الموسيقي عابد عازرية   
الخميس 1426/1/30 هـ - الموافق 10/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)
ضيف الحلقة - عابد عازرية، موسيقي ومطرب سوري
تاريخ الحلقة 01/01/2001





المعلقة:

عابد عازرية
حين تراه يجول في شوارع العاصمة الفرنسية لا تشعره غريباً، ذلك أن الموسيقي والمغني عابد عازرية السوري الأصل المقيم في باريس منذ العام 1967م متآلف منذ زمن مع السفر والترحال، رغبة بالهرب من واقع ضاق عليه، حلم بالتحرر، أم توق إلى المزيد من المعرفة وحب الاطلاع؟

عابد عازرية:

فيه شغلتين كثير مهمات إنه أنا من وقت ما كنت صغير بأتذكر شعور كتير كان عندي رغبة أسافر، لكن بأريد أعيش بالبلاد اللي ولدت فيها واللي رُبيت فيها، مش لأنه مالنا مليحة لأنه بأحسها كنت (بقيت) صغير كتير، يمكن كان عندي بالنسبة لحلم طفل، حلم أكبر مني يمكن، فهو اللي بالآخر هو اللي كان يقودني بكل المحلات، وهو اللي جابني لهون وهو اللي راح ياخدني كلى إلى محل تاني، بأتصور هو ها ده أهم شيء، إنه من جانب الحلم إنه البلد هذا لازم الواحد يتركها بأسرع وقت، ويروح لبلاد أوسع فيها فرص، فيها..

على كل حال تكون ناس مختلفة يمكن من شان أفضل ألاقي الحلم القديم تبع بلادنا من جهة تاريخها وثقافتها أكتر، لأنه كل ما بتبعد عن الشيء كل ما بتقرب منه أكتر، مثل ما بيقول المثل يعني، فكانت ما رغبة بالهرب، كراهية بالبلد بمقدار ما إنه حتى تعرف تحبها، والحب مثل ما بنعرف، إن هو معرفة، ما إنه حالة عاطفية، الحالة العاطفية لأنه تهدأ، الحرارة بتهدأ، بتبرد، بس المعرفة بالعكس، كل ما بيكبر الحب اللي فيه معرفة كلما بيكتر، بيزيد.

المعلقة:

حب المعرفة هذا دفع عابد منذ المراهقة إلى ارتياد مدن كانت في الخمسينات والستينات نوافذ مشرعة على العالم تعبرها مسائل مختلف الثقافات: بيروت، القاهرة، ثم باريس.

عابد عازرية:

عابد عازرية
الفترة الأولى لما تركت حلب كنت يعني حوالي 13 سنة عمري أو 12 سنة، عند إخوتي الكبار بلبنان، كنت أروح لبيروت كتير، فصارت زيارتي كل.. اتعودت كل شهر ،كل أسبوعين ،كل أسبوع، لأنه كان فيه ترجمات للمجلات الأدبية كانت بتطلع بلا متناهي يعني ببيروت في هذاك الوقت حوالي كان فيه 13 مجلة وجريدة يعني كان بهذاك الوقت، يعني بأمريكا، بنيويورك ما في هيك شيء، ها الفسحة الصغيرة من الحرية اللي كانت موجودة بلبنان، بيروت بالذات خلتني يعني أروح لها كتير، وأنتهز الفرصة بأي مناسبة يعني حتى أروح، أبيع ثيابي يمكن من شان أشتري كتب وإسطوانات.

فأنا كان طريقي بالحقيقة إن أنا أشَهَّر في مصر وأطلع على لبنان، لأني كنت مفكر إنه خلاص يعني أنا صرت ملكت شِوَيّ أدوات شغلي، اتعلمت شوية دراسة بفرنسا، وراح أرجع أستقر بالمدينة اللي كانت بتشدني لها دايماً لأنه بتشبهني كتير في هذاك الزمان، إن فيها الشرق والغرب، فيها التقاليد العربية واللغة وكذا، وفيه بأنواعها تحكي فيه أميركي وأسترالي إذا بدك أو تايلاندي ما في مشكلة يعني، لما رجعت بعد الحرب -كنت يمكن في بيروت أنا لما بدأت الحرب- لما رجعت بعد سنة من اندلاع الحرب، أو سنتين بالأحرى 1977م اكتشفت إنه أنا راجع من بيروت لفرنسا، إنه ها الباب المفتوح المضيئ اللي بتدخل له الشمس من الشرق سَكَّر خلاص، لذلك رجعت للمكان اللي هو اللي خلاني أحس بحبي للشرق اللي هو باريس، لأنه هوَّ اللي استقبلني وخلاني عن بُعْد أحس بها الحب، بعدين اكتشفت هو اللي حبني أكتر كتير بالآخر، أكتر من البلد اللي أنا ولدت فيه.

المعلقة:

لكن قبل أن تبدأ علاقة الحب الطويلة بين عابد عازرية وباريس، كانت هناك حلب حيث أمضى طفولته.

عابد عازرية:

وأتذكر عمري ست سنوات كانت والدتي تاخدني بحلب كان فيه شيء بيسموه المولد النبوي يعملوه بالشوارع، كنا نقعد ساعات نتفرج عليه، ما فيه طقس كنسي إلا كنت أروح عليه من شان أسمع كل.. مش الطقس الديني، الطقس الموسيقي أكتر يعني.

باتصور هذا الجانب خلاني أسمع كتير شغلات بحلب لما كنت صغير، موسيقات، بس كمان كان شيء من حلب ومن بَرَّات حلب، يعني الإسطوانات كانت تجينا عن طريق بيروت، 45 دورة، الإذاعات الموجودة بحوض البحر المتوسط بس كنت أخاف كتير كتير بأن واحد من الموسيقى الموجودة بحلب، لأنه كنت أخاف إنه تأكلني وتشربني و تهضمني، لأنه موسيقى غنية لكن مسكرة، كنا بحلب –بأتذكر- بسن 17، 18 سنة قبل ما أترك تمام، كنا نلعب لعبة، إنه نلتقي بين بعضنا الزملاء اللي بنحب الشعر، ونعمل مسابقة.

يعني مثلاً أقول بيت شعر ينتهي بالميم، لازم فوراً يرد عليَّ بقصيدة بتبدأ بالميم، بينهيها بالسين، بأرد عليه بقصيدة بالسين، إلى أن تفرغ جعبتي ما بيفضل عندي، أنا بأخسر الرهان أو هوَّ بيخسره، فكان هذا.. هاي أصحابنا كانوا بيطلعوا يلعبوا طاولة زهر يلعبوا..، إحنا كنا نلعب ها الشغلات، فكنا خارجين عن المجتمع بشكل ما، لأن المجتمع هاي الشغلات أكل وشرب ونوم وهيك شغلات، فكان فيه عندك هذا أنا بأسميه الحلم عندك رغبة تعمل شيء، إنه بهيك وصل كيفك تعمل لذلك كان لازم تبعد عنه شوية (بأنواعها)، وهاي ضروري كتير خلاني.. السفر أنه أفهم شوية شغلات أكثر من هادُوُل.

بعدين لما جيت لهون لقيت حالة عندي –قلت لك- مخزون كتير كتير شعري وكنت لما كنت بحلب بدأت تلحين شوية شغلات يعني قصائد، وشعر حديث لأدونيس بالذات أكتر واحد يمكن بالبداية، لأنه كان هو بيمثلنا لجيلنا و(أوزي) الحاج وخليل حاوي وبدر شاكر السياب وخليل عيسى في الخارج،كله النموذج مثل..، مش الأب الروحي أو الأخ الروحي، نوع من اللي قدر قبلك هو يعني يشوف بها الأفق الجديد، ما يرفض الجديد.

المعلقة:

عائلة عابد الشعرية هذه لم تقتصر على شعراء الحداثة فحسب بل هي اتسعت بفعل الأسفار ومع مرور الوقت، لتضم أفراداً لا ينتمون حصراً إلى التراث العربي بقدر ما هم يمثلون تياراً شرقياً يتماذج فيه البُعد الديني بالدنيوي.

عابد عازرية:

تراثنا أنه يكون عندك شعور قومي تجاه شيء.. هذا لأ، هذا بالعكس، أنا بالنسبة إلي شيء كريه، الإحساس القومي، أنا بأظن الإحساس القومي الحقيقي هو تحس إن هذا ملك للجميع، وأنه أنت مسؤول عنه مثل ما أنت مسؤول عنه، وهو مسؤول عنه، وكلياتنا مسؤولين عنه، بس بدون ما نعمل حرب لندافع عنه، لأن هذا بينعمل بشكل طبيعي وعفوي، بأتصور إن إحنا إذا بتشيل التاريخ الديني في بلادنا ما بيبقى شيء، ويمكن بالعالم كله بالآخر، لأنه يمكن التراث الديني هو أكبر تراث في تاريخ البشرية.

يعني إذا بتشيل مثلاً أي دين من عندنا، تلتغي الموسيقى، بيلتغي الأدب، بيلتغي الشعر، لأنه الشخصيات، أبطال الروايات كلهم، كلها نموذج لشخصيات دينية، الموسيقى جاية كلها من الـ (لوتورجيه)، جاية إن كانت يزيدية أم درزية أم مسيحية أم كاثوليكية أم .. شو كانت طائفتها، هي باتصور النموذج اللي جاي من نموذج قبله، من نموذج قبله، الشكل الموسيقي القديم اللي ما بنعرف أساسه منين جاي، فإذا لغيت كل ها الأشياء، باتصور تلغي كل شيء، إحنا يمكن فيه عندنا مشكلة سوء تفاهم اليوم زماننا إن أكثر فنانين زماننا بيبدؤوا التاريخ من عشر سنين أو من تلاتين سنة إذا كانوا عندهم شوية تأمل.

أنا يمكن عملت ارتكبت حماقة كبيرة في حياتي، بدأت في العكس، إنه اعتبرت مثل كأنه زماني اليوم أو الزمان اللي عم بنعيش فيه، هايدا هُوَّ نفس الزمن من مليار سنة، فعم باحاول إنه أكون بأن واحد كتير كتير غايب عن زمانا، وبأن واحد كتير كتير في داخله، فها العملية إنه مش هرب من زماننا إطلاقاً، بس ما بدي يكون زماننا هو الزمان الوحيد العظيم، وإلا باصير فيه أميركي، عارف كيف؟ أنا ماني أميركي ولا عندي طموح أصير أميركي إطلاقاً، أنا يعني مجبول بالشرق، لكن الشرق ما معناته إنه أكون بين القوسين، في جغرافيا شجرة زيتون وجنبه شجرة تفاح، شايف كيف؟، ممكن أكون في (مانيمار) 4 آلاف سنة وأكون بالشرق أكتر مما أكون بأي مكان آخر.

المعلقة:

بين موسيقى الشعر وشعرية الموسيقى، يؤلف عابد عازرية أعماله الموسيقية بفرح كيميائي يُعيد اختراع المادة، ألهذا ربما تكتسب اللغة العربية في أعماله هالة قدسية تجعل المستمع إليه يشعر وكأنه يشارك في طقس ديني أكثر مما يستمع إلى حفلة غناء؟

عابد عازرية:

يمكن أنا ابتعادي عن اللغة العربية، وتكلمي اللغة الفرنسية خلاني -أولاً- أجيد اللغة العربية أفضل بكتير، وأكون عندي تحسس للمفردة ولروحانية اللغة العربية أكتر من لو ما عشت في بلد عربي ربما، لذلك بتلاقي عندي نوع من تحسس مرضي بالغناء لما بأغني، مخارج الألفاظ، الحروف، الألوان الموجودة بالحروف، كيف ممكن واحد يعمل (vibrato) بيسموه الاهتزازات الصوتية. لأن هذا بأظن اكتشاف جديد للغة العربية، وكيف أغنيها، يمكن لأنه أنا عايش ببيئة ما بترهقني لغوياً، فلذلك اللغة العربية صايرة عندي مثل الهيكل المقدس عندي بحياتي، كل شيء بأمارسه بيكون طقوسي، أكثر ما أنه هي يومية عادية لشراء الفلافل والفول والحمص يعني، عارف كيف؟ فاللغة العربية هي لغة كتير كتير بأستخدمها بالهيكل القدسي، لأنه بأظن نبهت كل حواسي لتكون ها الأهمية عندي لأني ما أنا عايش في بيئتي.

المعلقة:

عام 1970م أصدر عابد إسطوانته الأولى، تبعتها أعمال موسيقية من بينها (ملحمة جلجامش) الشهيرة، العديد من نصوص شعراء المتصوفة، الشعر الحديث والموشحات الأندلسية، انتهاءً بإسطوانته عمر الخيام التي صدرت أخيراً.

عابد عازرية:

كان فيه عندي معرفة صغيرة في عمر الخيام، وبأحب شغلتين، تلاتة، أربعة، خمسة، عشرين له، وهذا هو كل الموضوع، سنة الـ 90 اتصلوا فيَّ في مسرحية كانت عم بتصير بإيطاليا، وأرادوني أن أعمل شغلة مع عمر الخيام، كانت المسرحية عن عمر الخيام. واشتغلت معهم بالمشروع بشغلتين صغار لعمر الخيام، بس المشكلة فتح لي الشهية ومش شغلتين، أنا بعدين اشتغلت خلال سنتين، تلاتة، على..، بحثت بعض النصوص التانية، عملت مجموعة كاملة.

اكتشفت أنه حلم الواحد اليوم بعصرنا قد ما اشتغل على شعر ومتصوِّفة وشعراء وميثولوجيا، وها الشغلات كلها، حلو يشتغل على رجل علم، لأنه عمر الخيام ما كان شاعر، عمر الخيام كان رجل عالم رياضيات، فلكي، طبيب، فيزيائي، كيميائي كان، يكتب رباعية اللي هي بزمانه كانت محتقرة كتير بالشعر، لأنه كل شعراء عصره كانوا يكتبوا 5 آلاف بيت، 7 آلاف بيت، (الشاهنامة) ها النصوص الكبيرة في بلاد فارس، بينما هو اختار يعني الشكل المرذول أكتر شيء، يعني شكل الفقراء، الشكل الشعبي البسيط، اللي ما عنده إمكانية يكتب، وما عنده نَفَس يعني، هي أربع أسطر، ضمن ها الأربع الأسطر بأتصور حمَّل كل أفكار حياته، واللي هي فكرة واحدة بس هي (سكرة الحياة).

عابد عازرية:

الدور اللي لعبه في حياتنا وفي الغرب خلال ها الـ 100 سنة الأخيرة، واليوم مُترجم لكل لغات العالم عمر الخيام، حلو كتير إنه مُغني باللغة العربية، مع إنه ما كتب باللغة العربية هو.

المعلقة:

عابد عازرية الذي أوجد مكاناً في الغرب، بعد أن وجد فيه الاعتراف بعمله وموهبته، يبقى عرضة للتساؤل، إذ يرى البعض في تعامله هو العربي مع جمهور غربي شيئاً من التناقض أو سوء الفهم، فهل يوافق عابد على أن تُشبه أغانيه برسائل تُرمَى في قارورة إلى البحر؟

عباد عازرية:

إحنا كبشر منين جايين؟ ما أهل الأسكيمو كمان بشر، بيموتوا مثلنا وبيعيشوا مثلنا، وبيفهموا مثلنا وعندهم مشاكل مثلنا، واليابان نفس الشيء، وعندهم أحاسيس، فلذلك بأتذكر أنا كل أصحابي لما عملت إسطوانتي الأولى، قالوا لي: عابد، عم بتعمل إسطوانة شعر عربي في باريس؟! لأوروبا؟! طب هذا لازم تعمله في دمشق أو في بغداد أو في بيروت. قلت لهم: ما ضروري، ليه؟ إنت بتعلِّم الأوروبيين يسمعوا عربي؟! قلت لهم: لا، الفن فن وين ما كان، لأنه بيحكي، القصة الموسيقية نفس القصة، ممكن يسمعني ياباني أو فنلندي أو إيطالي بنفس الشيء فنحنا عندنا في بلادنا بنسمع كمان غربي!!

إسطوانة نصيبي اللي هي عربي أسباني، فيها تلات فرق موسيقية، مجموعة فرنسيين أو غربيين يعني، ومجموعة أسبانيول فلامنكو، ومجموعة عرب، فكلهم يقولوا لي: آه بتعمل غناء عربي فلامنكو، لا، ما هو، عم بأعمل أنا إسطوانة أو مشروع جذبني من 12 سنة إنه عمل موسيقي للغتين، اللغة العربية والأسبانية، كيف ممكن اليوم يعيشوا أندلس بين بعضهم، لأنه في هذاك الزمن التقت الشعوب بين بعضها، مش دينياً، اجتماعياً، سياسياً، اقتصادياً، كان فيه رفاهية، فيه كان خير، الناس قبلت بعضها متحررة منفتحة كل أغانيهم، كل أناشيدهم كانت كلها عن الغرام، عن المتعة، عن الحياة الوفيرة، ما فيه هم، ما فيه..، فهايدا اليوم ما هو موجود، فكيف ممكن تخترع لقاء ما فيه جغرافيا، ما فيه اقتصاد، ما فيه حياة وافرة، لكن ضمن الموسيقى؟ أردت أعمل يعني الجغرافيا هي أن النغمات والألوان والآلات، يعني ها الـ 15 موسيقي نحن في بعضنا، هي تصير أندلس صغيرة بس اليوم.

المعلقة:

الأندلس الصغيرة هذه يحياها عابد عازرية كل يوم، ولكن ماذا عن الأهل والبُعد والشوق وصقيع الغربة؟ ماذا عنها كل تلك الهموم التي تصنع يوميات كل غريب؟

عابد عازرية:

يعني حتماً بأحس بالغربة طبعاً، بس أنا بأتساءل، إذا كنت أنا اليوم عايش في أي مكان بالعالم، البلد اللي نشأت فيه، أو بلاد تانية اللي بتحكي نفس اللغة العربية، بأتصور راح يكون عندي غربة، بس من نوع آخر، الغربة هاي يعني مالها الأهمية اللي كتير كبيرة، لأنه بأتصور أهم شيء إنه بالحياة واحد –قلت لك- يكون عنده ها الإمكانية يمارس الكيميا تبعه من شان يحول الأشياء، يحول الرموز، يحول الصور، الرؤى تبعه، منين جاي، ومنين رايح، فكونك عم بتعمل أشياء هو هذا أهم شيء، الباقي الغربة شغلة جداً جداً ثانوية.

يعني بأتصور اليوم، بأروح أحياناً زيارة للبنان، لسوريا، لمصر، لكل.. لأكثر البلاد العربية أحياناً، بعد أربع أيام بأحس مش بغربة، بأحس بغربة قاتلة، لأنه بأحس ما فيه لغة مشتركة، يعني عم بأحكي أنا بأحس أنا غريب، غريب مش لأنه، وأنا غريب هون كمان مع الفرنسيين وأنا غريب وين ما بأروح وبآن واحد أنا بأحب الناس وبأحسهم، مش لأنهم من يعني من ناحية جسدياً غريبين عني، بأحس أن فيه بيناتنا مسافة كتير كتير، يعني التيار أخدهم لأماكن، أو للمتقوقعين في أشياء في بلادنا بشكل خاص، بالدين، بالفلسفة، بالسياسة، بالمجتمع.

يعني قصدي معلقين على شغلات صغيرة كتير كتير أهمية، هي شغلات المفروض تتحل بيوم أو اتنين من شان الواحد ينطلق يروح لأبعد، فبلاقيهم أنا هاالتعلق بشغلات كتير صغيرة، وتعليق أهمية عليها بيشعرني بغربة فظيعة بيني وبينهم، بينما أنا بأوروبا ها النوع الغربة ما عندي إياها، عندي غربة مثلاً بالحنان، بالعاطفة، بالإحساس، لأنه الناس الأوروبيين حياتهم كلها عقلانية حسابية.

أنا لما بأرجع لمنطقة الشرق الأوسط، بكل منطقة الشرق الأوسط، لأنه في

طفولتي عشتها كلها بسماها الزرقا بالليل الغامقة، بشمسها القوية كتير، بشتاءها البارد كتير كتير إلى آخره، بأحس أن لولا فيه ها الذاكرة اللي بعدها منتصبة (بتدمر)، (بآلات الحصن)، (بعلبك)، (بجرش)، بكل ها المحلات.. الفترة الرومانية، اليونانية، البابلية، السومرية، بأتصور ما تكون عندي عزاء ولا واحد في الحياة، يعني لأنه عزائي هو بيبدأ من هيك، بيخليني أقول إن البشر في ها المنطقة بزمانهم كان لهم أهمية في الكون، أحس إن إحنا اليوم الإنسان.. الإنسان اللي بأعده طيب وحبوب وعاطفي، لكن اليوم ما إنه فاعل، مستهلك.

نحن كان بها البلاد الناس صانعين الحضارة والمدنية، كانوا هنا اللي يصنعوا السيارة، اليوم بيستوردوها، كانوا هنا اللي يقرؤوا الأبجدية، هنا اللي اخترعوا العلم، المعرفة، الكتابة، كل الشغلات كانوا..، الفلسفة، اليوم نحن أصغر فكرة بتطلع بأمريكا، أو بأوروبا، بإنجلترا، بنستوردها لعندنا، وأصغر رقاص بيهز (إجريه) بأميركا ندفع عليه ملايين لنجيبه عندنا لبلادنا، لأن إحنا ما عاد عندنا رقَّاص، ولا عاد عندنا شيء، فلذلك هذا بيحزنني كتير، لكن كوني بأشوف تدْمُر، كوني بأشوف ها المحلات كلها المنتصبة بعد، بأحس إن فيه عزاء، لأنه الإنسان بيظل، بيرجع يعني دايماً في دورة، فيقول لك العَودْ الأبدي هذا إلا.. وحتى إذا كان ما موجود العود الأبدي، خليك... الإيمان بيكفي، أنا بآمن إنه ما راح شيء، لأنه الناس راحت، بس المكان موجود، والمكان بيوحي كتير، يعني أنا سفرتي الأخيرة عادت مش النهار بس بتدمر حسيت بإمكاني كنت أظل ببساطة خمسة أيام، وأول مرة بعد زمان، ها الإحساس خلاني أقول إنه إن أنا ما فيه إني أعيش في ها البلاد، لكن فيه عندي شيء فيها بعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة