حصاد العام الأوروبي   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أحمد كامل

تاريخ الحلقة:

05/01/2004

- الدول الشرقية تقسم الاتحاد الأوروبي
- الناتو ما يزال تحت السيطرة الأميركية

- البلقان لم تصل بعد إلى الاستقرار الكامل

- بلجيكا تتراجع عن محاكمة شارون

- استطلاعات الرأي عكست ضيق الأوروبيين بإسرائيل وأميركا

- كشف حقيقة الشراكة الأوروبية المتوسطية

- فرنسا أعلنت الحرب على الحجاب

- النرويج أفضل دولة في التنمية البشرية

أحمد كامل: أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا، نَستَرْجع فيها أحداث العام الأوروبي. في هذه الحلقة:

- حصاد العام الأوروبي يَطبعهُ دخول دول شرق أوروبا الساحة السياسية الأوروبية وانحيازُها المطلق إلى واشنطن.

- الناتو يخرج من دوره كمدافع عن أوروبا ليحمل مصالح الأميركية الغربية في كل أنحاء العالم.

- نهاية يوغوسلافيا ووفاة الأب الروحي للبوسنة، ومقتل رئيس وزراء صربيا في سنةٍ بلقانيةٍ حافلة.

- الضغط الأميركي الإسرائيلي وخُذلان دول العالم، يُسقط لواء العدالة الدولية من يد بلجيكا.

- عداء شعبي أوروبي لا سابق له لأميركا وإسرائيل.

- تراجُع آمال الرفاهة والديمقراطية والسلام المعلَّقة على الشراكة الأوروبية المتوسطية.

- فرنسا تخسر في قضية الحجاب الإسلامي ما ربحته من تعاطف لمقاومتها الهيمنة الأميركية.

- دول أوروبا تحافظ على أعلى مستويات الرفاه الاجتماعي، والنرويج الأولى عالمياً.

الدول الشرقية تقسم الاتحاد الأوروبي

أحمد كامل: دخول الدول الشرقية الساحة السياسية الأوروبية وانحيازُها المُطلق إلى جانب واشنطن وإفشالُها مشروع الدستور الأوروبي، تلك هي أهم معالم السنة الأوروبية المنصرمة.

المعلق: بالانقسام على قضية خارجية، هي الحرب على العراق، بدأ الاتحاد الأوروبي عام 2003 وبالانقسام على قضية داخلية هي الدستور الأوروبي ختم الاتحاد واحداً من أصعب أعوامه، ففي عام 2003 دخلت المسرح السياسي الأوروبي دول شرق أوروبا أو أوروبا الجديدة فأحدثت فيه انقساماً عميقاً بمواقفها المؤيدة للولايات المتحدة دون تحفظ وأحياناً دون أي ثمن اقتصادي أو سياسي، إلى هذه الدول انضمت حكومات يمينية شعبوية هي حكومة برلسكوني في إيطاليا وحكومة أزنار في أسبانيا وسُمي المجموع أوروبا الأميركية تمييزاً لها عن الدول المتمسكة باستقلال القارة العجوز عن الحليف الأطلسي وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وبلجيكا ومن خلفها روسيا، كِلا المعسكرين يبدو مُصراً على الذهاب حتى النهاية في مواقفه، فالمتأمركون الأوروبيون أضعفوا المعارضة الأوروبية للحرب على العراق ومنعوا تبني أول دستور أوروبي فيدرالي، أما أوروبا القديمة فأشهرت كل أسلحتها، وضعت أسس دفاع أوروبي مستقل عن حلف الناتو ونادت بالعودة إلى التجمع المؤسس للاتحاد الأوروبي وهددت بوقف ضخ الأموال إلى الدول الأفقر وهي بالضبط دول المعسكر الأميركي، السلاح الاقتصادي يبدو الأكثر حضاً في توحيد القارة وإعادة الرشد إلى المتهالكين على واشنطن من أبنائها، فدول أوروبا الجديدة فقيرة وتحتاج لمساعدات أوروبا العجوز والعم سام يمنح حلفاءه حقول موت في العراق وأفغانستان لإدارتها ومقاعد مُكلِفةً في حلف الناتو لكنه لا يمنح شيئاً بخزائنها الفارغة وطموحات شعوبها الكبيرة، الصعود الخيالي للعملة الأوروبية الموحدة تجاه الدولار زاد الضغط الاقتصادي على دول شرق أوروبا وزاد تشوقها لدخول نادي اليورو وبالتالي زاد قوة معسكر السلام الأوروبي القوي اقتصادياً وشعبيا،ً وبانتظار حسم قد يتأخر سيَذكُر الأوروبيون طويلاً عام 2003 بأنه العام الذي شهد أكبر مظاهرات مناهضة للحرب وأسوأ رئاسة للاتحاد الأوروبي هي رئاسة إيطاليا برلسكوني ومقتل وزيرة الخارجية السويدية أنا ليند بسبب دعمها لليورو ربما، وموت ألوف كبار السن بسبب الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة، لقد كان عاماً أوروبياً ساخناً حقاً.

الناتو ما يزال تحت السيطرة الأميركية

أحمد كامل: في عام 2003 بدأ حلف الناتو التطبيق العملي لعقيدته الجديدة، التحرك في كل أنحاء العالم لحماية مصالح أميركا أولاً وأوروبا ثانياً، عقيدة تحمل في طياتها مخاطر تهديد التحالف بين ضفتي الأطلسي.

جورج روبرتسون الأمين العام السابق لحلف الناتو
المعلق: أكثر من لحظة تاريخية عاشها حلف شمالي الأطلسي الناتو عام 2003 أولها كان صعباً جداً حين هددت ثلاث دول هي ألمانيا وفرنسا وبلجيكا باستخدام حق النقد الفيتو ضد قرار رمزي يتعهد بتقديم الدعم العسكري لتركيا إن تعرضت لخطر جراء تداعيات للحرب على العراق، لم يكن الفيتو ضد الناتو ولا ضد تركيا لكنه كان تعبيراً عن رفض الدول الثلاث استخدام الناتو لتوريطها في حرب تراها حرب واشنطن الخاصة، الفيتو كان تحذيراً حاداً للإدارة الأميركية من أن تنفيذ عقيدة الناتو الجديدة يحمل مخاطر كبرى على وحدة الحلف الأطلسي، العقيدة الجديدة التي تم تبنيها بعد جدل طويل تنص على إطلاق الناتو من القيد الجغرافي الأوروبي وتوجيهه للعمل في أي مكان من العالم لخدمة مصالح دوله نظرياً سيده الأميركي عملياً، عام 2003 شهد التنفيذ العملي لهذه العقيدة في أفغانستان حيث استلم الحلف قيادة القوات الدولية في العاصمة كابل، ولم ينقضي العام حتى تقرر توسيع مهمة الناتو إلى خارج العاصمة الأفغانية، وإذا كان الإجماع الأوروبي الأميركي على التصدي لما يسمى بالإرهاب الدولي قد سَهَل عملية الناتو في أفغانستان فإن مجرد الحديث عن دور للحلف في المستنقع العراقي قد جدد المخاوف الأوروبية من تحويل الناتو إلى عصاً دولية غليظة لحماية المصالح الأميركية، ورغم إطلاقه ذراعاً عالمية مرنة هي قوة التدخل السريع المؤلفة من عشرين ألف رجل إلا أن الحلف الأطلسي شهد عام 2003 ولادة أول منافس له منذ تأسيسه قبل أكثر من خمسين عاماً، فقد وضع الاتحاد الأوروبي نواة قوة أوروبية وخلية تخطيط عسكري مستقل عن الناتو الأمر الذي أزعج الولايات المتحدة رغم كل تطمينات بريطانيا لها بأن الوليد الأوروبي لن يأخذ مكان الحلف الهَرِم، الكثير قيل عام 2003 عن عزم الولايات المتحدة على التعامل مع العالم العربي عبر الناتو وفِعل واحد على الأقل أكد هذا التوجه، فقد رفع الحلف مستوى علاقته مع الدول العربية المتوسطية إلى مستوى الشراكة بعد أن اقتصرت على الحوار لسنوات طويلة، أخيراً شهد الناتو تغييراً روتينياً في شخص أمينه العام فغادر البريطاني المقرب من واشنطن جورج روبرتسون ليترك مكانه إلى الهولندي ياب دي هوب شيفر.

البلقان لم تصل بعد إلى الاستقرار الكامل

أحمد كامل: نهاية يوغوسلافيا و وفاة الأب الروحي للبوسنة واغتيال رئيس وزراء صربيا، تلك هي بعض أحداث البلقان عام 2003 التي يطلعنا عليها سمير حسن.

تشيع جثمان الرئيس البوسني السابق علي عزت
سمير حسن: ربما تكون بلغراد العاصمة الأهم في البلقان عام 2003، فقد شهدت زوال اسم يوغوسلافيا من الخريطة بعد ضغط أوروبي للإعلان عن اتحاد يضم صربيا والجبل الأسود كان بمثابة دعم أوروبي للإصلاحيين في بلغراد، لكن الإصلاح السياسي والتعاون مع محكمة جرائم الحرب الدولية تسبب في اغتيال رئيس الوزراء زوران جينجيتش ولم يكد عام 2003 يقارب على الانتهاء حتى تم القبض على القتلة ومحاكمتهم، صربيا عاشت بعد ذلك أزمة سياسية حقيقية ليست بسبب فشل ثلاث محاولات لانتخاب رئيس للبلاد بقدر ما كانت بسبب تقدم الراديكاليين القوميين في أخر محاولة للانتخابات الرئاسية ثم حصولهم على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية مما جعل الاتحاد الأوروبي يحذر من إمكانية فرض حظر على صربيا إذا شكل الراديكاليون الحكومة، الراديكاليون بدورهم لم يخفوا عزمهم على تحقيق حلم صربيا الكبرى بل وتوعدوا بتنحية سفيتوزار ماروفيتش رئيس اتحاد صربيا والجبل الأسود من منصبه بسبب اعتذاره للبوسنة عما ارتكبه الصرب في الحرب. البوسنة تستقبل عاماً جديداً في كنف المندوب السامي الدولي بعد أن ودعت أول رئيس قادها إلى الاستقلال عن يوغوسلافيا ودافع عنها في الحرب والسلم، لكن وفاته تركت فراغاً في قيادة مسلمي البوسنة، دَفْن ما يقرب من ألف جثة من أهالي سربرنيتسا الذين عثر عليهم في مقابر جماعية كان ألماً بقدر ما كان أملاً تحقق بعد ثماني سنوات من سقوط سربرنيتسا، حيث عرف الأهالي مصير ألف من سبعة آلاف مفقود، وبنيت مقبرة لتخليد ذكرى ضحايا سربرنيتسا، لكن ذلك لم يشفي غليل ذوي الضحايا طالما ظل أكبر المتهمين بجرائم الحرب أحراراً. عام رابع مر وكوسوفا يبحث عن مصيره فلا هو استقل ولا هو استقر والألبان مازالوا يرفضون خوض محادثات سياسية مع الصرب بشأن مستقبل الإقليم، نفس الشيء بالنسبة للجبل الأسود التي تتطلع بفارغ الصبر إلى إنهاء زواج المصلحة الذي أُكرِهت عليه مع صربيا على أمل أن يغير الاتحاد الأوروبي موقفه من استقلالها بعد عام 2005. كرواتيا ستَذكُر جيداً عام 2003 لأنها تقدمت فيه بطلب عضوية الاتحاد الأوروبي وعاد اليمين بزعامة الاتحاد الديمقراطي الكرواتي إلى سُدة الحكم في الانتخابات البرلمانية الطارئة. سلوفينيا هي الوحيدة التي تستقبل 2004 بآفاق رحبة وآمال واسعة حيث ستصبح عضواً جديداً في الاتحاد الأوروبي.

بلجيكا تتراجع عن محاكمة شارون

أحمد كامل: بعد مغامرة جريئة أخافت كبار المجرمين السياسيين في العالم تراجعت بلجيكا عن قانونها الشهير بعد أن وصل الأمر إلى حد المواجهة مع واشنطن واللوبي المؤيد لإسرائيل.

بلجيكا لن تصبح قاضيا للعالم
المعلق: لبلجيكا شرف المحاولة دون جميع دول العالم وشرف مقاومة الضغوط لعشر سنوات ولضحايا الإبادة وجرائم الحرب الله وحده، فقد سد البرلمان البلجيكي الجديد النافذة التي تطلع إليها مظلمو العالم وعَدَل في أولى جلساته قانون الاختصاص العالمي ليصبح بدون اختصاص عالمي، النتيجة لم تكن مفاجئة بل كانت حتمية بنظر العارفين بظاهر وباطن موازين القوة في عالم اليوم، القانون البلجيكي الذي التف حوله أنصار الحق والعدل في كل دول العالم واجه قوىٍ عاتية، إسرائيل واللوبي المؤيد لها ثم الولايات المتحدة وخذلته جميع دول العالم فلم تتبع بلجيكا في طلائعيتها أي دولة كبيرة كانت أم صغيرة رغم مرور سنوات على المغامرة البلجيكية الرائدة، المنظمات الحقوقية عبرت عن أسفها وإحباطها لإفراغ القانون البلجيكي من مضمونه وتغلب الضغوط السياسية على العدالة.

مونسيرات كاريراس منظمة العفو الدولية: لقد خاب أملنا لأن إلغاء هذا القانون المسمى بالاختصاص العالمي يوجه رسالة سلبية إلى الضحايا بينما قد يبدو كرسالة إيجابية للطغاة، يأتي هذا الإلغاء نتيجة ضغط الولايات المتحدة وحكومتها وهذا لا شك فيه ويجب قوله بقوة.

المعلق: إسرائيل التي احتل مسؤولوها المدنيون والعسكريون المرتبة الأولى في لائحة المتهمين بكبائر الجرائم كانت أسعد دول العالم بالتخلص من كابوس أرَقَها وفضح الكثير من الصفحات السوداء في تاريخها، القانون البلجيكي لم يُقتَل تماماً ولم يرح الأميركين والإسرائيليين تماماً، فإذا كان تنازل عن حق ملاحقة الجرائم المرتكبة بحق الأجانب فإنه لم يتنازل عن حق ملاحقة الجرائم المرتكبة بحق المواطنين البلجيك ومن بين هؤلاء ألوف تعود أصلوهم إلى مناطق كانت ولا زالت مسرحاً لانتهاكات خطيرة من جانب أكثر من دولة.

أحمد كامل: نواصل جولتنا الأوروبية بعد فاصل قصير، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد كامل: شاهد عام 2003 توجهاً شعبياً كاسحاً مناهضاً لسياسات الولايات المتحدة وآخر يَعتَبِر إسرائيل الخطر الأول على السلام في العالم.

استطلاعات الرأي عكست ضيق الأوروبيين بإسرائيل وأميركا

الاتحاد الأوروبي يتنصل من استطلاع أوروبي
المعلق: استطلاعات الرأي أحد العناصر الرئيسية في الحياة الديمقراطية كانت الحدث الأوروبي الرئيسي في أكثر من مرة عام 2003، عدد كبير من هذه الاستطلاعات أكد أن الأوروبيين في كل أنحاء القارة كانوا ضد الحرب على العراق وأن غالبيتهم الساحقة تعارض سياسات الإدارة الأميركية إلى درجة اعتبارها خطراً رئيسياً على السلام العالمي وتهديداً للبيئة وبالتالي الحياة على الأرض، الاستطلاعات جميعاً أكدت حصول تحول جذري في الرأي العام الأوروبي انتقل من اعتبار واشنطن الحليف الوثيق إلى اعتبارها خصماً لا يُؤتمَن جانبه، أما الأسباب فكثيرة على رأسها النزعة الاستعلائية العسكرية الاستفرادية الأميركية، رفض واشنطن تصديق معاهدة كيوتو لحماية البيئة، محاربتها لمحكمة الجنايات الدولية وعملها على تمزيق وحدة الصف الأوروبي وأخيراً حربها على العراق. استطلاع نظمته المفوضية الأوروبية كان له وقْعُ الصاعقة على إسرائيل واللوبي القوي المؤيد لها في أوروبا، نتائج الاستطلاع أظهرت أن غالبية الأوروبيين ترى أن إسرائيل هي الخطر الأول على السلام في العالم تليها الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وإيران، وفي سابقة غريبة أدانت الرئاسة الإيطالية للاتحاد الأوروبي الاستطلاع وحاولت المفوضية الأوروبية تلطيف نتائجه والتملص منه، وسعت إسرائيل لاستغلاله لإلصاق تهمة العداء للسامية بالأوروبيين والحصول على ثمن سياسي مقابل غفران هذه الخطيئة الاستطلاعية ثم سعت لتحميل المهاجرين المسلمين وزر عداء الأوروبيين للسامية أو اليهود، لكن أياً من هذه الجهود المحمومة لم يغير من واقع الأمر شيئاً، غالبية الأوروبيين تدرك أكثر فأكثر حقائق الصراع العربي الإسرائيلي والفضل في ذلك يعود إلى الصورة المتلفزة، استطلاع أخير أثار غضب إسرائيل ومؤيديها أُجرِي في ألمانيا وأظهر أن 70 بالمائة من الألمان سئموا معاملتهم على أنهم مذنبون بحق اليهود وعليهم التكفير عن ذنبهم جيلاً بعد جيل.

أحمد كامل: عام 2003 كان أخر أعوام الشراكة الأوروبية المتوسطية قبل توسيع الاتحاد الأوروبي نحو الشرق والجنوب توسيع قد يغير الكثير من قواعد تلك الشراكة.

كشف حقيقة الشراكة الأوروبية المتوسطية

الشراكة الأوروبية المتوسطية على مفترق طرق
المعلق: سجلت الشراكة الأوروبية المتوسطية التي نشأت في برشلونة عام 1995 نقطة تحول في مسيرتها فعام 2003 هو الأخير قبل توسيع الاتحاد الأوروبي ليضم عشر دول من شرق وجنوب أوروبا في الأول من مايو - أيار المقبل، التوسيع يغير هيكل الشراكة وموازين علاقاتها الداخلية فالتوسيع المقبل وما سيليه من عمليات توسيع ستُدخِل جميع دول المتوسط غير العربية إلى الاتحاد الأوروبي وستتحول الشراكة الأوروبية المتوسطية إلى مثلث عربي إسرائيلي أوروبي وبذلك تتحقق نبوءة البعض بأن الشراكة لم تكن إلا حصانة طروادة أحد أهدافه تقديم غطاء لدمج إسرائيل في محيطها العربي، قرارات اجتماع الشراكة الأخير في نابولي أكدت هذا الانطباع فقد تقرر إنشاء برلمان أو جمعية برلمانية أوروبية متوسطية نصف أعضائها أوروبيون والنصف الآخر عرب وإسرائيليون، تخوف آخر رافق قيام مسيرة برشلونة هو الاختلال الكبير بين طرفي الشراكة على المستوى الاقتصادي، هذا التخوف قد يصبح حقيقة بعد توسيع الاتحاد الأوروبي فالاتحاد الذي لم يكن كريماً في مساعدة دول الضفة الجنوبية للمتوسطي سيكون أقل كرماً بانشغاله برَفعِ مستوى الدول العشر المنضمة إليه.

أحمد كامل: أن تلقي فرنسا بكل ثقلها ضد حجاب الفتيات المسلمات فتلك علامة بارزة في تاريخ المهاجرين المسلمين في أوروبا سترتبط بعام 2003.

فرنسا أعلنت الحرب على الحجاب

مسلمات في فرنسا
المعلق: عام 2003 كان عاماً حافلاً بالأحداث لسبعة عشر مليون مهاجر ومسلم في أوروبا، أهم هذه الأحداث كان استمرار مفاعيل حدث وقع قبل عامين هو هجمات الحادي عشر من أيلول - سبتمبر فتواصلت سياسات الحد من الهجرة واللجوء، سواءً ما كان منها شرعياً أو غير شرعي، وتواصلت روح التوجس والحذر لدى المواطنين الأوروبيين تجاه الجاليات العربية والمسلمة، ولم يتوقف وضع السلطات الأوروبية لهذه الجاليات تحت مجهر الرقابة والشك والإجراءات الاستثنائية، لكن عرب أوروبا ومسلميها شعروا بالكثير من الدفء عندما أحاط بهم ملايين الأوروبيين وهم يتظاهرون ضد غزو واحتلال العراق في مشهد توحد نادر سيبقى خالداً طويلاً في ذاكرة أجيال من الأوروبيين والمهاجرين معا،ً وفي حين عم إحساس المرارة جميع المهاجرين لسقوط بغداد المذل والسريع تحت جنازير الدبابات الأميركية لم يُخفِ كثير منهم ارتياحهم لسقوط نظام استُخدِمَت تصرفاته طوال ثلاثة عقود في تعزيز الصورة النمطية السلبية عن العرب والمسلمين، وفي عام 2003 دُفِعَت مسألة الحجاب إلى واجهة الأحداث السياسية والإعلامية في فرنسا وأُقنِع خمسة وسبعون بالمئة من الفرنسيين بأن الحجاب شر وخطر وعدوان يجب أن يُواجَه، وبعد تسخين وإعداد إعلامي وثقافي وسياسي لا سابق له انضم الرئيس الفرنسي إلى معسكر مؤيدي حظر الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة ودعا إلى إصدار قانون بهذا الشأن لتصبح فرنسا مهد الحريات وحقوق الإنسان أول دولة أوروبية تُنَاصِر بقانون الديانة العلمانية على الديانات الأخرى، وفي عام واحد تحولت النظرة إلى فرنسا في العالمين العربي والإسلامي من أقصى الإيجابية على خلفية تزعمها المعسكر المعارض لواشنطن إلى أقصى السلبية على خلفية موقفها المتزمت من الحجاب الإسلامي، قضية الحجاب تحولت إلى نقطة استقطاب في فرنسا وأوروبا فكثير من دول أوروبا تريد تقليد النموذج الفرنسي إن نجح وبعضها تريد الذهاب أبعد منه لكنها تنتظر التأكد من محدودية ردود الفعل.

أحمد كامل: قبل خمسمائة عام توقف الأذان في مدينة غرناطة وفي عام 2003 عاد الأذان إلى عاصمة الأندلس، نستعيد هذا الحدث الرمزي باستعادة تقرير للزميل تيسير علوني.

تيسير علوني: خمسة قرون مرت منذ أن أُخمِد صوت أخر مؤذن في غرناطة ولعل جدران قصر الحمراء وبيوت حي البيازين التاريخي التي بُنِيَت على إيقاع هذا الصوت انتبهت وتساءلت، لماذا ذهبوا؟ وكيف عادوا؟

ضيفة: بعد غياب خمسمائة سنة على الحضور الإسلامي من مدينة غرناطة، يعني العودة كانت بطريقة سلمية بطريقة تُتيح الفرصة لجميع المسلمين إنهم يمارسوا دينهم.

تيسير علوني: مخاض طويل سبق ولادة هذا المسجد من خلال جهود دؤوبة بذلتها الجالية المسلمة في أسبانيا وهي خليط من المسلمين العرب والأسبان من أجل تذليل الصعوبات التي اعترضت بناء المسجد لأكثر من عشرين عاماً، وأخيراً توجت جهودهم بهذا الحفل الذي أَرَخ لافتتاح المسجد وحضره عدد من سفراء الدول الإسلامية وبعض من ساهموا في تمويل عملية البناء.

عبد الحسيب كاستانيرا مدير مسجد غرناطة: وأخص بذكره .. وأخص بذكر سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي له الفضل الأكبر بعد الله تعالى في إتمام العمل في هذا الصرح.

حديث هذا المسلم الأسباني باللغة العربية قَابَلَه حديث لمسلم عربي باللغة الأسبانية ولعل في ذلك رسالة إلى المجتمع الأسباني مفادُها أن الإسلام كان جسراً لتعايش الثقافات على هذه الأرض طيلة ثمانية قرون.

خالد بن سلطان القاسمي نجل حاكم الشارقة: أريد أن أقول للجميع في وقت يكثر فيه الحديث عن صراع الحضارات والأديان أن افتتاح مسجد غرناطة هو دعوة للتسامح وأن انطلاق الأذان سيكون إيذاناً بعودة الأخوة إلى علاقاتنا.

المعلق: مدينة غرناطة كانت يوماً ما نقطة احتكاك بين الإسلام والمسيحية، هذه الخصوصية التاريخية فرضت نفسها وجعلت من المسجد مسار جدل قاد إلى اعتباره دليلاً على رغبة السلطات والأهالي في التسامح والتعايش بين الثقافات، بينما يقول المسلمون الأسبان إنه حق دستوري بغض النظر عن رغبتنا الصادقة في التعايش، وعلى أية حال انتهى الجدل بقبول حَسَنٍ للمسجد من جميع المعنيين وكانت مناسبة تَنفَس من خلالها تاريخ غرناطة الذي تؤكده ملامحها الواضحة في المكان وفي الإنسان.

النرويج أفضل دولة في التنمية البشرية

أحمد كامل: سنة بعد أخرى تحافظ الدول الأوروبية على أعلى مستويات الرَفَاه الاجتماعي ومرة أخرى تحتل النرويج المرتبة الأولى بين دول العالم في التنمية البشرية.

راغنهيلد إيمرسلون المتحدثة باسم برنامج الأمم المتحدة للتنمية
المعلق: تُصنِف الأمم المتحدة النرويج كأفضل دول العالم في التنمية البشرية أو التقدم الحضاري لأنها تحتل مراتب متقدمة في كل المعايير الموضوعة للتقييم، نسبة الأمية في النرويج صفر بالمئة منذ عشرات السنين لكل الأعمار والفئات الاجتماعية، فالتعليم إلزامي ومجاني كلياً حتى المرحلة الجامعية، والكتاب واحد من السلع والخدمات القليلة جداً المعفية من عبء الضرائب الثقيل.

داغ إريكسون مدير مدرسة بالنرويج: يخضع جميع الطلاب في النرويج للتعليم الإلزامي لمدة عشر سنوات من سن الخامسة إلى الخامسة عشرة بعد ذلك لا يكون التعليم إلزامياً لكنه يظل مجانياً.

المعلق: بالنسبة للخدمات الصحية فإن العلاج مجاني والدواء شبه مجاني للجميع، رعاية الطفولة تامة ولا يمكن التصور أن تكون أفضل مما هي عليه الآن، ومتوسط العمر يتجاوز الثامنة والسبعين عاماً.

مشرفة صحية نرويجية: نظام الرعاية الصحي بشكل رئيسي هو نظام ممول من الدولة أو الهيئات البلدية، وهناك القليل من الرعاية الخاصة في النظام الصحي النرويجي، الجانب الأكبر من تكاليف المستشفيات تدفعها الدولة من الضرائب، والضرائب عالية في النرويج لكن الناس يدفعون عندما يزورون طبيباً خاصاً إلا إذا تعلق الأمر بالأطفال دون السابعة عندها يكون علاجهم مجانياً كلياً.

المعلق: وإلى جانب التعليم والصحة ومتوسط العمر يشكل متوسط الدخل معياراً آخر من معايير التنمية البشرية وليس المقصود هنا مقدار غنى الدولة بقدر ما هو أسلوب توزيع الثروة بين المواطنين، فهناك دول أغنى من النرويج لكنها تتخلف عنها في التصنيف.

راغنهيلد إيمرسلون المتحدثة باسم برنامج الأمم المتحدة للتنمية: السياسات الاجتماعية التي تبنتها الحكومات النرويجية تقوم على أساس إعطاء الأولية لتوزيع الثروة ومجانية التعليم وتأمين الرعاية الصحية للجميع، هذه العناصر الثلاثة أكثر أهمية من المستوى الاقتصادي للبلاد.

المعلق: وكما تحتل النرويج المرتبة الأولى في التنمية البشرية في العالم تحتل أيضا المرتبة الأولى في مجال مشاركة المرأة في المجتمع بكل أشكال المشاركة وخاصة منها السياسي، فأكثر من ثلث أعضاء البرلمان نساء وأربعون بالمئة من الوزراء نساء بالضرورة، وتشارك المرأة بقوة في كل نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أحمد كامل: نتواصل معكم عبر عنواننا الإلكتروني europe@aljazeera.net أو على رقم الفاكس المبين على الشاشة 0032 22 308610، انتهى لقاؤنا معكم لهذا الأسبوع، إلى اللقاء في الأسبوع المقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة