هيكل.. دور القاهرة في المنطقة العربية   
الاثنين 10/7/1426 هـ - الموافق 15/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 20:02 (مكة المكرمة)، 17:02 (غرينتش)

- دور القاهرة التاريخي وفكرة الجامع المشترك
- أوجه تميز القاهرة كقوة ناعمة

- معيار التأثير لدى القوى الناعمة والصلبة

محمد حسنين هيكل- كاتب ومحلل سياسي: مساء الخير، لا أزال واقفا أمام المشهد الذي أطل عليه جيلي وأطليت عليه مع جيلي وإن اختلفت مواقع الرؤى بينا، بيننا كما شرحت من رأى الغابة، من رأى الشجرة، من رأى الجيل، من رأى النار، بالنسبة لي في هذا الجيل أو ضمن هذا الجيل كان المشهد الذي لفت نظري هو كما شرحت أول حاجة القوى الأميركية عن حافة الأفق، الحاجة الثانية كانت الأسر المالكة الثلاثة الحاكمة في العالم العربي واللي واحدة على الخليج وواحدة على البحر الأبيض المتوسط، اللي هي مصر يعني وواحدة على الخليج اللي هي السعودية وأخرى دولة الهاشميين موجودة في الوسط ما بين بغداد وبين عمّان.

دور القاهرة التاريخي وفكرة الجامع المشترك

"
مصر دولة مستقلة، وفي الـ14 قرن الماضية مصر عاشت نوعا من الرباط الجامع بين مسائل كثيرة 
"
الحاجة الثالثة اللي لفتت نظر جيلي أو لفتت نظري أنا بصفة عامة إنه في هذا الفضاء التاريخي والجغرافي والسياسي والثقافي اللي أنا عايش فيه واللي أنا بأُطل عليه القاهرة على وجه التحديد مدينة تلعب دور مهم جدا ودور يقف المرء أمامه وهو يحاول أن يبحث عن أسبابه، المنطقة كانت باستمرار عُمر هذه المنطقة وهذه مسألة لابد أن نلاحظها من ألفين وخمسمائة سنة لم تعرف فكرة الدولة المنعزلة، مش هأقول المستقلة، المستقلة ممكن تبقى مستقلة، لكن الدولة التي تحيا وحدها دون ما حولها وهذه مسألة طبيعية لأنه الفضاءات الإنسانية، الفضاءات الجغرافية، الآفاق السياسية والتاريخية لا تعرف معنى الحدود، الحدود دي ظاهرة جديدة بمعنى إنه الطقس الأحوال الجوية ما بيجيش عند الحدود وتقول والله (Passport) عشان أعدي به من فلسطين إلى مصر، حتى (Even) وسائل المواصلات الحديثة لما نفكر في الطيارات مثلا في الطائرات أو نفكر في التلغرافات أو نفكر في أي حاجة أو في الفضائيات ليس هناك حاجة في الطبيعة اسمها هذه الحدود السياسية بالتحديد، بمعنى إنه المناطق وهنا في جغرافيا سياسية المناطق مناطق متشكلة، مناطق موجودة لها خواص متصلة ومتواصلة وليست فكرة الدولة المستقلة المعزولة بهذا الشكل الذي نتصوره أحيانا. هذه المنطقة بالتحديد وهذه خصية غريبة لأنه أنا هأرجع إحنا بنتكلم على دور القاهرة إحنا بنتكلم ليه القاهرة كان لها هذا الوضع اللي أنا حسيت به، أول حاجة نلاحظ إنه هذه المنطقة عمرها ما كانت لوحدها من ألفين وخمسمائة سنة على وجه اليقين اللي نقدر نرصدهم ونقدر نشوفهم هذه المنطقة بعد ما انهارت فيها مشروعات الدولة المستقلة أو اللي كنا بنتصور فيها المجتمعات المنعزلة الموجودة في الواحات اللي في المنطقة لأنه المنطقة لو نفتكر منطقة في واقع الأمر هي عدة واحات، الشرق الأوسط كله عدة واحات في الواحة اللي على وادي النيل، الشام مجموعة واحات، العراق في واقع الأمر هو واحة اللي عملها وادي الرافدين لكنها باستمرار بنلاحظ إنها بُقع من العمران محاطة بالصحراء مطوقة بالبحار، لكنه فكرة الكيانات المستقلة ما نشأت أو البدايات الاجتماعية واللي نشأت في الحضارات القديمة زي الحضارة المصرية والآشورية والبابلية.. ما نشاء، لكن لما دي هذه انتهت اللي حصل إنه هذه المنطقة أصبحت تخضع باستمرار بنوع من الرابط الجامع، الرابط الجامع في وقت من الأوقات كان الإسكندر الأكبر جاء واحتل وأخذ كل ده فبقينا كلنا موجودين في نوع من الكومنولث المتوسطي عاصمته في الشمال وبعدين انتقل مركز القوى إلى الرومان فبقت كل البحر الأبيض وما حوله كله رماني وبعدين انتقل الروماني بيزنطة فبقينا كله في جامع واحد بشكل أو آخر سواء كان مقبول مننا أو مش مقبول مننا وبعدين بقى فيه جاء الفتح العربي وبقى في جامع من نوع آخر وتنوعت الممالك، لكن فضلنا باستمرار تحت نفس الجامع فضلنا باستمرار المنطقة باستمرار في حالة إلى جامع وفي حاجة إلى مراكز تبادل فكري وحضاري وتجاري موجودة متناثرة، لكن حتى في الإسلامي أنا لا أعرف لما حد يقول مرات بعض إخواننا يقول لي مصر طول عمرها دولة مستقلة في فرق بين دولة مستقلة ودولة منعزلة، بمعنى إنه في الأربعة عشر أو الخمس عشر قرن اللي فات مصر عاشت طول الوقت داخل نوع من الكومنولث نوع من الرباط الجامع بين مسائل كتيرة أوي متعدية لحدودها ومتخطية لها وتؤثر عليها شاءت أو لم تشأ، زي ،المناخ زي الجو، زي.. الحاجة الغريبة إنه في مصر بالتحديد عمرها ما كان ممكن تقدر تعيش لوحدها لسبب واضح وهو إنه منبع حياتها كان خرج موقع نظرها، النيل عمرنا ما شفنا منابع النيل لكن عشنا باستمرار على النيل لكن كان باستمرار بره، باستمرار كان هو بعيد في وسط إفريقيا وما وصلنا لوش إلا في القرن التاسع عشر، لم نعرف من أين ينبع النيل وعملنا أساطيل الدنيا، اللي أنا عايز أقوله إيه إنه بالدرجة الأولى إنه فكرة الحدود السياسية استولت علينا وارتبطت بفكر الاستقلال وهو مسألة مهمة جدا، لكن نبقى عارفين أين الاستقلال وأين.. ما هو أوسع من الاستقلال؟ أين هو الجامع المشترك؟ لما بأتكلم في القاهرة مثلا على سبيل المثال وأقول إنه مصر كانت باستمرار موجودة في الدولة، في الخلافة الأموية، موجودة قبلها في الخلافات الراشدة، موجودة في الدولة الأموية، موجودة في الدولة العباسية، موجودة في دول الفاطميين والأيوبيين والمماليك لغاية العثمانيين، لما جئنا في العثمانيين حصل مسألة مهمة أوي وهي دي أعطت القاهرة دور بشكل أو آخر العثمانيين بدا الإمبراطورية الرباط الجامع واللي كان مقبول من كل الناس، كان مقبول وكان يعني هو الهوية أو هو الرابط المقبول وحتى (Even) حتى إلى درجة الرعوية، كنا بنقول رعوية عثمانية، فإحنا الإمبراطورية الخلافة العثمانية بدأت شأنها شأن كل الدول تنزل تنهار وبدت المطامع الأوروبية تهاجم المنطقة من الشرق ومن الغرب وبدت الممالك تقام وبدت السلطة المركزية للخلافة تسقط أو تتداعى، لكن فضل العلم الإسلامي والعربي في القلب مختلف عن غيره من أقاليم الإمبراطورية في حين إن الولايات اللي في أوروبا المسيحية اللي في أوروبا لقت أسهل عليها إنها تنسلخ وتستقل، فالعالم الإسلامي العربي فضل مدرك أهمية الجامع المشترك ومشفق من خطورة ما يجري للدولة العثمانية وقلق على مصيره، لأنه باستمرار بيشعر أو هذه الواحات المتناثرة في هذا الفضاء في هذا الإقليم بتشعر بأنها لا تقدر تحقق لا أمن ولا تحقق مصلحة ولا تحقق.. خصوصا إنه الألفين وخمسمائة سنة اللي عاشت فيهم تحت جامع مشترك وجامع سياسي وعسكري، رابط لإمبراطوريات زي ما قلنا من الإغريق لغاية العثمانيين، هذا الرباط أوجد موروثه الثقافي، أوجد حقائقه الاقتصادية، الاجتماعية، الفكرية بالدرجة الأولى، أما جاءت الإمبراطورية العثمانية تضعف بدا يبقى في ظاهرة مهمة جدا، إيه هي الظاهرة المهمة؟ الظاهرة المهمة إنه إحنا بننسى مرات إنه الجغرافيا والتاريخ فاعلين في حياتنا، بننسى مرات إنه أنا لم أخطر موقعي مش بإرادتي مش بإرادة الشعوب إن أنا في مصر اخترنا جاء موقعنا البحر الأبيض شمالا والبحر الأحمر بالطريقة دي مؤديا للخليج، ما كنش هذه مصادفات أو هذه خلق هذا خلق أو هذه جغرافيا أو هذه مصادفات طبيعة لكنها حاكمة فيّ شئت أو لم أشأ، التاريخ بيعمل عمل تاريخ عنده القدرة والشعوب عندها القدرة أقصد الشعوب التي تحيا تاريخها عندها القدرة أنها تخلق باستمرار ما تحتاج إليه من ضرورات، لما الخلافة العثمانية بدت تضعف والعالم العربي مشفق على هذا الضعف من هذا الضعف ومشفق على نتائجه والضعف العثماني في الآخر انقلب إلى نوع زي أي ضعف انقلب إلى نوع من العنف الشديد فبدينا نشوف الإمبراطورية الكومنولث اللي كنا فيه جميعا باختيارنا وبرابط فكري وثقافي وإسلامي يدافع عن وجوده في وسط تزاحم إمبراطوري، بدينا لقينا الدولة العثمانية تلجأ للعنف والعالم العربي بدا.. في اليونان راحت لأوروبا بلغاريا راحت لأوروبا اللي كلها كانت ولايات عثمانية، لكن العالم العربي الإسلامي فضل متردد لأنه جامع الخلافة بدا له أقوى من أي شيء والحقيقة إنه هذا الجامع فضل مؤثر حتى في مصر في هذا البلد الذي اللي بيقول إنه والله أنا أقدم بلد مستقل وأكتر بلد وصحيح إنه هو ممكن أوي يكون مستقل، لكن أنا أريد أن أفرق بين أن تكون مستقلا وأن تكون في عزلة عما يجري حولك لأنك لا تستطيع أن تنعزل. طيب لو نفتكر إحنا إنه أكبر الأحزاب الوطنية بلاش نتكلم في محمد علي لما جاء محمد علي، محمد علي لم يكن ثائرا على الخلافة لكنه كان رغبا في تجديد مشروع الخلافة وقد يكون راغب في الخلافة لنفسه ولأسرته لكنه لم ينقض على فكرة الجامع، الجامع المشترك وهو رجل يملك حلم، محمد علي قيمة محمد علي إنه يملك حلم إنه رجل أطل بصرف النظر عن خلفيته وبصرف النظر عن مطامعه رجل أطل على الواقع الجغرافي والتاريخي والسياسي للمنطقة وأدرك أهمية هذه الجامعة فلما جاء حتى يثور على هذا الجانب لم يثر بقصد أن يهدمه ولكنه.. أو يفضه ولكنه تصور إنه هو إما يرث وإما يجدد فكان مشروعه مشروع تجديد عثماني. محمد علي عمل حاجة شديدة الأهمية في مصر وفضلت مستمرة، عايز أقول إنه مصر لم تُفكر حتى الحركات طول القرن التاسع عشر ونحن نفكر في مصر المستقلة.. حتى مع أوهام الخديوي إسماعيل ما كنش جامع الخلافة يعني محمد علي كان راجل عنده حلم عظيم، الخديوي إسماعيل حلم استراتيجي عظيم، الخديوي إسماعيل كان عنده حلم وهم ثقافي كبير لأنه صور له إنه المنطقة ممكن تخرج أو إنه مصر ممكن تخرج من المنطقة اللي هي فيها جغرافيا وتلتحق بأوروبا فبقت مصر قطعة من أوروبا، هذه في اعتقادي كانت رغبة في الوصول إلى التمدين والتقدم ولكنها لم تكن بالمعنى الإنساني والتاريخي انسلاخ عن المنطقة والدليل إنه عصر إسماعيل في واقع الأمر شاف ظاهرة مهمة جدا اللي هي ظاهرة ظهور القاهرة في هذا الإطار الأوسع والأكبر، بأرجع تاني الأحزاب المصرية على سبيل المثال لما بدأت حركة الاستقلال بننسى مرات إنه عرابي لو قلنا عرابي هو كان أول حركة استقلال بالمعنى الوطني الواضح اللي مصر للمصريين، مصر للمصريين انعزال بمصر، مصر للمصريين كانت أظن والشواهد تؤكد أنها كانت راغبة في إنه الهجوم هذا الهجوم الأجنبي على مصر واللي بيمتص بالديون ثرواتها واللي بيمتص بالاستغلال مواردها إن هو ده يقف وإنه مصر ما يُنتج فيها يروح لأصحابها ولكن مصر للمصريين لم تكن في اعتقادي أو في ظني وأنا بقرأ كل الوثائق إنها انعزالية تطلب آه تطلب الاستقلال لكن حتى عرابي كان متمسك بالجامع المشترك العربي المشترك وحتى الخديوي توفيق قدامه كان متمسك بالجامع المشترك وحتى الثورة العرابية لم تفشل إلا بمرسوم السلطان العثماني في اسطنبول اللي قال إنه عرابي عاصي، لم نيجي في الأحزاب المصرية نبص نلاقي إنه الحزب الوطني وهو أول الأحزاب اللي نشأت بعد الثورة العرابية كان بيتكلم على الجامع العثماني، أنا هأسيب هوية إنه عثماني لكن أيضا الحزب الوطني يدرك أنه هو موجود في إطار كومنولث، في إطار مجتمع من الدول في إطار مجتمع جغرافي سياسي لا يستطيع إنه يخرج عنه لا أمنا ولا.. مش حكاية التبعية للسلطان العثماني بيتكلم على حاجة ثانية، الحزب الوطني بيتكلم على حاجة بالإحساس حتى موجودة مصر موجودة لكن مصر موجودة داخل إطار معين، لما جت حتى الخلافة والخلافة.. ما كنش حد بيفكر قوى في إنه ينسلخ التفكير في الانسلاخ عن هذا الجامع المشترك في واقع الأمر بدأ لما دولة الخلافة مش بس انهارات غيرت اتجاهها وبدأ يطلع اتجاه القومي التوراني التركي وبالتالي أحس جَمْع هذا المجتمع اللي موجود في هذا الجامع المشترك العربي الإسلامي أحس بأنه والله الرباط بيفك وأننا في حاجة إلى شيء آخر وإنه يعني أنا بأفتكر باستمرار وبلاقي إنه الأدب والثقافة بتُعبر عن (Strategy) في الدول المتخلفة أكثر من الفكر، لما جت.. لما جاء الخلافة العثمانية بتقع والخلافة.. الدولة هزمت الدولة العلية هزمت أنا قارئ طبعا مش فاكر ما كنتش موجود يعني لكن قارئ لوعة أحمد شوقي مثلا على سبيل المثال لما بدا كمال أتاتورك يظهر أبص ألاقي قدامي أقرأ حاجة ألاقي شوقي بيتكلم كمال أتاتورك وبيقول:

الله أكبر كم في الفتح من عجبي يا خالد الترك جدد خالد العربي

في هنا ده كلام مش بس شعر ولا أدب لكن ده كلام فيه (Strategy) لكن جاء بعدها شوقي فوجئ بإنه شوقي وغيره يعني فوجئ بأنه كمال أتاتورك لغا الخلافة لأنه تركيا كانت بدت تتوجه بالنظر إلى مجال جغرافي ثقافي جامع آخر وهو أوروبا فإذا بشوقي اللي تصور إنه.. وهنا برضه التعبير الاستراتيجي أكثر منه الأدبي والفني وهو ده اللي بيهمني فيه، تبص تلاقي شوقي بيعمل إيه فوجئ هو لقا قائد بيجدد شباب الخلافة وتصور إنه والله نحن على باب عصر جديد، لكن فوجئ بجمال أتاتورك بيلغي الخلافة وهو لسه أول إمبارح مدحه وبيقول الله وأكبر كم في الفتح من عجبي طب يعمل إيه؟ فعمل قصيدته الهايلة وأنا بأعتقد أنها أيضا (Strategy) أكثر منها أدب اللي هي بيقول فيها:

عادت أغاني العرس رجع نواح ونُعيت بين معالم الأفراح

كُفنتٍ في صبح الزفاف بثوبه ودُفنت عند تبلج الإصباح

كأنه الخلافة حلم الخلافة اللي راوده كان عروس هتُزف، فإذا بها تموت في ليلة الزفاف وإذا بها تُدفن قبل صبح الزفاف، هنا ده كله بيدي حاجة على الجامع وبيدي حاجة على مخاوف الأمة، طيب فين القاهرة في ده كله القاهرة في ده كله في اعتقادي كان بيحصل فيها حاجة غريبة قوي هنا ده فعل التاريخ، فعل التاريخ في الجغرافيا، فعل التاريخ في الاجتماع، فعل التاريخ في السياسة في الوقت اللي كان فيه الخلافة بتضعف على نحو ما هذا المجتمع اللي كان في دولة الخلافة، هذا المجتمع العربي الإسلامي الحضاري الثقافي الموجود في هذه المنطقة بدا يدور عن شيء، بدا يبحث عن مكان، بدا يبحث عن جامع عن نوع من الرابط المشترك الذي يجمع، القاهرة قبل كده لو نفتكر.. محمد علي جاء الحقيقة عمل حاجة مهمة قوي لأنه إدّا دور بدا فإدّا دور للقاهرة لازم نلاحظ قبلها إنه القاهرة شأنها شأن أي عاصمة عربية ليس فيها ما يميزها عن غيرها عشان نبقى واضحين وأنا لأنه في بعض أخوانا بيتصوروا أوهام، دمشق هي أقدم مدينة في العالم، بغداد كانت عاصمة عربية لا تقل أهميتها عن القاهرة، الرباط كانت في وقت من الأوقات، القاهرة كانت مهمة جدا في فترات لكن أهمية القاهرة بدت في القرن التاسع عشر، أهمية القاهرة الحديثة، بدت في القرن التاسع عشر تأخذ وضع علينا أن ندرسه باهتمام ليه؟ لأنه في الوقت اللي الرباط الجامع فيه العثماني بينزل وبيتهاوي وبتخف قوته، بتضيع قوته وبتضيع سلامته.. قدرته على حفظ سلامة هذا الجمع هذا المجتمع الموجود داخل هذا الرباط رباط الخلافة المشترك والقوى الأجنبية عمالة تنزل في الخليج وعمالة تنزل في البحر الأبيض على.. نابليون يعني والصراع الفرنسي البريطاني على تخومي وعلى بحاري بيكبس ودولة الخلافة الحامية بتقع، الأمة على نحو ما.. بلاش الأمة عشان ما حدش يزعل هذه المجتمعات اللي عايشة في هذا الفضاء، في هذا الفراغ، في هذه الساحة الجغرافية والتاريخية بتبحث عن حاجة محمد علي جاء عمل إمكانية إنه والله العرب دون أن ينسلخوا يبقوا يعملوا حاجة مستقلة فجاء في مصر بدأ في مصر ثم أدرك بحسه الاستراتيجي راح الشام كمل الشام لأنه يدرك إنه ما فيش حاجة أسمها مصر لوحدها لأنه هذا الإقليم زاي كل أقاليم العالم عومل باستمرار وتصرف باستمرار وتعرض باستمرار لكل.. ولأنه كده تعرض للفواعل التي تصنع في إقليم زي الرياح اللي بتهب ومتقفش عند حدود سياسية، محمد علي أدرك إنه حتى لو أتكلم بمنطق الأمن المصري فهو بمنطق الأمن المصري ده بيطلع بره، حتى الكولونيل سيف سليمان باشا الفرنساوي وهو مع إبراهيم باشا في الجيوش المصرية في وقت محمد علي بيعرف الأمن المصري البحت أمن وادي النيل بأنه فوق عند نصيبين شمال الحدود التركية في شمال حلب، هنا الأمة بدت الناس اللي موجودين في هذه المنطقة بدوا يعمل حاجة ثانية، بدا يبقي في محمد علي وفر لهم حاجة مهمة قوى، محمد علي وفر واحد مركز مستقل يقوى دون أن ينسلخ عن الخلافة مركز مستقل ينشأ ويصنع ويجدد ويثقف لما جاء رفاعة رافع الطهطاوي وعمل النهضة الفظيعة اللي عملها في التعليم وبدا لأنه مشروع محمد علي اقتضى أيضا التعليم والتعليم قام عليه هذا الفلاح، هذا الرجل اللي كان راح مع البعثة واحدة من بعثات محمد علي راح كإمام للبعثة ثم أصبح هو في واقع باعث نهضة، هذا الرجل الذي قرأ كل أدب وكل فكر وكل استنارة أوروبا ونقلها للغة العربية فبدا العالم العربي يكتشف إنه في مكان مستقل، في مكان يهرع إليه بآماله أو بطموحاته من سواء الإمبراطورية المتهاوية أو من الأطراف اللي عليها الضغوط الإمبراطورية من كل ناحية. وبدأ ينشأ في القاهرة شيء ثاني، ظاهرة ثانية، سياسية اجتماعية ثقافية اللي ممكن نقوله، لكن في قاعدة للتحديث بدت تنشأ وسط العالم العربي وبدت تحل على نحو ما محل اسطنبول، هي لا تنافس اسطنبول، ما كنتش بتنافسها، ما هياش عاصمة، ما هياش عاصمة خلافة، ما هياش عاصمة دولة بالعكس هي عاصمة دولة تابعة، دولة قبل حاكمها محمد علي سنة 1840 إنه والله ملكه وملك أبنائه هنا في الحدود المصرية، لكنه الحقيقة اللي خلقها الحقيقة السياسية اللي خلقها، الحقيقة التاريخية اللي خلقها، الحقيقة الثقافية اللي خلقها إدت في مصر وضع خاص نشأ في القرن التاسع عشر ثم وهذه هي الأهم العالم العربي كله ساهم في صنعه.


[فاصل إعلاني]

أوجه تميز القاهرة كقوة ناعمة

"
القوى الناعمة في بعض الأحيان تكون خط دفاع أقوى من أي جيش وبعد 1967، بعض الناس تصوروا أن الطريق إلى أكتوبر بدأ بعودة جمال عبد الناصر وهذا ليس صحيحا
"
محمد حسنين هيكل: لو آجي أقول المهنة اللي أنا بأشتغل فيها، مهنة الإعلام، لما آجي أقول إنه والله الأهرام أنشأته أسرة لبنانية سورية يعني، المقطم أنشأته.. دار الهلال، دار المعارف كل هؤلاء بأتكلم المجال الفكري والثقافي لأنه هو ده المجال الذي تميزت فيه القاهرة، القاهرة ماكتشي.. هنا في بفرق بين نوعين من القوة اسطنبول كانت ممكن تقول والله الانكشارية والقوة العسكرية وإلى آخره محمد علي حاول ده لكن رفاعة رافع الطهطاوي محمد علي كان عنده مشروعه العسكري والسياسي والاقتصادي إلى آخره، رفاعة رافع الطهطاوي كان عنده مشروع ثقافي وفي هذا الإطار وفي هذا الحيز، لكن القاهرة لم بدت تحتضن كل هذا ما كنتش بتعتمد على القوة العسكرية، محمد علي حتى لما حاول يعتمد على القوة العسكرية لم ينجح وضُرب لأنه كان في مطامع القوى الأوروبية داخلة تزنق، داخلة تضغط، لكن ما نجح فيه أو ما نجحت فيه حقائق التاريخ اللي هي عندها القدرة تخلق نفسها في أوقات الأزمات هو إنه القاهرة تتحول دون أن ندرى ودون أن يخطط حد لكن بفعل الضغوط والظروف التاريخية زي ما بتنشأ كل الحاجات الطبيعية بدت تتحول إلى عاصمة ذات دور خاص بدت تبقى هي كل المفكرين اللي عاوزين يفكروا الهربانين من الخلافة والهربانين من السلطان العثماني وقبضته اللي عماله تشتد أكثر مع إنه الولايات المسيحية في المملكة العثمانية في الخلافة بتروح لأوروبا فهو بدأ يضغط أكثر على المواقع الإسلامية فبدت قبضته تشتد، في هذه الفترة وفي فترة الانهيار العثماني بدت القاهرة تعمل دور مش بديل لا دور مواز في الناحية الثقافية والفنية والعلمية ومن نواحي حتى الحرية السياسية ونواحي الفكر بدت يبقى في شيء في القاهرة بشكل ما يديها وضع آخر، ما هياش القوى الغازية، ما هياش القوى الحاكمة، ما هياش القوى المتحكمة ولا المسيطرة، لكنها القوة بشكل ما التي كونت ما يمكن أن يكون ملاذا، ملجأً لأفكار ولتيارات وهذا أعطاها قوة. أنا فاكر ده كله حصل في المسرح لو خدت المسرح لو أخدت.. أنا قلت الإعلام بالتفصيل لكن لو أخدت المسرح، لو أخدت الموسيقى، لو أخدت حركة الترجمة، لو أخدت التأليف، لو أخدت كله.. كله.. كله هرع.. الأمة كلها تقريبا المنطقة كلها تقريبا هرعت بآمالها كلها وبطموحاتها إلى عاصمة اسمها القاهرة لأنه الظروف السياسية فيها كانت تحمي، لأنه الظروف السياسية كانت توفر نوع من الاستقلالية عن الخلافة، لأنه الظروف كانت بتدي صلة بالجامع المشترك واستقلال عنه في نفس الوقت وهكذا نشأ مركز في القاهرة أنا بأعتقد إنه لابد أن نفهمه لكي نستطيع أن نحافظ عليه لأني أخشى أن هذا الموقع الآن مُعرّض لهجمات شنيعة، طيب الملك فيصل مرة الله يرحمه بيشتكي إن إحنا حاولنا تصدير الثورة إليه وأنا والله كنت بأقول له بجد إنه ما حدش.. إحنا تكلمنا عن أفكار عندنا في مصر، مصر حتى من قبل الثورة لما تكلمنا عن فكرة استقلال وطني، لما تكلمنا عن فكرة المجالس النيابية، لما تكلمنا على الحرية وتكلمنا على الدستور وتكلمنا الحاجات دي كلها وجدت صداها في العالم العربي مش لأن إحنا كنا راغبين في تصديرها، لكن لأنه القاهرة تحولت بفعل ظرف تاريخي تسانده حقائق جغرافية إلى قوة، قوة إيه أظن إنه أحسن حد وصف هذا النوع من القوة هو الأستاذ الأميركي في جامعة هارفارد في كتابه المهم أوي عن القوى الناعمة، إحنا كلنا كنا نقعد نتكلم على مناطق.. على بلدان تمارس نفوذ أكثر من قوتها أكثر من قوتها العسكرية وأكثر من قوتها الاقتصادية لكن بشكل أو آخر لها نفوذ يتعدى الحسابات المادية، القاهرة كانت واحدة من دول، لكن كلنا بنيجي نتكلم لما ماكملن بيكلمني على تأثير القاهرة والثاني بيكلمني والثالث بيكلمنا والقاهرة لها وضع خاص ما حدش عمله حتى قاهرة الملك فاروق وقاهرة الملك فؤاد كانت قاهرة لأسباب فنية وثقافية، يعني أنا بأعتقد مثلا إنه المزيكا في العالم العربي في مصر عملت تأثير والسينما في مصر والصحافة في مصر عملت دور ألف مرة أكثر من اللي ممكن تعمله الدبابات والأساطيل والمدافع في خدمة إمبراطورية، لكن على شرط أن نُدرك أن هذه قوة ليست مسيطرة، هذا نفوذ، هذا مقبول لكن غير مفروض وساعة ما نتصور إنه ده مفروض أو إنه لنا بالحق الطبيعي يبقى بنعمل غلطة شنيعة جدا. هأرجع للكلام بتاع البروفيسور ناي لأنه عن القوى الناعمة، ناي بيفرق بين نوعين من القوى بيقول إنه التاريخ عرف نوعين من القوى فيه القوى الصلبة اللي هو القوى التي تفرضها الإمبراطوريات بقوة السلاح وبقوة.. ويمكن بقوة الاقتصاد وبمعنى القوى بشكلها هو بيسميها الصلبة بشكلها حتى (Crude) حتى قبائل الهول لما زحفت على الإمبراطورية الرومانية ما كانتش بتزحف لا بدبابات ولا حاجات لكن تزحف بالجلافت القبائل الغازية، لكن نشأ في تقدير البروفيسور جوزيف ناي وأنا بأعتقد إنه صحيح جدا وهي ظاهرة كنا كلنا بنحس بها دون أن نستطيع توصفها وهو ده في الغالب أو يعني هو ده حقيقة هو ده مجال العلم، لما بنيجي بنتكلم في أفكار معينة وأفكار لم تستقر بعد على قوانين نحن بنتكلم في مجال الفلسفة البحث عن الحقيقة، لكن لما تنتظم هذه القوانين وتتضح حركتها أمامنا جميعا فقد انتقلنا من مجال الفلسفة إلى مجال العالم اللي هو مجال أشياء لها قانون لها فعل يمكن حسابه ويمكن تصوره وتقديره. ناي بيدي مثل بيقول إيه في القوى الناعمة اللي القوى.. في القوى الصلبة قلنا عليها فيه القوى الناعمة اللي هي القوة التي تستطيع أن تُحدث تأثيرها دون وسائل العنف وتتحقق بالنفوذ أكثر ما تتحقق بالغزو وبيضرب مثل على ده باسبرطة وأثنيا، أثنيا كانت هي فيها الفلسفة وفيها الفن وفيها الفكر في التاريخ القديم واسبرطة كانت فيها الحراب وكانت فيها السلاح وكان فيها القتل وكانت فيها العنف وكان فيها القوة وسقطت اسبرطة في الآخر وبقيت أثينا لأنه نوع القوى اللي كان عندها هو هذه القوة الناعمة التي يصعب إنك تكسرها تقتحمها بدبابة أو تكسرها بمدفع أو تطلق عليها قذائف لأنها قوة تفعل فعلها دون أن تُرى ودون مواقع ثابتة وأنا عايز أقول إنه ليس صحيح.. حتى القوى الناعمة لمصر أنا بأعتقد إنها كانت استثمار جيد حتى على المستوى الاقتصادي، بمعنى إنه لما بيجي كل اللي حصل عندنا في فترة التنمية، كل اللي إحنا خدناه من الاتحاد السوفيتي على سبيل المثال وبما فيه السد العالي وأوله السد العالي، لما الأميركان جم يتكلموا عن السد العالي ودالاس يعتقد إنه.. وزير خارجية أميركا يعتقد إنه هذا المشروع فوق طاقة الشعب المصري وأنه ما حدش يقدر يموله والشعب المصري مش هيقدر يموله وقال لي أنا دالاس قال لي أن الشعب المصري في يوم من الأيام هيلعن من أنشأ هذا السد العالي لأنه تكاليفه سوف تكون أكثر من ما يتحمله الشعب المصري، لكن السد العالي اتعمل، الأميركان حاولوا يعملوه والإنجليز حاولوا يعملوه ولما سحبوا سحبوه بأسباب سياسية ومش بأسباب اقتصادية والاتحاد السوفيتي جاء عمله أو جاء ساعدنا في عمله وإحنا دفعناه، لكن واقع الأمر أن ما ساعد عليه وعلى غيره هو القوى الناعمة لمصر. عاوز أقول حاجة ثانية لو حد سألني القوى الناعمة إلى أي مدى ممكن تكون أنا بأقول أنه القوى الناعمة في بعض الأحيان تكون خط دفاع أقوى من أي جيش عن أوطانه وهأفتكر حاجة مهمة أوي بعد 1967 بعد يونيه 1967 وهي قصة هنتلكم عليها في دورها في سياقها التاريخي، بعد يونيه 1967 بعض الناس يتصوروا أن الطريق إلى أكتوبر بدأ بعودة جمال عبد الناصر عن التنحي يوم 9 وبالتالي.. وغيّر القيادة السياسية إلى آخره وإنه هو والله ده كانت بداية يوم إعادة بناء الجيش أنا بقول أنه ليس صحيحا، مع كل تقديري أنا بأعتقد إنه وحتى الجماهير تطالب مصر وتطالب بعودته رغم إن كانت فيه لها مثيل في كل حتة عربية كان أيضا ممكن مما يقال عنه يعني ممكن أي حد يشكك فيه ممكن، لكن القوة الناعمة لمصر عملت دور شديد الأهمية، أنا فاكر لما حصل يونيه 1967، 5 يونيه و 9 يونيه كانت باينة النتائج وقرر جمال عبد الناصر إنه الوقت جاء يمشي وأنا كنت موافقه على هذا الكلام وفاكر أنه هو أما جينا قاعدنا نتكلم على خطابه للتنحي أنا كنت بأقول هذه نكسة طالما أن الأمة لا تزال مصممة على القتال فهذه نكسة وهو كان بيقول هزيمة في الخطاب لأنه هو كان شديد الحساسية إلى درجة مروعة أن يُتهم إنه بيحاول يخفف من وقع ما جرى وهو والله ما كانش بيخفف الراجل، الراجل دفع حياته في النهاية ثمن لما جرى بالعمل وللتحضير لأكتوبر، لكن هنسيب ده كله حصل اللي حصل وأنا بأقول نكسة وهو بيقول هزيمة لكن هو جه في يوليو وقال هزيمة لقد هُزمنا لأنه كان تحت ضغط الأصوات العربية من الخارج والدعايات اللي بتقول والله هذه هزيمة، أنا كنت بأقول مش هزيمة كنت بأقول إنها نكسة، إنها كارثة لكنها مما يحتمل لأنه الناس مستعدة أن تقاتل ومستعدة أن تستكمل ولا تستسلم لأنه الاستسلام هيؤدي.. هيطيح ليس فقط بما هو ظاهر من أسباب القوى حتى بالغير مرئي بالقوى الناعمة حتى يعني وبعدين جاء اللحظة التي ظهرت فيها أهمية القوى الناعمة لمصر وهي في الخرطوم في أغسطس، أغسطس في الخرطوم جمال عبد الناصر كان رايح يحضر مؤتمر قمة عربي وطالع وهو قبلها في يوليو معترف أنها هزيمة وأنا كنت بقول حاجة ثانية يمكن وفي خطاب التنحي كانت حاجة ثانية لكن هو تحت الضغوط النفسية لهؤلاء الذين يهاجمون قال يعني نكسة خلاص نكسة.. هزيمة، فهو رجل ذهب إلى الخرطوم وهو نفسه معترف أمام جميع الناس أنه المهزوم، لكنه ذاهب لكي يضغط أن يتجدد أمل، لكن اللي حصل في الخرطوم يوميها مما لا يصدقه أحد ولا يمكن أن تصنعه إلا قوة ناعمة لأنه خرج الشعب السوداني كله دون ما سلطة دون ما حافز، بالعكس أنا مستعد أقول للحكومة السودانية وقتها كان هواها بعيد عن هذا الكلام، لكن الشعب السوداني خرج وجاء إلى الخرطوم وأنا شفت مظاهرة لم يحدث ولا العالم كله شفها إلى درجة أنه النيوزويك، مجلة النيوزويك الأميركية، طلعت العالم بره مذهول طلعت وعليها الغلاف بتاعها الخارجي صورة الغلاف صورة لجمال عبد الناصر واضطرت النيوزويك تحط تحت الصورة العنوان بتاع العدد (Hailed The Conquered) مش (The Conqueror) عادة الرومان كانوا يقولوا (Hail The Conqueror) أي أهلا أيها المنتصر لكن (Hail The Conquered) المهزوم هذه كانت جديدة في التاريخ وكان الغلاف في حد ذاته أنا بأعتقد إنه الغلاف كان في حد ذاته رمز وتجسيد وتمثيل لقوة مصر الناعمة، تأثيرها خارج حدودها كما هي وكما هي مرجوة وكما هي واقعة دون ما قصد ودون قانون ودون أي شيء آخر.

[فاصل إعلاني]

محمد حسنين هيكل: البلاد اللي عندها هذا النوع من القوى الناعمة أهم حاجه فيها جدا أن تفهم هي بتعمل إيه بالضبط وتعرف كيف تحافظ عليها وكيف تنميها إذا استطاعت، لكن تبقى مدركة إنها ساعة ما تتخلى عن هذه القوى الناعمة وعن أسبابها فقد نزعت سلاحها بنفسها، كلاوس فيتس مثلا في الحرب في كتابه المهم عن الـ (Strategy) إيه هدف أي حرب؟ هدف أي حرب هو نزع سلاح العدو، إذا إحنا في القوى الصلبة في الدول اللي عندها القوى الصلبة أو المجتمعات اللي بتعتمد على القوى الصلبة وعلى غزو الدبابات والمدافع وإلى آخره نزع السلاح واضح لكن في القوة التي تعتمد على القوى الناعمة قد تجد نفسها تفقد موارد ومصادر قوتها الناعمة وهي لا تدري وهنا وجه الخطورة.

معيار التأثير لدى القوى الناعمة والصلبة

اللي عايز أقوله إيه بقى اللي عايز أقوله أنه جيلي وأنا نشأ جيلي وظهر وبديت أشوف في القاهرة لها وضع آخر مختلف عن أوضاع بقية حتى الدول العربية ولها نفوذ يتزايد وهذا النفوذ لا تسنده قوة ولكن تسنده أنواع غريبة جدا من المؤثرات مؤثرات الفن، الشعر، الأدب مش صدفة أنه في آخر العصر العثماني أو بوقت انهيار العصر العثماني حصل ضمن ما حدث في القاهرة حركة التجدد الهائلة في الشعر واللي بدأت بالبارودي مثلا اللي إحنا بنحتفل به دلوقتي، ليس مصادفة أن لما جاؤوا يبايعوا شوقي أمير الشعراء أميرا للشعراء أنا ببص لها ناس كثيرة قوي ممكن بيبصوا لها كمناسبة اجتماعية أنا بألاقيها سياسية أكثر من أي حاجة ثانية أو لأنه باستمرار إذا لم يكن للثقافة، إذا لم يكن الاقتصاد، إذا لم يكن لكل ما تنتجه الأفكار المشاريع الإنسانية، القيم مجموعات القيم إذا لم يكن لها مردود في القوة أي في السياسة فإذاً هي محتاجة مراجعة، لكن لما يجي شوقي يُختار أمير للشعراء وأنا بأعتقد إنه هذه وقفة شديدة الأهمية ما كانش حد بيفرض ممكن أوي حد يقول والله مصر لما تيجي تقول والله أنا مقر الجامعة العربية يمكن مصر كانت بتفرض ممكن حد يتصور مع إنه ده ما كانش صحيح لكن مصر وهي بتيجي تقود حركة القومية العربية ممكن حد يقول والله ده تعسف من جانب ده أو من جانب ده، لكن لما تيجي تتكلم على إمارة شعر وتلاقي هؤلاء المثقفين اللي كل واحد.. هؤلاء الشعراء اللي كل واحد فيهم بيعتقد نفسه نصف نبي ونصف إله وكلهم جايين ويجي واحد زي حافظ إبراهيم ويدخل على القاعة قاعة الأوبرا اللي كان فيها شوقي بيبايع أميرا للشعراء ويرفع يده كده..

أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذه وفود الشرق قد بايعت معي

هذه حقيقة سياسية أقوى مائة ألف مرة من أي طيارات وأي صواريخ لأنه هنا في نفوذ.. عايز أقول إيه أن فيه التأثير الذي يُحدث الفعل الذي يحدث آثاره دون سلطة في عالم لابد أن نطل على أهم خواصه، قيمة أي بلد في هذا العالم سواء كان قوة ناعمة أو قوة صلبة بمقدار تأثيره خارج حدوده لأنه كل بلد أي سلطة داخل حدودها باستعمالها السلطة وباستعمالها سلطان القانون بصرف النظر عن شرعية القانون، سلطان القانون داخل حدودها تستطيع أن تفرض ما تشاء ولو حتى إلى أجل، لكنه نفوذ الدول الحقيقي أو قيمة الدول حقيقية تتبدى بقدرتها خارج حدودها في دول ممكن تقول والله فيه إمبراطوريات أميركا خارج حدودها آه لكن بالقواعد وبالقوة وبتاع إلى آخره، لكن لما الدول ذات القوة الناعمة زي الحالة اللي كانت نشأت في القاهرة هذه مسألة تقاس خارج الحدود لا تقاس داخل الحدود، لما ألاقى إنه العالم العربي كان كله لما ألاقى العالم العربي كله بيسمع الإذاعات المصرية مسألة مهمة جدا لما ألاقي إنه حركة النشر العربي كلها والترجمة متركزة في القاهرة مسألة مهمة جدا، لما ألاقي إنه حاجة زي أم كلثوم أو زي عبد الوهاب ولا الأساتذة المنشئين للصحافة المصرية كلها وكلهم تقريبا عرب كلهم تقريبا كلهم عرب مسلمين ومسيحيين ولعبوا دور مسيحي شرق لعبوا دور في هذه النهضة العربية الإسلامية بلا حدود، أما ألاقي ده لابد إنه واحد إنه هذا نفوذ أي بلد يقاس في حقيقة الأمر ليس بما يصنعه داخل حدوده، إذا استعمل القوة المسلحة داخل حدوده بقى استبداد لكن قوته المسلحة خارج حدوده قد تتبدى ممارسة للقوى، قد تتبدى عرض لقوته الدولة اللي عندها قوة ناعمة داخل حدودها تقدر تعمل اللي عايزاه تغني زي ما هي عايزة وتعمل شعر زي ما هي عايزة لكن قيمتها هو أن ينتشر ما فيها إلى ما غيرها وإذا هي دون أن تخطط ودون أن ترتب تصبح عاصمة لهذا الذي نسميه القوة الناعمة، القوة الناعمة فيها مسألة مهمة كنت بتكلم عنها من شوية ويمكن ما كملتهاش، في خطأ شديد جدا ممكن تقع فيه الدول اللي عندها القوة الناعمة وهي أن تخلط بين القوة الناعمة وبين القوة الصلبة تتصور إنه ما لها من قيمة خارج حدودها يرجع إلى قوة أو يرجع إلى خاصية معينة ربنا وهبها لها ولم يعطها لغيرها أو إلى تميز مهما كانت أسبابه وبالتالي تتصور إن عندها سلطة أن تأمر وتتوقع أن تطاع وهذا في اعتقادي.. أميركا تقدر تعمل كده في القوة الصلبة بتاعتها لكنه بلد على سبيل المثال زي فرنسا، فرنسا عندها نوع من القوة الناعمة رغم أنها حاولت في وقت من الأوقات يبقى عندها قوة صلبة، فرنسا ما بقي من قوتها هو القوة الناعمة.. نابليون نفسه بقى منه قانون نابليون، بقيت منه القصور اللي اتعملت والكنوز اللي هو أخذها معها من العالم كله ووداها إلى فرنسا بقى تأثير الأدب الفرنسي، بقى تفكير الفكر الفرنسي، بقى تأثير القانون الفرنسي زي ما كنت بأقول، بقيت تقاليد فكرة الثورة الفرنسية في طلب الحقوق، لكن غزو نابليون كله الإمبراطوري كله راح، بلد زي مصر بقى بلد عندها قوة ناعمة تمارَس بالإقناع، تمارَس بالنفاذ، تمارَس بالذهاب الطوعي لما لديها وليس بالقوة، اخطر الأشياء أن تتصور أن ما لديها يعطيها الحق أن تأمر، ما لديها يعطيها الحق أن تشرح وما لديها يعطيها الحق في أن

تقنع وما لديها يعطيها الحق أن تعرض ولكن لا تملى ليس هذا ببساطة نوع القوة، لما أقول بقى اللي في القاهرة اللي لفت نظري وأنا في مرحلة معينة وأطل على هذا المشهد اللي كان في أميركا على الأفق وأسر مالكة على الأطراف وفي القلب والقاهرة في عاصمة بتلعب دور تعويضي للرابط الجامع المشترك في المنطقة وبتخلق نوع من القوة الناعمة وهذا المشروع للقوى الناعمة دخل بيطالب بالحقوق ودخل بيعلي شأن الفنون ودخل يعلي شأن الشعر، أنا فاكر لما شوقي عملوه أمير شعراء انتخبوه أمير شعراء وجاؤوا بايعوه أمير الشعراء إنه بعض الشعراء في لبنان جم لشاعر لبناني الأستاذ العلاليلي الله يرحمه مات من زمن طويل قوى وقالوا له يا أخي طب أهوه روح ما تعمل زاي شوقي روح شوف عامل إيه فراح جاه العلاليلي جاه في مصر وراح شاف شوقي وشاف المناخ اللي عايش فيه شوقي من أول المجمع اللغوي وراح لمجمع الموسيقى العربية وشوقي كان مهتم بيه وشاف إلى آخره وبعدين رجع ها عملت إيه؟ فقال لهم قصيدة أولها

ولو أني أقمت مقام شوقي لفاض الشعر من تحتي وفوقي

لأنه الراجل كان لاقى أنه المسألة مش مسألة شوقي مش مسألة وبنفس المقدار مش أنور السادات ومش جمال عبد الناصر ومش حسني مبارك ومش الملك فاروق في وضع من أوضاع القوة الناعمة موجود في هذه العاصمة، في هذا البلد كان موجود والتفريط فيه أو الخطأ في حساباته أو تصور أنه موروث وأنه قوة تمارس بالأمر وأنه والله ما تفعله مصر النهارده، بس النهارده هتعمله كل دولة عربية أنا ده بأخاف منه جدا لأن ممكن مصر تعمل اللي هي عايزاه وبعدين أول مرة الناس ممكن تتابعها كيلو، المرة الثانية يتابعوها نصف كيلو والمرة اللي بعدها يتابعوها ربع كيلو وبعدين ينفضوا من حولها لأنهم يدركوا أنه.. أنا النهارده ليس عندها (كلمة غير مفهومة) لأحد، وبأتكلم هنا على ما هو فكري، ما هو معنوي، ما هو سياسي دونما حاجة.. يعني لما أتكلم في حاجة تقولك عايزين نورط مصر بقى في حاجات لا يا سيدي يعني أنا ساعات لما تتكلم في هذا الموضوع يقولك عايزين نورط مصر في حاجات لا يا سيدي والله انا مش عايز أورط مصر، لكن أنا عايز مصر، تدرك قوتها تدرك معنى هذه القوة، تدرك كيفية استخدام هذه القوة وهذه القوة قوة ضخمة جدا وهي اللي لفتت نظري وأنا بأبص في شبابي للقاهرة أقول ليه القاهرة ليه؟ ليه كل النشر موجود في القاهرة؟ ليه كل الجرائد موجودة في القاهرة؟ الصحافة كلها موجودة في القاهرة المسرح موجود في القاهرة؟ ليه التأثير اللي بيتقال في القاهرة؟ ليه الجرائد حتى؟ ليه الإذاعات اللي طالعة من القاهرة؟ بتتكلم لمنطقة ساعة ما حد بيتكلم لنفسه لكي يسمع لنفسه ينتهي أمره، إذا فيه حد أتكلم.. النهارده حتى في الفضائيات ممكن أي دولة عربية تعمل أي فضائية هي عايزها، لكن فضائية في تأثيرها لم تعد تقاس بمن يمولها ولا أي بلد ينطلق منها لكن تقاس أي فضائية بالـ (Audience) بالجمهور الذي يستمع إليها ويستمع إليها طوعا وهذا نوع من أنواع القوة الناعمة، لأنه أنا ما أخشاه هو إنه إذا فقدت القاهرة وهي بتفقد عايز أقول إنه فيه جزء كبير جدا من هذه القوة الناعمة تبدد وتبدد ببساطة وتبدد دون وعي لهذا كله أفقد مصر أشياء كثيرة قوي، في بقايا من القوة الناعمة الغريبة جدا إنه هناك من يستخدم بقايا القوة الناعمة المصرية لأهدافه.... إذا فأنا بأتكلم واحد على دور معين للقاهرة أنا شفته جنب الحاجات الشواهد اللي شفتها على هذه الساحة اللي أطلت عليها بتكلم على أسر لقيتها حاكمة بتكلم على عاصمة أنا لقيتها متميزة لكن عليها أن تعلم لماذا هي متميزة ولا بتعمل أخطأ وهي أخطاء لم نعد نستطيع احتمالها ولابد أن نراجع أنفسنا فيها وتصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة