الثورات العربية ومستقبل القوة الأميركية   
السبت 1432/10/13 هـ - الموافق 10/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:46 (مكة المكرمة)، 12:46 (غرينتش)

- أميركا وقدرتها على سداد ديونها
- حرب الخليج وانحطاط القوة الأميركية

- الثورات العربية وانعكاساتها على القوة الأميركية

- أميركا بين مطرقة الإسرائيليين وسندان قرار الاستقلال العربي

- النموذج التركي وانتفاضات العالم العربي

- أميركا وديمقراطية الداخل


عبد الرحيم فقرا
ستيفن وولت
فينسانت غري

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً إلى حلقةٍ جديدة من برنامج من واشنطن، عندما يبحث المؤرخون في المستقبل عن اللحظة التي بلغت فيها الإمبراطورية الأميركية ذروتها ثم بدأ انحطاطها فقد تكون الحرب التي اندلعت قبل 21 عاماً نقطة بدايةٍ جيدة لذلك البحث، بهذه الكلمات يختتم المفكر الأميركي ستيفن وولت المقالة التي نشرها في مطلع أغسطس لهذا العام، بصرف النظر عن اختلاف الأميركيين في تشخيص وضع بلادهم وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة إمبراطورية أم لا فإن الحرب التي يشير إليها وولت في مقالته هي حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي أو حرب الخليج الأولى كما يصفها في المقالة، سؤال: إذا كانت حرب تحرير الكويت  تمثل أول حلقات انحطاط القوة الأميركية كما يقول وولت فماذا قد تمثل الثورات العربية الحالية لمستقبل تلك القوة أن تمثل حلقة جديدة من الانحطاط أم أنها قد تفتح الباب أمام قيام نظامٍ إقليميٍ جديد يعزز ديمقراطية الدول العربية واستقلالية قرارها بما قد يؤسس لانتعاش القوة الأميركية، كما حصل في علاقات الولايات المتحدة مع تركيا أردوغان مثلاً، يسعدني أن أستضيف ستيفن وولت صاحب عدة كتب من بينها اللوبي الإسرائيلي الذي ألفه بالاشتراك مع زميله الأميركي جون ميرشهايمر وكتاب ترويض القوة الأميركية، الرد العالمي على التفوق الأميركي، بروفيسور وولت مرحباً بك في هذا البرنامج، بدايةً عندما تتحدث عن الانحطاط الأميركي، ماذا تقصد، ما هي مظاهر ذلك الانحطاط بتصورك؟ 

ستيفن وولت: من الأهمية بمكان أن لا ننسى أن أميركا لا تزال دولة غنية جداً لكنها لم تعد في ذلك الموقع الملائم الذي كانت فيه في تسعينات القرن الماضي، إبان انهيار الإتحاد السوفييتي عندما وجدت الولايات المتحدة نفسها تقريباً دون منافس، علاوة على الإمكانيات العسكرية التي أظهرتها في حرب الخليج الأولى والتي فاجأت الكثيرين بما فيه الكثير من الأميركيين، بالتالي يمكن المجادلة أن بداية تسعينيات القرن الماضي كانت ذروة الإمبراطورية وما أقوله أن ذلك النصر في حرب الخليج وهذه هي المفارقة أدى إلى سلسةٍ من السياسات التي قوضت موقع أميركا بشكلٍ ملحوظ ولا نزال أقوياء جداً، ربما نحن الدولة الأقوى في العالم، لكن موقعنا تقهقر عمّا كان عليه منذ عشرين عاماً. 

أميركا وقدرتها على سداد ديونها

عبد الرحيم فقرا: قبل أن أتحدث عن هذه السلسلة من الأحداث التي تقول أنها تعكس انحطاط القوة الأميركية، مسألة مظهر من مظاهر هذا الانحطاط كما يتحدث عنه بعض الأميركيين، كما تتحدث عنه أنت هو الجانب المالي، شاهدنا في الفترة الأخيرة جدلا كبيرا في الولايات المتحدة حول قدرة الولايات المتحدة على تسديد ديونها، هذه أو هذا الجانب يبدو أنه صاحب القوة الأميركية منذ البداية حتى التوافق الذي حصل في إطار الاتفاق على جعل واشنطن عاصمة في القرن الثامن عشر، جاء نتيجةً لجدلٍ مشابه في ذلك الوقت، حول قدرة الأميركيين على تسديد ديونهم الخارجية، لماذا تعتبر أن هذا المظهر يعكس وضعا مختلفا هذه المرة حالياً؟ 

ستيفن وولت: الأزمة المالية التي بدأت عام 2007 و2008 لم تكن مرتبطة بشكلٍ مباشر بأي سياسة أميركية خارجية، والأخطاء التي قد نكون ارتكبناها في أفغانستان أو العراق لم تسبب بشكل مباشر الأزمة المالية التي نتجت عن أخطاءٍ في السياسات الداخلية وبالطبع أخطاء الفاعلين في وول ستريت، لكن كمية الأموال التي أنفقتها أميركا منذ عام 2000 في حرب العراق وحرب أفغانستان، وبموازنة عسكرية تفوق الموازنات العسكرية لبلدان العالم مجتمعة، من شأن ذلك أن يجعل الأمور صعبة في هذه الأيام وبالنظر إلى مدى القلق الذي يحدثه عجز الموازنة كان من الأفضل إنفاق تلك الأموال هنا وليس في أفغانستان، ونحن نحاول سدّ ذلك العجز ونحاول إنعاش الاقتصاد الأميركي إذن العلاقة السببية ليست مباشرة ولكن الأمور كانت ستكون أيسر لو لم نهدر تلك الموارد. 

حرب الخليج وانحطاط القوة الأميركية

عبد الرحيم فقرا: أتحدث الآن بمزيد من التفاصيل عما تقول من أن الحرب، حرب الخليج الأولى كما تصفها قد تمثل نقطة بداية جيدة للبحث عن بداية الانحطاط، انحطاط القوة الأميركية؟ 

ستيفن وولت: نعم، لنتذكر بدايةً أنه مع نهاية حرب الخليج الأولى ظهرت أميركا أمام الشرق الأوسط بأكلمه أنها تملك قدراتٍ عسكرية ضخمة وتأثيراً دبلوماسياً هائلاً، في ذلك الوقت كان ليسمح لنا ولو كنا اختبرنا ذلك بأن نتعامل مع العديد من القضايا التي على رأسها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تتذكر حرب الخليج أدت إلى مؤتمر مدريد الذي حقق بعض التقدم ومنه إلى اتفاق أوسلو، وبالتالي كانت كل المعطيات مناسبة لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ولكننا أهدرنا عشر سنواتٍ لم نقل خلالها بأي عمل يذكر، لم يكن ذلك ذنب أميركا بمفردها لكنه كان كذلك بشكلٍ جزئي على الأقل، ثم المشكلة الثانية كان اعتماد الولايات المتحدة سياسة الاحتواء الثنائي قبل ذلك كانت سياسة الحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط والخليج الفارسي، لكن بعد حرب الخليج بدأنا نعمل على احتواء كلٍ من العراق وإيران في ذات الوقت، رغم أن البلدين لم تكن تربطهما علاقة جيدة، فاستلزمت إذن سياسة الاحتواء الثنائية أن تبقي أميركا آلاف الجنود في الكويت والسعودية وكان هذا أحد الأسباب التي دفعت أسامة بن لادن إلى مهاجمة أميركا  وبالتالي يمكن القول أن الاحتواء الثنائي والفشل في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني كان من الأسباب المباشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. 

عبد الرحيم فقرا: الآن بالنسبة للملف العراقي حرب الخليج الأولى كما تصفها أنت، سمعنا في ذلك الوقت في الولايات المتحدة ولازلنا نسمع حتى الآن بأن عدم تدخل الولايات المتحدة لتحرير الكويت، كان سيبعث بالرسائل الغلط إلى العديد من الجهات بما فيها صدام حسين آنذاك، وبالتالي عدم اتخاذ إجراء تحرير الكويت كما يقول هؤلاء كان سيضعف القوة الأميركية لا محالة في كل الأحوال. 

ستيفن وولت: أنا على قناعة أن قرار تحرير الكويت كان صائباً وأن إدارة بوش الأب كانت موفقة في تجميع تحالفٍ واسعٍ شمل العديد من الدول العربية الكبيرة بما فيها مصر وسوريا، وكان لدينا أيضاً دعما دوليا هائلا فأخرجنا العراق من الكويت وأصبنا في عدم الدخول إلى بغداد وتسيير شؤون العراق بأنفسنا، بالتالي ما فعلناه عام 91 لم يكن المشكلة، لكن ما فعلته أميركا في حرب الخليج بدأ يسبب المشاكل بدءاً بمسألة الاحتواء الثنائي ووصولاً إلى ما بعد هجمات سبتمبر أيلول أي إستراتيجية بوش الابن الرامية إلى تغيير المنطقة برمتها باستخدام القوة العسكرية الأميركية. 

عبد الرحيم فقرا: الآن هل ترى أي رابط على أي صعيد من الأصعدة بين ما تصفه أنت بالانحطاط في أو التراجع في القوة الأميركية وبين أحداث كسقوط زين العابدين بن علي في تونس أو أكبر من ذلك سقوط حسني مبارك في مصر. 

ستيفن وولت: لا أعتقد ذلك، ما حصل في كل من تونس ومصر مرتبط أساساً بالأوضاع الداخلية للبلدين صحيح أن أميركا دعمت تلك الأنظمة لسنوات طويلة خصوصاً نظام مبارك في مصر وعلاقته الوطيدة بأميركا أثرت سلباً على سمعته بالنظر إلى عدم شعبية الولايات المتحدة، خاصةً في بعض الأمور التي كنا نقوم بها، لكني على قناعةٍ تامة أن الانتفاضات التي حصلت في مطلع هذا العام التي خلعت النظامين التونسي والمصري كانت أسبابها الرئيسية الأوضاع الداخلية وليس مؤشراً على انحطاط القوة الأميركية. 

عبد الرحيم فقرا: إنما المفارقة قد يجادل هو أن زعيما مثل الرئيس المصري السابق حسني مبارك كان قبيل غزو العراق عام 2003 قد حذر الإدارة الأميركية من أن إقدامها على غزو العراق سيفتح كما قال هو بكلماته في ذلك الوقت باب الجحيم، المفارقة هو أن مبارك سقط إنما الإدارة الأميركية تغيرت وأسوأ ما حصل بالنسبة لهذه الإدارة هو ما تتحدث عنه أنت من تواصل لانحطاط في القوة الأميركية، هل هذا تقييم صحيح؟ 

ستيفن وولت: حذر كثيرون من مغبة غزو العراق وأنا منهم من خلال مقالات نشرتها قبل الحرب وها هي النتائج تعبر عن نفسها، العراق لحق به ضرر كبير، قويت شوكة إيران واختلت موازين القوة في الخليج، ولأن الغزو كان مرفوضاً بشكلٍ واسع في معظم العالم العربي، قوض موقف العديد من حلفاء أميركا بما فيهم الرئيس مبارك وتراجعت شعبيته في بلاده مصر ويصعب على المرء أن يجد قراراً أميركياً واحداً على مدى الأربعين أو الخمسين عاماً الماضية يضاهي مدى كارثية وحماقة قرار غزو العراق في عام 2003. 

عبد الرحيم فقرا: إننا بناءاً على ذلك، بناءاً على ما تقول عن عدم شعبية غزو العراق في المنطقة العربية وكيف قوضت وضع بعض الزعماء العرب، هل يمكن القول بناءاً على ذلك بأن انحطاط القوة أو تراجع القوة الأميركية دفع ثمنه زعماء مثل حسني مبارك مثلاً. 

ستيفن وولت: مرة أخرى أتحاشى هذا الربط المباشر، قد يكون هذا عاملاً ثانوياً لكن المشكلة التي كان يواجهها مبارك في مصر كانت في الأساس ردة فعلٍ على الأوضاع الداخلية في البلاد، الاقتصاد كان يعيش نوعاً من الركود لسنواتٍ عديدة وعندما انتعش كان النمو يذهب حصرياً إلى فئة صغيرة من المجتمع فضلاً عن استياء كثيرين في مصر من طاعة الرئيس المصري الكاملة للسياسات الأميركية بخصوص النزاع الإسرائيلي الفلسطيني واعتماد نظامه على التعذيب والشرطة السرية للبقاء في الحكم أيضاً كان هناك سلسلة من المآخذ على نظام مبارك الذي ما فتئ يقدم العهود بالديمقراطية لكن دون الوفاء بها، هذه الأمور ليست لها علاقة بقوة أميركا أو ضعفها علينا أن نفهم أيضاً أنه حتى لو كانت أميركا في وضع أفضل في الساحة الدولية لما كانت قادرة على إنقاذ الرئيس مبارك، ومن الدروس التي يتعين على أميركا تعلمها في المنطقة هي أنه ليس بوسعها الآن أن تملي على أي كان من يحكم هذا البلد أو ذاك في المنطقة وألا تحاول أن تفعل ذلك.

الثورات العربية وانعكاساتها على القوة الأميركية

عبد الرحيم فقرا: عطفاً على ذلك وعودة الآن إلى السؤال الذي كنت قد طرحته قبل أن نشرع في هذه المقابلة، إذا كان أو إذا كانت الحرب، حرب الخليج الأولى، تصفها هي نقطة البداية في الانحطاط الأميركي كما تقول أنت في مقالتك كيف تشخص الثورات العربية الآن وانعكاساتها على القوة الأميركية في المستقبل.

ستيفن وولت: ما يسمى بالربيع العربي أو مجموعة الانتفاضات التي حدثت ولا تزال في العالم العربي هي في رأيي تطور كبير في تاريخ المنطقة، سيكون لها تداعيات بالغة على أميركا، أعتقد أننا سنرى نتائج تختلف عن بعضها في كل واحدة من هذه الدول لم يكون هناك نمط واحد لأنظمة الحكم فيها، لكن دون شك سنرى حكومات تتجاوب بشكل أكبر مع الشعوب ولن تكون قادرة على انتهاج سياسات دون الأخذ بعين الاعتبار دون المواطنين، وبالنسبة لأميركا إذا كنا نريد علاقات جيدة مع تونس مصر، سوريا أو الأردن في وقت لاحق سيكون علينا انتهاج سياسات لا يرضى بها زعيم أو قائد بعينه، بل سياسات سيقبلها جزء كبير من الشعب، عبارة أخرى أن أميركا ستتخذ سياسات أكثر تلاءما مع ما تريده شعوب المنطقة وليس فقط ما تريده النخبة الحاكمة.

عبد الرحيم فقرا: في هذا الباب تحديداً تعرف كما يعرف الجميع أن الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان يجادل بنفس المنطق، كان يقول إن القرار العربي يجب أن يكون أكثر استقلالية عن قرار الإدارة الأميركية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، الآن أنت تقول بأن القرار العربي في ظل ما يسمى الربيع العربي، سيصبح أكثر استقلالية وعلى الإدارة الأميركية أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار كيف إذن يختلف منطق زعيم مثل صدام حسين آنذاك عن المنطق الذي تقول أن الثورات العربية الحالية ستقود إليه.

ستيفن وولت: لن أتبنى ما كان يقوله صدام حسين حيث أن نظامه هو الآخر لم يكن يكترث بإرادة الشعب العراقي، ومن دواعي السخرية أنه كان يقول مثل هذا الكلام، في حين أنه كان لا يأبه لإرادة العراقيين، ما نشاهده اليوم في العالم العربي أنه إذا استمرت أميركا في اتخاذ سياسات لا تحظى بالشعبية لدى الشعوب فإن كلفة ذلك سترتفع وسيكون من الصعب الحصول على التعاون من حكومة المنطقة، لأن الحكومات ستكون منتبهة لما تريده الشعوب وما تقبل به، وبالطبع ما من دولة تتفق حول كل المسائل والتباينات التي تنشأ من حين لآخر، لكن إذا أرادت أميركا أن تبني علاقات إيجابية سيكون عليها أن تتساءل ما هي السياسات المعقولة ما هي السياسات التي تخدم مصالحها وما هي السياسات التي يجب أن تتغير، لا أرى أن هناك أية قضايا لا يمكن لأميركا أن تصحح أي سياسات فيها لتبني علاقات جيدة مع كل دول المنطقة.

أميركا بين مطرقة الإسرائيليين وسندان قرار الاستقلال العربي

عبد الرحيم فقرا: الآن إذا قاد ما يسمى بالربيع العربي أو الثورات العربية إلى هذا النوع من استقلالية، مطالبة الجماهير العربية باستقلالية أكبر عن القرار الأميركي في الملف الفلسطيني تحديداً، نعرف أن هناك بعض اللوبيات التي تنشط هنا في الولايات المتحدة على رأسها اللوبية الإسرائيلية التي كتبت أنت وزميلك ميرشهايمر فيه بالنظر إلى الضغوط التي يمارسها هذا اللوبي في واشنطن على الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى أي مدى تعتقد أنه إذا حصل نوع من الاستقلالية، استقلالية القرار في نظام إقليمي عربي جديد إلى أي مدى تشعر أن الإدارة الأميركية ستجد نفسها بين مطرقة الإسرائيليين وسندان قرار الاستقلالية العربي.

ستيفن وولت: أعتقد لو استمرت الولايات المتحدة في اعتماد سياسة الدعم اللامشروط لإسرائيل كما دأبت عليه فإنها ستدفع ثمناُ متزايداً ليس في العالم العربي فقط بل أيضاً مع بعض حلفاء أميركا الذين يجدون صعوبة في فهم تشبثنا في هذه السياسة وهم يختلفون معنا، الفكرة الثانية والتي أسوقها الآن هي أن هذه السياسة ليست حقيقةً في صالح إسرائيل بنفسها لو كانت لأميركا علاقة مختلفة أي علاقة عادية مع إسرائيل سيكون ذلك أفضل للولايات المتحدة وأفضل للفلسطينيين لكن أفضل للإسرائيليين أيضاً وعندما يدرك عدد أكبر من الأميركيين ذلك يعني ذلك تصحيح سياساتنا تجاه إسرائيل دون أن يعني ذلك التخلي عنها بل عدم إعطائها ذلك القدر من الدعم الذي يجعلها لا تشعر بحاجة لقبول أي حد من التنازلات المنصفة للفلسطينيين أيضاً.

عبد الرحيم فقرا: إنما هل الإرادة الشعبية في المستقبل إذا تمخضت هذه الثورات عن إرادة شعبية في صنع القرار الدوال العربية، هل هذه الإرادة الشعبية بتصورك قادرة لأن توفر نوعا من التوازن في واشنطن بالنسبة لصنع القرار، في واشنطن التي يمارس فيها اللوبي الإسرائيلي ضغوطا حقيقية وفعلية على هذه الإدارة، مرة أخرى أسألك هل تعتقد بأن للإدارة مخرجا من هذا الوضع بين المطرقة والسندان.

ستيفن وولت: بالطبع أعتقد أن هناك سياسة أخرى يجدر بأميركا اتخاذها، لا شك أن اللوبي الإسرائيلي له قوة تأثير هائلة ولكن بدأنا نرى الكثير ممن يساندون إسرائيل، يدركون الدعم المفتوح واللامشروط لها غير صحي ولا أظن أن الأمر سيتغير بين عشية وضحاها لأن هذا غير ممكن في النظام السياسي الأميركي، لكن في الوقت ذاته نحن نرى تزايد عدد من الناس الذين يدركون أن سياسة أميركا يجب أن تتغير وسيصعب على أميركا المحافظة موقفها الحالي، لأنها لا يمكنها بعد الآن أن تعتمد على قادة مثل حسني مبارك ليطبقوا كل ما نطلب منهم في هذا المجال، بالتالي وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور في مصر أو غيرها سيصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً عند أعداد كبيرة من الناس.

عبد الرحيم فقرا: الآن إذا انعدمت إمكانية هذا الاعتماد على زعماء كحسني مبارك كما كان الحال في السابق، كما أشرت الآن، إذا انعدم ذلك، هل بتصورك يشير ذلك إلى أن مستقبل القوة الأميركية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيواجه مأزق أم أنك بالعكس تنظر إلى تحالف القوة الأميركية مع إرادة شعبية في منطقة الشرق الأوسط سيفتح آفاقا جديدة للقوة الأميركية في المنطقة؟

ستيفن وولت: من المفترض أن أميركا كدولة ديمقراطية تدعم المزيد من مشاركة المواطنين في العملية السياسية لبلدان المنطقة، أعربت إدارة الرئيس أوباما بشكل واضح عن دعمها للتحول الديمقراطي ووصل ذلك إلى حد المساهمة الفعلية لتحقيق ذلك كما هو الحال في ليبيا مثلاً، هذه التغيرات ستفرض على أميركا التعامل مع المنطقة بشكل مختلف، من السهل جداً إن كنت تتعامل فقط مع نخبة حاكمة لأي رئيس أوحد، أو ديكتاتوري أوحد، أو ملك أوحد من السهل حملهم على قبول سياساتك ولا تكترث لإرادة الشعوب، لكن مع تنامي مستوى مشاركة المواطن في العملية السياسية ومستوى النقاش أيضاً الدائر والحماس حول ذلك النقاش والقضايا فإن الأوراق سياسية سوف تختلط، لا ينبغي لأميركا أن تقلق لهذا الشأن لأنه ليس هناك تضارب كبير بين ما تريدها للشعوب ومصالح أميركا، وبالتالي إذا ما سعت أميركا لمصالحها الحقيقية سيكون هناك بعض التباين في الآراء بين الحين والآخر، لكن لا أرى احتمال حصول مشكلة كبيرة.

عبد الرحيم فقرا: إنما إذا كانت الولايات المتحدة قد دعمت الديكتاتورية والاستبداد كما يوصف الوضع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عقود، على اعتبار أن ذلك يخدم المصالح الأميركية الآنية وفي المدى البعيد، كيف ستخدم الديمقراطية والإرادة الشعبية واحترام الإرادة الأميركية للإدارة الشعبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المصالح الأميركية الآن؟

ستيفن وولت: أدركت أميركا دائماً انه في وقت ما قد تتغير هذه الحكومات وتصبح أكثر قربا من الشعوب وأكثر ديمقراطية ، والجميع كان يدرك أيضاً أن مرحلة من عدم الوضوح ستنجم عن هذا التغيير، بالتالي كان معظم السياسيين الأميركيين يتمنون أن يحصل ذلك، لكن بعد مغادرتهم المسؤولية السياسية في عامين أو 5 أعوام سيكون على أحد أخر غيرهم أن يحل المشكلة، ولكن هذه الوضعية لن تعود إلى الوراء لن نشهد رجوعاً إلى ذلك النوع الحكومات التي كانت موجودة منذ خمسة أعوام أو حتى منذ عام، كما يقول المثل الشعبي هنا في أميركا لا يمكن إرجاع معجون الأسنان إلى داخل الأنبوب بعد عصره، بالتالي ما على أميركا فعله هو أن تتأقلم مع هذه الأوضاع وتشجع الجميع قدر المستطاع للتحول نحو توجهات معتدلة، عليها أن تدرك أيضاً أنها لا يمكنها أن تقرر من يحكم هذه الدول، لأن الشعوب هي التي ستقرر وأنا متأكد انه إذا ما حرصت أميركا على مصالحها الأساسية في المنطقة دون الانحياز بشكل مبالغ فيه لطرف دون غيره، بوسعها أن تبني علاقات إيجابية مع معظم هذه المجتمعات.

النموذج التركي وانتفاضات العالم العربي

عبد الرحيم فقرا: الآن هناك من يجادل بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة على مدى عدة قرون قد استثمرت في النموذج التركي بحيث إنه عندما تصل الإرادة الشعبية مثلاً كما يمثلها حالياً أردوغان تصل إلى حيز التنفيذ لا يمثل ذلك خطرا على الإدارة الأميركية يجادل أنه بالعكس يمثل تكميلا للمصالح الأميركية والمصالح التركية في الشرق الأوسط تكميلا للمصالح الأميركية في تلك المنطقة أولاً هل توافق على هذا المنطق، وثانياً إن كنت توافق عليه هل يمكن إعادة إنتاج النموذج التركي مع العرب.

ستيفن وولت: هنا كنقطتين الأولى هي أن نجاح رئيس الحكومة حكومة أردوغان وحزبه مبهر جداً يدل هذا على ما يمكن أن يحدث عندما يكون هناك قيادة لها رؤية سديدة وبارعة في إدارة شؤون المجتمع، هذا من مصلحة أميركا أن تكون هناك حكومات على امتداد الشرق الأوسط لها كفاءة عالية تدرك أهمية النمو الاقتصادي وأهمية التعليم، وهذه الأمور تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية رغم أن المرء قد يتعلم بعض الأمور من التجربة التركية، من الخطأ الاعتقاد أن نمطاً واحداً في كل الأماكن، ما هو ملائم لتونس يختلف بعض الشيء عن ما هو ملائم لمصر، ذلك يختلف بدوره عن ما يحدث في ليبيا أو السعودية أو الأردن، إذن هناك دروسا هامة للتعلم ولا أعتقد أن نمطاً واحداً صنع في اسطنبول أو واشنطن يصلح للكل، بل أن لكل بلد من هذه البلدان أن يتلمس طريقه.

عبد الرحيم فقرا: إنما إذا كانت المقاربة التركية للمنطقة فيها تكملة للمصالح الأميركية لأعين واشنطن، هل تعتقد أن المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن يصبح نموذج ديمقراطي عربي تكملة لمصالحها في المنطقة كما هو الشأن بين الولايات المتحدة وتركيا مثلاُ.

ستيفن وولت: نعم وهو كذلك، مثلاً حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى حد ما لا أريد أن أقول مثل مشكلة للولايات المتحدة لكنه أظهر استعداداً لأخذ مواقف مغايرة لما تتمناه واشنطن في بعض القضايا، وليس في كافة القضايا، المحصلة هي أن الإصلاحات في تركيا، وعمل حزب العدالة والتنمية كان إيجابياً بأنه أعطى تركيا نفوذاً أكبر في المنطقة وأعتبر أن هذا كان عاملاً إيجابياً بالشكل العام، على أميركا إذن أن تنظر إلى هذه التطورات على أنها تطورات إيجابية ولا تقلق بشأنها إلى الحد الذي يعبر عنه البعض، وأن تدرك أنه في المستقبل يمكن بناء علاقات جيدة مع حكومة ديمقراطية مستقبلاً حتى إن اختلفوا حول بعض القضايا.

عبد الرحيم فقرا: الآن في ما يتعلق بمسألة الاختلاف بطبيعة الحال في الوقت الراهن، هناك اختلاف في التحالف الاستراتيجي الذي كان قائما بين تركيا حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل حليفة أيضاً للولايات المتحدة وهذا الاختلاف بسبب الملف الفلسطيني تحديداً، الآن بالنظر إلى جوهرية الملف الفلسطيني في العلاقات العربية الأميركية، بالنظر إلى أن حكومة مثل حكومة بنيامين نتنياهو مثلاً ترفض وقف الاستيطان وبالنظر إلى أن العديد من الفلسطينيين يرون في الاستيطان تهديدا جوهريا لمستقبل الدولة الفلسطينية، هل يمكن إعادة النموذج الأميركي التركي بين الولايات المتحدة وأنظمة عربية قد تقوم على أساس هذا المد الذي يوصف بالثوري حالياً في المنطقة.

ستيفن وولت: بضعة أشياء هنا السياسة الأميركية تجاه النزاع الإسرائيلي الفلسطيني سياسة خرقاء من الواضح للجميع تقريباً أن الحل الدائم المناسب هو حل الدولتين، يحصل الفلسطينيون على دولتهم وتبقى دولة إسرائيل في حدود 67، كان هذا الموقف الأميركي منذ 67 بالتحديد، وخصوصاً منذ إدارة الرئيس كلينتون الذي أراد حل الدولتين، كما أراده جورج بوش وكما قال الرئيس أوباما مراراً وتكراراً أن ذلك هو المخرج الأفضل الذي يراه، المشكلة هي أن أميركا لم تستخدم قدرة الضغط الهائلة التي تملكها الأطراف المعنية لفرض ذلك الحل، وأود أن أذكر هنا بالمبادرة السعودية الأصلية التي تبنتها الجامعة العربية لاحقاً، وهي أيضاً ترجح حل الدولتين المتفق عليه من كافة الأطراف المعنية، هذا ما يدعمه الجميع الأوروبيون معظم العالم العربي، معظم العالم الإسلامي، والولايات المتحدة، وبالتالي يتعين على الولايات المتحدة هنا أن تتشارك مع حلفائها الأوروبيين وأصدقائها في العالم العربي وغيرهم للضغط من أجل تحقيق حل الدولتين قبل فوات الأوان، وقد يكون قد فات الأوان، ولكن أعتقد أنه ما زال ممكناً، هذا أفضل الحلول لكل الأطراف بمن فيهم إسرائيل، ما دامت أميركا لا تفعل ذلك هي لا تساعد نفسها لا تساعد أصدقائها في العالم العربي ولا تساعد إسرائيل أيضاً هذه سياسة خرقاء.

عبد الرحيم فقراء: أشكرك على وجهة نظرك وبالتأكيد كما تعرف هناك وجهات نظر أميركية بطبيعة الحال إزاء هذه القضايا مختلفة عن وجهة نظرك، أتمنى أن نتمكن من استضافة شخصية بأفكار ووجهات نظر مختلفة عن ما وصفته الآن، إثراءً لعلاقتنا مع مشاهدينا، شكراً لك ستيفن وولت صاحب عدة كتب من بينها: كتاب أصول التحالفات، وقد نشر مقالة تحت عنوان متى بدأ انحطاط الإمبراطورية الأميركية، نشرة في مطلع أغسطس من هذا العام، استراحة قصيرة الآن ثم نعود بالذاكرة إلى محطة من محطات الديمقراطية في الولايات المتحدة وعِبَرها لغير الأميركيين .

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقراء : أهلاً بكم في الجزء الثاني من هذه الحلقة ونخصصه لما يوصف بالوضع الشاذ لعاصمة الإمبراطورية الأميركية كما توصف أحياناً، قبل بضعة أشهر وبعد أن نجح المحتجون في تغيير رأس هرم السلطة في كل من تونس ومصر، اعتقل عمدة واشنطن فينسانت غري ومؤيدوه خلال احتجاج لهم على ما وصفوه بإقدام الرئيس أوباما على التضحية بمصالح مدينتهم إرضاءً للجمهوريين، خلال مفاوضاته معهم على خفض الميزانية الفيدرالية، الاحتجاج الذي تزامن مع ما يوصف بالربيع العربي المطالب بالديمقراطية أعاد أو أراد به غري وأنصاره إعادة تسليط الضوء على مفارقة تؤرق الديمقراطية الأميركية منذ استقلال البلاد عن بريطانيا في القرن الثامن عشر، فالعاصمة التي اختيرت آنذاك كحلٍ توافقي بين شمالٍ رفض العبودية وجنوبٍ ظل اقتصاده قائماً عليها، أصبحت لاحقاً قلعة حرية لمن كانوا عبيداً سابقين، وفي ذات الوقت مصدراً للتشريعات التي تحمي النخاسة حتى داخل المدينة نفسها، وكأن مفارقة واحدة لا تكفي ظلت المدينة التي تحتضن كونغرس أو برلمان البلاد برمتها محرومةً من التمثيل فيه حتى يومنا هذا، سألت العمدة فينسانت غري عن منظورة كعمدة وكأميركي من أصول إفريقية، منظورة إلى الديمقراطية الأميركية في ظل مفارقات العاصمة؟

فينسانت غري: من الواضح أن التجربة الديمقراطية في مقاطعة كولومبيا تجربة مختلفة مقارنة بسائر البلاد أي ببقية الولايات الخمسين، لا يفرض على أيٍ من تلك الولايات أن ترسل موازنتها كي يصادق عليها الكونغرس، ويحدد لها كيفية إنفاق مواردها المالية المحلية وكذلك الحال لكل التشريعات المحلية والتي تؤثر على مصائر 600 ألف مواطن، هي أيضاً تطرح على موافقة الكونغرس، لدينا ممثلة في الكونغرس السيدة إلينور هولمز نورتن وهي لا تتمتع بحق التصويت، وحتى حق التصويت الجزئي والمحدود الذي كان لديها في بعض اللجان سحب منها في يناير، بالتالي إذا قارنت الحقوق الديمقراطية التي نتمتع بها مع تلك التي يتمتع بها سائر الشعب، فإنك تجد فروقاً شاسعة.

أميركا وديمقراطية الداخل

عبد الرحيم فقراء : قد يجادل البعض أن منطقة واشنطن العاصمة هي الاستثناء وليست القاعدة، ولكن من جهة أخرى يمكن كذلك أن يجادل أنه بما أن هذه المنطقة هي عاصمة الدولة، وتعيش في هذه البيئة الديمقراطية الناقصة كما تصفها أنت، فإن ذلك يضع النظام السياسي الأميركي برمته في موضع الشك؟

فينسانت غري: يبدو لي أن في الأمر شيئا من النفاق، هناك ما يقارب 100 عاصمة في العالم الديمقراطي، ولكن مدينتنا هي العاصمة الوحيدة التي ليس لها حق التصويت في الجهاز التشريعي القومي، وإذا كنا نزعم في أننا كنا نمثل ضمير العالم فيما يتعلق بالديمقراطية وأنا من المدافعين عن الديمقراطية، وإذا كنا نحارب باسم الديمقراطية في أماكن مثل أفغانستان والعراق وغيرها من مناطق العالم، فحريٌ بنا أن نبرهن أننا نفعل ما يجب فعله لتحقيق الديمقراطية في بلادنا.

عبد الرحيم فقراء: بصفتك عمدة ما الذي يحول دون ذلك، لماذا لم يحصل حسب رأيك؟

فينسانت غري: هناك نظرة مفادها أن هذه عاصمة الدولة الفيدرالية، وهناك نصوص في الدستور تنظم تسيير هذه المدينة بشكل معين، ولكن تلك النصوص تقادمت منذ عقودٍ وقرون في حين أن العالم يتغير باستمرار، وهذه المدينة تكبر وفيها الآن ولأول مرة ما يزيد عن 600 ألف مواطن، ليس لدي شك أن هناك اعتبارات سياسية في هذا الموضوع، حيث أن غالبية سكان واشنطن لهم ميول للحزب الديمقراطي، وقد يكون هناك أشخاص من أحزابٍ أخرى يرون أن حصول المقاطعة على حق التصويت في مجلس النواب والشيوخ من شأنه أن يقوي شوكة الحزب الديمقراطي، وقد يكون هناك أيضاً أشخاص يعتقدون أنه بما أننا العاصمة الفيدرالية فتلك القرارات يجب أن تكون بيد الحكومة الفيدرالية، وهذا رأي تنقصه الوجاهة في رأيي، بالإمكان يمكن تحديد الوجود الفيدرالي وليس في هذا الأمر من صعوبة تذكر، الحكومة الفيدرالية موجودة في معظم المدن الكبرى في الولايات المتحدة وليس هناك أي تضاربٍ أو صعوبة في تحديد معالم الوجود الفيدرالي وفصله عن مصالح الولاية أو المصالح المحلية.

عبد الرحيم فقراء: ما الذي يتطلبه حصول منطقة العاصمة واشنطن على التمثيل الذي تتحدثون عنه، من الواضح أن الناس جربوا أساليب مختلفة على مدى العقود، هل يتطلب الأمر شيئا مماثلا لما حدث في ميدان التحرير في مصر مثلا؟

فينسانت غري: أعتقد أن ما يتعين على سكان هذه المدينة أن يفعلوه بداية وقبل كل شيء هو أن يبرهنوا أن هذه مسألة هامة وحيوية بالنسبة إليهم، وعليهم أن يرفعوا أصواتهم عالياً، لقد كانت المظاهرة التي حصلت هنا منذ وقت قصير هامة من حيث إيصال صوت المواطنين، ولكن مظاهرة واحدة أو احتجاجا أو مسيرة لن تكفي لإحداث الفارق، بصراحة أعتقد أن سكان واشنطن عليهم أن يناضلوا من أجل الحصول على حق إدارة مواردهم المالية بمفردهم، ففيما يتعلق بالموازنة لا أرى بأي منطق نجبر على طرح موازنتنا على الكونغرس ليحدد لنا كيفية إنفاق الأموال التي تجمع محلياً.

عبد الرحيم فقرا: لكن ما الذي يتطلبه الأمر لتحقيق التمثيل للعاصمة واشنطن في الكونغرس، هل يتطلب ذلك في نهاية المطاف تحركات شعبية في شوارع المدينة كما حدث في مصر وبلدان عربية أخرى لتحقيق الهدف الذي تعذر تحقيقه على مدى سنوات طويلة كما قلت؟

فينسانت غري: يجب أن تكون مستمرة ويجب أن تنبع من الناس أنفسهم، وهذا هو تماما معنى تحركات شعبية، أعتقد أن المسألة لن تحل طالما لم يخرج الناس ليقولوا كفى لقد سئمنا أن نعامل كأننا مواطنون درجة ثانية في هذه البلاد.

عبد الرحيم الفقرا: كثير من الناس الذين شاهدوا عملية اعتقالك عندما خرجت إلى الاحتجاج على وضع العاصمة واشنطن فيما يتعلق بمسألة التمثيل، هؤلاء قد لا يعرفون بالضرورة كيف يعمل النظام السياسي الأميركي قد يؤولونه بإحدى طريقتين، قد يقولون حقاً هذا نظام ديمقراطي حتى عمدة المدينة يعتقل، وقد ينظرون إلى الأمر بشكل مختلف تماما ويقولون هذا نظام سياسي فيه شوائب كثيرة حتى العمدة تعرض للاعتقال، أي القراءتين تميل إليها؟

فينسانت غري: من الواضح أن تمكننا من تنظيم تجمع سلمي إلى حد ما ومن التظاهر والمطالبة في حقوقنا من شأنه أن يدعم الديمقراطية، من جهة أخرى سبب احتجاجنا هو بصراحة إخفاق الديمقراطية في الوصول إلى مقاطعة كولومبيا، بالتالي أملي أن يقدر الناس تمكننا من التعبير عن شكوانا بشكل سلمي إلى حد ما ولكن فحوى تلك الشكوى هي أن الديمقراطية لم تصل بشكل كامل إلى عاصمة الولايات المتحدة الأميركية.

عبد الرحيم فقرا: أنت عمدة العاصمة واشنطن، عاصمة الدولة، وهي مدينة تصنع فيها قرارات تكون لها تأثيرات على العديد من مناطق العالم بما فيها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كيف تشعر كونك عمدة لمثل هذه المدينة التي برغم كل ذلك لا تحظى بالتمثيل في الكونغرس؟

فينسانت غري: أنا فخور بكوني عمدة هذه المدينة التي هي مسقط رأسي ومنشئي، وقد زاولت تعليمي في مدارسها العامة وأنهيت دراستي الجامعية بما فيها العليا في جامعتها وأمضيت كل حياتي في المدينة، بالتالي أنا فخور بأن أكون ساكناً ومواطناً في مقاطعة كولومبيا، ولكن من جهة أخرى أشعر بأننا محرومون من حقوقنا، وكعمدة أعتقد بأن لدي الفرصة للنضال من أجل نيل حقوق ساكني المدينة، وأملي في أن نكون حققنا شيئا في نهاية عهدتي أفضل مما وجدناه عند الاستلام.

عبد الرحيم فقرا: لكن هل يقلقك أنه عندما يمعن الناس خارج الولايات المتحدة النظر في الوضع السياسي للعاصمة واشنطن حيث تصنع قرارات تؤثر على مصائرهم بشكل يومي، هل يقلقكم كونها لا تتمتع بالتمثيل، هل يشوش ذلك على سمعتها عالميا؟

فينسانت غري: كلا لا أشعر بذلك بمعنى أننا إذا كنا ندافع عن الديمقراطية في كل أنحاء العالم ونحن نفعل ذلك، حريٌّ بنا أن نبرهن بالفعل أننا نعيش في كنف الديمقراطية الكاملة في بلدنا، هناك عواصم أخرى في العالم تتمتع بقدر أكبر من الديمقراطية مما نعيشه نحن لندن مثلاً وغيرها من عواصم العالم يعيش سكانها حالة من ديمقراطية متقدمة جدا بالمقارنة مع سكان عاصمتنا، وإذا ما كانت للناس تساؤلات حول هذا الموضوع فنحن على استعداد للإجابة عنها، مرة أخرى أقول إنني فخور بكوني مواطن في هذه المدينة وفخور بموقعي القيادي وسيزداد فخري عندما نتمكن من التخطي بعض هذه المشاكل.

عبد الرحيم فقرا: العاصمة واشنطن بطبيعة الحال فيها تنوع عرقي شديد في الوقت الراهن ربما أكبر مما كان في السابق ولكنها أيضا يعرف عنها أنها تسكنها أغلبية من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، هل تعتقد أن وجود هذه الأغلبية الإفريقية في المدينة له علاقة بحرمان المدينة أو العاصمة من التمثيل في الكونغرس رغم أنها تدفع الضرائب؟

فينسانت غري: في الحقيقة لا أعرف، وليس عندي أية دلائل على مثل هذا القول، التركيبة الديموغرافية للمدينة تتغير باستمرار، في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي كان معظم السكان من البيض ثم صار معظمهم من الأميركان الأفارقة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات حتى وصلت في وقت معين إلى نسبة 70 أو 75 % من السود بينما أظهر التعداد الأخير أن نسبة الأميركيين من أصل أفريقي تحوم حول الخمسين بالمئة، بالتالي التنوع العرقي في المدينة يزداد باستمرار مع ارتفاع عدد السكان، وأملي أن قرار حرمان المدينة من الحقوق ليست مستنداً على معطيات عرقية، وبما أن الحرمان من حق التصويت كان ساريا حتى عندما كان معظم سكان المدينة من العرق الأبيض قد يشير إلى أن الأمر يتجاوز التفرقة العنصرية إلى عوامل أخرى.

عبد الرحيم فقرا: أنت أميركي من أصول إفريقية وقد تحدثت الجزيرة إلى العديد من الأميركيين من أصول إفريقية في واشنطن وتبين أن لديهم أو لدى بعضهم على الأقل انطباع بأن ما يحول دون تمثيل المدينة في الكونغرس هو أن أغلبيتها سوداء..

فينسانت غري: قد يكون ذلك عاملاً من العوامل ولكنني أكرر أن ما دام التنوع يزداد في المدينة وإذا صح كلامك فإن هذا سيحدث التغيير حتماً.

عبد الرحيم فقرا: نقطة أخرى للسيد العمدة أنت عمدة العاصمة حيث يوجد حضور دبلوماسي كبير يعني سفارات الدول وتمثيلياتها، عند أدائك لمهامك اليومية كعمدة هل تفكر في تلك الشريحة، الدبلوماسيين العالميين في مدينتك أم أنك تفكر تحديدا في المواطنين الأميركيين الذين انتخبوك إلى هذا المنصب؟

فينسانت غري: بكل تأكيد أن أهتم بالجالية الدولية وهي جزء هام من الحياة في مقاطعة كولومبيا، في حفل تنصيبي كان هناك 83 ممثلاً لدول أخرى حضروا المناسبة وأنا أفتخر بحضورهم وتحدثت للتو مع مجموعة من السفراء وعملنا على بناء علاقات مستدامة مع تلك الدول التي لها تمثيليات هنا على مستوى السفارات والقنصليات، حيث أنهم يمثلون جزءا هاما من الحياة في المدينة وبشكل يومي، هناك في مكتبنا تحديداً في مكتب السكرتارية موظف متخصص في العلاقات الدولية وقد انطلقنا لتونا في علاقة مع دولة أخرى بخصوص مشروع عملاق للتطوير هنا في مدينتنا ونحن نفخر بذلك، نحن ننظر إلى هذا على أنه فرصة سانحة لرجال الأعمال في مدينتنا، بالتالي هذا جزء هام من حياة المدينة وأنا أعمل على تأسيس وإثراء هذه العلاقات.

عبد الرحيم فقرا: هل الدولة التي ألمحت إليها هي قطر؟

فينسانت غري: قطر هذا صحيح.

عبد الرحيم فقرا: حسنا، ما الذي يوفره مكتبك كعمدة للجاليات الدبلوماسية الأجنبية في واشنطن، ما هي الأمور الملموسة التي تقدمها لهذه الجاليات؟

فينسانت غري: أولا إمكانية العيش في مدينة رائعة فضلا عن فرص بناء علاقات توأمة بين المدن، وقد حققنا هذا في عدد من الحالات وهذا من شأنه أن ينمي العلاقات التجارية وفرص الأعمال وتبادل المعلومات، ففي كثير من الحالات نحن نتبادل الخبرات مع مدن أخرى حول مسائل مماثلة ونخبرهم بما نقوم به ويخبروننا بما يفعلونه في بلدانهم.

عبد الرحيم فقرا: فينسانت غري عمدة العاصمة الأميركية واشنطن التي تعرف أيضا باسم منطقة كولومبيا نسبة إلى مكتشف أميركا كريستوفر كولومبس، انتهت الحلقة أذكر بأنه يمكن التواصل مع البرنامج عبر البريد الإلكتروني والفيس بوك وتويتر، إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة