مارتا سارة.. جسر تواصل بين الأردن والغرب   
الأربعاء 1426/8/18 هـ - الموافق 21/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)

- التعاطف مع القضية الفلسطينية
- الحياة في الأردن وتجربة حرب العراق

التعاطف مع القضية الفلسطينية

مارتا سارة- الأردن: عندما أخبرت عائلتي أنني سأتزوج بالطبع لم يكونوا سعداء جدا لأن ابنتهم سوف تعيش في مكان بعيد لكنهم دعموني جدا منذ البداية، إنهم هم أيضا قد عاشوا في مناخ دولي لذلك لم يمانعوا في أن يكون زوجي أجنبيا أو مسلما أو عربيا، لقد أرادوا لي السعادة، يأتون إلى هنا غالبا ويحاولون تفهم كون زوجي مسلما بينما أنا مسيحية، والداي مؤمنان ومتدينان جدا، إنهما ليسا متشددان لكن الديانة مهمة جدا بالنسبة لهما لذلك أحاول أن أفهم الإسلام وأن أجعلهما يفهمان جمال الإسلام، إذ أعتقد أنهما في البداية واجها مشكلة حيال ذلك لكن في النهاية اكتشفت أن والدتي التي ستبلغ التسعين العام المقبل مازالت تتعلم، مثلا عرفت أننا نؤمن جميعا بإلهٍ واحدٍ لذلك فقد وجدت لنفسها سبيلا للتعايش مع الأمر.

كنا ندرس معا في جامعة هامبورغ في فرع العلوم التدريسية والإنجليزية وكمعظم الطلاب كنا نعمل كلانا خلال فترات العُطل وهناك تعرفت على زوجي للمرة الأولى عند نهاية بساط متحرك، كنت طالبة عاملة، كان هناك ذلك الطالب الأجنبي الوسيم قال لي إنه فلسطيني ولم أكن أعرف ما تعنيه كلمة فلسطيني رغم أنني كنت مثقفة سياسيا وأقرأ الصحف، فأخبرني قصة حياته وهكذا أغرمت بالقضية الفلسطينية قبل أن أغرم بزوجي، فللمرة الأولى ظهرت القصة الحقيقية، ما كنت أعرفه من الصحف الألمانية هو أنه كانت هناك أرض قاحلة صحراء فلما جاء اليهود بعد الحرب العالمية الثانية وحولوها إلى فردوس وواحة وإن العرب الآن يشعرون بالحسد، ينظرون إلى هذه الواحة الجميلة ويريدونها لأنفسهم، عرفت من زوجي أن الفلسطينيين قد عاشوا هناك طوال حياتهم، أعتقد أن علاقتنا بأكملها قد بنيت على هذه القضية المشتركة، فقد وجدت القضية الفلسطينية قضية عادلة وتحتاج للتعاطف معها ولأن يسمع بها العالم كله من التاريخ وكل شيء آخر لذلك عملنا معا عبر مجموعات طلاب دولية وحاولنا تعريف الآخرين بالأسباب وبالخلفية الحقيقية لهذه القضية وأعتقد أن هذا ما قرّبنا من بعضنا وعندما قررنا المجيء والعيش هنا كان قرارانا نابعا من القلب فقد أردنا العيش في العالم العربي.

"
الثقافة في ألمانيا مبنية على أساس أن أرض فلسطين كانت صحراء  قاحلة، وعندما جاءها اليهود حولوها إلى فردوس وواحة، والعرب من حولهم يشعرون بالحسد تجاههم ويريدون الواحة الجميلة لأنفسهم
"

انتقلنا إلى الأردن عام 1980 وكان لدينا طفلين حينها وسكننا في حي لا يتكلم سكانه الإنجليزية إطلاقا وذات مرة توجّب على زوجي الذهاب إلى أميركا لإجراء دورة تدريبية وكان يخشى أن يتركني بمفردي، فقلت له اذهب، بأدبر حالي، لم أكن أتكلم العربية حينها لكن خلال الأسبوعين الذي غابهما زوجي قابلت جميع سكان الحي، جميع النسوة جئن واعتنين بي، فقد شعرن بسبب كوني أجنبية أنهن يتحملن مسؤوليتي ومسؤولية طفلاي وغياب زوجي كان جيدا بالنسبة لهن فقد كن يستطعن المجيء لزيارتي من الصباح وحتى المساء، لذلك فقد كان منزلنا مليء دائما وفي نهاية الأسبوعين أصبحت أعرف جميع نساء وأطفال الحي وبدأنا نتناقش رغم أن لغتي العربية كانت سيئة وحاولنا التواصل بالأيدي وبلغة الإشارة، منذ البداية أردنني أن أعتنق الإسلام، حاولت أن أعرف الفرق بين الإسلام والمسيحية وحاولن الشرح لي.

 على سبيل المثال كان سؤالي الرئيسي الزلمي والمرأة زي بعض في الإسلام ولا لأ؟ وكن يجبنني مباشرة بسورة كاملة من القرآن لكنني لم أكن أفهم إجابتهن، لذلك جاءتني إحدى جاراتي بزوجها وكان يتكلم الإنجليزية فقال لي إن الرجل والمرأة يعاملان سواسية في الإسلام إلا أن مسؤولية الرجل أكبر بـ 5% وأنا أذكر ذلك لأنني رأيت في الأمر 5% من عدم المساواة، لما واحد عاش هنا في هذه البلد كان مائة مرة سألوني من أي بلد جوزي؟ من أي عائلة؟ بيصير شئ مهم للهوية بتاعتك، علشان هذا أنا شفت ضروري أخذ أولادي يشوفوا بلد أبوهم ويشوفوا من وين..

حاولت العثور على معلومات حول هذه القرية وهي غير موجودة على أية خارطة حاليا، فعثرت على كتب قديمة وكنت سعيدة للعثور على شيء حول قاقون ولرؤيتها على خارطة قديمة جدا، لذلك بعد اندلاع الانتفاضة الأولى اصطحبت ولديّ وذهبنا إلى القدس أولا وكان ذلك في بداية محادثات السلام، ولد طفلاي وترعرعا هنا لذلك فإن إسرائيل بالنسبة لهما هي العدو، لذلك فقد وجدا الزيارة غريبة جدا إذ لم يكن أن سبق لهما الالتقاء بإسرائيليين، كانا قلقين حيال ذلك، أردنا زيارة الحرم الشريف وكان مع أولادي جوازات سفر ألمانية لذلك كان بإمكانهما السفر معي، لذلك ذهبنا إلى إحدى بوابات الحرم الشريف وطلبنا إذنا بالدخول وتكلمنا بالإنجليزية فلم يسمحوا لنا بالدخول، قالوا اليوم هو الجمعة وهو للمسلمين فقط، قلنا لهم نحن مسلمون لكنهم رفضوا لذلك تحدثنا بالعربية عند البوابة الثانية فسمحوا لنا بالدخول، لذلك فقد كانت تلك بالنسبة لنا تجربة جديدة، كما أن الجو في الداخل رائع عندما لا يتواجد السياح، فقد كان الأولاد يلعبون والنساء يتنزهن ويستمتعن بهذه الجزيرة المسالمة في وسط القدس، ثم ذهبنا إلى مخيم طولكرم حيث ما يزال يعيش هناك اثنان من إخوان ياسر وسط عائلة كبيرة في المنزل القديم، حيث ترعرع ياسر وبالنسبة لنا كانت تجربة مثيرة جدا فقد أعدنا الاتصال مع منشأ والدهما، في المخيم الصغير لم نخبر العائلة بقدومنا لكن مع دخولنا الجزء الأول من الحي أخذ الناس الذين كنا نسألهم عن المكان يخبرون العائلة قائلين هؤلاء أطفال ياسر، بالنسبة لهم كان اللقاء رائعا بأبناء ياسر، ثم اصطحبتنا العائلة كلها لرؤية قاقون أو أطلالها، إنها تبعد ستة كيلومترات في منطقة عام 1948 أي ضمن إسرائيل حاليا لذلك فقد كان سهلا الدخول حينها ووجدنا أن القصر القديم ما يزال قائما وكان محاطا بنباتات الصبار التي تحمل معنى رمزيا خاصا بالنسبة للفلسطينيين، فهي تنبت حتى بعد أن تقطع وهو يظهر للزائر مكان القرى الفلسطينية التي دمرت وهي حوالي 450 قرية، بالنسبة للأولاد كان للذهاب إلى هناك وقع مؤثر عليهم، كما استمتعنا بالعيش في مخيم اللاجئين برفقة عائلات كبيرة ومع قدوم جميع الجيران الذين أخذوا يخبرونهم عن قرابتهم بوالدهما لقد شعروا بالانتماء إلى العائلة هناك وأحد أعمامهما كان يجيد قص الحكايات، كان الطقس حارا في الصيف لذلك كنا نجلس على فرشات على الأرض ليلا في غرفة كبيرة وكان الولدان يرجوان عمهما أن يروي لهما قصصا أخرى خرافية، بالنسبة لهما كانت تلك رحلة حياتهما وعندما عادا وأخبرا والدهما عنها كان متفاجئا كثيرا من أنهما تسليا هناك.



[فاصل إعلاني]

الحياة في الأردن وتجربة حرب العراق

"
أحد المواضيع التي تهم منظمة المرأة العربية والاتحاد الأوروبي هو العمل على تدعيم المجتمع المدني وإشراك منظمات المرأة غير الحكومية في العمل الميداني
"
مارتا سارة: كان العمل مهما جدا بالنسبة لي وقد كنت محظوظة عندما عثرت على عمل عام 1986 كموظفة محلية في شركة ألمانية عاملة في الأردن ويأتي تمولينا من وزارة التعاون الاقتصادي في ألمانيا ولذلك فهي أموال دافعي الضرائب وألمانيا مهتمة جدا بتطوير الأردن كي يصبح شريكا في التعاون الدولي ونعمل بالتعاون مع شركاء محليين في الأردن وخاصة في مجال التطوير الاجتماعي، فالأردن لا يملك موارد اقتصادية كثيرة فالموارد الأساسية هي الطاقات البشرية لذلك نريد للمجتمع بأكمله أن يصبح قادرا على الاعتماد على نفسه في تطوير الأردن، أجرينا الكثير من المحاضرات والمشاغل الدراسية والحلقات الدراسية وأحيانا كنا نُحضر خبراء من ألمانيا لمناقشة أمور التطوير لأننا رأينا أنه ما لم تشارك النساء والشباب بشكل فعال في عملية تطوير مجتمعهم فلن يكون هناك أي تقدم وهكذا بدأنا نبحث عن طرق تدفع الناس للمشاركة في حل مشاكلهم.

 أحد المواضيع التي نتطرق إليها نحن والاتحاد الأوروبي ومنظمة المرأة العربية هو العمل على تدعيم المجتمع المدني وإشراك منظمات المرأة غير الحكومية في العمل الميداني في المحافظات الإثنتي عشر البعيدة لمعرفة ما هي احتياجاتهن وما هي التغيرات التي يحتجنها والمشاكل الأخرى التي يواجهنها وكيف يمكنهن حلها بأنفسهن ويجب القول إن أساس عملنا هو المناداة بتطبيق حقوق الإنسان على الجميع، لذلك لا نميّز بين الرجال والنساء أو بين الكبار والشباب، نريد للجميع أن يشعر أن لدية القدرة على التغيير، لذلك من المهم جدا أن نصل إلى الناس ونتركهم يأخذون الأمور بأيديهم وأن يخططوا ويطوروا طرقاً لتلبية حاجاتهم سواء بأنفسهم أو بمساعدة الحكومة ومنظمات غير حكومية أخرى، لقد عشت في الشرق الأوسط لـ 24 سنة شهدنا عدة نزاعات إقليمية بالانتفاضة الأولى وحرب العراق الأولى ثم الانتفاضة الثانية وحرب العراق الثانية وبالنسبة للأجنبي الذي يريد أن يردم الفجوة وأن يبني جسور التفاهم بين الشرق والغرب فإنه لشاق جدا عليه أن يعاصر تلك الأوقات العصيبة وبالنسبة لي إحدى أسوأ الفترات في حياتي التحضير للحرب على العراق بعد اجتياحه للكويت، كتبنا أثناء ذلك الكثير لنوضح أنه ما من حاجة للحرب وعندما بدأت الحرب طُلِب من الألمان الذين يعيشون هنا أن يغادروا البلد لكنني قررنا البقاء مهما كانت العواقب لذلك شعرت بأنني بلا حول أو قوة.

عندما قرأت في صحيفة جوردان تايمز عن مجموعة البصيرة شعرت بالسعادة لوجود مجموعة نساء مثلي ممن أردن القيام بما يساعد على فهم الشرق الأوسط وكن يعشن معي في هذا البلد، كانت أشبه بمجموعة تضامن نستطيع من خلالها القيام بشيء ما على الأقل، إحدى النشاطات الأخرى المثيرة للاهتمام والتي شاركت فيها كانت ركوب الدراجة من بيروت إلى دمشق فعمّان وقد جاءت بالفكرة سيدة بريطانية يزيد عمرها عن الستين فكانت فكرة جنونية وقد أحببتها مباشرة، رأت أنه يجب أن نقوم بشيء ما يُظهِر للغرب أن البلاد العربية لا تعنى الإرهاب وحمامات الدماء بل الناس فيها مسالمون وأنه لا بأس في أن تسير النساء عبر البلدان العربية على دراجات وبما أنني أحب أن أكون ناشطة فقد أحببت الفكرة مباشرة، كانت الأردن إحدى الدول المنظِمة الأساسية عبر منسق للمشاريع الأوروبية المتوسطية بالتعاون مع وزارة الشباب وأردنا أن يكون لدينا فريق أردني قوي، لكن كما تعلم لا يركب الناس الدراجات هنا فقط الأطفال يركبونها، بعض النساء لم تكن تعرف ركوب الدراجة لذلك بدأنا بجلسات تدريبية وتمرنا وقمنا برحلة تجريبية خمسين كيلومتر في العقبة وقد كان ذلك ممتعا جدا وبدأنا ببناء الفريق الأردني النسائي في شهر نيسان/ أبريل، اجتمعت 230 امرأة من العراق وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومن مختلف بلدان العالم تحديدا البلاد الأوروبية، بدأنا الرحلة من بيروت وكان الحدث تحت رعاية السيدة أندري لحود والسيدة أسماء زوجة الرئيس بشار الأسد والأميرة بسمة من الأردن وكان لدينا فريق دعم من الرجال كانوا يساعدوننا إن تعطلت الدراجات وفي نقلها وتحضيرها وكل شيء، بالنسبة لي كانت تجربة رائعة فقد سمحت لي بإقامة صداقات دولية أثناء الرحلة، فقد كنت أقود الدراجة إلى جانب فتاة سورية حينا ثم إلى جانب نساء من النرويج حينا أخر.

كان الاجتماع بهن خلال تلك الفترة رائع وكانت أجمل لحظة عندما دخلنا دمشق، عوملنا كزوار رسميين إنما على الدراجات، ذهبنا إلى سوق الحميدية وكان الناس ودودين ومشجعين كثيرا وكان بعضهم ينتظرنا أربع ساعات على قارعة الطريق كالقرويين وقد قاموا بتشجيعنا، أظن أن صورة هذه الرحلة على الدراجات ستساهم في تغيير الصورة العامة للشرق الأوسط، تعلمت من جاراتي عندما جئت إلى الأردن وتفاجأت كيف يطبخون بطريقة فنية، صحيح أننا نحب الطعام الجيد في ألمانيا لكننا لا نكلف أنفسنا عناء صنع الثقوب أو تحضير الخضروات وحشوها أو لف هذه الأوراق، لكنني اكتشفت أن الطهو بهذه الطريقة اقتصادي جدا إذ يمكنك استخدام كمية أقل من اللحم وصنع طبق يكفي عائلة كبيرة، دوالي، كوسة وباذنجان كل هذه الشغلي اقتصادية وصحية في نفس الوقت فأنت لا تأكل اللحم كثيرا.

 أحب الطريقة العربية في الطهو لكن بالطبع هي عملية تتطلب وقتا طويلا لدرجة يتعين عليّ معها القيام بها ليلا أن كنت أقيم حفل استقبال، إنه عمل المرأة في العائلات العربية، هناك البنات والعمات والقريبات في الماضي كن جميعا يتعاون في الطهو وهن يثرثرن، أن تطهو بمفردك فهذا ليس بالأمر الممتع لذلك أطلب من زوجي المجيء ومساعدتي، عندما كنت صغيرة كان لدينا حديقة وقد أحببتها كثيرا لكن عندما أتينا هنا فإن لدينا بقعة بمساحة ستة أمتار مربعة فقط ولم تكن حديقة بل مجرد قطعة أرض لذلك أحضرت التراب والبذور من ألمانيا والجميل في الأمر هو أن كل ما احتجت إليه هو الماء فالشمس ساطعة دائما، هذه البذور ما تزال موجودة في الحديقة منذ 24 سنة خلت تلك البذور التي زرعتها في البداية وقد شجعني ذلك على زراعة المزيد وقد زرعنا كل هذا عام 1984 وهكذا غرست جذوري في الأرض مع الأشجار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة