عام على سقوط كابول   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد صافي

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

14/11/2002

- سقوط كابول وحقيقة المساعدات الدولية لأفغانستان
- أفغانستان والمجازر المتبادلة بين طالبان وقوات التحالف

- حقيقة القضاء على طالبان والوضع الأمني الداخلي

- المطالبة بالحكم الفدرالي والمخاوف من تقسيم أفغانستان

- حقيقة الوجود الأميركي في أفغانستان

محمد صافي: قبل عام خرجت حركة طالبان التي كانت حاكمة في أفغانستان -آنذاك- من العاصمة كابول في خطوة قيل إنها: تراجع تكتيكي، ولكنها انقلبت انهياراً مفاجئاً، بعد أن تسربت معظم بنود الخطة إلى واشنطن عن طريق بعض حلفاء الحركة الإقليميين.

سقوط كابول وحقيقة المساعدات الدولية لأفغانستان

وقرعت قوات التحالف -الذي تقوده الولايات المتحدة- طبول النصر، ووعدت واشنطن الشعب الأفغاني بطي صفحة الماضي المظلم وفتح صفحة ملؤها السعادة، وشعارها: "إعادة إعمار البلاد".

وجاءت حكومة أفغانية تلتها أخرى، وقطعت وعود ووعود، وتنادت دول وهيئات إلى مساعدة هذا الشعب ورفع الغبن عنه، فماذا تحقق من ذلك؟

الإنسان الأفغاني هو هو، لم يتغير وضعه الشيء الكثير، اللاجئون الذين عادوا إلى بلادهم أو كانوا نازحين فيها ما يزال معظمهم يرزح بأثقاله في بلد ارتفعت فيه تكاليف الحياة بشكل مجنون، يطلون عليك مما تبقى من هذه الأنقاض التي رسمت عليها الحرب المتواصلة أخاديد لا تزول.

التمسك حتى آخر لحظة بالحياة أو ما يمتد إليها بأوهى الأسباب، جُدُر مهدمة، ومستقبل لا يختلف كثيراً عن مصير هذه الجدر.

منازل أو أشباه منازل مصنوعة من أكياس النايلون في العاصمة الأفغانية، يريد بها هؤلاء اللاجئون اتقاء برد المدينة الشديد شتاءً وحرها القائظ صيفاً، وليس هناك من شيء آخر غير هذه الأكياس.

بيبي جان تقول إنها لا تملك شيئاً من هذه الدنيا، انظروا إلى هذه الأرضية، إنها تنهار تحت أقدامنا، وما من معين.

الأواني فارغة ولا شيء يسكت جوع البطون.

بيبي جان (لاجئة أفغانية في كابول): لي أخوان، ولكنهما بعيدان عني، أين يمكن أن أذهب بأبنائي الستة ولا معيل لنا؟ زوجي اختفى لأنه لم يستطع تحمل الظروف التي نعيش فيها، وفقد عقله، لم نتلقَ في الشهور الست الأخيرة سوى مساعدة بخمسة دولارات أنفقناها في شراء الدواء، وليس لدينا في معظم الوقت ما نقتات به.

محمد صافي: الأطفال الصغار حديثو الولادة يموتون من الجوع والمرض.

لاجئ أفغاني: نحن مضطرون للبقاء هنا في هذا الشتاء، لقد مات من الجوع ثلاثة أطفال حديثي الولادة، لم يقدم لنا أحد أي مساعدة، ونأكل من بقايا الخضروات التي تباع في الأسواق.

محمد صافي: غربة وجوع ومأساة انتظمت أجيالاً عدة، أين هي أموال المساعدات إذاً التي لم يصل منها غير الفتات للأفغان؟

الأخضر الإبراهيمي (المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأفغانستان): الأموال ليست عندي، أعتقد أننا نقوم بكل ما نستطيع في الحديث إلى الجهات المانحة من أجل ضمان تدفق المساعدات، لكن -للأسف- فموضوع المساعدات هذا موضوع يسير ببطء.

محمد صافي: مئات الملايين من الدولارات تسلمتها الأمم المتحدة والهيئات غير الحكومية من الجهات المانحة، وإن كان الاهتمام الذي حظيت به أفغانستان بعد سقوط طالبان، قد بدأ يتضاءل في ظل بروز بؤر توتر ونقاط اهتمام أخرى على الخريطة الدولية.

حامد كرزاي (الرئيس الأفغاني): تلقينا في الفترة الأخيرة 890 مليون دولار، أنفقت منها 800 مليون عن طريق الأمم المتحدة والهيئات غير الحكومية، ولاشك أن عملاً جيداً قد تم إنجازه، لكن جزءاً كبيراً من هذه الأموال أُنفق في المساعدات الإنسانية وإعادة توطين اللاجئين.

محمد صافي: دار لقمان على حالها، وعجلة الإعمار الذي وُعدت به البلد تمشي بوتيرة السلحفاة.

السكان والمسؤولون هنا يقولون إن الهيئات الإغاثية تنفق ما لا يقل عن نصف الأموال التي تستلمها على الرواتب والبدلات ومصاريف السفر والسيارات والسكنات وما إلى ذلك، والنتيجة إدامة لمعاناة الأفغان الذين ما تزال آثار الحرب أو تبعاتها بادية على مفردات حياتهم اليومية، والزج بمئات الآلاف من العاطلين في خانة البطالة، خصوصاً بعد تخلي عشرات الآلاف عن القتال، وتوجههم إلى الحياة العامة، ومشاكل أخرى تقلق الأفغان.

محمد قرقين (وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأفغاني): حرصنا منذ اليوم الأول لاستلامنا العمل على التحقق من أعداد العاطلين عن العمل والأرامل والأيتام، وأرسلنا أوامر لجميع الأقاليم لمعرفة حقيقة الوضع، ولكن لحد الآن ليس هناك أي أرقام عن ظاهرة البطالة، وهناك مشاكل في عمل معظم الوزارات، حيث إنه كلما عُيِّن وزير يحرص على أن يحضر رفقاءه وأقاربه وأفراد قبيلته، كما كان يحدث في الماضي القريب، حيث كانت الوزارات توزَّع على القبائل، وما يفيد في بناء أفغانستان القوية هو منح المناصب حسب المؤهلات.

محمد صافي: عشرات الآلاف من أطفال أفغانستان اليتامى والفقراء الذين لم يستطع المسؤولون إحصاءهم كبروا قبل أوانهم، وحملوا هم رعاية أسرهم، وحُرموا في المقابل من تحقيق أحلام من هم في مثل سنهم، دون أن توجد خطة جادة لوقف هذا النزيف في مخزون البلد البشري.

هكذا تمضي أيام جان محمد وأشقائه الثلاثة، عمل دؤوب من الصباح إلى الليل، فدخلهم الضئيل هو مصدر الرزق الوحيد لعائلته.

[فاصل إعلاني]

أفغانستان والمجازر المتبادلة بين طالبان وقوات التحالف

محمد صافي: مدينة مزار شريف، عاصمة بلخ المدينة التاريخية العريقة، التي تغنى بها الشعراء وسارت بذكرها الركبان.

هدوء وانسجام وسلام يوحي به مسجدها الذي كان ولا يزال محط الأفئدة.

حمام وحشي أمن في هذه الربوع، وحط رحاله، وهو الذي لا يقر له قرار، خلافاً لكل هذا الهدوء، شهدت صحاريها وبعض الصحارى القريبة منها وتحديداً في دشتي ليلى) في ولاية جونجان المجاورة مجازر رهيبة متبادلة بين طالبان وخصومهم.

مجازر راح ضحيتها المئات بل الآلاف من الأفغان وغير الأفغان، دشتي ليلى أو صحراء مجنون ليلى، عنوان للموت والوحدة والرعب، حاولنا الذهاب إلى المنطقة، ولكننا نُصحنا بعدم الذهاب، وسعى صحفي أفغاني إلى الوصول إليها فتعرض لتعذيب من قوات تابعة لدوستم أقعده في الفراش أسابيع.

أفراد القاعدة وطالبان استسلموا لقوات القائد الأوزبكي عبد الرشيد دوستم خوفاً من حدوث انتقام من قوات الجبهة المتحدة.

الجنرال محمد داوود (القائد العسكري لشمال شرقي أفغانستان): عندما دخلت قواتنا مدينة قندز فر كثير من أفراد قوات طالبان والقاعدة نحو مدينة مزار الشريف خوفاً من جرائمهم السابقة التي ارتكبوها بحق سكان مدينتي قندز وتخار، واستسلم هؤلاء لقوات دوستم وحلفائه، وقد كان الأسرى أكثر من سبعة آلاف شخص.

محمد صافي: من هؤلاء الآلاف السبعة فُقد أثر خمسة آلاف كما صرحت لنا شخصية مطَّلعة في الحكومة الأفغانية رفضت الكشف عن هويتها، ومصطلح مفقودي الأثر -كما تضيف الشخصية -ليس له معنىً آخر -في القاموس الأفغاني- سوى الموت.

[إعادة تمثيل وقائع حسب شهادات]

في مثل هذا الليل يذكر من يقولون إنهم شهود عيان على المجزرة الأخيرة أن مئات من أسرى طالبان والقاعدة جيء بهم من قندز على وجه السرعة إلى هنا.

ولم يكن هؤلاء يعرفون مصيرهم، أو ربما كانوا يعرفون، ولكنهم رضوا بالحلم الجميل ولو لساعات.

ويضيف شهود العيان أن الأسرى وُضعوا في حاويات كبيرة كهذه في برد قارص تشتهر به صحراء دشتي ليلى في مثل هذا الوقت من السنة.

حاول الأسرى بعد ذلك طلب المساعدة، وظلوا لساعات عدة يضربون الأبواب بأيديهم بعد نقص الأوكسجين في الحاوية، ولكن لا من مجيب.

وعندما فتحت الحاويات كان الكثيرون قد فارقوا الحياة، فألقي بهم في شقوق أرضية حُفرت على عجل.

أما من بقي حياًّ فقد أُطلق عليه الرصاص كما يقول الشهود.

وهكذا انتهت المأساة أو خيِّل للناس -على الأقل- أنها انتهت، إلى أن ظهر شاهد من طراز آخر محمد صغير باكستاني، أسرته قوات دوستم مع قافلة الموت، ونقل إلى معتقل جوانتانامو ثم أطلق سراحه بعد عام ليروي جانباً من المأساة المروِّعة.

محمد صغير (أسير باكستاني عائد من جوانتانامو): اُعتقلت من قبل جماعة عبد الرشيد دوستم مع نحو عشرة آخرين، واقتادونا إلى سجن شيبرغان، وكان كل عشرة أشخاص يتقاسمون رغيفاً واحداً من الخبز يومياً، وكان الماء نادراً، كانوا يضعوننا نحن المعتقلين في حاويات مغلقة مما أدى إلى مقتل ستة إلى سبعة آلاف منا بسبب الاختناق والجفاف.

محمد صافي: الجنرال ملك (نائب دوستم السابق وعدوه الحالي)، وأحد المتحالفين مع طالبان قبل أن ينقض عليهم داخل مزار، ويبيد مئات منهم، نفى في حديثه معنا، وهو الأول لوسيلة إعلامية منذ خمس سنوات، نفى أي تورُّط في مذابح ضد طالبان، وطالب بالكشف عن مرتكبي هذه المذابح.

الجنرال ملك (قائد أفغاني سابق): أنا متأسف لما حدث، ولقد سمعت عن الموضوع عن طريق وسائل الإعلام، وأؤيد كلام المبعوث الأممي السيد الأخضر الإبراهيمي في أنه لا توجد لحد الآن ضمانات للشهود، ونأمل أن يكون هناك ضمانات للشهود، كما أؤيد ما ذهب إليه الإبراهيمي في أنه لابد من وجود ضمانات حقيقية للشهود للبت في تحقيقات حول ما حدث.

محمد صافي: وفي الوقت الذي تصاعد فيه الحديث عن مجازر دشتي ليلى التي تعرض لها أسرى طالبان والقاعدة نشط قريباً من مزار شريف الكشف عما يقال إنه مقابر جماعية، دفنت فيها حركة طالبان مناوئين لها بعدما قتلتهم في أوج انتصاراتها، هذه الأماكن يتطوع من يقال إنهم شهود عيان بالحديث عما شاهدوه فيها دون أن يتخوفوا من ملاحقة أحد، فهم يشهدون ضد حركة لم تعد تشكل خطراً، في مقابل خوف لمسناه في عيون كل من تحدثنا إليهم في موضوع ما يُقال إنه قبور دوستم الجماعية، فالكثيرون يريدون الحديث، لكن لا أحد يرغب في رفع صوته أو عرض صورته.

أسماء جهانكير (المكلفة من قبل منظمة الأمم المتحدة بملف القتل الجماعي والإعدامات) زارت منطقة (تاختي بول) التي كشف فيها عما يُعتقد أنه قبور جماعية لمناوئي الحركة الحاكمة سابقاً.

أسماء تقول: إنه لا داعي لها لزيارة داشتي ليلى، لأنها تعرفها وتعرف ما حدث فيها تماماً، ولكنها تطالب بتحقيق يعيد للحق نصابه.

أسماء جهانكير (المفوضية الأممية بملف القتل الجماعي والإعدامات): أعتقد أنه من الضروري لبلد مثل أفغانستان أن تكسر هذه الحلقة الرهيبة، وإذا لم تكن هناك محاسبة فإننا سنصل إلى طريق مسدود، ولن يحدث أي تقدم، الناس هنا يشعرون أن حريتهم في التحدث عما جرى محدودة، وذلك بسبب فقدان الأمن.

الأخضر الإبراهيمي: سأحكي لكم قصة، سألت أصدقائي في المقاومة التشيلية عام 93 قائلاً: لقد قاتلتم لمدة عشرين سنة، وفي الأخير عقدتم حلفاً مع (بينوشيه)، قالوا: كنا نقاتل من أجل تحقيق السلام والعدالة، وبعد عشرين سنة اكتشفنا أنه يمكننا الحصول على السلام لكن ليس العدالة. لم يكن قراراً سهلاً أن نختار السلام دون العدالة. علينا في الأمم المتحدة مسؤولية معرفة ماذا حدث، لكنني متأكد من أنكم توافقونني الرأي في أن مسؤوليتنا تجاه الأحياء تسبق مسؤوليتنا تجاه الموتى، ولا يمكننا أن نعرض حياة أي أحد من الشهود للخطر.

محمد صافي: وفي شمال كابول يقف من يقولون إنهم كانوا ضحايا هجمات طالبان، التي استهدفت المدنيين وأهلكت الحرث والنسل. سيد محمد يقول: إن جنود طالبان دخلوا القرية، وبدءوا بإحراق البيوت، وقتلوا عدداً من السكان، ولم يتبق من هذه البيوت سوى الحطام والحقد وشعارات تدعو إلى الفخر بسكان الشمال الطاجيك، والموت للشرق الأفغاني الذي يمثل البشتون، كلماتٌ لا تزال محفورة على الجدران، وفي قلوب الناس كذلك.

سيد محمد (شاهد عيان): عندما سيطر أفراد حركة طالبان على قرية (استالف) طردوا السكان، وأحرقوا المسجد والحدائق، والأراضي الزراعية والبيوت، والشيوخ والأطفال الذين لم يتمكنوا من الهرب احترقوا داخل البيوت طالبان لم يكونوا مسلمين، وإنما قاموا باستعمال اسم الإسلام، لن نسامح طالبان، والله لن يسامحهم كذلك، ونطلب من حكومة كرزاي أن تعاقب أفراد الحركة بتقديمهم إلى العدالة.

محمد صافي: ويرى متابعون للوضع في أفغانستان أن البلد قد شهد مذابح عديدة، قامت بها أطراف أفغانية وأجنبية، في زمن الجهاد أو في العقد الأخيرة، ولكن السؤال الأهم هو: هل تعتبر أفغانستان في وضع يسمح بفتح هذه الملفات، والقيام بتحقيقات واسعة ليأخذ من أجرم في حق الشعب والإنسانية جزاءه، أم سيظل من قتل الأبرياء حراً، سواء كان في أسر دولة عظمى، أم يشارك في حكومة تحظى برعاية هذه الدولة، أو لا يزال طليقاً داخل أو خارج أفغانستان؟

الجنرال عتيق الله بريلي (رئيس إعادة بناء الجيش الأفغاني): حدثت في أفغانستان حوادث كثيرة، بدءاً بالاستعمار السوفيتي واستمرار حكم نجيب، وما عمله حكمتيار وما قامت به طالبان، إذا فتحنا كل هذه الملفات فلن نجد من سبيل آخر غير التفكير في المستقبل، فتح هذه الملفات لن يوصل إلى نتيجة.

حقيقة القضاء على طالبان والوضع الأمني الداخلي

محمد صافي: شهدت هذه الجبال، جبال (شاهيكوت) أشرس مواجهة بعد معارك تورا بورا بين قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وأفراد تنظيم القاعدة وطالبان، وتعرضت المنطقة لقصف متواصلٍ مكثف، من أجل اجتثاث أي جذور لهؤلاء المقاتلين، وأعلنت قيادة التحالف أن عمليتها (أناكوندا) قد نجحت، وأن أفعاها العاصرة قد تمكنت من كسر شوكة مقاتلي تنظيم القاعدة وطالبان.

وكانت هذه هي النتيجة، فبعد تسعة شهور من هزيمة طالبان قالت الحكومة الأفغانية إن أفراد طالبان والقاعدة والتابعين لحكمتيار يضربون مجدداً وبقوة. كابول تحيط بها قاعدة (باجرام) الجوية المحصنة التي تضم آلافاً من جنود قوات التحالف الدولي، ويحرس شوارعها خمسة آلاف جندي من قوات حفظ السلام (الإيساف)، ولكنها لا تزال تعيش على هاجس الانفجارات.

الليل في كابول لا يهدأ، وخصوصاً في الفترات التي ترتبط بأحداث متعلقة بطالبان، والوجود الأميركي، والمعارك التي دارت بين الطرفين، قنابل الليل لم تكن في بداية الأمر تستهدف أحداً كما يبدو من أماكن زرعها، وإنما كانت تريد إيصال رسالة، مفادها إننا هنا، مهما كانت الجهة التي كانت تود إرسال هذه الرسالة.

آخر من يصل إلى موقع الحدث في هذه الظروف أفراد قوات حفظ السلام (الإيساف)، آلاف منهم جاءت لمساعدة الأفغان على حفظ الأمن، فأضحت في حاجة إلى مساعدة الأفغان أنفسهم حتى داخل كابول، فهي لم تنتشر في المناطق الأخرى التي ينتظر أن تلاقي فيها صعوبات أكبر وأخطر، هذه القوات تعيش حالة تحفز دائم في بلد يظهر أن كل شيء فيه غريب عنها، أو قد يناصبها العداء، بدءاً بالإنسان، وانتهاءً بالتراب.
الخوف الدائم لا يقتصر على الليل، بل يصاحب هذه القوات في النهار كذلك.

[جندي من الإيساف: لماذا تصوروننا.. هل أنتم من الصحافة؟

محمد صافي: نعم.

الجندي: دعونا نتحدث.

محمد صافي: الحكومة تتهم ثلاثي "القاعدة، طالبان، حكمتيار" بالوقوف وراء هذه الأحداث، وتقول إنهم لا يزالون ينشطون طليقين في البلاد، ويختارون أهدافهم بدقة.

البعض يشير بهمس إلى دور قوات التحالف، التي تريد بقاء جو الشعور باللا أمن مسيطراً على كابول مخططة للبقاء مدة أطول، أما البعض الآخر فإنه يشير إلى نقطة أخطر من ذلك ألا وهو الصراع داخل أجنحة أجهزة الأمن.

حاجي قدير، رجل الشرق البشتوني القوي، وأحد نواب الرئيس كرزاي، قتل في وسط كابول، وفي وضح النهار، وسجلت القضية ضد مجهول، الرئيس كرزاي نفسه تعرض لمحاولة اغتيال في قندهار، نجا منها بأعجوبة، وسجلت القضية ضد طالبان، ويبقى المجهول والثلاثي "القاعدة، طالبان، حكمتيار"، يتحكمان في إيقاع مستقبل البلاد الأمني.

الوضع الأمني الداخلي المتردي يزيده سوءً القتال الذي ينشب بين أطراف أفغانية عدة. قوات تابعة لزعيم الحرب الأفغاني (باتشاخان زدران) المكان الطريق الرابط بين خوست وجارديز، الزمان عام بعد سقوط طالبان وتشكيل حكومة مركزية في كابول. الجميع يرفع نفس العلم ويدَّعي الشرعية، أشخاص من مختلف الأعمار ينتظمهم الولاء للقبيلة فقط، يمتهنون القتال لسبب قد يفهمونه ، وقد لا يفهمونه، أفغان من دولة واحدة يتقاتلون على أرض أو بعض أرض تحت سماء تسيطر عليها طائرات التحالف الأميركي، والهدف هو قطع شرايين الحياة بين خوست وجارديز، ومع اقتراب كل مواجهة يحشد الطرفان قواتهما بترسانة سلاح يجد سبيله إلى البلاد من جميع المداخل.

ساعات طويلة قضيناها في الطريق إلى معاقل الزعيم القبلي (باتشا خان زدران)، الرجل المتمرد على سلطة كابول، والطامع في السيطرة على الولايات الثلاث في الجنوب الشرقي لأفغانستان، خوست، وباكتيا، وباكتيكا. باتشاخان يتحصن في هذه الجبال التي لها منفذ على الحدود مع باكستان، وفي نهاية كل يوم يعود مقاتلو زدران إلى قواعدهم في عرض مستمر للقوة، وداخل مقر إقامته وبين أنصاره يصر زدران الذي لبس لَأْمَةَ الحرب على أنه صاحب حق مهضوم، وأنه سبق لكرزاي ووزير دفاعه فهيم أن وعداه بإيفائه حقه.. الرجل الذي صنعته الدولارات الأميركية لتستفيد منه في محاربة القاعدة وطالبان، وأدى عمله بدقة متناهية تخلت عنه واشنطن بعد أن أصبح يمثل عبئاً، لكون حكومة كابول المركزية لم تعد ترغب في بقائه بنفس قوته السابقة، بل في بقائه أصلاً.

باتشا خان زدران (زعيم أفغاني): لا أدري لماذا يجمع الأميركيون السلاح، ربما عندهم خطة خاصة بهم، ولكن هذا خطأ، وقد بينت لهم ذلك مرات عدة، قلت لهم لقد جئتم من أجل القاعدة، وأنا عدو القاعدة، أستطيع أن أدلكم على أفراد القاعدة.

لقد ساعدت الأميركان كثيراً، ولم يقدموا لي أي مساعدة، لا أدري ماذا يعملون، وأنا مشكلتي تكمن في عدم إعطائي حقي في حكم الولايات الثلاثة، وهو حق تم إعطاؤه لي في اجتماعات (بون).

محمد صافي: خوست ليست النقطة الوحيدة الساخنة، فالغرب الأفغاني يشهد كذلك استحكام عداء بين رجل هيرات القوي الجنرال الطاجيكي إسماعيل خان، والقوات البشتونية المناوئة له، فإسماعيل يجني مبالغ طائلة من الجمارك، وهو ما يثير غضب قادة البشتون في بلد لا يزال الولاء فيه لمن يدفع أكثر.

نقطة الصراع الأخرى الخطيرة هي بين نائب وزير الدفاع الأفغاني الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم، وبين نائبه الطاجيكي في مزار شريف محمد عطا.

هنا في مزار جُمع النقيضان، عطا بتوجهاته الإسلامية، ودوستم بشيوعيته السابقة وحجمه العسكري الكبير حالياً، لكن العارفين بدوستم يقولون إنه رجل أميركا الذي تراهن عليه في المنطقة، وأن واشنطن غضت لذلك الطرف عن ملفه في حقوق الإنسان، فدوستم يوفر إقليمياً منطقة عازلة بين أفغانستان والدول المجاورة، وعلى رأسها أوزبكستان، ومن ثم تركيا تمنع أي تمدد لفكر أصولي من الحدود الأفغانية، وواشنطن تريد كذلك أن تكسر امتداداً إسلامياً استراتيجياً يشمل شمال وغرب أفغانستان، في بدخشان برهان الدين رباني (رئيس حزب الجمعية في أفغانستان) الجنرال محمد داوود في ولايات تخار وقندز وبغلان، والجنرال محمد عطا في مناطق مزار شريف وسمنجان، والجنرال إسماعيل خان في ولايات هيرات وبادغيس وفراه.

بماذا تريد كابول أن تواجه إذن كل هذه المشاكل الأمنية؟ الجيش الأفغاني تشكلت نواته بعد تدريبات مكثفة تلقاها هؤلاء من قبل الأميركان وقوات الإيساف، ولكن هذا الجيش تعترضه مشاكل كثيرة، فلا يزال دون تمويل، والجنود لا يستلمون رواتب لحد الآن، إضافة إلى أن هناك اختلافاً كبيراً بين وزارة الدفاع الأفغانية والجهات المانحة بخصوص عدد أفراد هذا الجيش، مع العلم أن تكوين الجيش قد يستغرق فترة لا تقل عن خمس سنوات، قبل أن يصبح مؤهلاً لحفظ الأمن في البلد، وهو ما يعني بالضرورة بقاء القوات الأجنبية بدعوى حفظ الأمن.

الجنرال عتيق الله بريلي: مر الجيش الأفغاني بمراحل عديدة في العقود الأخيرة، وكوَّن جيشاً عندما كنا في مناطق الشمال، ومثَّل نواة للجيش الأفغاني الحالي. في الماضي نظراً لبعض الظروف كان الجيش يشكل من القرويين، أما في وقتنا الحالي، وبسبب تشكل الحكومة المركزية فإننا شرعنا في تشكيل جيش يضم أفراداً من جميع الأقاليم، وعلينا أن نفكر مستقبلاً في كيفية الاستفادة من المجاهدين القدماء في الجيش.

محمد صافي: هؤلاء المجاهدون القدماء الذين يراد أن يكون لهم موطئ قدم في الجيش الأفغاني يبدو أنهم لن يتمكنوا من ذلك بهذه السهولة، فهناك تقارير متواترة عن ازدياد عدد الجنرالات الشيوعيين السابقين في صفوف الجيش وفي مراكزه العليا، إضافة إلى استئثار بعض العرقيات المحددة بالمراكز المؤثرة في قيادة الجيش.

[الولايات المتحدة الأفغانية]

المطالبة بالحكم الفدرالي والمخاوف من تقسيم أفغانستان

أفغانستان دولة مترامية الأطراف بالنظر إلى عدد السكان، وبتشكلها من عرقيات مختلفة تطرح إشكالية التظلم الدائمة في هذا البلد، الذي حكمه البشتون في الماضي، ولم يكن هناك استثناءٌ سوى في شخص برهان الدين رباني، وصبغة الله مجددي.

لحد الآن ليس هناك إحصاء سكاني محايد، وكل الإحصاءات السابقة تمت في ظل حكومات بشتونية، كان ربما من مصلحتها أن تجعل كفة البشتون ترجح مقابل العرقيات الأخرى. الأطراف في أفغانستان بعيدة عن الخضوع لسلطة الحكومة المركزية في كابول، مما يدفع بالكثير من القيادات وخصوصاً تلك التي تشكل الصف الثاني من مختلف العرقيات إلى السعي لتثبيت مفهوم الفيدرالية، لأن ضعف علاقة المركز بالأطراف وصعوبة الاتصال بين مختلف المدن الأفغانية، والسلطة التي سعى قادة المناطق إلى التمتع بها وممارستها، كل هذا يجعل مفهوم الفيدرالية مطبقاً بحكم الواقع المفروض.

الجنرال محمد عطا (القائد العسكري للشمال الأفغاني): في نظري الحل الوحيد لمشاكل أفغانستان هو الفيدرالية، فعن طريق الفيدرالية نستطيع الوصول إلى المساواة في الحقوق بين جميع الأقليات على المستوى السياسي، ويستطيع الجميع أن يحصلوا على حقوقهم في الأقاليم، وبالإضافة إلى توفير حقوق الأقليات على مستوى الأقاليم فإن الفيدرالية ستخلق جواً من التنافس الإيجابي بينها، ولذا فإننا نرى الفيدرالية الطريق الوحيد الذي نستطيع من خلاله تحقيق حقوق كافة طبقات وأفراد الشعب.

محمد صافي: ولكن بعض الأطراف الفاعلة تُعارض هذا الطرح لأسباب سياسية داخلية، وبدعوى أنه يمهد لانقسام عانت منه البلد كثيراً، مؤكدين على أنه خطوة مبكرة، خوفاً من أن يتحول المطلب إلى تمهيد لتقسيم أفغانستان على أساس عرقي.

اللواء محمد فهيم (وزير الدفاع الأفغاني): النظام الفيدرالي جُرِّب في العالم، وهو مقبول إلى حد ما، أما في أفغانستان التي عانى شعبها من الحروب وتتجه إلى السلام، فهناك ضرورة لوجود حكومة مركزية قوية لتستقر الأمور. أنت تعلم أنه كانت هناك حكومة مؤقتة، والآن أخرى انتقالية، وبالطبع سيكون النظام مركزياً، وعندما تكون هناك انتخابات، وبعد أن يتم تدوين الدستور الأساسي للبلاد يمكن أن تناقش قضية ما إذا كان نظام الحكم سيكون فيدرالياً أم مركزياً.

محمد صافي: ولكن تقسيم أفغانستان على أساس عرقي يبدو صعباً حتى وإن توفرت له الظروف، فالتداخل السكاني بين مختلف العرقيات في الولايات المختلفة يعوَّل عليه في حماية البلد من الانقسام.

حقيقة الوجود الأميركي في أفغانستان

القوات الأميركية تدفع بالمزيد من جنودها إلى القواعد العسكرية التي أنشأتها في كل أطراف أفغانستان تقريباً، هذه القوات ضمنت بقاءها لفترة طويلة، وهي تخطط لإقامة قاعدة عسكرية إقليمية في أفغانستان لمحاربة ما تسميه بالتطرف في المنطقة، ووجودها أصبح مقبولاً على المستوى الرسمي والشعبي علناً على الأقل.

المحك الحقيقي للاستقرار على المدى القصير -على الأقل- هو تدفق المساعدات الأجنبية فالمواطن الأفغاني ملَّ النزاعات، وهو قبل هذا وذاك عدم الاحتكاك بشعب أَنِفَ من الذل وحارب القوات الأجنبية.

سيد أغا يقول إنه وعائلته كانوا نياماً عندما شرعت القوات الأميركية في صب نيران رشاشاتها الثقيلة على البيت، بعد تسرب معلومات من متعاونين معها عن وجود عناصر من القاعدة وطالبان داخل البيت.

(زورمات) قرية صغيرة كان يسكنها القائد الطالباني سيف الرحمن، جاء الأميركان ليلاً بطائرات هليكوبتر كما يقول سكان القرية، لقد أفزعونا وفتَّشوا البيت بطريقة استفزازية.

حاجي عبد الله (شاهد عيان): لقد جاءوا ليلاً وكانوا كثيرين، اعتقلوا ثلاثة أشخاص، بينهم رجلان كبيران في السن لا يعرفان حتى كيفية استعمال السلاح، وأخذوهم ربما إلى قاعدة باجرام، قالوا إنهم جاءوا لمساعدتنا ضد القاعدة وطالبان، ولا يوجد هنا أحد من القاعدة أو طالبان، لا أدري ماذا يحدث.

محمد صافي: هؤلاء الأفغان أطلق سراحهم من معتقل جوانتانامو حين اكتشف بعد سنة من اعتقالهم أنهم لا يشكلون خطراً على المصالح الأميركية، وبينهم من ناهز عمره المائة.

اللاعبون في المسرح السياسي يعلمون أن واشنطن تمسك الآن بمفاتيح اللعبة في أفغانستان، وأنها بصدد إعادة صياغة للوضع في البلد، لذا فإن الانتقاد خفَّت لهجته أو تلاشت، وإن كان الهم الأمني يبرز دائماً كسبب في تبرير القادة الأفغان لبقاء هذه القوات.

اللواء محمد فهيم: لقد تحولت أفغانستان في الماضي القريب إلى قاعدة كبيرة لتجمع الإرهابيين وانطلاق النشاطات الإرهابية ضد الآخرين، ومن أجل القضاء تماماً على أي وجود إرهابي فمن الطبيعي أن تصبح أفغانستان مركزاً لوجود قوات أجنبية لهذا الغرض، ويوجد بالفعل الآن قوات أجنبية.

محمد صافي: على المستوى السياسي والعسكري يُنظر إلى الرئيس حامد كرزاي على أنه حجر الزاوية في المشروع الأميركي في أفغانستان، وأن واشنطن تسعى جاهدة إلى أن يتحول إلى محور سياسي بشتوني قوي، تحرسه قوة عسكرية بشتونية، تتمثل في نجم بدأ في البروز وهو حاكم قندهار (جول أغاشير زي) وذلك في محاولة للوقوف في وجه الوجود البشيري في هرم السلطة.

والخلاف بين كرزاي ووزير دفاعه فهيم خرج إلى العلن، وإن حاول الكثيرون إخفاءه.

هذه المناسبات وغيرها تظهر الناس وهم في وئام، ولكن الصور كثيراً ما تخدع، وتبقى أفغانستان على موعد مع الكثير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة