تمديد العمل بالعقوبات الأميركية على السودان   
الخميس 1431/11/28 هـ - الموافق 4/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 9:17 (مكة المكرمة)، 6:17 (غرينتش)

- أهداف ودلالات تجديد العقوبات الأميركية على السودان
- التعقيدات والمصاعب التي تواجه الاستفتاء

محمد كريشان
سيف الدين البشير
عثمان ميرغني
محمد كريشان:
أعلنت الخرطوم رسميا رفضها القاطع قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما تمديد العمل بالعقوبات الأميركية الاقتصادية على السودان ووصفت سياسة العقوبات بالانتقائية والفاشلة، يأتي ذلك في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأميركي الخاص للسودان سكوت غريشن لقاءاته لبحث الجهود الرامية لضمان إجراء الاستفتاء حول مصير جنوب السودان. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه من زاويتين، ما الذي تراهن عليه إدارة أوباما باستمرارها في نهج سياسة العقوبات على الحكومة السودانية؟ وما هو حجم التعقيدات والمصاعب التي بدأت تطفو على السطح بشأن إجراء الاستفتاء في موعده؟.. السلام عليكم. عشرة أسابيع فقط تفصل السودان عن موعد إجراء استفتاء تقرير مصير جنوبه، سقف زمني دونه عراقيل كثيرة، تتالت الزيارات الأميركية إلى المنطقة للبحث في أنجع الطرق لتذليلها وهو الهدف الذي يضر حتما بالتنسيق مع شريكي الحكم، غير أن الرسالة الأميركية الموجهة إلى كليهما لا تكون أحيانا نفسها، تفهم لمطالب الجنوب وتطلعاته وعقوبات للشمال تتوعده بالأسوأ إن هو لم يحترم الجدول الزمني الصارم لإجراء الاستفتاء مطلع العام المقبل.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: تخفي ابتسامة الموفد الأميركي إلى السودان سكوت غريشن الكثير من قلق واشنطن على استفتاء تقرير مصير الجنوب، أسابيع قليلة ومشاكل كثيرة تتعلق بالموعد المرتقب، شكلت محور مباحثات غريشن في جولة تمر بالخرطوم وجوبا ومنهما إلى أديس أبابا، تعددت المحطات والهدف واحد تأمين إجراء الاستفتاء في أوانه المقرر. وبما أن كل الطرق تؤدي إلى روما جددت واشنطن عقوباتها على الخرطوم لحملها على فعل المطلوب فيما يتعلق بالجنوب ودارفور أيضا وزادت على ذلك اعتبار السودان مصدر تهديد مستمر لمصالحها وأمنها القومي في خطوة استجابت لمنظور صقور الإدارة الأميركية الحالية. لا يحكي هدوء شوارع الخرطوم هذا، دقة المرحلة التي يمر بها بلد وحدته الترابية على كف عفريت، هذه مظاهرة لمن قيل إنهم جنوبيون يرفضون الانفصال عن الشمال وتلك تظاهرة لحزب التحرير ترفض ما وصف بمخططات القوى الكبرى لتقطيع أوصال البلد. إلى الجنوب يتخذ الجدل أشكالا أكثر حدة، هذا نموذج لمئات الأسر التي تقول إنها هجرت قسرا على يد الجيش الشعبي لتحرير السودان، تهمة نفتها الحركة الشعبية ملقية باللوم في التوترات الحدودية المتزايدة بين الشمال والجنوب على القوات الحكومية، تراجعت الثقة كثيرا بين شريكي الحكم وتعثرت جهود البحث عن وفاق بينهما حول وضع أبييه وتقاسم الثروة النفطية، تقول الأمم المتحدة إن الاستفتاء المثير للجدل يفتقد البنية التحتية اللازمة والطرق المعبدة الضرورية للتواصل بني المناطق البعيدة في الجنوب إضافة إلى التمويل الذي لم يف المجتمع الدولي سوى بـ 50% منه إلى حد الآن، عراقيل من الأكيد أن سيلفاكير حدث بها ضيفه السيناتور جون كيري الذي زار بدوره جوبا ليطمئن أن كل شيء يسير على ما يرام، من وجهة نظر أميركية طبعا.

[نهاية التقرير المسجل]

أهداف ودلالات تجديد العقوبات الأميركية على السودان

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من الخرطوم عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، ومن العاصمة السودانية أيضا سيف الدين البشير رئيس تحرير صحيفة سودان فيجن، أهلا بضيفنا. لو بدأنا بالسيد سيف الدين البشير، الإدارة الأميركية تعتقد أن إبقاء الضغوط على الخرطوم يستوجب تمديد العقوبات، هل تراها سياسة ناجعة؟

سيف الدين البشير: آخر ظني أن التعقيدات في عمل الإدارة الأميركية أو تعقيدات القرار بالنسبة للعلاقات الخارجية الأميركية له فعله في هذه المسألة، فإلقاء عقوبات كانت قد أقرت من السابق بالنسبة للإدارة الأميركية قضية معقدة جدا ويتوجب أن تعبر من لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ إلى الكونغرس إلى التوسيع إلى لجان وبالتالي ففي ظني أن ما حدث ليس بالجديد وليس بمستغرب، ليس من مراقب سوداني يستغرب أن تتجدد العقوبات وفي هذا الوقت بالذات ربما أنه الوقت الأنسب للإدارة الأميركية لتجديدها أولا لمفاقمة المزيد من الضغوط كما ذكر التقرير حول السودان للتقيد بإجراء الاستفتاء في موعده المحدد وثانيا للإبقاء على الخرطوم تحت ورقة الضغوط الأميركية حتى في قضايا أخرى مثل قضية دارفور وخلافه.

محمد كريشان: حكومة الخرطوم في أول رد فعل اعتبرتها هذه استمرارا لسياسة انتقائية وفاشلة، وهنا أسأل السيد عثمان ميرغني، هل تراها فعلا فاشلة وبعض المعطيات تؤكد بأن الخرطوم تتجاوب باستمرار مع مطالب أميركية متتالية؟

عثمان ميرغني: لا، طبعا ليست فاشلة، العقوبات الاقتصادية مؤثرة جدا على الاقتصاد السوداني وتخلق كثير جدا من التعقيدات على الأوضاع في السودان خاصة على البنى التحتية التي تعتمد على الموارد الأميركية وتعتمد على الصناعات الأميركية وحتى قطع الغيار الأميركية وسبق للحكومة السودانية عندما سقطت إحدى طائرات الخطوط الجوية السودانية أن ربطت بين هذه العقوبات وبين تلك الأحداث، فهي إذاً مؤثرة تماما على الاقتصاد في السودان. لكن دعني أشر إلى نقطة مهمة جدا، إن إلغاء العقوبات عادة لا يتم بعدم تجديدها، يتم بقرار بإلغاء العقوبات وليس بعدم تجديدها فمناسبة التجديد السنوية في مثل هذه الأيام هي مناسبة روتينة عادية، إذا كان هناك نية لإلغاء العقوبات فإن قرارا يصدر بذلك وليس عدم تجديد في الموعد الروتيني.

محمد كريشان: ولكن سيد ميرغني المثير أنه في العشرين من شهر أكتوبر الماضي الإدارة الأميركية خففت بعض هذه العقوبات خاصة في المجال الزراعي، أن تأتي بعد أسبوعين تقريبا وتجددها ملفت للانتباه.

عثمان ميرغني: هناك نقطة مهمة جدا، حتى عندما شرعت هذه العقوبات في أول مرة شرعت كمبدأ ووضعت بعض اللوائح التي أدرجت بعض الشركات الحكومية في هذه العقوبات ثم بعد ذلك على ثلاث مراحل تم إضافة شركات أخرى، يعني حتى الشركات التي الآن ضمن لائحة العقوبات لم تأت دفعة واحدة عندما صدر قرار، تم إضافتها على مدى أكثر من خمس سنوات بصورة متدرجة، إذاً عندما تحذف هذه الشركات بصورة تدريجية الآن فإن ذلك لن يكون غريبا باعتبار أن العقوبات أصلا هي تتحدث عن شركات مسماة بعينها وبأسمها فإذاً يمكن حذف بعض هذه الشركات والتراجع عنها واحدة واحدة، حتى يمكن أن تصل إلى مرحلة إلغاء جميع الشركات دون إلغاء القرار بمعنى آخر إزالة الشركات واحدة واحدة والإبقاء على القرار كما هو.

محمد كريشان: اللافت للانتباه، وهنا أعود إلى السيد سيف الدين البشير، الرئيس أوباما عندما في رسالته لتجديد هذه العقوبات اعتبر -وهنا أنا أقتبس- قال "إن سياسة النظام السوداني مستمرة في مناهضة مصالح الولايات المتحدة وهي تمثل تهديدا دائما وغير اعتادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" هل فعلا الخرطوم بمثل هذه الخطورة على واشنطن؟

سيف الدين البشير: هذا منطق فضفاض جدا ولا يعدو أن يكون محاولة لتقوية الجناح المتشدد في الإدارة الأميركية ممثلا في السيدة سوزان رايس سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة والسيدة هيلاري كلينتون إلى حد ما والصقور الآخرين بالإدارة الأميركية، واضح جدا أن هنالك خلافا داخل الإدارة الأميركية بين المبعوث الأميركي وقد اعترف هو نفسه الجنرال سكوت غريشن بهذه المسألة. ولكن دعني أختلف مع الأستاذ عثمان ميرغني في قضية التأثير الكبير جدا للعقوبات الأميركية على السودان، العقوبات الأميركية على السودان استمرت 13 عاما وقد مضت البنيات الأساسية مضيا ربما لم تشهده دولة إفريقية أخرى، هناك أوغندا وهناك كينيا وراوندا وبورندي وإثيوبيا وتشاد ولكن هذه الدول لا تخضع لعقوبات من الإدارة الأميركية لم تمض فيها البنيات الأساسية كما مضت في السودان، صحيح أن هناك تأثيرا وأي عقوبات حتى وإن كانت من دولة عادية جدا يمكن أن تؤثر ولكن في ظني أن التأثير لم يكن عميقا بل إن البحاثة الاقتصاديين الأميركان أنفسهم اعترفوا تماما بأن هذه العقوبات لم تؤثر إطلاقا في الاقتصاد السوداني الأثر المطلوب الذي تريده الولايات المتحدة الأميركية..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن اسمح لي فقط سيد البشير يعني حتى لو لم يكن لها تأثير مباشر وموجع في الاقتصاد أن تكون السودان سياسيا مدرجة على دول تعاديها واشنطن وتتخذ ضدها إجراءات معينة هذا في حد ذاته غير مريح للسودان وبالتالي فالخرطوم تسعى للخروج من هذا الوضع وقد تقدم تنازلات نظير رضا واشنطن عليها ويبدو للبعض على الأقل أن هذا هو الذي يسير.

سيف الدين البشير: أصلا لا شك في أن السودان يعلن عشرات المرات أنه يريد إصلاح ذات بينه وبين كل دول العالم بما فيها أميركا وهي القوة الأولى في العالم هذا لا شك فيه وهذا مسعى مشروع وعالمي ومدرك كسياسة خارجية للدولة، ولكن القول والصحيح أن هذه العقوبات تؤثر كما أسلفت ولكن الأميركان أنفسهم يعترفون عشرات المرات بأن التأثير لم يكن يبلغ المرحلة التي يريدونها بل بالعكس إن.. البنية الاقتصادية التحتية وفي هيكلة الاقتصاد السوداني تكاد تفوق جل الدول التي تربطها علاقات جيدة بالولايات المتحدة الأميركية وهنا أقول إنه حتى استبدال السودان للمعسكر الشرقي حدث بصورة ربما تكون دراماتيكية جدا بالنسبة للولايات المتحدة وما كانت تتصور أن السودان مثلا بإمكانه استخراج النفط وتصديره والإفادة منه كبنية اقتصادية أساسية اعتمدتها وبالتالي..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن الواضح أن الإدارة الأميركية وهي تجدد العقوبات -وهنا أعود إلى السيد ميرغني- تركت الباب مواربا بالإشارة أنه بمعنى أنه إذا ما التزمت الخرطوم وأبدت حسن تجاوب فيما يتعلق بالاستفتاء بالجنوب فيما يتعلق بدارفور واشنطن مستعدة لإعادة تقييم الموقف وجعل الخرطوم في موقف جيد ضمن المجموعة الدولية حسب تعبير مسؤول أميركي، هل تعتقد بأن الأمر يمكن أن يؤثر على الحكومة بهذا الشكل؟

عثمان ميرغني: لا يعني أعتقد أصلا الحكومة متجاوبة مع كثير من الإجراءات الأميركية وهناك علاقة ربما تبدو أحيانا في السطح غير مرئية لكنها علاقة وثيقة جدا تؤكد أن العلاقة المباشرة بين الطرفين ثنائيا الحكومة الأميركية والحكومة السودانية قائمة منذ توقيع اتفاق السلام لأن اتفاق السلام الشامل الذي وقع في العام 2005 كان ثمرة جهود أميركية مباشرة، كان هناك المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي جون دان فورث والذي وضع أول اتفاق سلام وأول وقف إطلاق نار بين الحكومة والحركة الشعبية ثم بعد ذلك انبنت عليها اتفاقية السلام الشامل ثم بعد ذلك كانت الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول لهذه الاتفاقية وحتى هذه اللحظة عندما تصل إلى آخر محطة فيها وهي الاستفتاء، يبدو واضحا أن الإدارة الأميركية هي المعني الأول وهي التي الآن تشرف بصورة مباشرة عن طريق أكثر من مبعوث لها الآن مبعوثان في السودان للإشراف مباشرة على تفاصيل الاتفاق، إذاً هناك علاقة واضحة جدا بين الإجراءات الأميركية وبين ما يحدث في السودان وهناك إحساس بأن الطرفين يتعاونان لكن إلغاء العقوبات لا يرتبط بهذا التعاون يعني حتى الإشارة الآن إلى ديباجة القرار، الديباجة هي ديباجة طبيعية منطقية دائما تكتب أمام كل قرار أو أمام كل عقوبة يمكن أن تنظر في قرار لكن بعد ذلك يستمر التعاون بين الطرفين إلى استحقاقات معينة. أنا في تقديري الخاص الاستحقاق الأول الاستفتاء وانتهاء الفترة الانتقالية في جنوب السودان بسلام، الاستحقاق الثاني هو دارفور، لن ترفع العقوبات حتى لو تم الاستفتاء بصورة طبيعية، لا بد من حل قضية دارفور حتى تكون هناك فرصة لرفع هذه العقوبات.

محمد كريشان: على كل موضوع الاستفتاء تحديدا المطروح وهو على علاقة بالتأكيد بتجديد العقوبات الأميركية هو ما سنتناوله في الجزء الثاني من البرنامج ارتباطا بالصعوبات والتعقيدات التي تطفو الآن على السطح بشأن إجراء هذا الاستفتاء في موعده، لنا عودة بعد الفاصل نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

التعقيدات والمصاعب التي تواجه الاستفتاء

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نناقش فيها الضغوط الأميركية على السودان والتعقيدات التي تواجه إجراء الاستفتاء في الجنوب. سيد سيف الدين البشير ونحن نقترب من موعد هذا الاستفتاء في مطلع يناير المقبل في التاسع من يناير، مع استقالة المتحدث باسم المفوضية السفير جمال محمد إبراهيم، هل تزداد الأمور سوءا مع اقتراب هذا الاستحقاق؟

سيف الدين البشير: ما في ذلك شك، القضية أصلا هذا الاستفتاء لم يتم الاعتناء بتفاصيله من فترة مبكرة، كان على الشريكين -والفترة هي خمس سنوات- أن يعتنيا بكل التفاصيل اعتناء كاملا ولكن واضح تماما أن بعض القضايا ربما الأقوى وربما بعضها انصرافي استقطب اهتمام الجانبين أكثر من قضية التركيز على التفاصيل المرتبطة بالاستفتاء نفسه، ظل الاستفتاء بالنسبة للشريكين كأنما هو الرطل القياسي في لندن أو المتر القياسي في باريس، قطعة جامدة لم يتم تفكيكها إلا قبيل الاستفتاء وكأن الشريكين نسيا تماما هذا الاستحقاق، حتى إذا جاء وقته اتضح أن هنالك الكثير جدا من الترتيبات المتراكمة والمعقدة والتي يتوجب أن يتم كان أو أن يتم الشروع في حلها قبل فترة طويلة، الآن تبدو الصورة بالفعل صعبة تماما وفي الظن وبالنسبة لكثير من المراقبين إذا ما تم الاستفتاء في موعده فإنه سيكون عملية معيبة قد تحمل في رحمها الكثير من الإشكالات والتعقيدات إن يكن في الغالب الاحتمال الأغلب والذي يغلبه الكثيرون الآن وهو انفصال الجنوب سيتم بشكل معيب وستترتب عليه تعقيدات كبيرة جدا جدا.

محمد كريشان: يعني أكثر حتى من التعقيدات، يعني وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط تحدث حتى عن إمكانية حدوث حرب أهلية -لا سمح الله- في هذا الموضوع تحديدا، وهنا أريد أن أسأل السيد عثمان ميرغني، عندما يطالب المتحدث باسم المفوضية المستقيل عن أن الاستفتاء عمليا غير ممكن في موعده وأنه لا مفر من تأجيله وهو يقترح موعد 9 أبريل، هل تعتقد بأن إمكانية التأجيل واردة؟

عثمان ميرغني: ليست واردة لأسباب كثيرة جدا تتعلق سياسيا بأوضاع الحركة الشعبية التي بنت كل أطروحاتها وبنت كل مستقبلها وطموحاتها على افتراض أن 9 يناير هو يوم الاستقلال عن السودان، فلن يكون هناك أي إمكانية للتأجيل خاصة أنها مدعومة تماما بالمجتمع الدولي الولايات المتحدة الأميركية الأمم المتحدة الاتحاد الأوروبي، فليس هناك أي حديث عن أي تأجيل للاستفتاء، لكن في تقديري أن السيد جمال محمد إبراهيم وهو يستقيل ويقدم هذه الإفادة وهذه الحيثيات يدرك تماما ليس أن المطلوب التأجيل ولكنه أدرك أن الاستفتاء أصلا هو عملية صورية جدا، لن تتم بالصورة المرجوة،  هو كان يأمل في عملية ديمقراطية كما رآها ربما في رحلاته الخارجية أو السفرات الخارجية التي مثل فيها السودان في أوروبا، لكنه يعلم تماما الآن أن الذي يجري الآن هو عملية صورية إجرائية تم حسمها تماما الآن، نتائجها الآن مكتوبة وفقط يتم انتظار الموعد الذي يمكن بعد ذلك فيه أن تعلن أو تخرج أمام العالم ليقال إن هناك استفتاء أفضى إلى هذه النتيجة..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن اسمح لي فقط سيد ميرغني، ولكن واشنطن والمجتمع الدولي يبدو حريصا على الأقل أن تجري هذه العملية بشفافية وبمسائل إجرائية ولوجستية مقنعة, ألا تعتقد بأن الأمر يجب أن يسير على هذا النحو؟

عثمان ميرغني: لا، الولايات المتحدة الأميركية تدرك تماما أن الأوضاع في السودان في جنوب السودان ترتبت على أن يكون هناك قرار بانفصال السودان، إذا وضعت صناديق الاستفتاء وتم حسم النتيجة 100% لصالح الوحدة فإن الذي سيحدث في اليوم التالي يوم 10 يناير سيكون الحرب، لن يكون هناك سيلفاكير ولن تكون هناك حكومة جنوب السودان سينقلب عليها الجيش الشعبي، إذاً الخيار الآن ليس بين الوحدة والانفصال الخيار بين الانفصال أو الفوضى والحرب، لذلك الولايات المتحدة الأميركية عندما تتحدث عن الشفافية وكل هذه الإجراءات هي تدرك أن المطلوب إجراءات معينة صورية تنتهي في 9 يناير تعلن أن هناك تم قرار من جانب شعب جنوب السودان بالانفصال ولكن ليس مطلوبا أن تكون هذه العملية بالمقاييس الغربية ولا حتى بالمقاييس السودانية ولا حتى بمقاييس العالم الثالث، المطلوب الآن هو الوصول إلى محطة الانفصال بلا دماء، فقط المطلوب الآن انفصال أبيض وليس انفصالا دمويا.

محمد كريشان: سيد البشير هل فعلا المطلوب انفصال أبيض؟

سيف الدين البشير: نعم، أوافق تماما ولكن أريد أن أصيغ المسألة بشكل آخر، أنا أتصور أن قرار الانفصال قد اتخذ من فترة طويلة جدا وظلت الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب وكثير من القوى الأخرى تمضي في اتجاه هذا الفصل وقد كرست هذا المفهوم لدى الحركة الشعبية حتى أن الحركة الشعبية والجيش الشعبي كما ذكر الزميل عثمان أصبح بالنسبة لهم الانفصال أمرا واقعا بل إنهم الآن يتحدثون عن استقلال وليس عن انفصال، إذاً أتفق معه تماما في أن قرار الانفصال قد اتخذ ولكن هذا القرار اتخذ بواسطة الدول الغربية في المقاوم الأول التي وجدت أذنا صاغية من الحركة الشعبية والإخراج هو المطلوب، وحقيقة بالفعل ما سوف يجري سوف يكون معيبا بكل المعايير لأن القضية لن تكون انفصالا أبيضا، كيف يمكن أن يكون انفصالا أبيض ولم يتم تحديد الحدود ما بين الشمال والجنوب حتى الآن وهنالك قبائل تماس؟ كيف يمكن أن يكون انفصالا أبيض في حال جرى بمعزل عن قضية أبييه وهي تنازع اجتماعي بين كيانين اجتماعيين كبيرين هما قبيلتا المسيرية والدنكا؟ وبالتالي فإن في ظني المراد هو انفصال أبيض..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن ألا يمكن أن يكن فعلا انفصالا أبيضا إذا تجاوبت الخرطوم مع ما يمكن اعتباره مفروضا عليها؟

سيف الدين البشير: ثمة قضايا لا يمكن للخرطوم أصلا أن تتعامل معها بأنصاف الحلول، هناك قضية أبييه مثلا واللاعب الأساسي فيها ليس هو الحكومة بالضرورة، هنالك قبائل تماس، هنالك حقوق تاريخية، هنالك قضية من يحق له التصويت داخل أبييه إن تكن تنضم إلى الشمال أو الجنوب، هناك قضية الحدود على طول السودان من أقصى شرقه وحتى أقصى غربه بين الشمال والجنوب وهنالك مناطق تماس، وبالتالي ففي ظني أن الخرطوم ليست كل الأوراق هي أوراق سياسية وتنازلات يمكن أن تقدمها الحكومة ولكنها قضية تعقيدات ماثلة على الأرض. نعم هم يريدون انفصالا أبيض وهم يريدون إخراجه من خلال السيناريو الذي ذكره الأستاذ عثمان، أتفق معه تماما ولكن بالخواتيم الواقع على الأرض يكذب إمكانية أن يقوم الاستفتاء في موعده وأن يكون أبيض كما يريدون.

محمد كريشان: إذاً الواقع على الأرض سيد عثمان ميرغني كما فصله السيد البشير هل تراه فعلا يعيق ما أردته استفتاء وانفصالا أبيض؟

عثمان ميرغني: لا، يعني الواقع على الأرض مختلف تماما يعني يجب أن نفصل بين شيئين مهمين جدا، هناك نخب في الشمال وهناك نخب في الجنوب هناك ساسة في الشمال وهناك ساسة في الجنوب هناك قواعد ومواطنين في الأرض في أبييه في جنوب السودان في مناطق أخرى ليس لهم علاقة تماما بهذا الذي يجري هذه السيناريوهات، هذه السيناريوهات تحدث في الخرطوم وتحدث في جوبا، المشكلة الآن بين الخرطوم وجوبا المشكلة الآن بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، لكن إذا تركت مثلا على سبيل المثال قضية أبييه لقبائل المسيرية والدنكا في المنطقة لحلت من أول يوم يعني هذه القبائل أصلا ظلت متعايشة في هذه المنطقة، الأجندة السياسية دائما هي التي تعقد الوقع وأنا متأكد تماما الآن رغم أن الهالة تبدو الآن متوترة حول هذه القضية ولكنها ستنجلي عن لا شيء، سيمر يوم 9 يناير عاديا جدا سيتم الاستفتاء سينتهي كل شيء ستحل قضية أبييه دون أن يحدث شيء لأن هناك سقفا أعلى للطرفين لا يستطيعان بعد ذلك تجاوزه لأنه يعني الاحتراق بالنسبة للطرفين في الجنوب أو في الشمال، هناك حد أعلى لا يمكن أن يتجاوزه هو الحد الذي ينبني عليه بعد ذلك قرار بقاء كل من الطرفين في مكانه في الشمال أو في الجنوب.

محمد كريشان: يعني كلاهما مكره على ذلك؟

عثمان ميرغني: ليس مكرها على ذلك، هو يسير حسب أجندة معينة يستخدم كل طاقاته الآن في اللعبة السياسية لكنه يدرك أن هذه اللعبة لها حد أقصى لا يمكن تجاوزه، هذا الحد هو الذي يتحرك بعد ذلك إلى الميدان، هذه القوى الموجودة الآن في الميدان القبائل الموجودة في المنطقة في جنوب السودان أو في منطقة أبييه إذا اشتعلت الأوضاع فإنها لن تكون تحت سيطرة أي من الطرفين لا في الشمال ولا في الجنوب، هذا الوضع سيكون كارثيا على الذين في الخرطوم والذين هم في جوبا، إذاً لا يمكن بنظرية البقاء، البقاء السياسي، لا يمكن المخاطرة إلى مثل هذا المدى، قد تكون هناك مناورات قد تكون هناك اجتماعات خلف الغرف المغلقة الآن قد تكون توصلت إلى اتفاق ربما أو على الأقل حسب علمي أنهم توصلوا الآن لاتفاق، هذه الأشياء ستظهر في آخر المطاف كأنما كانت هي النتيجة النهائية التي يجب أن يصل إليها الطرفان بعد كل هذه التوترات وكل هذه الأشواط من المنافسة ومن ركلات الجزاء المتبادلة بين الطرفين لكنها في النهاية تعني أن الطرفين يدركان تماما أن قواعد اللعبة تتطلب من كل طرف أن يستمر في هذه اللعبة إلى آخر مدى يمكن أن يؤثر على بقائه في الخرطوم أو في جوبا.

محمد كريشان: إذاً سنذهب إلى ركلات الجزاء دون وقت إضافي. شكرا جزيلا لك عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، كنت معنا من الخرطوم، شكرا أيضا لضيفنا من العاصمة السودانية سيف الدين البشير رئيس تحرير صحيفة سودان فيجن. وبهذا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، غدا بإذن الله قرارة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة