المسؤول بدار ثقافات العالم نور الدين بن رجب   
الخميس 1426/1/30 هـ - الموافق 10/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)

ضيف الحلقة

نور الدين بن رجب - المسؤول بدار ثقافة العالم

تاريخ الحلقة

26/03/2001

نور الدين بن رجب
نور الدين بن رجب:

اسمي نور الدين بن رجب، من مواليد تونس العاصمة، وأشتغل في دار ثقافة العالم، المسؤول عن برمجة الموسيقى والمسرح والرقص في هذا القسم، إضافة إلى شغلي بدار ثقافات العالم أشتغل بالراديو.

برنامجي يسمى Back stage يعني "من خلف الكواليس" وهو مهتم بالموسيقيين الأجانب اللي موجودين على الساحة الألمانية. الشُغلَيْن على هم متكامليْن..، خصوصاً أنه عن طريق الراديو نعرف ردة فعل بتاع الجمهور الألماني عن طريق.. عن طريق الرسايل أو عن طريق الطلبات وغير ذلك..

المعلقة:
في باصه الصغير الملون المتجه إلى دار ثقافة العالم يبدو نور الدين بن رجب وكأنه كائن على حدة ضمن الديكور العام لبرلين، فما تراها الأسباب التي دفعته إلى مغادرة بلاده شاباً للاستقرار في مدينة قلَّما قصدها أقرانه من العرب المهاجرين؟

نور الدين بن رجب:
الأسباب التي جعلتني أجي على ألمانيا هي أسباب.. ما شخصية، وإنما جاءت عن طريق الصدفة، لأننا نحن متعودين أن كل عرب شمال إفريقيا أو المغرب العربي الكبير –مثلما نقول- يتجهون إلى فرنسا، لأن المعطيات اللغوية موجودة، خصوصاً وأنهم متعلمين اللغة الفرنسية وغير ذلك، بينما أن أسعفني الحظ أنَّا اتعرفنا في تلك.. الفترة في السبعينيات عن عايلة ألمانية، وكانت العيلة الألمانية تزورنا ونزورها، وهمّ عطوني الفرصة في تلك الفترة لزيارتهم وعجبتني ألمانيا في.. في الفترة الأولى، وبعدين.. طلبوا مني البقاء فبقيت لا أكثر ولا أقل.

ولكن هنا.. الطقس.. العوامل الطقسية وربما المعاملات القاسية اللي ببعض الأحيان نعيشها بتجعلك بعض الأحيان أنك تتساءل مع نفسك.. ليش.. هاجرت بلدك؟ وليس جيت البلاد هذه؟ وليش وليش وليش؟

المعلقة:
منذ خمسة وعشرين عاماً ونور الدين بن رجب مقيم في برلين، فهل تحولت ألمانيا إلى وطن له وهو إلى مواطن عربي ألماني؟

نور الدين بن رجب:
أتذكر كلمة قالها الكاتب (جون أميليه) أنه قال: وطني وين نحط الطربوش بتاعي. وربما.. وطني حالياً أو مدينتي حالياً هي مدينة برلين، وأنا لهذا الغرض أُقدم الكثير لهذه المدينة، لأني أعتبرها.. فعلاً كمدينتي. ولكن في نفس الوقت لمَّا أنزل إلى مسقط رأسي مثلاً.. أشعر أني كذلك في وطني.

هل أتعامل مع نفسي كعربي أو أتعامل مع نفسي كألماني؟ ولكن عربي ألماني، أو ألماني عربي، هذا.. أظن ما يهم، لأنه المهم أنه.. عدم فقدان الهوية.

لا أنكر ولا أتناسى ماضيَّ من أين جئت؟ هذا أهم شيء، لأنه من يفقد الهوية هنا في ألمانيا هو لاشيء بالنسبة لزملائه.

المعلقة:
لم يفقد نور الدين بن رجب هويته العربية حين أضاف إليها جزأه الألماني، ولكن هل قابلته برلين بالمثل هي أيضاً بأن كفت النظر إليه كغريب ومعاملته كأجنبي؟

نور الدين بن رجب:
لو كنت ما موجود في هذا المكتب، ولو كنت مثلاً ما صانع قرار.. ربما كانت نظرة الألماني تجاه شخصي هي مثل نظرة الألماني تجاه أي إنسان، ما كل الألمان بصفة عامة، لهم يعني.. لابد في.. حتى في الموضوع هذا أن لا نعمم.

فيه مرة حادثة صارت لي مما يقرب قبل ما يقرب عن 15 سنة..، كنت خارج من مقهى في منطقة طلابية، وكان هناك مجموعة من الألمان أظن كانوا محتفلين بزفاف أو، وكانوا ربما في حالة سُكْر.. المجتمع.. الناس هادوم شافوني وشافوا هيئتي أو شكلي أني عربي فالتفت واحد منهم وقال لأصدقائه: أنظر ساعي إبل قادم، وسبحانه أنه الجواب كان موجود على.. على شفايفي مثلما هو على شفتي، أني في.. في نفس اللحظة قلت له بجمل ألمانية مركبة من طراز رفيع صحيح "يا سيدي أنا راعي إبل ومسؤول إلا على الإبل وما على الخنازير".

ولكن نحن ما ننتظر من كل الناس أنهم ينفتحوا، لهذا الغرض أنا دايماً أحاول حتى أستعمل للكليشيهات اللي موجودة ضد.. ضد مجتمعنا العربي.. أني بأستعملهم.. ما لتعزيز الموقف، وإنما لكشف حماقة الآخر، هذا شيء مهم جداً، أنَّ هو لما يظن أنه يربط دايماً المجتمع العربي أو الثقافة العربية بالرقص الشرقي أو بالجِمال أو.. بسباق الجِمال أو ما أعرف إيش أظن أنك تحكي مع إنسان من المجتمع الألماني لإقناعه.. إنساني –فاكرك- لإقناعه، يتكلف لك الكثير من وقتك، بينما لما تاخد الأكليشيهات اللي هو يستعملها وتوجهها ضده بذكاء لكشف.. لكشف حماقته هو ربما يراجع نفسه ويرجع ربما للمرة الثانية أو ربما للمرة الثالثة أنه يحكي عن العالم العربي أو المجتمع العربي بصفة ثانية.

الجالية أكبر جالية هي في.. موجودة في ألمانيا هي الجالية التركية، ربما يقارنوها بالجالية المغاربية الموجودة بفرنسا، لهذا الغرض الحضور العربي غير مكثف هنا. المشكل الموجود هنا في ألمانيا هو العنصرية الموجودة ما بين الجاليات هذه.. هذه.. هذه المشكل الكبير أنه.. يشعروك هنا أنه الجاليات هناك غير طبقات متساوية، وإنما هي كذلك طبقات لهذا الغرض تشوف مثلاً جالية تحاول بشي.. تحاول أن تحبب نفسها عند صاحب البيت –وهو الألماني- ضد.. باستعمال جالية ثانية أو ضد جالية ثانية، وهذه طبعاً.. هذه عنصرية ربما حتى أخطر.. من عنصرية الألمان تجاه الأجنبي، لأنه عنصرية الألماني تجاه الأجنبي هي عنصرية مكشوفة القناع، بينما العنصرية اللي تتمارس ما بين الجاليات.. وتحت شعار "خلقناكم طبقات"، هذه هي عنصرية اللي ما نشوفهاش ولكن.. وما نلمسهاش ولكن هي موجودة.

المعلقة:
ماذا عن الموقع الذي تحتله الثقافة العربية على الساحة الألمانية؟ هل تتمايز لجهة حضورها مثلاً عن سواها من الثقافات، بحيث تمكنت من كسب جمهور ألماني؟

نور الدين بن رجب:
برمجة الثقافة العربية هي جزء لا يتجزأ من البرمجة، لأنه نحن نبرمج في دار ثقافة العالم، كل ثقافات العالم ميزة الثقافة العربية هي كامنة في عملية التنويع، هذا مهم جداً، لأنه العالم مثل ما نعرف في عصر العولمة صار قرية، ونتصور أن هذه القرية ستأكل نفس الخبز، سترقص على نفس المزمار وستقرع نفس الطبول، هذا مقلق، لهذا الغرض نحن نطالب بعملية التنويع في البرمجة في نطاق العولمة هذه.

الثقافات.. ثقافات العالم لابد أن تتعرف على بعضها، وأن يصير هناك انسجام ثقافي بين الشعوب، ولكن أنا في (فايت) الخطوبة ولكن ضد العرس، أنه يصير عرس مع كل الثقافات.. هذا أظن مستحيل، لهذا الغرض هو ما تناطح ثقافات وإنما انسجام ثقافات، أعطيك الفرصة أنك تتعرف على حضارتي على ثقافتي، إن أعجبتك ثقافتي ربما تصير معجب بي، ربما تحاول تتعرف عليَّ أكثر، ربما تحاول تتعاون معايا في ميادين أخرى أكثر، هذا مهم جداً، وهذه مهمة إنا نتعرف عليها، بعض الأحيان الورقة الثقافية ربما تخدم بلادنا أكثر من الخطاب السياسي. بعض الأحيان نحاول أنه نتجنب –حتى ما في.. العالم العربي، حتى في مدن أخرى خارجة للعالم العربي- نتجنب مثلاً المراكز الرسمية، لأن ربما.. يكون ربما يكون فيها عندنا ثقافة تكون محتكرة.. الورقة السياسية، لهذا الغرض نحاول أنه نتعرف على فكرة الشارع في هافانا في كوبا، أو نتعرف على فكرة الشارع العربي مين المسموع عندهم ومين لا. هذا –نظن- مكسب للأذن الأوروبية اللي متخلفة –فعلاً متخلفة- في السماع الطرب العربي والفن العربي، نحن دايماً نكونوا متخوفين في بلادنا -وا أسفاه- تقديم فننا كما هو، لأنا دايماً نخافوا من مركبات، عندنا مركبات نقص -وا أسفاه-، نقولوا ربما الفن هذا.. مقلق للأذن الأوروبية، نحن نقول: لا، الأذن الأوروبية لابد أن تتعود على سماع الطرب، وعلى سماع فيروز، وعلى سماع أم كلثوم، بعد ذلك.. اكتشاف ما وراء الاكتشاف، هذا مهم جداً، ما وراء الكواليس أنه الأطباق الأصيلة تجي ربما بعد الافتتاحية هذه.

المعلقة:
والآن نور الدين بن رجب أتراها قد بَهُتَت تلك الصورة التي مازالت تجئ إليك من ماضيك؟

نور الدين بن رجب:
الباقي من ماضيه هو كثير.. كثير من.. كثير من الصور، مثلاً لما نكون في. في مسقط رأسي صار لي ما يقرب من عشرين سنة، كل سنة باخد صور فوتوغرافية لنفس الأماكن.. لنفس الأماكن أكون مصحوب بآلة التصوير وآخذ بعض الأحيان بيقولوا ربما هذا مجنون دايماً نفس الصور، لنفس الأشخاص، أو لنفس الأماكن، ولكن هي.. العملية هذه المسترسلة هي تعطيني القوة، عشان ما أنسى منين أنا جيت، وثانياً تعطيني القوة لدعم عمليات الربط منين أنا جيت، وهذا مهم جداً أنه أستحق الأشياء هذه، هي أشياء بعض الأحيان رمزية، هي صور فوتوغرافية ولا شيء، ولكن هي.. هي ببعض الأحيان صور أبواب قديمة من.. من قريتي، ولكن هي أشياء ترمز لي الكثير، لأنه لما تجلس بعض الأحيان لحالك وتفكر في نجاح برنامج، أو في خيبة برنامج، عدم نجاح برنامج، أنه ربما الأشياء هذه البسيطة الرمزية تعاونك على التغلب على الأزمة. الشعور بالغربة هذا شعور لا نستطيع أن نتخلى عنه، وإن ظل الإنسان يكذَّب.. يكذب على نفسه أو يكذَّب نفسه لما يقول: أنا تغلبت.. اتأقلمت واتغلبت على الشعور هذا، هذا.. هذا أمر مستحيل. في المقابلات مع الإذاعات الألمانية وفي الإنترفيوهات الألمانية أقول دايماً أنه ينقصني حنين الأم، آه، هُمَّ يقولوا مُركَّب أوديب، وأنا أقول لهم: ليه تسموه أنتم بمركب أوديب، أنا بأسميه حب الأم لا أكثر ولا أقل، وفعلاً هي لأنه خرجت وأنا صغير، وربما ما.. ماعشت مع والديّا، مع أبويّا فترة زمنية طويلة مثل ما العائلات الأخرى والشُبان الآخرين، لكن هذا ما يمنعش أنه رغم.. رغم النجاح آه ربما هذا العاطفة تتغلب في بعض الأحيان.. آه.. عن فقدان، أو أني فقدت الحب هذا في ربما في فترة كنت بنستحق له كنت استحق له في فترات كنت فيها وحيد، كنت فيها أعيش أزمات.. أزمات مادية، أزمات نفسانية، غير ذلك. في بعض الأحيان نقول: رغم الحنين هذا ورغم.. ورغم المعطيات الطقسية أنه بعض الأحيان الطقس يكون حزين كئيب، تكون وقت نسمَّيه بالألمانية "وقت الانتحارات" والعياذ بالله! في الأوقات هذه لابد أن الإنسان يأخذ الجزء العربي منه، وهو مثلاً أنه تترك شمسك.. آه.. تشرق لحالها وتترك الابتسامة اللي ربما اختلسها منك واحد ألماني ينظر لك نظرة غير طبيعية آه، أنه رغم نظرته اللي غير طبيعية هذا الاعتداء الأول، الاعتداء الثاني: أنه يسرق منَّي الابتسامة بتاعي هذا موجود بداية أنا ولهذا الغرض ما أعطيه الابتسامة بتاعي وأحاول أحافظ عليها.

المعلقة:
وبرلين يخرج نور الدين إلى زياراتها كمن يُعيد مريضاً يحنو عليه، يتحدث عنها برأفة عاشقٍ يبقى أميناً لحبِّه القديم ولمعشوقٍ ظنّه قتيلاً، فإذا به يُبعث حياً نافضاً الموت عن جسده الكسير.

نور الدين بن رجب:
مدينة برلين هي مدينة صعب حُبَّها، كل إنسان يجي على برلين كزائر يكره المدينة، كره المدينة لأنه هو عاش المدن فيها الأنوار، وفيها الحيوية، وفيها حركة، وعاش وشاف متروبولات أخرى وعواصم أخرى ويجي على برلين بيشوف بنايات قديمة، بيشوف بنايات مافيهاش ألوان، ألوانها غير باهجة، يكره المدينة، ولكن كيف حب المدينة هذه؟ حب مدينة برلين آه ما.. ما يصير بين عشية وضحاها، وإنما وليد استمرارية، أنك لابد أن تبقى على عين المكان، لابد أن تتعرف على مناطق معينة، على مقاهي معينة، على ناس معينة وشخصيات معينة، وربما وقتها يصير الحب هذا يكبر ويكبر ويكبر.

مدينة برلين هي مدينة عاشت العديد من المراحل الثقافية، مدينة كانت عالمية في الثلاثينيات، كانوا يزوروها من كل العالم كل المبدعين والمثقفين، حتى من العالم العربي في الأربعينيات جاءوا وسجلوا الاسطوانات بتاعهم هون.. هنا في.. في هذه المدينة.

هي مدينة طبعاً عاشت كذلك الحرب العالمية الثانية و اغتصبت فعلاً وصارت مقسمة، وصار هناك معناه حائط يقسم ما بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، وحالياً هي بعد عملية الاتحاد ما بين المعسكرين، أو ما بين ألمانيا الفيدرالية وألمانيا الديمقراطية صرت تشوف أنه المدينة تعيد جمالها بتاع الثلاثينيات وبتاع العشرينيات، آه، وكأنها فتحت الخزانة قديمة وأخذت منها.. معناها فستان العرس بتاع زمانات ولبسته من جديد، آه.. لتتحلى، ولتكون معناها الجميلة، ولتكون عاصمة من جديد وهي تتهيأ لحفل الزفاف هذا حالياً، والأشياء هذه رُبما ما يشعر بها الزاير في ظرف يومين أو ثلاثة أيام، وإنما يشعر بها الإنسان الذي يعيش في هذه المدينة، وفي هذا المكان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة