الانتفاضة ولبنان وسوريا والخلاف في إيران   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:19 (مكة المكرمة)، 23:19 (غرينتش)
مقدم الحلقة توفيق طه
تاريخ الحلقة 22/04/2001






توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) والذي أقدمه لكم في إجازة الزميل جميل عازر. في هذا العدد: مدافع الهاون الفلسطينية تُدخِل الانتفاضة مرحلة جديدة بينما القمع الإسرائيلي يتصاعد. وتزايد الخلاف في لبنان حول الوجود السوري يهدد بالعودة إلى أجواء الحرب الأهلية.

ووصول الصراع بين المحافظين وحكومة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي مرحلة حرجة، والأنظار تتجه إلى خامنئي لحسم الخلاف.

على الرغم من التفوق الساحق للأسلحة الإسرائيلية يبدو أن استخدام الفلسطينيين لمدافع الهاون يُدخل الانتفاضة مرحلة جديدة، وأن لا سبيل لمقاومة سياسة شارون إلا باستمرارها في المقاومة، أما المفاوضات فلم تفضي إلى جديد مع غياب أي ضغط على إسرائيل اللهم إلا بتهديد الأمن الإسرائيلي وهو الهاجس الأبدي لدى الإسرائيليين.

قذائف الهاون تحدث دمارا في مستوطنة غوش قطيف
تقرير/ سمير خضر: هذا هو الحوار الوحيد الذي يدور حالياً بين الطرفين، وهذه هي اللغة التي اختار الإسرائيليون النطق بها، ولم يتبق أمام الطرف الفلسطيني من سبيل سوى تعلُّم هذه اللغة للرد على محاورهم وشريكهم في السلام المسلح. لحد الآن لم يعد الفلسطينيون إلى الرد على الهجمات الإسرائيلية المتكررة، بل اكتفوا بتلقي الضربات والتنديد بها عربياً وعالمياً، ولكن الأمر قد لا يستمر على هذا المنوال، وأكثر من مسؤول فلسطيني ألمح إلى أن الفلسطينيين لم يستنفذوا جميع الوسائل المتوفرة لديهم ولا زالوا يحتفظون في جعبتهم بأوراق هامة ليست سياسية أو دبلوماسية فقط وهذا لا يعني سوى إمكانية لجوء الفلسطينيين إلى الخيار العسكري لمواجهة الحرب التي باتت معلنة من طرف واحد ضدهم، ولا أدل على ذلك من لجوء الإسرائيليين إلى أساليب جديدة، بدأت باستخدام صواريخ أرض-أرض الموجهة عن بعد في قصف المنشآت العسكرية الفلسطينية، وانتهاءً بحرب السيارات المفخخة التي استطاعت أجهزة الأمن الفلسطينية رصد إحداها وتفجيرها قبل فوات الأوان، ورغم ارتفاع وتيرة المواجهات فإن بعض القادة من الطرفين لم يفقد بعد الأمل في العملية السلمية رغم أن كل طرف لديه تعريفه الخاص للسلام، إذ عقدت عدة لقاءات قيل أنها أمنية تهدف إلى وقف دوامة العنف والعودة إلى مائدة المفاوضات، ولكن أي مفاوضات وبأي شروط؟ إذا لم يعد الأمر الآن التوفيق بين الطرفين بل بين مجموعة من الأطرف المتداخلة إسرائيلياً وفلسطينياً، فهناك تفسيرات متعددة لما ينبغي القيام به داخل المعسكر الإسرائيلي، وهناك رؤىً متباينة حول الأولويات داخل المعسكر الفلسطيني.

وما يعتبر البعض تقدماً في الاتجاه الصحيح يقرأه آخرون بأنه مناورة خبيثة ويبدو أن الطرفين دخلا مرحلة جديدة من المواجهة تختلف كلياً عما عرفناه في السابق، مواجهة مبنية على ما يمكن تسميته بسياسة كسر العظم أو سياسة الكل أو لا شيء التي اختارها (آرئيل شارون) فإسرائيل لا تريد اليوم سوى شيئاً واحداً: استسلام سياسي ودبلوماسي وعسكري فلسطيني كامل، والخضوع كلياً للشروط الإسرائيلية. والفلسطينيون لا يريدون العودة إلى سياسة التسويف والوعود الخادعة والاتفاقيات التي لا تنفذ، ومن يستطيع الصمود أكثر من غيره سيخرج منتصراً من هذه المعركة، فالإسرائيليون يمتلكون السلاح والتفوق العسكري والاقتصادي ويمعنون في تشديد الحصار لخنق الفلسطينيين اقتصادياً، لكنهم قد لا يتحملون إطالة أمد المواجهة التي تؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي، كما أن استمرار المواجهات يكلف ميزانية الدفاع مبالغ طائلة.

أما على الجانب الفلسطيني فإن مجرد التفكير في العودة إلى ما قبل الانتفاضة يعتبر بنظر الكثير منهم خيانة عظمى لدماء مئات الشهداء الذين سقطوا خلال هذه الحرب غير المتكافئة. وعلى عكس الإسرائيليين لم يعد أمامهم ما يخشون فقدانه، و ربما لهذا السبب تتكاثر الدعوات من كافة الأطراف لتهدئة الوضع، في حين تختفي كلياً الأصوات -في الجانب الفلسطيني- الداعية إلى وقف الانتفاضة.

توفيق طه: رغم مرور 26 سنة على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية إلا أن اللبنانيين مازالوا منقسمين، فبعضهم يسمى الوجود السوري احتلالاً، بينما يعتبره البعض الآخر ضمانة لأمنهم القومي. أما سوريا فلها في لبنان مآرب استراتيجية أهمها تلازم المساقين اللبنانيين والسوري في العملية السلمية، وبالتالي فإنها ترتاب في أية محاولة للانعتاق من سطوتها.

التواجد السوري في لبنان
تقرير/ حسن إبراهيم: نصر الله يطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، ونصر الله آخر يسمي الوجود السوري ضرورة استراتيجية وواجباً قومياً. الأول هو بطريرك كنيسة المارونية نصر الله صفير، أما الثاني فهو زعيم حزب الله حسن نصر الله الفريق المناهض للوجود السوري تتراوح مواقفه ما بين الراغبين في طرد الجيش السوري من جميع لبنان مثل البطريك صفير والعماد ميشيل عون وأنصار القوات اللبنانية، وما بين الداعين إلى ترشيد الوجود السوري مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أو النائب المسيحي المعتدل نجاح واكيم.

أما الفريق الذي يرحب بالوجود السوري فيتألف أساساً من نبيه بري زعيم حركة أمل، رئيس مجلس النواب الذي قال: إن موضوع سوريا غير قابل للنقاش، أضف إليه الشيخ حسن نصر الله وكلاهما من الشيعة. وبينما تمر الذكرى السادسة والعشرون على انطلاقه الحرب اللبنانية في الثالث عشر من شهر أبريل/نيسان عام 75 تبقى أجواء لبنان مماثلة لتلك التي انطلقت الحرب بسببها، لغة التصعيد، والتخوين، والتهديد بهدم المعبد على من فيه.

اتفاقية الطائف التي أنهت الحرب اللبنانية عام 91 قننت الوجود السوري إلى أن يتم بناء أرضية لدستور لبناني جديد، لبنان لا طائفي، لكن ما حدث كان تهميشاً شبه كامل لكل من يعارض الوجود السوري المكثف، حيث أصبحت دمشق هي المرجعية الأولى للزعماء اللبنانيين، وأصبح بعض اللبنانيين يعتبرون رئيس جمهورية لبنان موظفاً سورياً بإرادتها لا بإرادة الشعب اللبناني. ولعل الطريقة التي عُومل بها الصف المسيحي اللبناني أغضبت الكثيرين منهم، فبينما حوكم الدكتور سمير جعجع قائد القوات اللبنانية بتهمة تفجير بعض الكنائس، لم تمس شعرة لإيلي حبيقة الذي كان القائد الميداني للقوات اللبنانية والذي نفذ مجزرة صبرا وشاتيلا باتفاق مع الجيش الإسرائيلي وقائده رئيس الوزراء الحالي آرئيل شارون، بل عُين إيلي حبيقة وزيراً في حكومة الرئيس الحريري ولم تتم مساءلته على ما اقترفه، السبب بالطبع هو أنه يعتبر من أبرز رجال دمشق داخل الصف المسيحي اللبناني. لكن وعلى مدى العشرة أعوام الماضية، ورغم مرور الدعم الإيراني لحزب الله قلب المقاومة اللبنانية لإسرائيل عبر الأراضي السورية إلا أن الجيش السوري نأى بنفسه عن الدخول في أي مواجهات مع الجيش الإسرائيلي وفي عمليات هامة مثل ذلك: عناقيد الغضب، قصف محطات الطاقة الكهربائية، وقصف قرى الجنوب اللبناني.

فهل تحتاج سوريا لقوة يتراوح عدد أفرادها ما بين ثلاثة وعشرين وخمسة وثلاثين ألف جندي سوري لحفظ الأمن في لبنان؟ أم تُرى هم للمحافظة على هيبتها؟

هذا ما يتساءل عنه كثير من اللبنانيين وليس كلهم من المسيحيين. ويبدو أن انسحاب إسرائيل من لبنان قد أوقع سوريا في مأزق، فسوريا تخشى أن تقبل أغلبية لبنانية بعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل مثلما فعل الرئيس الأسبق بشير الجميل. ويعتقد بعض المعارضين اللبنانيين أن سوريا تخشى من عودة الديمقراطية اللبنانية، وهو ما قد يشيع جواً لا تحبذه دمشق أو الأنظمة العربية الأخرى، أي أن يعود لبنان قلعة لكل هارب من بطش أو ظلم في العالم العربي أو غيره.

توفيق طه: وللتعليق على الوجود السوري في لبنان تحدثت عبر الهاتف إلى العماد ميشيل عون في باريس، وسألته أولاً عن أسباب مطالبة كثير من المسيحيين بإنهاء الوجود السوري في لبنان.

العماد ميشيل عون: أعتقد إنه هناك تضليل إعلامي كبير حول الدور السوري، يجب ألا ننسى أن سوريا تسيطر على الإعلام اللبناني وعلى الحياة السياسية، وقد سيطرت بالعنف وبحزم القياديين المناهضين لها، ولذلك لا يمكن أن تنطلق من لبنان من 10 سنوات لغاية 13 سنة لغاية الآن إلا مَنْ.. إلا صوت من يطالب بالوجود السوري في لبنان. ولكن العكس صحيح، اللبنانيون لا يريدون أن تبقى سوريا في لبنان، لأن في عهدها الميمون وصلت حالة لبنان إلى وضع تعيس جداً، لقد انهار الاقتصاد اللبناني، وأصبح لبنان مديون بنسبة 164% من نسبة إنتاجه القومي، وأصبح هناك زيادة (..) أيضاً في لبنان.

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن يعني عفواً سيد عماد يعني ما.. ما هو دخل سوريا في موضوع الاقتصاد اللبناني؟

العماد ميشيل عون: لأنها هي التي توجه السياسة الاقتصادية و السياسة الخارجية، فقد عزلت لبنان عن الخارج وفرضت بواسطة جماعتها نوع من السياسة الإعمارية التي جمدت النمو وصرفت الأموال هدراً، لأن الأشغال التي نفذت بلبنان نفذت بنسبة من.. بنسبة سعرها الحقيقي 300% نحن نطالب.. إنما نقول في هذا..

توفيق طه [مقاطعاً]: هناك البعض ومنه البطريرك صفير يعني يرى أن.. أن سوء التفاهم في العلاقة بين السوريين واللبنانيين وخصوصاً في موضوع الاقتصاد يعني يعود إلى شلة من المنتفعين والمستفيدين وبعض الممارسات الاقتصادية الخاطئة، يعني ألا يمكن الوصول إلى تفاهم مع السوريين حول هذه المواضيع؟

العماد ميشيل عون: ولماذا تبقى سوريا في لبنان، هذا هو السؤال، لماذا يُطرح السؤال إذا طلب اللبنانيون بالسيادة والاستقلال يكون هناك وضع معادلة سورية؟! أنا أفهم إنه الحالة الطبيعية أن يكون لبنان وطن سيد حر مستقل وعلى علاقة ممتازة مع سوريا ومع باقي الدول العربية، الوضع لا يجوز أن يبقى هكذا..

توفيق طه [مقاطعا]ً:لكن سيد العماد يعني يلاحظ أن الاصطفاف من مسألة الوجود السوري في لبنان يقوم على أساس طائفي يعني، هل هناك ما يضمن عدم تفجُّر الوضع إذا ما خرجت سوريا من لبنان؟

العماد ميشيل عون: لأ، ما هي التي فجرت الوضع.. وهذه هي الحيلة الكبرى، سوريا تقوم اليوم بدور الإطفائي المهووس، يولع النار كي يُستدعى لإطفائها، إنها تلعب هذه اللعبة منذ 25 سنة، ولذلك نطالب بلجنة تحقيق.. لجنة تقصي الحقائق في لبنان، لجنة دولية عربية.. مُصرِّين على اللجنة هايدي حتى نشوف.. حتى نرى ما هو.. الصادق في كلام سوريا وما هو الكاذب، لأن.. ولا يجوز نبني أن التاريخ والمجتمع على.. على أكاذيب..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، لكن.. لكن البطريرك.. البطريرك صفير.. السيد العماد. نعم، السيد العماد.. البطريرك صفير يدعو إلى تنفيذ ما يقوله اتفاق الطائف حول الوجود السوري في لبنان، هل يقبل العماد عون.. بما يقوله اتفاق الطائف؟

العماد ميشيل عون: ماذا يقول اتفاق الطائف؟ يقول إنه بعد سنتين من الإصلاحات الدستورية وقد تمت الإصلاحات الدستورية 1990م بعد سنتين أي 1992م يجب أن تبحث الدولتين بإعادة الانتشار وبحجم القوى المتبقية وبالمدة التي تتبقى.. تبقى فيها هذه القوة. سوريا ترفض البحث في هذا الموضوع، وترفض.. وترفض برمجة انسحابها من لبنان.

توفيق طه: ومن قناة الجزيرة في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: هل يحق لطبيب أن يأخذ ما منحه الله؟ وتُرى هل سيحذو العالم حذو هولندا؟

يحاول المحافظون الإيرانيون عرقلة إعادة انتخاب خاتمي والإصلاحيين مرة أخرى، وهم يستخدمون في هذا الجهاز القضائي الذي يعتبر بسبب التركيبة المعقدة للدستور الإيراني مستقلاً تماماً عن الجهازين التنفيذي والتشريعي، وهكذا تمكن المحافظون من اعتقال ومحاكمة عشرات الناشطين والصحفيين المؤيدين للتيار الإصلاحي ويعول الطرفان الآن على (آية الله على خامنئي) الذي لم يحدد موقفه بعد.

صراع الإصلاحيين والمحافظين في ظل حكومة إصلاحية
تقرير/ حسن إبراهيم: كان معارضو النظام الإسلامي في إيران يسمونه "جورباتشوف الثورة الإيرانية" فقد كانوا يظنون أن الرئيس الليبرالي التوجهات يرغب حقيقة في تقويض النظام الإسلامي الذي وضع لبناته الأولى (آية الله روح الله الخميني) عام 79م مات الخوميني لكن بقي خطه الذي أصبح قميصاً يتمسح به كل من يريد إثبات ولائه للثورة التي أطاحت بـ (شاهنشاه محمد رضا بهلوي) وقضَّت مضجع الولايات المتحدة التي اعتبرتها مهددة لمصالحها في المنطقة. خاتمي حاول إثبات ولائه لخط الإمام الخوميني منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، لكن معارضيه من المحافظين اعتبروه عدواً ومن يناصرونه من معسكر الأعداء الواجب قمعهم، وهم يملكون القدرة على ذلك، فرئيس الجمهورية في الدستور الذي وضع وأجيز في العام الأول للثورة يكاد يكون منزوع السلطات، فأجهزة القضاء والقوات المسلحة والاستخبارات والإعلام الذي تملكه الدولة تقع تحت إشراف مرشد الجمهورية الإسلامية (آية الله على خامنئي) الذي يعتبر المرجعية النهائية للدولة.

ويتحكم المحافظون في هذه المرافق الحيوية خاصة القضاء، وأخذوا يعتقلون أنصار الإصلاح من صحفيين وناشطين سياسيين، وأغلقوا 36 صحيفة محسوبة على التيار الإصلاحي. ويعتقد الإصلاحيون أن المحافظين بدؤوا حملة التنكيل هذه قبيل الانتخابات القادمة التي يُتوقع أن يكتسحها تيار الإصلاح، سواء كان خاتمي على رأسه أم لا.

وقد طالب 150 نائباً من أصل 290 آية الله خامنئي بإيقاف حملة الاعتقالات تفادياً لانفجار لا تعرف عواقبه. لكن لا حياة لمن تنادي، فالمحافظون يعلمون أنهم فقدوا الشعبية في أوساط الشباب الذين يرغبون في حياة تواكب العصر، بعيداً عن جيل الثورة الذي يرفض التعامل بمنطق العصر.

وهناك ردود أفعال مختلفة حيال التيارين المحافظ والإصلاحي من خارج إيران، فبينما يعتقد العرب إن إيران الإصلاحية قد تكون أكثر استعداداً لقبول التفاوض حول قضايا مثل الأمن المشترك والعراق وقضية الجزر الثلاثة بين إيران والإمارات العربية المتحدة، وأنها سوف تعزف عن محاولات تصدير الثورة إلى بعض الأماكن في العالم العربي مثل تجمعات الشيعة في السعودية والكويت والبحرين التي يمثل الشيعة فيها الأغلبية.

لكن بعض المراقبين يعتقدون أن التيار الإصلاحي قد يكون أقرب إلى فكرة القومية الفارسية، وأنه قد يرفض فكرة تصدير الثورة لكن قد يتشدد حول موضوع الجزر على سبيل المثال.

إيران في مفترق طرق، ويبدو أن الفريقين يحاولان وضع الكرة في ملعب مرشد الجمهورية الإسلامية (علي خامئني) وهو على ما يبدو يريد أن ينأى بنفسه عن التأييد الواضح لأي من المعسكرين، والوقت قد اقترب لكي يعلن عن موقف ما لا شك في ذلك. فتُرى هل سيختار الانكفاء نحو مرجعيته التاريخية أم سيمارس لعبة الانفتاح الجماهيري بكل تبعاتها؟!

توفيق طه: مازالت اتفاقية (دايتون) التي وقعها رئيس البوسنة المتنحي (علي عزت بيجوفيتتش) ورئيس كرواتيا الراحل (فرانيو تيدمان) ورئيس صربيا نزيل سجن بلجراد (سلوبودان ميلوشيفيتش) مازالت صامدة، إلا أن كروات البوسنة يريدون الانفصال عن البوسنة، بدعم مالي كرواتي، وفي ظل الأحوال المتفجرة في جميع أنحاء البلقان تأتي هذه الدعوة الانفصالية لتفتح ثغرة جديدة في البلقان المنكوب.

بوسنيون يفترشون الأرض ملجأً لهم
تقرير/ سمير خضر: ثلاثة زعماء اجتمعوا في مدينة (دايتون) الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 95 لوضع حد للحرب الأهلية في البوسنة. الكرواتي (تيدمان) فارق الحياة منذ أعوام، الصربي (ميلوشيفيتش) يبقع الآن في أحد سجون بلجراد، والبوسني (علي عزت بيجوفيتش) تنحى منذ أشهر عن السلطة، لكن اتفاقهم الموقع في دايتون بقي صامداً، غير أن أحداً في ذلك الوقت لم يفكر بما سيجلبه الغد وفي كيفية التوفيق بين فرقاء لا يجمع بينهم سوى الكراهية والبغضاء.

الكروات والبوسنيون اتفقوا على تشكيل فيدرالية، وسُمح للصرب بإنشاء كيان خاص بهم، ولكن ضمن جمهورية بوسنية موحدة تشرف عليها قيادة جماعية. وشعر الكروات البوسنيون بأن حقوقهم قد هضمت، لكنهم تقبلوا الأمر على مضض وبدؤوا بالإعداد للحظة التي يطالبون بها بالانفصال عن الكيان البوسني بمساعدة الوطن الأم كرواتيا، وبدأ الاستعداد لهذا الأمر وقامت (زغرب) بضخ ملايين الدولارات في حسابات سرية في أحد بنوك مدينة (موستار) في جنوب البوسنة لتمويل عملية الانفصال. لكن قوات (S4) الدولية والإدارة الدولية التي تشرف على تماسك الاتحاد البوسني الكرواتي اكتشفت المؤامرة، فصدرت الأوامر إلى القوات الدولية بالاستيلاء على وثائق هذا البنك، الأمر الذي سمح للمجتمع الدولي بالإمساك بخيوط اللعبة. عملية الاستيلاء على البنك لم تمر دون مصادمات مع قوات (S4) والمتشددين الكروات في (موستار)، إذ تخللتها اشتباكات كادت تتحول إلى مواجهة مسلحة بين الطرفين. وصدرت اتهامات من الإدارة الدولية للمدينة لزعماء الحزب الوطني الكرواتي الانفصالي بتمويل مشاريعه الاستقلالية من خلال الاتجار باللاجئين وتهريب المخدرات والسلاح.

كروات البوسنة بدؤوا منذ فترة بالإعلان عن نيتهم بالانفصال وأدى ذلك إلى إقالة ممثلهم في القيادة الجماعية للبلاد، لكن ذلك لم يثني دعاة الاستقلال عن المضي قدماً في مشروعهم، ودخلت الأمور مرحلة حرجة عندما صدرت الأوامر للعسكريين من كروات البوسنة بالاستقالة من وظائفهم ليشكلوا نواة جيش الدولة القادمة مع وعد بحصولهم على وراتب ومخصصات أعلى بكثير مما كانت تدفعه لهم الدولة الاتحادية البوسنية.

ويبدوا أن الأمور تسير اليوم باتجاه التصعيد، رغم أن المجتمع الدولي أعلن صراحة معارضته لأي محاولة تهدف إلى تقويض أسس اتفاق (دايتون) لكن خيوط اللعبة تبقى حتى اليوم في يد العاصمة الكرواتية (زغرب) التي لم تُخف يوماً رغبتها في ضم جزء من أراضي البوسنة إليها.

تفاعلات قضية كروات البوسنة تأتي لتضيف عنصراً جديداً من عناصر عدم الاستقرار في منطقة البلقان إلى جانب تطورات الأوضاع في يوغسلافيا وفي مقدونيا وفي كوسوفو. وتبقى بذلك المنطقة برميلاً من البارود قابلاً للانفجار في أي لحظة.

توفيق طه: وأخيراً ننتهي بقضية تسهيل الموت للمرضى الميؤوس من شفائهم، والذين يعانون من آلام مبرحة، وقد أباحت هولندا تسهيل القتل بعد لأي ومناقشات حامية الوطيس، وكان الطبيب الأميركي (جاك كيفوركيان) قد أثار الموضوع في الولايات المتحدة، وحكم عليه بالسجن، واعتبر القضاء الأميركي سفاحاً. ورغم كل الاعتبارات فإن السؤال الأساسي يبقى من يملك حق إنهاء الحياة؟ وتأملوا التقرير التالي وأنتم الحكم والفيصل.

تقرير/ خالد القضاة: يعتبر ما اصطلح عليه "القتل الرحيم" من أكثر الممارسات الطبية إثارة للجدل لما ينطوي عليه من تداخلات بين أخلاقيات مهنة الطب والروابط الإنسانية والاجتماعية، وهذه الممارسة التي هي في الواقع ليست قتلاً رحيماً لأنه لا رحمة في القتل، وإنما هي تسهيل الوفاة ستظل محل صراع بين تيارات مؤيدة لها وتيارات ترفضها بشدة. صُناع القرار في هولندا كانوا أكثر جرأة في تقنيين هذه الممارسة الطبية بسبب طبيعة المجتمع الهولندي، فالتكافل فيه يعتبر مسؤولية الدولة مما قد يشجع النزعات الذاتية والاستقلالية لدى الفرد. أثيرت مسألة تسهيل الوفاة في عقد التسعينات، وكان وراء ذلك طبيب أميركي هو (جاك كيفوركيان) المعروف باسم "طبيب الموت" فقد دفاع كيفوركيان بشدة عن مبدأ تسهيل الوفاة، إلى درجة أنه اعترف بأنه ساعد في إنهاء حياة أكثر من 130 مريضاً خلال عشر سنوات، لكن المحكمة أدانته بتهمة مساعدة المرضى على الانتحار، وحكمت عليه بالسجن، واعتبرت فعلته جريمة قتل بدون سابق إصرار أو ترصد، وأيد كيفوركيان مبدأ تسهيل الوفاة بأن عرض على شاشة التليفزيون أدوات تساعد على الانتحار، بل عرض لقطات له وهو يقوم بإنهاء حياة أحد المرضى.

أما هولندا فليس غريباً أن تكون أول دولة في العالم تتبنى قانون تسهيل الوفاة للمرضى الميؤوس من شفائهم، فالقوانين الهولندية شديدة الليبرالية فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، غير أن هذا القانون وضع ضوابط وشروطاً لممارسة تسهيل والوفاة ومن أهمها: أن يعاني المريض من ألم غير محتمل، ثم أن يتم الإجراء بناءً على طلب المريض. ويشترط أن يكون المرض غير قابل للشفاء على الإطلاق.

علاوة على أن يتم استخدام الطريقة الطبية المثلى في إنهاء حياة المريض.

لكن ورغم أن هذه الممارسة الطبية تحدث في هولندا بشكل غير مقنن منذ عشرات السنين، فإن إقرار هذا القانون أظهر انقساماً في الرأي العام الهولندي تجاه هذه القضية، فالمؤيدون وخصوصاً من العلماء شدوا على يد المشرع بقولهم: إن من حق الطبيب بل من واجبه إراحة المرضى الذين لا يُؤمل شفاؤهم، ويبرر هؤلاء بأن الأطباء يملكون حق رفض القيام بهذا الإجراء، بينما لا يقومون به إلا بطلب المريض نفسه.

أما المعارضون لقانون تسهيل الوفاة فيخشون أن يساء استخدام هذا القانون وأن يترك هذا القرار لتقديرات فردية، كما يعارضه البعض لما ينطوي عليه من خطورة واحتمالات التجاوز، بينما يرى التيار الديني أن الموت والحياة بيد الله وأن واجب الطبيب هو أن يكون أميناً على حياة المريض لا أن يهدرها. وبين هذا وذاك يبقى قانون تسهيل الوفاة بين الحلال والحرام.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة الجزيرة في قطر. تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة