سحب مشروع القرار الأميركي الداعم لنتائج أنابوليس   
الخميس 1429/2/1 هـ - الموافق 7/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:15 (مكة المكرمة)، 12:15 (غرينتش)

- أسباب ودلالات سحب مشروع القرار
- أثر هذه الخطوة على اتفاقات مؤتمر أنابوليس


ليلى الشيخلي: حياكم الله. نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء تراجع الولايات المتحدة الأمريكية، تحت ضغط إسرائيلي وخلال 24 ساعة فقط، عن مشروع قرار كانت قد تقدمت به إلى مجلس الأمن، ينص على دعم نتائج مشروع أنابوليس. نطرح في الحلقة تساؤلين، لماذا اضطرت واشنطن للتراجع عن موقفها وتحمّل كل الحرج الدبلوماسي المترتب على مثل هذه الخطوة؟ وماهي دلالات سحب مشروع القرار الأمريكي، لجهة موقف واشنطن، مما تم الاتفاق عليه في مؤتمر أنابوليس؟... طوعاً تقدمت واشنطن بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى تبني مقررات مؤتمر أنابوليس يوم الخميس الماضي، وقبل أن يبت المجلس في مشروع القرار سحبت واشنطن مشروع قرارها، بحجة أنها استدركت أن نتائج مؤتمر أنابوليس الايجابية تتحدث عن نفسها وليست بحاجة لقرار. بيد أن قراءة خلفيات تقديم القرار وسحبه توضح أن الأمر في الواقع أكثر بكثير من مجرد استدراك.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: نتائج أنابوليس الإيجابية تتحدث عن نفسها، هكذا ترى وزيرة الخارجية الأمريكية. ولعله قد غاب عنها أن النتائج ليست وحدها من يتحدث عن المؤتمر الأمريكي، بل إن طرح الولايات المتحدة مشروع قرار لتفعيل مقررات أنابوليس ثم سحبه بعد ساعات، يتحدث أيضاً عن نتائج المؤتمر الأمريكي. وبينما سبب سحب مشروع القرار إرباكاًً داخل مجلس الأمن الدولي، مثيراً الأسئلة، اكتفى سفير الولايات المتحدة في المجلس، بالقول، إن المشاورات المكثفة قادت إلى الاستنتاج بأن هناك تحفظات على المشروع. ولكن تحفظات من قِبل مَن؟ فالرئيس الفلسطيني قال من تونس، إن مشروع القرار الأمريكي يظهر، من وجهة نظره، مدى جدية واشنطن في التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط. إذاً هي إسرائيل مَن تتحفظ على المشروع، فنائب المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة قال، أنه لايعتقد أن مشروع القرار هو الوسيلة المثلى لدعم مقررات أنابوليس، مضيفاً أن الولايات المتحدة لم تستشر إسرائيل بشأن مشروع القرار. إسرائيل لم توضح تحفظاتها، إلا أنه قد لايصعب استنتاجها من خلال نص المشروع الأمريكي إذ يدعو، إلى جانب تفعيل مقررات أنابوليس، جميع الدول إلى العمل على تحقيق هذه المقررات، ومساعدة الاقتصاد الفلسطيني لانتشاله من أزمته. ولكن ماهي مقررات أنابوليس؟ هي مفاوضات فلسطينية إسرائيلية متوقعة، يُفترض أن تبحث القضايا الأساسية محل النزاع، على مدى عام، بما يفرضه ذلك من بحث خارطة طريق، ماتت منذ ولادتها وتحتاج إلى إحياء، ومايتضمنه إحياء خارطة الطريق من التزامات وجداول زمنية، لاتخدم موقف الاحتلال الإسرائيلي. ووسط الجدل الدائر بسبب التراجع الأمريكي عما قد يُعتبر دعماً لم يُسمى عملية السلام في الشرق الأوسط، قد لايضيف سحب الولايات المتحدة مشروع القرار جديداً، أو يغير من واقع، فالراعي الأمريكي ومنذ بداية المؤتمر، أكد أنه سيدعم المفاوضات المرتقبة، غير أنه في الوقت ذاته لم يعد يفرض الحلول.


[نهاية التقرير المسجل]

أسباب ودلالات سحب مشروع القرار

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من القدس، الدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤوون الدولية، من واشنطن معنا الدكتور عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيغي للسلام العالمي. نبدأ معك دكتور مهدي عبد الهادي، يعني الكل يسأل، يتكهن، لماذا تقدم واشنطن على هذه الخطوة، سحب مشروع القرار، هل هو دليل استعجال أمريكي؟ أم دليل آخر على قوة إسرائيل؟

"
التراجع الأميركي عن مشروع القرار الخاص بدعم نتائج أنابوليس يعني ضغطا إسرائيليا واضحا على الإدارة الأميركية بعدم تدوين أجندة أنابوليس، وبعدم اعتماد مجلس الأمن كمرجعية لدعم إقامة الجدل القائم على دولتين
"
      مهدي عبد الهادي

مهدي عبد الهادي:
لأ، هي ثلاث نواحي واضحة وبشكل جلي، أنابوليس كانت تعني مظلة أمريكية، قبول عربي ودولي لأجندة أمريكية تجمع الطرف الفلسطيني والإسرائيلي، بيان واضح ألقاه الرئيس الأمريكي، ومسؤولية أمريكية مطلقة. انتقال هذه الأجندة إلى مجلس الأمن يعني أن الأجندة أصبحت أجندة دولية، مفهوم الحل القائم على دولتين مسؤولية دولية، الاعتراف بدولة فلسطين في نهاية عام 2008 مسؤولية مجلس الأمن، دعم هذه المفاوضات مسؤولية دولية، ومطالبة كافة الدول التي شاركت في اجتماعات أنابوليس، والمظلة الدولية لدعم الطرف الفلسطيني والإسرائيلي للمسار في هذه المفاوضات. الآن التخبط في الدبلوماسية الأمريكية، هل يبقى هذا الملف أمريكي إسرائيلي محدود في مظلة أنابوليس؟ أم ينتقل إلى مسؤولية أوسع مسؤولية دولية لما بعد جورج بوش ولما بعد أولمرت؟ واضح أن جميع أعضاء مجلس الأمن شاركوا في أنابوليس، رئيس مجلس الأمن أيّد هذه الخطوة، مندوب قطر أيّد هذه الخطوة، معظم الدول الكبرة أيّدت هذه الخطوة. التراجع الأمريكي في آخر لحظة يعني أمر واحد فقط، ضغط اسرائيلي واضح على الإدارة الأمريكية بعدم تدوين أجندة أنابوليس، وبعدم اعتماد مجلس الأمن كمرجعية، لدعم إقامة الجدل القائم على دولتين، أو الاعتراف بدولة فلسطينية بنهاية عام 2008، أو تسجيل مسؤولية إسرائيل عن أي تراخي أو أي خداع في مسار التفاوض.

ليلى الشيخلي: بمعنى آخر يعمق الشك في جدية واشنطن، عمرو حمزاوي.

عمرو حمزاوي: مهما كان الأمر، هو مادون المستوى الذي تحدث عنه زميلي من فلسطين. الحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تُرد، بمحاولة استصدار مشروع قرار غير ملزم، أو بيان تأييد لنتائج مؤتمر أنابوليس من مجلس الأمن، لم تُرد الولايات المتحدة الأمريكية تدويل المسار التفاوضي الفلسطيني الإسرائيلي، كل ما أرادت الولايات المتحدة أن تصل له هو بيان يؤيد ويبارك ماخرج عن مؤتمر أنابوليس، استمرار المباركة الإقليمية والدولية التي كانت بادية وحاضرة في مؤتمر أنابوليس، من خلال الحضور الموسّع لأطراف عربية وإسلامية وأطراف أوروبية وغربية، روسيا حضرت أيضاً الصين حضرت أيضاً. إذاً الأمر لم يكن بالتأكيد ذاهب في اتجاه تدويل الملف، والدليل على ذلك أن نعود إلى البيان الذي صدر عن مؤتمر أنابوليس، هذا البيان أحل خارطة الطريق محل قرارات الشرعية الدولية، أي قرارات مجلس الأمن. معظم القرارات المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي في الشق الفلسطيني أو في الشق السوري أو اللبناني، هذه القرارات استُصدرت من مجلس الأمن، تم تهميش هذا الأمر في بيان أنابوليس، الرئيس الأمريكي أشار إلى خارطة الطريق باعتبارها المرجعية الوحيدة، بل استُبدلت اللجنة الرباعية، وأعضائها هم الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الروسي، والأامم المتحدة، استُبدلت اللجنة الرباعية باعتبارها المنوطة بمتابعة تنفيذ خارطة الطريق، بالولايات المتحدة الأمريكية فقط. فالنية والقرار الأمريكي وبالتأكيد بتوافق إسرائيلي، وللأسف الشديد بموافقة فلسطينية، أو بارتضاء الفلسطينيين، بصرف النظر عن الظروف التي ارتضى بها الطرف الفلسطيني ذلك، هو أن تحل الولايات المتحدة الأمريكية محل الأمم المتحدة، محل الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي، محل اللجنة الرباعية، فلم يكن الهدف هو التدويل. أخيراً حين النظر إلى مسألة سحب القرار، بالتأكيد هي ضغوط إسرائيلية، ولكن هناك محاولة داخل الولايات المتحدة، داخل الإدارة، لتسويق الأمر، طبعاً حفظاً لماء الوجه، باعتبار أن خليل زاده مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، اندفع نحو استصدار قرار أو بيان دون تنسيق مع وزيرة الخارجية، هذا أمر غير محتمل، هذا رجل قريب للغاية من وزيرة الخارجية الأمريكية، من معظم دوائر الإدارة، وبالتالي من غير المحتمل أنه اندفع نحو استصدار قرار أو بيان دون تشاور مسبق مع الولايات المتحدة، هو ضغط إسرائيلي بكل تأكيد، ونائب مندوب السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة أشار بعبارة واضحة، إلى أن إسرائيل لاتريد أن يكون للأمم المتحدة دور. نفس النص الذي تمت الإشارة له في التقرير، جزء آخر من المقولة الخاصة بالرجل، هي أن إسرائيل لاتريد أن يكون للأمم المتحدة دور في المصالح التفاوضية.

ليلى الشيخلي: ولكن لننظر إلى التفسير الذي وضعه البيت الأبيض، يقول، أدرك البيت الأبيض عدم أهمية صدور مثل هذا القرار الإسمي. يعني يكاد يكون التبرير أقبح من الذنب، دكتور عمرو حمزاوي، يعني وصف مشروع قرار مثل هذا بالاسم.

عمرو حمزاوي: بكل تأكيد ليلى، ولكن علينا نحن حين النظر إلى هذا الأمر، أن نعود خطوة إلى الوراء. مالذي خرج عن مؤتمر أنابوليس؟ أنا لا أعتقد أن الذي خرج عن مؤتمر أنابوليس هو الشيء الكثير، ومن الصعب للغاية أن نستمر في رفع سقف توقعات المواطن الفلسطيني والمواطن العربي بخصوص المؤتمر، وخصوص جدول زمني ينتهي بنهاية العام القادم، أي برحيل إدارة بوش وتسوية نهائية. البيان الذي صدر عن مؤتمر أنابوليس لم يتضمن تحديد قضايا الحل النهائي، لم يتضمن وثيقة تفاوضية محددة، لم يقر آليات محددة للمتابعة، لم يأت بأي جديد على أي مستوى سوى أن الولايات المتحدة سترعى المفاوضات، وهذه النية الأمريكية واضحة قبل الذهاب إلى أنابوليس. فإذاً العلاقة هي علاقة جدلية، نتائج المؤتمر ضعيفة للغاية، إن كان مجلس الأمن تمكن من استصدار قرار غير ملزم أو بيان للتأييد، أيضاً قيمة هذا القرار أو هذا البيان لم تكن بالكبيرة، وبالتالي نحن في إطار خلق حالة من الزخم لمؤتمر واهي، لمؤتمر لم يأت بجديد، وفي هذا الإطار إسرائيل تضغط بنجاح على الولايات المتحدة الأمريكية لمنع استصدار مثل هذا القرار وكانت قيمته محدودة.

ليلى الشيخلي: طيب لنسأل الدكتور يعني مهدي عبد الهادي، لماذا فعلاً عدم الارتياح الإسرائيلي من مشروع القرار؟ وهي في النهاية تدرك أن مايحدث يحدث تماماً وفق ماتريد، فمشروع القرار لم يقدم ولن يؤخر، رغم ذلك ضغطت على أمريكا وسببت هذا الحرج الكبير، وربما غير المسبوق، حتى لأمريكا في هذا المجال. كيف تفسره؟

مهدي عبد الهادي: أنا أتفق مع زميلي عمرو حمزاوي وصديقنا، بتحليله حول قيمة ماتم في أنابوليس، وعدم رفع سقف التوقعات، لا الفلسطينية ولا العربية إطلاقاً. ولكن نحن هنا أمام معركة دبلوماسية، ومعركة سياسية، نقل الملف الآن، مهما كانت الأجندة، بتفاصيلها، خارطة الطريق، المبادرة العربية، 242، الإلتزامات المتبادلة، السقف الزمني لنهاية 2008، نقل هذا الملف إلى الأمم المتحدة يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تبقى هي الوحيدة التي تتدخل في مسار هذه المفاوضات مهما كان النص، هو يفتح المجال الآن، إلى المؤتمرين القادمين في موسكو وفي باريس، لدول أعضاء مجلس الأمن بلا استثناء، أن يبدوا رأيهم، أن يتدخلوا في هذا المسار، أن يضغطوا على الأطراف. إسرائيل معنية بالدرجة الأولى أن يبقى هناك فقط تحالف استراتيجي أمريكي إسرائيلي في هذا المسار، ويبقى الطرف الفلسطيني ضعيفاً ومعزولاً. ما تم إنجازه فعلاً في أنابوليس، شئنا أم أبينا، أن الملف الفلسطيني عاد إلى الحضن العربي، لم يتحرك الفلسطيني وحيداً ولم يتحرك العربي بعيداً عن الفلسطيني، ذهبنا معاً لنقول للولايات المتحدة الأمريكية ولإسرائيل، على حد سواء، هنالك مسار للتطبيع والاعتراف، إذا أعطيتم هذا الفلسطيني، الأسير، السجين، بعض حقوقه على ماتبقى له من فلسطين، أم نحن مقدمون على تطور هذ المسار التفاوضي الثنائي الفلسطيني الإسرائيلي الآن، إلى حل عربي لما تبقى لفلسطين، أو حلول عربية لمشاكل فلسطينية على أرض محتلة، بالتوافق مع إسرائيل. بلغة أخرى، نقل أجندة أنابوليس بتناقضاتها، بغموضها، بتداخلاتها، إلى مسؤولية دولية لمجلس الأمن، إن كان بقرار أو كان في بيان، بعني إخراج المسؤولية فقط، عدم إطلاقها بيد الولايات المتحدة الأمريكية, أنا أتفق مع التحليل الذي يقول، صحيح لم ننجز كثيرأ في أنابوليس، لكن الإنجاز الوحيد الذي تم بالحد الأدنى، أن الفلسطيني والعربي معاً على طاولة واحدة، يقول للأمريكي والإسرائيلي على حد سواء، نحن معكم إذا انسحبتم، أنهيتم الاحتلال، أقمتم الدولة. إذا استصدرنا غداً قرار من مجلس الأمن الدولي يقول، عام 2008 هو إقامة الدولة الفلسطينية، نكون قد التقينا مع رغبة الرئيس ياسر عرفات عام 1999، عندما طرق كل الأبواب، لإعلان الدولة حسب اتفاق أوسلو، ورُفض ذلك. الآن 2008 نستصدر هذا القرار كوثيقة، كمرجعية. أنا أعترف وألتزم بأنه لن يتغير شيء على أرض الواقع، إسرائيل ستبقى تخادع، والولايات المتحدة تستعمل هذا المناخ لأحندة أخرى، نعرفها جميعاً، والأخ عمر يعرفها أكثر مني، وهي أجندة إيران. هنالك الولايات المتحدة الأمريكية تركض قبل أن تمشي، كوندوليزا رايس استعملت تعبيراً واضحاً جداً، we do not need to geld lily لاندهن الوردة المتفتحة ليلي بالذهب الآن، بمعنى دعونا نتمتع بما أنجزناه في أنابوليس، دعونا نفرح بهذه الوردة المتفتحة. الحضور العربي الفلسطيني الدولي تحت مظلة واشنطن، وبرغبة واشنطن، ومسار مشترك، نقله إلى الأمم المتحدة كان أمر ضروري، وياحبذا لو يتحرك المندوب القطري أو الأندونيسي أو الصيني أو الروسي ليضغطوا الآن بمشوع قرار آخر لمجلس الأمن الدولي، ليس بهدف التدويل بمفهوم التدويل، لكن بهدف مسؤولية الإرادة الدولية على إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية في حدود عام 2008، وكشف عورات إسرائيل بالخداع والزيف والنفاق، وأيضاً وضع الولايات المتحدة الأمريكية على محك المسؤولية الدولية. أنتم دعوتم، أنتم إلتزمتم، أين الإنجاز؟

ليلى الشيخلي: أين الإنجاز؟ هذا بالضبط ماسنطرحه بعد الفاصل، كيف يمكن النظر لمقررات مؤتمر أنابوليس في ضوء سحب واشنطن مشروع قرار دعمها من مجلس الأمن؟ نتابع المسألة بعد وقفة قصيرة أرجو أن تبقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

أثر هذه الخطوة على اتفاقات مؤتمر أنابوليس

ليلى الشيخلي: أهلاً من جديد. الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال إنه لايملك ضمانات من الولايات المتحدة بخصوص ماتم الاتفاق عليه مع الإسرائيليين في أنابوليس. لكن عباس الذي أدلى بهذه التصريحات في تونس، قبل مغادرتها إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري، قال في رده على سؤال حول هذه الضمانات، أنه يستطيع القول أن هناك جدية لدى الإدارة الأمريكية، من دلائلها، حسب تعبيره، تقديم واشنطن مشروع قرار يدعو مجلس الأمن إلى تبني الحوار الإسرائيلي الفلسطيني. حديث عباس سبق، بالطبع، سحب واشنطن مشروع القرار المشار إليه، مما يعني أن أحد أدلة الجديّة، التي تحدث عنها، قد انتفى بصور تلقائية. إذاً دكتور عمرو حمزاوي، ماذا عسى لمحمود عباس أن يقول للمشككين والمتشفين الآن؟ ماذا يقول لهم؟

"
إسرائيل قوة طاغية في ميزان العلاقات العربية الإسرائيلية، ولا يمكن استبعاد هذه الحقائق حين الذهاب إلى مائدة المفاوضات
"
      عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي:
لايملك الكثير، سوى الإشارة إلى أمرين، الأمر الأول أن هناك اتفاق فلسطيني إسرائيلي، بمباركة وبتأييد أمريكي، لاستئناف المفاوضات ولمفاوضات متعاقبة خلال العام القادم حتى نهاية 2008. الأمر الآخر، هو الإشارة، وأعتقد أن ربما كانت إشارة محقة على أحد المستويات، وهو أنه ماهي البدائل المطروحة للفلسطينيين، سوى التعامل بواقعية مع الظرف السياسي؟ وبهذا الظرف السياسي هناك هيمنة أمريكية، وهناك إسرائيل قوة طاغية في ميزان العلاقات العربية الإسرائيلية، ولايمكن استبعاد هذه الحقائق حين الذهاب إلى مائدة المفاوضات، أعتقد لايملك سوى هاتين الإشارتين. ولكن الأخطر من ذلك، وهنا أهمية تقييم نتائج مؤتمر أنابوليس، قبل الذهاب نحو الرغبات التي نريدها كفلسطينيين وكعرب، أنا أتفق مع الدكتور مهدي، نعم، تدويل المسار التفاوضي في مصلحة الفلسطينيين، الابتعاد جزئياً عن الحصار الثنائي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بالتأكيد في مصلحة الطرف الفلسطيني. والمباركة العربية ربما دعمت وكانت رافعة للموقف الفلسطيني. المشكلة الرئيسية أن كل هذه الأمور بعيدة عن إرادة الولايات المتحدة وعن إرادة إسرائيل، وحينما تقترب الولايات المتحدة جزئياً، بصورة قليلة للغاية تكاد لاتُرى سوى بالعين المجردة، حينما تقترب الولايات المتحدة جزئياً من المصالح العربية الفلسطينية تعترض إسرائيل، وأنت أمام إدارة ترفض الضغط على إسرائيل، خاصة ونحن مقبلين على عام انتخابات. إذاً عندما ننظر إلى نتائج مؤتمر أنابوليس هناك نتائج ثلاث كبيرة استفادت منها الولايات المتحدة وإسرائيل، النتيجة الأولى، هي أن االولايات المتحدة الأمريكية التزمت أمام الأطراف العربية الحليفة لها، وأمام الأطراف الدولية القريبة منها، بالإدارة التفاوضية، وعد الإدارة التفاوضية للصراع العربي الإسرائيلي في شقه الفلسطيني، وفي مقابل هذا ستحصل على دعم إقليمي ودولي لإدارة الملف الإيراني، كما تمت الإشارة بالفعل. الفائدة الأخرى أو الثانية للولايات المتحدة، هي تحسين صورة الإدارة، بعد تجاهل متعمد للملف الفلسطيني طوال السنوات السبع الماضية، إسرائيل انفتحت على أطراف عربية وأطراف إسلامية، دون أن تدفع ثمن كبير، نعم ربما كان الحديث عن تطبيع مجاني متعجل، ولكن حضرت أطراف عربية لقاءات مع إسرائيل لأول مرة، بصورة غير مباشرة، لم يتم تفاوض، لم يتم حديث، ولكن الحضور العربي، نعم، رافعة للجانب الفلسطيني، ولكن أيضاً مقابل قُدِّم لإسرائيل، ومكافأة قُدِّمت لحكومة رئيس الوزراء أولمرت، دون مقابل عربي. هذه الفوائد تحققت. نحن كطرف عربي وفلسطيني لم نستفد كثيراً، لم نكن بحاجة للذهاب إلى أنابوليس لأن المبادرة العربية واضحة وصريحة، فيما يتعلق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في حالة السلام، بعد السلام، لم نكن بحاجة للذهاب إلى مؤتمر أنابوليس دون وثيقة تفاوضية. يظل الأمر، نحن مقبلون على مسار بكل تأكيد، السؤال الحقيقي أن نفهم حدود الإرادة الأمريكية والإسرائيلية، وأن لا نخلق المزيد من الأوهام لدى المواطن الفلسطيني والعربي أن هناك إمكانية لتدويل القضية، فهذا لن يحدث.

ليلى الشيخلي: تقول لم نكن بحاجة، دكتور مهدي عبد الهادي، ورغم ذلك ماحصل من سحب مشروع القرار هذا، قبل أن أنتقل إلى ما أنجِز في الواقع في أنابوليس، يعني إذا كان هناك هفوة، فلنسمها هفوة، أو خطأ، أو ما إلى ذلك، ممكن أن تثير غضب المشككين، فهي، سحب مشروع القرار هذا. يعني هناك أكيد ربما كثيرون سيقولون لأبو مازن الآن، ألم نقل لك ذلك؟ ماذا سيقول أبو مازن؟

مهدي عبد الهادي: الآن مسؤولية الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن أن يطرح استراتيجية للملف الفلسطيني، ضمن المنظور العربي، ضمن هذا التحالف العربي الإسلامي، مادمتم قد قبلتم بي ممثلاً لهذا الشعب، ومادمتم قد ذهبتم معي إلى أنابوليس، ومادمتم قد اكتشفتم معي هذا النفاق السياسي الأمريكي الإسرائيلي، وهذا الخداع الإسرائيلي المستمر، ومادمتم قد اطّلعتم على تفاصيل التفاصيل، كيف يعيش الشعب الفلسطيني في سجون معزولة، وكيف استحالة، الآن، تغيير هذا الأمر الواقع، الذي قبلته الولايات المتحدة بتحفظاتها الأربعة عشر على خارطة الطريق كما طرحها شارون. آن الأوان الآن لاستراتيجية فلسطينية عربية على القضايا الأساسية، على القدس، واللاجئين، والحدود، والأمن، والمياه. أين نقف نحن معشر الفلسطينيين والعرب، على مستو ى المسؤولية، من رؤية استراتيجية، إن كنا فقط، نزحف، مابعد أنابوليس، لمؤتمر باريس أو موسكو؟ أو كنا نريد أن نقف أمام الولايات المتحدة الأمريكية وأجندتها في المنطقة؟ كما ذهبت السعودية إلى لندن لتقول، لا لضرب إيران، ولا لتفتيت المنطقة، ولا للفوضى الخلاقة، ولا لاستمرار هذا النزيف في العراق. آن الأوان للمسؤول الفلسطيني، إن كان الآن في شخص محمود عباس، أو كان غداً في شخص المنتخبين، أو كان في هذا التحالف، أن يطرحوا هذه الأجندة. الآن الشارع الفلسطيني يقول للرئيس الفلسطيني، تعال نوحّد بيتنا الفلسطيني. يجب أن يقف هذا الفلسطيني معاً في غزة وفي الضفة، في جسد واحد، وفي جسم واحد. لانقبل هذا التقسم، وهذا النزيف. الأمر الثاني، أين نقف معاً من هذه القضايا؟ هل نتفق كيف نتعامل مع هذه القضايا، ونقول للولايات المتحدة وإسرائيل معاً وفي نفس الوقت، في دعم العربي في هذا التوجه المشترك، لانقبل هذا الزيف، لانقبل هذا الخداع. ونذهب مرة أخرى لمجلس الأمن مجتمعين، بهذا التوجه دعونا نكشف هذه الإرادة الدولية. إلى متى يبقى الفلسطيني في هذا الأسر، وفي هذا النزيف؟

ليلى الشيخلي: دكتور مهدي، واضح أن لإسرائيل أجندة مختلفة تماماً. يعني اسمع ماقاله داني ياتوم من حزب العمل، اليوم فقط، قال أنه سيكون من الأسهل التوصل إلى اتفاق مع السوريين عنه مع الفلسطينيين، ويجب التحرك سريعاً لتعزيز ودعم المسار مع سورية من أجل تسريع المسار الفلسطيني الإسرائيلي وليس العكس. ماتعليقك على هذا الكلام؟

مهدي عبد الهادي: داني ياتوم يمثل مدرسة يهودا باراك، المدرسة العسكرية الإسرائيلية التي تتحدث عن حل على المسار الإسرائيلي السوري، ويتحدث عن قصف وضرب غزة. ونشاهد الآن هذه الجرحى وهؤلاء القتلى وهؤلاء الشهداء في قطاع غزة، هذه المدرسة العسكرية الإسرائيلية التي تبحث عن تطبيع عربي على حساب الفلسطينيين، نقل الملف إلى الأجندة العربية، وأيضاً ضرب لبنان وضرب حزب الله بالتحديد. هذه الأجندة العسكرية معروفة، داني ياتوم كان قبل يومين في بروكسل، يتحدث نفس الكلام أمام المجموعة الأوروبية. مايهمنا نحن أن نكشف هذه العورات الإسرائيلية، وهذا التناقض الإسرائيلي أمام الإرادة الدولية، ونقول للولايات المتحدة الأمريكية، هل نتعامل مع أولمرت ونفاقه السياسي؟ أم نتعامل مع الأدارة العسكرية ليهودا باراك في غزة؟

ليلى الشيخلي: باقي لي دقيقة واحدة، دكتور عمرو حمزاوي، للتعليق على هذا.

عمرو حمزاوي: هناك نقطتين رئيسيتين، النقطة الأولى، هذه جزء من اللعبة الإسرائيلية لرفع الضغوط على القيادة الفلسطينية، لخلق استعداد أكبر للتنازل، هذه لعبة إسرائيلية معتادة. نفس الأمر، وهذه النقطة الثانية، مؤتمر أنابوليس، وخلق صورة عن هذا المؤتمر باعتباره مؤتمر تاريخي، وهو بداية الحل النهائي في المسارات كلها، هذا جزء من رفع الضغوط النفسية collective psychology يعني علم النفس الاجتماعي، يقول لنا هذا الأمر، على القيادة الفلسطينية، وعلى العرب جميعاً، أننا أمام فرصة تاريخية، فلا تدعوا هذه الفرصة تفلت من أيدينا، وبالتالي الاستعداد للتنازل أكثر. الأخطر من ذلك، أن هناك أصبح تماهي بين الخطاب الفلسطيني والعربي، جزئياً، والخطاب الأمريكي الإسرائيلي، الرابط بين الحق في إقامة دولة فلسطينية مستقلة والحرب على الإرهاب. نعود إلى بيانات أنابوليس، إلى الخطابات التي ألقيت في المؤتمر، لنكتشف ماهو عمق المأزق الذي نحن به كفلسطينيين وعرب، عندما نتماهى مع خطاب أمريكي يربط حق إقامة الدولة بالحرب على الإرهاب وبالديموقراطية الأمريكية.

ليلى الشيخلي:  شكراً جزيلاً لك دكتور عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيغي للسلام العالمي، وشكراً للدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية، وشكراً لكم مشاهدي الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج ماوراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. كالمعتاد يمكنكم المساهمة باختيار المواضيع بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net بأمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة