقطة جاءت تلك العملية لتفرض حلاً من جانب واحد بالقوة، وهذا ليس حلاً برأينا.

يوسف الشريف:

لكن وبالرغم من الوعد الذي أطلقه وزير العدل -كما قلت- فقد بادر السجناء بالعصيان والإضراب، واتخذت الحكومة من هذا التصرف ذريعة للتنصل من وعودها، وبدأت مداهمة السجون. ألا ترى أن السجناء تسرعوا وأعطوا الحجة لقوات الأمن لمهاجمتهم؟

أفق أوراس:

هذا الأمر يرجع إلى انعدام ثقتي في الحكومة والسياسيين وكذلك في وعودهم، فمشكلة السجون هي نفسها مشكلة تركيا، يعني أن مشكلة النظام القمعي المتبع في إدارة السجون ليس منفصلاً عن مشكلة النظام السياسي في تركيا بشكل عام، ويجب ألاَّ ننسى التجارب السابقة، حيث داهمت قوات الأمن في السابق العديد من السجون، ولم تفِ بما وعدت السجناء حينها، ولذلك يجب أن نلتمس العذر لهؤلاء السجناء، وليست المشكلة في دعمنا أو رفضنا لما حدث، إنما ضرورة إيجاد حل جذري لمشاكل السجون والوضع اللاإنساني الذي يعيشه السجناء دون اللجوء إلى العنيف والقتل، وهو ما تهمله الحكومة دائماً، فرواتب موظفي السجون ضئيلة، ولذلك يقبلون الرشوة، ويسمحون بدخول الممنوعات، وحتى الأسلحة للسجناء، ومن ثمَّ تقول الحكومة إنها فقدت السيطرة.

يوسف الشريف:

السجون في تركيا هدف لانتقادات وشكاوى كثيرة فيما يخص تعرض السجناء للتعذيب والإهانة، وعيشهم في ظروف لا إنسانية حسب تقارير لجان حقوق الإنسان المحلية والأوروبية، فهلا شرحت لنا أبعاد المشكلة.

أفق أوراس:

من حق السجين كغيره من البشر أن يعيش حياة إنسانية، وأن لا يتعرض للتعذيب في سجنه، وليست المشكلة في عدد السجناء الذين يتقاسمون الزنزانة، سواء كانوا ثلاثين أو ثلاثة، وإنما في ضرورة إتاحة الفرصة للسجناء للمشاركة في نشاطات اجتماعية أو رياضية، ولقاء بعضهم ثماني ساعات يومياً على الأقل، وأن يكون هناك قاعات للاجتماع أو الطعام، فهل يمكنك أن تتخيل الحالة النفسية لسجين يقضي عقوبة السجن لعدة سنوات لا يرى فيها سوى اثنين هما زملاؤه في الزنزانة، هذا هو النظام الجديد للسجون الذي نعترض عليه، الحكومة تقول: إنها فقدت السيطرة على السجون، وهذه مشكلة مَنْ يدير السجون ويرتشي ويدخل الممنوعات، وليست مشكلة السجناء.

يوسف الشريف:

سارع أهالي السجناء بعد العملية الأخيرة إلى اتهام قوات الأمن والشرطة بقتل أبنائهم وتعذيبهم أثناء عملية اقتحام السجون وقبل أن يلتقوا بهم ويستمعوا إليهم، فيما عرضت قوات الأمن صوراً يظهر فيها السجناء وهم يحرقون أنفسهم، فإلى ماذا استندتم في توجيه هذه الاتهامات لقوات الأمن؟

أفق أوراس:

لقاء المحامين بالسجناء بعد العملية أكد مزاعمنا، والمشكلة كانت في البداية في حرماننا حقنا في أن نعرف ماذا يجري خلال العملية، وكان من الممكن أن يحصل ذلك من خلال وسطاء بيننا وبين الحكومة مثل بعض المثقفين أو السياسيين أو النواب، وطلبنا حضور تشريح جثث القتلى، وإجراء تحقيق في حوادث القتل، لم نطلب في البداية محاكمة أحد، ولكن من حقنا أن نعرف ماذا جرى، لأننا شهدنا في السابق كيف تمت مداهمة سجن (أولو جلنار) عندما قُتل العديد من السجناء، وكانت تصريحات وزير العدل تفيد بأن السجناء قتلوا بعضهم، لكن تقرير لجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن البرلمان تكشف عكس ذلك، وبالرغم من ذلك لم يتحرك أحد لمحاكمة القتلة أو مسائلتهم، المطلوب بعض الشفافية، وعلى الحكومة توفيرها.

يوسف الشريف:

الحكومة تعترف بوجود تجاوزات لحقوق الإنسان وقد شاع هذه الأمر عن تركيا بشكل كبير حتى أن هوليوود سجلت بعض ما يحدث في سجونها في فيلم قطار منتصف الليل Med night express فلماذا لا تعدل الحكومة لأوضاع الراهنة حتى تتخلص من هذه الدعاية السيئة؟

أفق أوراس:

من المفارقات المحزنة أنك لو نظرت في كتاب قصة قطار منتصف الليل لوجدت تحية شكر مهداه من الكاتب إلى السيد بولنت أجاويد رئيس الوزراء الحالي لجهده على كشف هذه الفضائح فيما أجاويد اليوم يأمر بمداهمة السجون، الفيلم بالغ في بعض الجوانب لكنه كشف جانباً من الحقيقة، والحل الوحيد للتخلص من هذه الدعاية أو السمعة السيئة هو إقامة نظام قانوني أشبه بما يتبع في الأنظمة الغربية، ولكن مع الأسف فإننا عندما ننظر إلى العدد المتزايد للقضايا المرفوعة ضد تركيا أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية نكتشف أن تركيا لم تقدم خطوات جادة لتحسين سجلها فيما يخص حقوق الإنسان والذي ما يزال يشكل جرحاً ينزف، وتركيا اليوم على مفترق طرق، فإما أن ندخل القرن الجديد بهذا النظام القمعي، وإما أن نضع حداً للممارسات غير الديمقراطية، ولا حل ثالث أمامنا، ونحن الآن نشهد صراعاً في الطبقة العليا بين السياسيين حول هذا الموضوع بالذات، بين من يريد التغير والتجديد وبين من يريد استمرار الوضع الراهن، لكن المشكلة تبدو في الطبقة الشعبية التي تبدو بعيدة عن الصراع وتنتظر حسمه دون أن تشارك فيه، فإن لم يطالب الشعب بالديمقراطية وبقى على وضعه مستلماً فسيبقى الوضع على ما هو عليه.

يوسف الشريف:

هل أنت متفائل تجاه إمكانية لحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي بالرغم من العقبات الكثيرة التي تعيق تحقيق هذا الهدف؟

أفق أوراس:

مع الاتحاد الأوروبي أو بدون الاتحاد الأوروبي على تركيا واجب وحيد هو تدعيم الديمقراطية، فحتى لو لم يكن هناك اتحاد أوروبي فعلى تركيا أن تحل المسألة القبرصية، وعلى تركيا أن تعمل بجهد لكي يسود القانون، وعلى تركيا أيضاً أن تحسن أوضاعنا الاقتصادية بدلاً من أن نخمن ما إذا كنا سندخل الاتحاد الأوروبي أم لا، وتبقى هذه المسألة هي الشاغل الأساسي لتركيا، الأهم برأيي تشكيل رأي عام يطالب بالإصلاحات الديمقراطية في الداخل وبتحريك الشعب التركي كله بدلاً من حالة الاستسلام للوضع الحالي القائم، لأن مشاكل الجميع في تركيا واحدة، وهي بحاجة إلى حلول جذرية وراديكالية وجريئة.

يوسف الشريف:

ولكن حلم العضوية في الاتحاد الأوروبي يشكل حافزاً لهذا التوجه الذي تدعو إليه، فالحكومة وبعض المراقبين الأوروبيين ذكروا أن هناك تحسناً ملموساً فيما يخص سجل حقوق الإنسان في تركيا، فهل تشاركهم أنت الرأي؟

أفق أوراس:

من أهم المشاكل التي تواجهها تركيا أنها تستقبل النظام العالمي الجديد والعولمة بحزبين قويين في الحكومة: حزب الحركة القومية، وحزب اليسار الديمقراطي الذي تحول -برأيي- إلى حزب قومي، هذا يجعل مخاض دخول تركيا العولمة مؤلم وصعب للغاية. المطلوب هو إرادة سياسية جادة من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان، وتغيير مواد الدستور المقيدة للحريات كالحرية السياسية وحرية التفكير والتعبير، وبدون هذه الإرادة الجادة فإن كل ما نراه من تقدم يعتبر مكياجاً وديكوراً خارجياً لذرِّ الرماد في العيون، ولن يساعد على تحقيق الهدف المطلوب. ما حصل أثناء اقتحام السجون من قتل للسجناء يفترض أنهم تحت حماية الدولة يؤكد أن العبرة بالإرادة وبالمبدأ وليس ببعض الرتوش التي يتم وضعها على الصورة.

يوسف الشريف:

إذن كيف تفسر لنا هذا العداء الذي يولد بين السجين والسجان في السجن، بالرغم من أنهما لم يلتقيا قبلاً؟

كيف تتشكل -برأيك- هذه الكراهية التي تؤدي إلى تعذيب السجان للسجين، أو عصيان السجين واختطافه السجان أحياناً بل وقتله في أحيان أخرى؟

أفق أوراس:

هذا رد فعل سياسي ورثناه من الحرب الباردة، وتبنته مبادئ الانقلاب العسكري عام 80، وما زلنا نعاني منه حتى الآن، وهو مبدأ التعامل على أساس الانتقام والثأر. فمثلاً الحكومة في قانون العفو الأخير استثنت السجناء السياسيين للانتقام منهم، مع أن العفو لا يمكن أن يسمى عفواً، إلا إذا كان يشمل السجناء السياسيين. أعتقد أن النظرة العدائية لليساريين وجماعات الحفاظ على البيئة وجمعيات حقوق الإنسان ستستمر لوقت طويل، ولذلك علينا أن نورث الأمل لأولادنا ولأحفادنا عسى أن يحظوا هم بحياة أكثر حرية وديمقراطية من تلك التي عشناها.

يوسف الشريف:

أخيراً وبعد هذه النظرة التشاؤمية ما هو -برأيك- واجب اليسار تجاه العولمة التي يرفضها؟

أفق أوراس:

أعتقد أن واجب اليسار الآن هو إيجاد صيغ جديدة للعولمة، يعني ذلك إيجاد عولمة تدعو للحرية وللديمقراطية ولا تدعو لمبادئ الليبرالية الجديدة المتوحشة. يجب أن نسأل هنا: هل أنت مع العولمة؟ أم هل أنت ضدها؟ ولكل من يقول إنه مع العولمة نقول: إذن فلنلغِ الحدود ولنلغِ جوازات السفر. وانظر حينذاك كيف سيتغير لونه وكيف ستتغير طريقة كلامه. العولمة الحقيقية توفير حرية التنقل والعمل في أي مكان للأفراد وليس للبضائع فقط.

يوسف الشريف:

السيد أفق أوراس، شكراً جزيلاً لك على هذا اللقاء.

أعزائي المشاهدين، كان هذا لقاؤنا مع أفق أوراس زعيم حزب الحرية والتعاون.

شكراً جزيلاً وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة