الخلاف الأميركي الروسي   
الأحد 1429/8/23 هـ - الموافق 24/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:59 (مكة المكرمة)، 10:59 (غرينتش)

-  الأهداف الأميركية ومبررات ردود الفعل الروسية

-  الردود الروسية المحتملة والانعكاسات على الوضع الدولي

 

 محمد كريشان
 حيدر رشيد أغانين
عمر حمزاوي
محمد كريشان
:
السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند الاتفاق الأميركي البولندي لنشر منظومة الدفاع الصاروخي على الأراضي البولندية وما أثاره من ردود روسية غاضبة جدا. وفي حلقتنا محوران، ما هي الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى للدرع الصاروخية الأميركية ومخاطرها على الأمن الروسي؟ وهل يؤدي هذا الإجراء إلى خلط الأوراق في المنطقة وخلق وضع دولي جديد؟... أشعل توقيع واشنطن اتفاقا مع بولندا لإنشاء درع صاورخية فتيل أزمة آخذة في التصاعد مع موسكو التي حذرت من أن ذلك الاتفاق سيجر المنطقة إلى سباق تسلح جديد، كما نددت موسكو بما سمته محاولات الولايات المتحدة تبديل التوازن الإستراتيجي لمصلحتها.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: السلام البارد، هكذا وصف الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين يوما العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، مدركا على ما يبدو كنظرائه الأميركيين أن انتهاء تلك الحرب لا يعني بالضرورة أنها لن تعود وإن بصورة مختلفة. في بولندا تتمم واشنطن مشروعا طموحا استغرق تحضيره قرابة عامين بإنشاء درع صاروخية لها في شرق أوروبا وتحديدا في بولندا وجمهورية التشيك، إذاً الأميركيون يقتربون أكثر فأكثر من المدار الروسي بل ويستقطبونه ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى حلف شمال الأطلسي. تحرك تعتبره موسكو تهديدا مستفزا لمناطق نفوذ يجتمع فيها جزء كبير من المصالح الروسية وأحيانا تذهب إلى أبعد من هذا التصور فتعتبر اتفاق الدرع الصاروخية استهدافا أميركيا مباشرا لها. فهذه روسيا وهذه دول حلف وارسو السابق التي انضمت لحلف الناتو عام 1999، أما هذه فبعض دول الجوار الروسي التي يدرس الناتو مشروع انضمامها، وهكذا تقف روسيا الآن على بعد أربعمائة ميل فقط من حدود المنظومة الأطلسية. ولما كان رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يرى أن الاتفاق سيغير البيئة الدفاعية والأمنية لأوروبا فإن موسكو وبحسب بوتين لم يترك أمامها خيار سوى الرد وبحزم على هذا الاتفاق بدءا بالانسحاب من معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا وانتهاء بالتهديد بتوجيه صواريخ روسية إلى جواره الأطلسي. صحيح أن اتفاق الدرع الأميركية قد يحمل أجواء الحرب الباردة إلا أن المناخ الدولي الحالي يشير إلى أن العالم يرفض فكرة التحرك إلى الوراء، إلى ثنائية الأقطاب. واقع أدركته روسيا لدرجة التأهب لاحتمالات حرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة ولكن بطريقة مختلفة عن السابق، فالمواجهة هذه المرة لن تكون مباشرة ولن يحكمها سباق التسلح بل معركة غير مباشرة بين الطرفين على الفناء الخلفي لروسيا حيث تتقاطع مصالح تلك الأخيرة مع الولايات المتحدة وأوروبا ويرتبط معظمها بخطوط أنابيب النفط والغاز. أما روسيا فسوف تلعب هذه المرة على وتر التحالفات في آسيا، شرقيها وجنوب شرقيها وأوسطها وما قد يفرضه ذلك من تغير في موقفها إزاء الملف النووي الإيراني بما لا يخدم مصالح المتربصين بإيران في مجلس الأمن، ولعل وجود الرئيس السوري في موسكو بعد تصريحات له تؤكد على ضرورة تعزيز التعاون العسكري مع روسيا لا سيما في مجال مشتريات الأسلحة يحمل لواشنطن ما فيه الكفاية من نذر حرب مختلفة، كما ستقوم روسيا كذلك بتحسين اقتصادها مدعومة بالهيمنة على موارد الغاز والنفط الذي تمد به أوروبا. غير أن التهديدات المتبادلة المعلن منها والخفي وما تحمله من غلو في التباعد لا يمنع من تقارب أميركي روسي في الوقت ذاته فالمصالح المشتركة لا تزال متعددة فكلا الطرفين ملتزمان منذ الحادي عشر من سبتمبر بمواجهة واحدة لما يسمى الإرهاب، كما أن الولايات المتحدة تدرك جيدا دور روسيا في الحفاظ على ثبات أسعار النفط العالمية، أما أوروبا الشريك المشترك بين الطرفين فلا ترى مصلحة لها في توتر يجدد ذكريات الحرب القديمة في المنطقة.

[نهاية التقرير المسجل]

الأهداف الأميركية ومبررات ردود الفعل الروسية

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من موسكو حيدر رشيد أغانين مدير قناة روسيا اليوم الإخبارية، ومعنا من العاصمة الفرنسية باريس الدكتور عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيغي للسلام، أهلا بضيفينا. نبدأ بالسيد أغانين في موسكو، ما هي المخاوف الحقيقية لروسيا تجاه هذه الدرع الصاروخية والتي جعلتها غاضبة إلى هذا الحد؟

المخاطر الرئيسية بالنسبة لروسيا هي اقتراب المنظومة الصاروخية والرادارات التي هي جزء من الدفاع المضاد للصواريخ من الحدود الروسية
حيدر رشيد أغانين:
بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أعتقد بأن المخاطر الرئيسية بالنسبة لروسيا هي اقتراب المنظومة الصاروخية والرادارات اللي هي جزء من الدفاع المضاد للصواريخ إلى الحدود الروسية، فإحنا نعرف بشكل جيد أن الرادار في جمهورية التشيك ومحطة الصواريخ في بولندا لا يكونان شيئا معزولا بل يكونان جزءا لا يتجزأ من منظومة الدفاع المضاد للصواريخ العالمي الذي تنوي الولايات المتحدة أن تبنيها في أوروبا وفي آلاسكا وفي أكثر من مكان.

محمد كريشان: ولكن إذا كانت الولايات المتحدة تقول بأن هذا لا علاقة له بروسيا، لماذا تصر روسيا على أن الأمر مختلف؟

حيدر رشيد أغانين: يا سيدي أنا أعتقد أن علينا أن نثق ليس بالأقوال بل بالأفعال والأفعال كلها تشير إلى أن الولايات المتحدة تريد نشر القواعد العسكرية ومحطات الرادار والصواريخ حول الحدود الروسية ليس فقط في أوروبا ولذلك أنا أعتقد أن القلق الروسي هو مبرر جدا.

محمد كريشان: طالما هذا القلق مبرر جدا لنر الدكتور عمرو حمزاوي ما إذا كانت واشنطن تقيم وزنا لهذه المخاوف الروسية طالما هي تصر على موقفها؟

عمرو حمزاوي: واشنطن حتى هذه اللحظة لم تحسم أمرها إستراتيجيا في شأن التعامل مع روسيا، هي ما زالت تتعامل مع روسيا باعتبارها روسيا يلتسين، روسيا المتعاونة المتحالفة مع الغرب وروسيا الضعيفة التي تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تملي عليها إرادتها أن تتوغل في جوارها الجغرافي أن تغير من ملامح خريطتها الدفاعية ومن ملامح الخريطة الجيوإستراتيجية في الجوار الروسي دون معارضة روسية كبيرة، الولايات المتحدة ما زالت تتوقع من روسيا أن لا تعارض نشر صواريخ في تشيكيا أو تعارض نشر صواريخ في بولندا أو أن تتحالف الولايات المتحدة والغرب ككل مع دول كجورجيا وأوكرانيا وتدفع واشنطن نحو انضمام هذه الدول حتى وإن كان بعد حين للمنظومة الأطلسية، هذه كلها ملامح قراءة إستراتيجية تتوقع بها الولايات المتحدة أن روسيا لن تعارض الرؤى والرغبات الغربية. وأعتقد أن واشنطن وغيرها من العواصم الأوروبية، وإن كانت أوروبا تمتعت باستمرار بنظرة أكثر توازنا وقراءة أكثر موضوعية للدور الروسي، بتستفيق اليوم على طرف روسي يقول لا ويستطيع أن يتحرك في ساحات إقليمية متعددة سواء في الجوار الروسي أو في قضايا ملفات ساخنة أخرى، تمت الإشارة في التقرير إلى الملف الإيراني على سبيل المثال، وحتى تحسم واشنطن أمرها، وأعتقد هذا لن يحدث سوى مع إدارة جديدة، سنستمر نرى هذه الاستفزازات أو ما يقرأ روسياً باعتباره استفزازات أميركية وما يقرأ أميركياً باعتباره مسألة مشروعة لنشر أيديولوجية العالم الحر وتوثيق أواصر التعاون مع دول اختارت النموذج الغربي. هذه هي المفارقة الرئيسية، واشنطن لم تحسم أمرها إستراتيجيا حتى الآن وروسيا لم تعد روسيا يلتسين بل روسيا قوية لها اقتصاد قوي لها أوراق كثيرة تستطيع أن توظفها لخدمة مصالحها وأمنها القومي.

محمد كريشان: ولكن واشنطن مع ذلك يا دكتور تصر على أن الأمر يتعلق بحماية أوروبا وحماية الولايات المتحدة من أية صواريخ مقبلة لا سيما من إيران، لماذا لا يبدو هذا الأمر مقنعا لدولة مثل روسيا أو لغيرها؟

عمرو حمزاوي: هو لا يبدو مقنعا للرأي العام العالمي ولا يبدو مقنعا لصناع القرار في عواصم أوروبية اعترضت على القرار الأميركي، وأنا أشير هنا تحديدا إلى ألمانيا، برلين اعترضت على القرار الأميركي لم ترحب بالتسرع الأميركي نحو نشر بطاريات الصواريخ في تشيكيا وبولندا، وعدد آخر من العواصم الأوروبية حاول أن يصل إلى نقاط توافق بين الرؤية الأميركية وبين التحفظ الروسي. هذا الأمر غير مقنع لصناع القرار وغير مقنع لصناع الرأي العام العالمي، مع كوريا الشمالية تتحدث عنها الوزيرة الأميركية تم التوصل إلى اتفاق يتعلق بالملف الكوري الشمالي النووي وبنزع التسلح في كوريا، الملف الإيراني بيدار في سياقات مغايرة تماما ولا تهدد إيران في واقع الأمر الأمن الأوروبي أو الأمن الأميركي بأي صورة حقيقية. هذه أمور تتعلق بحسابات الجغرافيا السياسية والحسابات الإستراتيجية الكبرى، الولايات المتحدة تبحث عن مواطئ لأقدامها، وهي أقدام ثقيلة في واقع الأمر، في الجوار الروسي ولا تريد أن تتراجع ولا تريد أن تتعامل مع المطالب والتحفظات الروسية بصورة جادة، هذه هي الحقيقة وليست أحاديث أميركية هي للاستهلاك المحلي داخل الولايات المتحدة وربما للترويج داخل عدد من المجتمعات الغربية ولكنه ترويج ليس بناجح.

محمد كريشان: ولكن على عكس الموقف الألماني، وهنا أعود إلى السيد أغانين في موسكو، على عكس الموقف الألماني مثلا دولة مثل فرنسا أبدت تفهمها للخطوة الأميركية، هل روسيا تعتقد بأن دول الجوار في أوروبا قادرة على أن تعدل الأمور نسبيا بعد أن أقدمت واشنطن على خطوتها في بولندا؟

حيدر رشيد أغانين: لا، أنا أعتقد أن هذه خطوة أميركية بحتة وأميركا بكل الجهود وبكل الطاقات تحاول أن تبني منظومة الدفاع المضاد للصواريخ في العالم وأن تسيطر على العالم وأن تفرض إرادتها وأمورها على الكل. أنا أعتقد أن روسيا هي طبعا بسبب اقتراب هذه المنظومات العسكرية إلى حدودها هي تبدي أكبر قلق من الدول الأخرى ولكن أنا أعتقد أنه على جميع الدول والدول العربية والإسلامية إبداء القلق بخصوص هذه الخطوات لأن هذه الخطوات هي في نهاية المطاف تدمر التوازن الإستراتيجي في كل العالم والتوازن الإستراتيجي هو أساس للأمن الدولي للأمن العالمي لأن الاحتواء الإستراتيجي المبني على خوف التدمير المتبادل هو أساس الأمن العالمي ويروح الأمن العالمي فلا يكون أمن لأي دولة، ليس فقط بالنسبة لروسيا.

محمد كريشان: مع ذلك دولة مثل بولندا تعتبر أن من حقها أن تقدم على هذه الخطوة حتى أن الرئيس البولندي قال بأنه لا أحد يملي علينا قراراتنا وأن التخويف، ما وصفه بالتخويف، هذا يعود إلى زمن سابق. كيف يمكن لروسيا أن تكسب هذه الدول وتجعلها لا تقدم على خطوات كالتي أقدمت عليها بولندا؟

حيدر رشيد أغانين: أنا أعتقد أن نشر المحطات على الأراضي الأوروبية أو على أراضي بعض الدول الأوروبية لها أسباب اقتصادية ولها أسباب سياسية لأنه مقابل نشر الصواريخ والرادارات في أوروبا دول أوروبا الشرقية تحصل على الدعم الأميركي فهو دعم سياسي وهو دعم اقتصادي وهو دعم عسكري، فلذلك طبعا نحن لا نقول إن أميركا تفرض هذا بالقوة ولكن هي تفرض بطرق أخرى فالدول الصغيرة، وأنا لا أعتقد أن بولندا أو جمهورية التشيك هي من الدول الكبيرة، هي ترحب بهذه الخطوات لأنه في نهاية المطاف هي تحصل على الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري يعني لهذه الخطوة الأميركية لها جوانب إيجابية بالنسبة يعني زي ما يقولون بهذه الدول الجوانب الإيجابية بالنسبة لدول شرق أوروبا.

محمد كريشان: بعد الفاصل سنحاول أن نتطرق إلى أين يمكن أن يصل هذا الخلاف الأميركي الروسي حول نصب هذه الصواريخ في بولندا، نرجو أن تبقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

الردود الروسية المحتملة والانعكاسات على الوضع الدولي

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد. وحلقتنا تناقش الأهداف الإستراتيجية من نشر الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا والغضب الروسي جراء ذلك. دكتور عمرو حمزاوي في باريس، روسيا وفي سلسلة ردود فعل غاضبة قالت بأن هذا سيخلق سباق تسلح في أوروبا وخارج حدود أوروبا وبأن روسيا سترد بأكثر من مجرد الاحتجاجات الدبلوماسية. برأيك هل يمكن أن تسير الأمور فعلا بهذا الاتجاه؟

يستطيع الطرف الروسي أن يصعد في ساحات إقليمية متعددة  مهمة للولايات المتحدة الأميركية، مثل الملف الإيراني وقضايا الشرق الأوسط والعلاقة بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي والدور الإسرائيلي في جورجيا وتسليحها لجورجيا والرد الروسي المحتمل
عمرو حمزاوي:
دعني أستاذ محمد بداية أشير إلى قضية عالية الأهمية أنت طرحتها في الجزء الأول متعلقة بالتساؤل، لماذا تقدم دولة مثل بولندا أو جمهورية التشيك على قبول العرض الأميركي وتقبل أن يتم وضع بطاريات للصواريخ أو أن تصبح جزءا من منظومة دفاعية أميركية؟ أعتقد الهدف الرئيسي والمصلحة الرئيسية لهذه الدول، وهي دول صغيرة خاصة فيما يتعلق بجمهورية التشيك، هو أن تعظم من أوراقها الإستراتيجية سواء في علاقتها مع روسيا وهناك ماض للعلاقة الروسية التشيكية والعلاقة الروسية البولندية ليس بماض إيجابي، على الأقل كما يقرأ هذا الماضي في التشيك وبولندا، وأيضا لتعظيم أوراقها الإستراتيجية داخل المنظومة الأوروبية، هذه هي أوروبا الجديدة، نتذكر جميعا حديث وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد عن المفارقة أو الثنائية أوروبا القديمة المعترضة كثيرا على الإرادة الأميركية وأوروبا الجديدة كبولندا وتشيكيا وغيرها من الدول الشرقية السابقة دول الكتلة السوفياتية السابقة التي لا تعترض وترحب بالإرادة الأميركية، فهو تعظيم للأوراق الإستراتيجية. أعتقد ما يمكن للطرف الروسي أن يقوم به وهو بكل تأكيد لن يكتفي باحتجاجات دبلوماسية، هنا منهجان رئيسيان، المنهج الأول هو منهج دبلوماسي أن يعول الطرف الروسي على أنه يملك من أوراق الضغط وأوراق النفوذ سواء في الجوار المباشر أو في عدد من الملفات العالمية، وأشرت إلى الملف الإيراني سابقا، ما يمكنه من أن يضغط على الطرف الأميركي بإيجابية لأن ينفتح على التحفظات الروسية، كان هناك عرض أميركي قدم من وزير الدفاع ووزيرة الخارجية للطرف الروسي قبل أن يتم نشر البطاريات في جمهورية التشيك اقترح على الطرف الروسي أن تشترك روسيا مع الولايات المتحدة في هذه المنظومة الدفاعية وأن يكون هناك علاقة تبادلية، لم نعلم نحن كمتابعين العديد من التفاصيل ولكن هذا منهج قائم ويمكن أن يتم اتباعه منهج دبلوماسي يعول على الأوراق الروسية لإقناع الولايات المتحدة بالانفتاح تدريجيا على التحفظات الروسية. المنهج الآخر هو منهج المواجهة والتصعيد ولكن ليس بمنطق الحرب الباردة، نحن لسنا بمقبلين على حرب باردة جديدة، وكما تمت الإشارة بكل ذكاء في التقرير في بداية الحلقة، يستطيع الطرف الروسي أن يصعد في ساحات إقليمية متعددة هي هامة للولايات المتحدة الأميركية، نتحدث عن الملف الإيراني نتحدث عن قضايا الشرق الأوسط نتحدث عن العلاقة بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي والدور الإسرائيلي في جورجيا وتسليحها لجورجيا والرد الروسي المحتمل ولكن نتحدث أيضا عن الحرب على الإرهاب، هناك تعاون روسي شديد الأهمية يمكن أن تساوم به روسيا للتصعيد في هذه الساحات وعلى هذه المستويات على الطرف الأميركي. وهناك أخيرا، وهذه قضية حاكمة، الدور الأوروبي أعتقد أن المفصل سيكون دور الأطراف الأوروبية الغربية، الأطراف الأوروبية تعتمد على روسيا في قضايا عديدة أهمها قضايا الطاقة وتريد أن تستمر علاقاتها الإيجابية تجاريا واقتصاديا بالطرف الروسي وتستطيع أن تلعب أدوار هامة سواء برلين أو باريس أو لندن للتقريب وللتوفيق بين وجهتي النظر الأميركية والروسية، فروسيا لا تعدم الأوراق ونحن لسنا بمقبلين على حرب باردة جديدة بالصيغة التي عهدها العالم ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وأواخر الثمانينيات.

محمد كريشان: سيد حمزاوي، في انتظار أن نعود إلى السيد حيدر رشيد أغانين، أشرت إلى أن هذه الأوراق أو الملفات التي يمكن لروسيا أن تحركها، هل معنى ذلك أن علينا أن نستبعد بالكامل أي إمكانية أن تلجأ روسيا لخيار القوة خاصة مع تلميحات سابقة إلى الخيار النووي وإن كان بشكل مقتضب وسريع أشير إليه؟

عمرو حمزاوي: بكل تأكيد هذا أمر مستبعد وخارج الحسابات الواقعية للسياسة الروسية، روسيا لجأت إلى القوة في تعاملها مع الملفات الجورجية مع ملف أوسيتيا الجنوبية ومع ملف أبخازيا على سبييل المثال، هنا لجوء إلى القوة بصورة محدودة ولكن التهديد باستخدام الأسلحة النووية هذا أمر مستبعد تماما، الهام أن روسيا تستطيع أن توظف أوراقها بصور متعددة بمواجهات عسكرية محدودة ربما إن استمرت الاستفزازات الأميركية وتجاوزت الحدود لإقناع الغرب بأن روسيا لم تعد هي روسيا يلتسين التي ستقبل بكل شيء. الهام أيضا أن لروسيا أوراقا إيجابية مع الطرف الأميركي، أستاذ محمد، التبادل التجاري بين روسيا والولايات المتحدة تجاوز 17 بليون دولار في عام 2006 ويقترب من 18 في عام 2007، هذه أوراق هامة لصانع القرار الأميركي أيضا لا يملك أن يتجاهلها تماما.

محمد كريشان: سيد أغانين في موسكو، نعلم أن وزير الخارجية الروسي كانت لديه زيارة إلى بولندا في العاشر والحادي عشر من الشهر المقبل ألغاها، هناك غضب واضح في موسكو، أين يمكن أن يصل الرد الروسي على هذه الخطوة الأميركية في بولندا إلى جانب المسائل التي أشار إليها الدكتور حمزاوي؟

حيدر رشيد أغانين: أنا أعتقد.. أنا شخصيا ضد التصاريح القوية والتبادل للاتهامات ولكن في هذا الواقع الجديد أنا أرى أنه على روسيا التحرك يعني في اتجاه الخيارات العسكرية والفنية لأن الدرع الصاروخي أو المنظومات في بولندا وفي جمهورية التشيك هي جزء من المنظومة غير الدفاعية بل الهجومية لأنه بيدك السيف وبيدك الثانية الدرع فأنت تهاجم بالسيف وبعد ذلك تحاول أن تحمي نفسك بالدرع، فهنا نحن نواجه نفس الواقع فروسيا تبدي القلق بسبب أن تقوية المنظومات الدفاعية هي تؤدي إلى النشاط في اتجاه الهجوم لأن المنظومة طبعا هذه المنظومة المتواضعة كما يقول الأميركان في أوروبا هي لا تحمي هذه الدول من الضربة الأولى ولكن لو تمت الضربة الأولى من الجانب الغربي فهنا هذه الدفاعات تستطيع أن تحمي بعض دول أوروبا من الضربة المضادة..

محمد كريشان (مقاطعا): فلذلك يعني عفوا طالما أن أغلب المحللين يستبعدون عودة الحرب الباردة على الأقل بصيغتها القديمة، موسكو الآن ستقدم ربما على الضغط على واشنطن عبر ملفات عديدة مثلما قال الدكتور حمزاوي، المرحلة المقبلة التي سنقدم عليها كيف يمكن وصفها؟

حيدر رشيد أغانين: يا سيدي نحن لا نتكلم عن الحرب الباردة لأن الحرب الباردة هي كانت بين الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية، ما دام روسيا حاليا تعتبر جزءا من الكتلة الرأسمالية والعالم الرأسمالي فمن أين الكلام عن الحرب الباردة؟ أنا أعتقد أن هذا الحكي عن الحرب الباردة، وعلى فكرة إن الخطر من قبل روسيا على دول أوروبا الشرقية هذا كله فقط لإقناع العالم بأن روسيا خطيرة ويجب على الدول الغربية أن تبرز صلابة وتبرز موقفا لاحتواء روسيا كأن روسيا هي الاتحاد السوفياتي السابق، فأنتم ذكرتم مثلا على تاريخ غير إيجابي في العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وبعض دول أوروبا الشرقية فأنا لا أعتقد أن روسيا هي وريثة لهذه العلاقات لأنها روسيا جديدة فتحاول أن تبني مستقبلها على نفس القيم اللي هي قيم أوروبية وهي ديمقراطية وليبرالية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني فلذلك..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن ذلك لم يمنع روسيا من أن تبدي فعلا غضبا شديدا. وهنا أسأل الدكتور حمزاوي في الدقيقة الأخيرة من البرنامج، هذا الغضب الروسي الواضح هل تعتقد بأن واشنطن يجب أن تقرأ له حسابا في المستقبل؟

عمرو حمزاوي: نعم بكل تأكيد، للأسف لن يحدث هذا مع الإدارة الحالية ولن يحدث هذا مع عدد من العناصر الفاعلة داخل الكونغرس الأميركي. وأنا هنا في باريس في لقاء مع مجموعة كبيرة من أعضاء الكونغرس، هم يملكون رؤية في واقع الأمر مقاربة هي من مخلفات الحرب الباردة للدور الروسي وللمخاوف من تعملق روسيا مرة أخرى. حينما تتمكن الولايات المتحدة إستراتيجيا من تجاوز هذه القراءة وتبحث عن قراءة جديدة تتعاون وتتصارع وتتنافس جزئيا مع الطرف الروسي ستصل الولايات المتحدة إلى نقطة توازن جديدة، العالم بكل تأكيد وأوروبا خاصة في حاجة إليها.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك دكتور عمرو حمزاوي الباحث بمعهد كارنيغي للسلام، شكرا أيضا لضيفنا من موسكو حيدر رشيد أغانين مدير قناة روسيا اليوم الإخبارية. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات على هذا العنوان الإلكتروني الظاهر الآن على الشاشة

indepth@aljazeera.net غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة