الدولة الإسلامية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 1:04 (مكة المكرمة)، 22:04 (غرينتش)
حسن الترابي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، منذ أيام الإسلام الأولى والدولة تشغل في تاريخ الإسلام حيزًا كبيرًا إذا لم نرد أن نكون أكثر دقة ونقول الجزء الجوهري منذ أن بنى المصطفى-صلى الله عليه وسلم- دولته الأولى في المدينة، ومنذ ذلك التاريخ والناس تنظر إلى محمد-صلى الله عليه وسلم- على أنه نبي ورسول إضافة إلى كونه قائدًا لدولة وزعيمًا لأمة ناشئة، واستمرت الخلافة ثابتًا في حياة المسلمين طيلة قرون الإسلام باستثناء القرن الأخير الذي انصرم لتوه، في حالة الهزيمة التي أدت إلى سقوط آخر خلافة إسلامية بدأ التشكيك بالإسلام دينًا ودولة وبطبيعة العلاقة التي تحكم السياسة والدين في تاريخ الدولة الإسلامية، قد نكون مع بدايات هذا القرن قد وصلنا إلى إعادة مسلمة أن الإسلام دين ودولة مرة أخرى لكن ما زالت دعاوى الفصل بين الدين والدولة قائمة، ومازال ثمة منطق عربي ومنطق إسلامي يصر على وجوب الفصل وإخراج الدولة، ومن ثم السياسة من فكر الإسلام ومن جوهر الفكر الإسلامي عمومًا.

ولمناقشة ما إذا كان في الإسلام دولة؟ وإذا كان ما طبيعة هذه الدولة؟ يسعدني أن يكون معي في الأستوديو لهذا اليوم المفكر الإسلامي الكبير الدكتور حسن عبد الله الترابي، والذي أعتقد أنني أجد نفسي غير مضطر للتعريف به لأنه كأنه علم في رأسه نار، ولكن نرجو أن تكون نار النور ونار الإسلام إن شاء الله الداعية إلى الغير، مولانا.. أولاً أهلاً وسهلاً بك في الشريعة والحياة.

حسن الترابي:

مرحبًا، عليكم السلام والرضوان.

ماهر عبد الله:

يا سيدي، دولة المصطفى في المدينة عندما نطلق عليها دولة، ونقول أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان زعيمًا، وكان قائدًا، هل نحن نستخدم تعبيرًا مجازيًّا أم كان ثمة جانب دولة واضح في حياته-صلى الله عليه وسلم- أريد لنا بعد ذلك أن نتأسى به فيه؟

حسن الترابي:

العهد المكي من رسالة الرسول-عليه الصلاة والسلام- كان بالطبع ينشر رأيًا بدأ غريبًا بين الناس لأن الدولة لابد أن يتكون لها قاعدة من الشعب كما نعرفها اليوم، وهاجر من بعد ذلك من مكة، وانضم إليه المهاجرون، واتبعهم بعد ذلك بإحسان آخرون، وقامت الدولة في النصف الأخير أو أقل من النصف بالطبع من حياته، والدولة قائمة على نظرية التوحيد، والديانات كلها هكذا أن الحياة كلها لله، عقلاً بالطبع لا يمكن لله أن يكون في زاوية مسجد، وألا يكون في ميدان حرب، ولا في ديوان سلطان، ولا في سوق أصلاً، كل الديانات بدأت هكذا توحيدية للحياة كلها لله، لو كان لله حكمة فحكمته ليست أن يعلمنا كيف نصلي، ولكن يعلمنا كذلك كيف نسوس أمورنا، وكيف ندير اقتصاديًّا، وكل الحياة فهو خبير بصير حكيم، وهو كذلك يعلو علينا، ولا يمكن أن نتعالى عليه في بعض حياتنا، ثم نقدسه في بعضها، فهذا ليس من المنطق في شيء، وهكذا كانت طابع اليهودية الشريعة قامت الدولة هكذا، النصرانية نفسها إنما انضافت إليها لتعالج بعض الأمراض التي تطرأ على الدين بعد أن تدخل عليه داخلة الفئة السياسية، وكذلك جاء القرآن بالطبع يخاطب الرسول أحيانًا حتى في المدينة خطاب الداعية والمنذر والمبشر، ويخاطبه أحيانًا خطاب الحاكم اللي يسوس حربًا أو سلامًا مع آخرين أو يكون قاضيًا وحاكمًا بين الناس، أو يأخذ في أموالهم العامة حق الزكاة أو يوقف الربا وهكذا حياته كلها هكذا كانت، لا معنى لأن نبحث عن أحاديث صغيرة، وأنه لابد من بيعة لأمير وألا يكون الناس فوضى حياته كلها سنته، كل الحياة هكذا كانت، كانت أن تقول دولة.

فاصل إعلاني.

ماهر عبد الله:

دكتور.. تكلمت عنها، وكأنها مسلمة، وأنا شخصيًّا أعتقد بأنها مسلمة، ولكن في القرن الماضي من مائة عام تقريبًا والفكر العربي يشكك في هذا الدمج بين الفكر السياسي والفكر الديني، ومازلت بقايا لهذه الدعوات نسمعها بين الفينة والأخرى عن حركات وأحزاب كبيرة ولا بأس بها في الساحة العربية.

حسن الترابي:

هذه هي السنة تطرأ على تاريخ كل الديانات النصرانية بالطبع دخلت، وبالرغم من أنها تعرضت لكثير من الاضطهاد من الرومان، ولكن أخيرًا تبنتها (قسطنـتين) وغيره، وتوحدت، ولكن بدأ يقع الصراع الذي انتهى بها إلى ما انتهت إليه، تفجرت الإمبراطورية الرومانية إقليميًّا والوحدة الفكرية كذلك أصبحت مِلَلاً ونِحَلاً وصراعات دينية، ومن بعد ذلك جاء عامة الناس لأن أهل الكنيسة كذلك تحالفوا مع أعدائهم، فقاموا على الكنيسة في الثورة الفرنسية والثورات كذلك التي حصلت، الإصلاح الديني، وجاءهم نفحة من الفكر الإسلامي الذي فتح وطهر لهم الكنيسة، إلا أنهم لا يجدون دينًا إلا كنيسة, ولذلك خرجوا تمامًا، والمرأة هناك كانت صريحة، كان كفرًا بواحًا وانفصامًا صراحًا، عندنا في الإسلام الخلافة الراشدة كانت بنية الدولة بنية إسلامية الناس كما يقول الله بالشورى يقومون وعلى حرية وتوال، توالى فيه الناس طوعًا.

وتلتزم كذلك بأحكام الشريعة هديًا في حياتها، ولكن اتسعت الدولة الإسلامية جدًّا، ودخلتها أقوام، وبدأت تنبعث فيها كذلك تقاليد قديمة جاهلية، ووقعت الفتنة الكبرى كما تعلم فأصبحت الخلافة ليست خلافة راشدة على بنية الإسلام الدولة لا تبني على بنية الإسلام، ولكنها تسوس سياستها على الإسلام، لكن برأ منها الفقهاء كلهم كانوا يعارضونها من مالك إلى أبي حنيفة والبصري إلى الشافعي إلى أحمد بن حنبل، وخرج منها كذلك القراء وما يسمون الخوارج وبدأت تتفلت حتى أصبحت رمزًا، وبدأ يحكمها قادمون من الشرق كما تعلم فالدولة بدأت تنهار منذ زمن قديم، فهذا الذي حدث في القرن الماضي ليس إلا..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

تتويج للمرحلة.

حسن الترابي:

تتويجًا للفصام الذي وقع، وليس بغريب أن يكون، ليس هو الفصام الوحيد الاقتصاد كذلك خرج، الفن كذلك خرج من الدين، العلم كذلك للأشياء وللطبيعة، كان موحدًا مع علم التنزيل والمنقول غير المعقول، ولكنه خرج كذلك..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

لكن، دعنا نركز قليلاً على فكرة الدولة لأنه حميمية علاقتها بحياة الناس، إذا كان في أربعة عشرة، ونتقرب من القرن الخامس عشر من تاريخ الإسلام، ويبدو أنه لست الوحيد من مفكري الإسلام المعاصرين الذين يقرون بأن الإسلام دين ودولة، ولكنها لم تنجح عمليًّا في نموذجها الأمثل إلا في الفترة الراشدة، كيف نستطيع أن نجزم إذا كان المصطفى-صلى الله عليه وسلم- حكم عشر سنوات فقط، الخلافة الراشدة ما عمرت أكثر من ثلاثين عامًا، ثم بعد ذلك قرون من الفشل السياسي.. فشل الدولة ثم كيف نصر بعد ذلك على أنها..؟

حسن الترابي:

كانت المثل عالية، إن الله سبحانه وتعالى رسم للناس النموذج، وكان عاليًا جدًّا بالنسبة لهذه الجماهير التي تدفقت في الإسلام، ولذلك مضى الإسلام في العبادات وفي العلاقات الاجتماعية وفي كثير من جوانب الحياة، ولكنه في جوانب أخرى لم يصلوا إلى ذلك المثال، وليس ذلك بغريب، في أوروبا الغربية كذلك الديمقراطية مثلاً حتى لما تنزل بها الوعي استغرقت الصراعات والتوترات والأزمات حتى تترسخ في قواعد الشعب، وحتى تقوم عليها البنى الديمقراطية الحقيقية.

وأحيانًا قرونًا منذ القرن السادس عشر، قرونًا حتى بدأت هذه، فليس ذلك بغريب أن يكون المثل السياسية كانت أشد عسرًا من عالم متسع كإمبراطورية الإسلام، كيف تدير الشورى ووسائل الاتصال ضعيفة؟ وكيف تحرك كل هذا الشعب بحريته ليتفكر ويتذكر، ويكون آمر بالمعروف وناهي عن المنكر وكلهم عوام والثقافة فيهم ضعيفة لا تتلقى الدين؟ فليس ذلك بغريب.

ماهر عبد الله:

ألا تكفي كل هذه القرون لتنضيج فكرة سياسية ما؟ وأوروبا في نهاية المطاف صارعت، كانت في يوم هي أشد مما عندنا، خلاصة تجربتها انتهت إلى هذا النموذج الذي نحسدهم عليه وكثير منا إسلاميين وغير إسلاميين يتوقون إلى درجة الحرية ودرجة التفهم في التبادل السلمي على السلطة، لماذا فشلنا في أربعة عشر قرنًا في تطوير نظرية على الأقل؟

حسن الترابي:

نعم أولاً، لما فارق العمل الدين في مثله السياسية كيف نبني دولة وكيف نديرها؟ بالطبع العلم والعمل يتواصلان، فأصبح العلم السياسي الدستوري فقيرًا جدًّا والكتب تكاد تستحقرها إذا قرأتها، فالعلماء تركوا السياسة، وأهملوا حتى الحكام أصلاً أن يكونوا مصدرًا للحكم أهملوهم، وتعاونوا مع المجتمع رأسًا، وكذلك الصوفية وهي التي انتشرت في السودان لم تدخل بأخلاقها إلى هذه المنطقة أصلاً وبدأت مصالح، وبعد ذلك تفجرت الأمة الإسلامية، وأصبحت القوميات محل القوميات الأوروبية التي صارعت كذلك البابا في كنائسها القومية حدث عندنا لكن نحن عندنا نعتقد الأمر غير الفقر التاريخي، وغير مصالح الذين تمكنوا في السلطة، ويرون إذا قامت الشريعة ستقيد سلطانهم، أصبحت عندنا قضية أن الغرب دخل علينا بتجربته، وكذلك بشدة وطأته لأنه يخشى الإسلام لما كان الإسلام قويًّا فيريد أن يطمس الإسلام تمامًا في الحياة العامة، ويرده إلى فقط الحياة الخاصة، ويحاصره في تلك المنطقة، فأصبح الثقل علينا، والتحديات معقدة ومركبة.

ماهر عبد الله:

سأرجع لماذا ضمر هذا الفقه لاحقًا؟ لكن لو افترضنا، وسلمنا معك بأن هناك دين ودولة وأن الله الذي أراد لنا وعلمنا كيف نعبده في المسجد علمنا كيف نعبده في حياتنا العامة، في النموذج الذي تراه، في النموذج الذي تحلم أن يكون كيف نرى شكل العلاقة بين السلطة الدينية التي تتعامل مع ثوابت عقيدة ثابتة على مر الأزمان وبين متغيرات واقع سياسي الثابت الوحيد فيه هو التغير، ثم تحكم الاثنين بعقلية واحدة؟

حسن الترابي:

أولاً يا أخي الكريم، إن الله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمن في وجدانه لأن الله يراه ويرى ما في الصدور، وهو خوفًا من الله ورجاء في رحمة الله سبحانه وتعالى يسير نفسه على قبله وعلى هدى وعلى تقوى، ومن حوله كذلك المجتمع غالب خطاب القرآن، خطاب الحضارات الحديثة أن المجتمع هو الذي يؤدي غالب وظائف الحياة العامة بين الناس، ولكن القرآن يجعل للسلطان وظائف كذلك فلابد أن تتكامل كل هذه البنى معًا تتوحد معًا لتقيم الدولة الإسلامية، ولا يمكن أن ينفصل بعضها عن بعض حتى الذي تمارسه السلطة وهو مثلاً القتال، ولكن القرآن يخاطب الوجدان، وخاطب المجتمع كذلك في أن يتعبأ وينفر، والوجدان كذلك أن يـبايع الله سبحانه وتعالى، وكذلك حتى الزكاة مثل الأموال العامة ومنع الربا وفرض الزكاة، يخاطب المرء أن يتطهر، وهكذا فكلها يتفاعل مع بعض، ولكن الفقهاء منذ القدم يعرفون أن للسلطات حددوًا وأن الشيء قد يكون حرامًا على الإنسان في وجدانه، وقد يكون عيبًا في مجتمعه المؤمن، ولكن ليس للسلطان أن يـبسط عليه سلطة أصلاً هي خارجة عن السلطان..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

هذا سؤالي تحديدًا، أنه متى ينـتهي سلطان العالم الفقيه ليبدأ سلطان السلطان سلطان الملك وسلطان الأمير وسلطان الرئيس، الإشكالية الحاصلة الآن في نموذج مثل النموذج الإيراني، ولعله في السودان لمستم شيئًا من هذا، وإن كان مش هذا مقصد حديثنا أنه المرجع الأساسي هل هو ولاية الأمة أو ولاية الفقيه؟

حسن الترابي:

المرجع هو الأمة، ليس في ذلك من شك، إن الله سبحانه وتعالى يقول: عن الحكم كله بالشورى، إن الأمر شورى بينهم، تهيئوا لذلك منذ مكة، وتأكد لهم في المدينة، شورى بين الناس، وكانت الأمة هي خير أمة أُخرجت للناس هي التي تأمر ولا تؤمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر والله سبحانه وتعالى حتى في الطاعة يقول أن نطيع الله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) فهم يخرجون من إجماعكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه أنتم يا أيها المؤمنون في جماعتهم لله وللرسول، فأنتم مراقبون كذلك وإليكم المرجع في الخلافيات، المرجع وليس إلى السلطة فقط وحسب، فالسلطة منهم والمرجع إليهم والتعويل كله والخطاب في كل وظائف الحياة يكاد يكون كله يخاطب فيه المجتمع، بعض الوظائف يخاطب فيها السلطات ليستعمل السلطة أيضًا.

ماهر عبد الله:

لكن خطاب الإسلاميين وأنت منهم ظاهره العام، هذا قد يقول لك البعض أن هذا جديد في خطاب الدكتور حسن الترابي، المجتمع، المجتمع الخطاب الإسلامي العام يكبر من حجم الدولة الطابع السياسي، لو سئلت عن غالبية حركات الإسلام اليوم سيقول هي إسلام سياسي سلطة، ليس ثمة تلك العناية بتغيير المجتمع بالمعنى الحقيقي للتغيير.

حسن الترابي:

لعل الدولة غابت من الإسلام، فالثغرة كانت قائمة لذلك عني الناس بأن يصوبوا على هذه الثغرة، إذا جاءت الثغرة في بلد صوبوا كل همهم وكل أملهم عليها لدرجة أنهم أهملوا المجتمع، ولن تقوم دولة إسلامية من غير المجتمع، ولن تقوم دولة في الغرب ديمقراطية بغير المجتمع الديمقراطي في واقع الأمر، فالمرجع إلى المجتمع، والإيمان في قلوب المجتمع، والمرجع إلى الله، ولكن من خلال قلوب الناس، فكان التركيز هكذا، وثانيًا غشيتنا غاشيات من الاستعمار الذي تمكن فينا بالسلطات والفكر الاشتراكي من بعد ذلك الذي يريد أن يقبض كل المال عند السلطة، وكل السلطات عند السلطة ويحتكر كل شيء، فنحن لا نسلم كذلك من أن نتأثر بهذه الغاشيات، لكن حتى الحضارات الحديثة كلها طبعًا المجتمع الأفضل هو الذي تقل فيه الحكومة وكلها خضع الحكم، ونحن عندنا في الإسلام عندما رشد المجتمع، وأصبح فاضلاً، وظائف الدولة تصبح محدودة..

ماهر عبد الله (مقاطعًا):

هذا يجرني لسؤال آخر له علاقة بالسؤال السابق، إذا نحن نرشد مع الزمن كإسلاميين وكمفكرين وكمجتمع، متى إذن تنتهي سلطة الفقيه لتبدأ سلطة السياسي الأقرب إلى الواقع، لأن الفتوى عندما تخرج لها واقع ديني وطابع ديني وسلطة أخروية؟

حسن الترابي:

يا أخي الكريم أنا لا.. هذا الفقه، إن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا في القرآن جميعًا فيقول (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) جميعًا نتذكر ونتفقه، فالفقه لا يخاطب به طائفة أصلاً، يخاطب به المجتمع، فالتفقه وهو الفهم العميق يخاطبنا به جميعًا، لا يجوز أن نرد كما ردت المسيحية الدين إلى الكنيسة، ووقع الفصام بينها وبين المجتمع وبينها وبين النبلاء، وأصبح الصراع ثلاثيًّا بين أهل الدين وبين المجتمع والعامة وبين الساسة، ولكن هناك الفقه نفسه فقه للناس، والإجماع هو إجماع الناس، وليس إجماع الفقهاء، والشورى (وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) الشورى للناس فحتى الإمام نفسه ينبغي أن يكون الخيار لنا لأنه منا أن يكون أيضًا لا أقول متخصصًا في الدراسات النقلية، ولكن أن يكون متفقهًا حتى يؤهل لذلك ومؤتمن كذلك، فالفقه حركة للحياة كلها في الدولة وفي السلطان وفي المجتمع عند الأفراد يتفاوت فيها الناس طبعًا، وهذا أفقه من هذا.

ماهر عبد الله:

طيب أنا أسألك سؤالاً: قد يكون في الباب التاريخي، وليس التاريخ القديم طوال فترة السبعينات والجزء الأكبر من الثمانينات كان ثمة حالة يمكن تسميتها بالشبق الإسلامي السياسي،كان الإسلام قاب قوسين أو أدنى من الحكم في مجموع الدول العربية والإسلامية فجأة مع بداية عقد التسعينات الأخير خبا هذا الصوت السياسي الإسلامي، والآن الناس تتحدث عما بعد الإسلاميين حتى داخل بعض التيارات الإسلامية من يفكر الآن بمزيج بين الفكر الإسلامي كما عرفناه في الستينات والسبعينات العقائدي الطهوري وما بين طروحات أخرى خصوصًا فيما يتعلق بالمسألة السياسية.

حسن الترابي:

الحمد لله، خبت كذلك كل العقائد الأخرى الاشتراكية والقوميات التي كانت هنا في هذه الساحة تغشانا، ولكن أن تقوم قائمة الإسلام موحدة لكل الحياة اقتصادها، وهذا يهم الشعب حتى لا تتحول إلى مادية فقط تريد عاجل الحياة الدنيا، وأن تقوم الفنون كذلك، وأن تقوم العلوم كذلك، وأن تقوم الدولة كذلك، والسياسة كذلك، هذا معرفة حضارية تستدعي منا وقتًا طويلاً، وقد نتعرض فيها لقومة ونزلة، لن نصعد هكذا اطرادًا يعني إلى علٍ، فأنا لا أعتبر تلك صدمة يعني، أعتبر أننا نهضنا إلى الدولة حتى نحاول أن نجسد فيها كل القيم ولكن الآن تبين لنا أنه لابد من أن تبنيها كذلك في العشب لأنها تقوم على الشعب.

موجز الأخبار.

ماهر عبد الله:

دكتور الترابي قبل الموجز كنا تحدثنا عن الصحوة وضرورة تتويجها، لكن قد نعود للصحوة لاحقًا ثمة ملاحظة، أغلب الإسلاميين لا يدركونها، ولا يريدون الاعتراف بها، وإن كان يدركها مفكرون آخرون محسوبون على ملة الإسلام كوننا نحن لسنا في شغل التكفير وإخراج الناس من الملة، فكل من يقول عن نفسه مسلم فهو مسلم، لكن من غير الإسلاميين من أدركها وبوضوح أنه رغم أربعة عشر قرنًا من الإسلام تطور الفقه في جوانب كان تطور دقيق وواضح لم يترك فرصة الاجتهاد، وإلا أن الفقه السياسي عمومًا ما زال يحبو وإذا وقف على رجليه فهو أعرج في أغلب الأوقات في مسائل جوهرية، مثل مسألة انتقال السلطة.. هل ثمة آلية يمكن أن يقال إسلامية لانتقال السلطة الشورى المنصوص عليها بالقرآن، وقد وردت في حديثكم هذا اليوم أكثر من مرة، مازلنا لا نتفق هل البرلمان هو الصيغة؟ قد يكون في السودان ارتأوا ذلك، في إيران ارتأوا ذلك لكن ثمة حركات إسلامية لا تقبل، ثمة مصدر الشرعية في هذه الدولة كيف يكون الحاكم حاكمًا؟ ومتى تخلع عنه الشرعية؟

لو ابتدأنا بآلية انتقال السلطة لماذا لم يتطور الإسلام أو الفقه الإسلامي عفوًا ليوضح لنا كيف تتم عملية انتقال السلطة؟

حسن الترابي:

لم يتطور الفقه لأن إيمان المسلمين لم يقوَ على مقاومة فتنة السلطة التي تنزلت عليهم، ولذلك تعطل العمل والفقهاء الأوائل اضطروا أن يأخذوا جانبًا لأن الحكومة كذلك حاصرتهم بالطبع كما يحاصر أيما طاغية مجتمع ليـبعد منه فتركوا الفقه السياسي تقريبًا تمامًا هم والصوفية الذين يعنون بالمجتمع فأصبح المجال فارغًا تمامًا لم يتطور، كيف يتعاقب الناس في الإسلام مبادئ بالطبع، إنما حتى مع الأنبياء نعلم أن (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم.. ) أنه كما يتعاقب الأنبياء بعد الختام لا يتعاقبون بالطبع، ولكن ينبغي أن يتعاقب على الناس القيادة، سواء القائد.. القائد ليس فردًا، لكن القيادات كلها تتعاقب كما يتعاقب الأئمة على الصلوات، ولكن يرتدوا إلى أن يبقى قائد الدولة كيفما تسمى باقيًا أبدًا، الشورى كذلك، كان يمكن.. فالمسلمون كانوا في حالة انتقال وكانوا في حالة اضطراب وحروب الردة –كما تعلم- والحروب من حولها، فقبل أن تستقر حتى تبتدئ تتبلور، بدأت تظهر أهل الشورى وأهل العقل، ولكنهم لم يعينوا تمامًا، والصلة بينهم وبين نظام الانتخابات عند الخليفة، الخلافة الثالثة بالطبع، بدأ نظام الانتخابات، وبدأت هيئة الانتخابات تنزل وتنزل مناهج المرشحين بين علي وعثمان رضي الله عنهما، فكان يمكن لو أن استقرت الأمور أن تتبلور وتتجسد هذه المثل، ويتابعها الفقهاء فيهدونها وينقدونها وينصحون والمجتمع كذلك يرضى بهذه أو لا يرضى بتلك، وكانت تتطور، ولكن تعذر ذلك تمامًا فتعوقت هذه المؤسسات حتى إن الشورى ماتت عند المسلمين تمامًا فأصبحت كالمشاورة تشاور ثم تتصرف كما تشاء، ماتت الشورى إلزامًا، أمرهم شورى بينهم دليل على الإلزام، وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يلتزم بأمر الشورى حتى في عملياته الحربية، ولكن ماتت تمامًا، الحرية للمسلمين ماتت تمامًا، الله كل قرآنه يخاطبنا لا أن نتمتع بحق هكذا لا نمارسه، لكن أن نمارس حقًّا المشيئة التي وهبنا الله سبحانه وتعالى، ولم يكرهنا على شيء فنتفكر ونتذكر وندبر ونقوم وننصح ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، لكن المجتمعات ماتت وتركت الأمر كله للشيوخ، الفقه مثلاً، فأصبحت هي عاجزة تمامًا، والعهد بدأ الرسول-صلى الله عليه وسلم- المدينة بصحيفة كتابة، دستورًا كما نسميه الآن كلمة طبعًا فارسية هي، ولكن هي تصف معنى الميثاق الذي يتوالى عليه الناس هذه السُّنة إن داحت الدولة الإسلامية، وقامت الدولة بالقوة فضاعت هذه السنة تمامًا فضاعت كل الأصول التي يمكن أن تبنى عليها الدولة قاعدة الولاء والعقد نفسه الذي يفصل لنا هذه الذي ذكرت.

وثانيًا حرية الناس والأدوار التي يؤدونها، وثالثًا الشورى المباشرة استفتاءًا كما نسميه اليوم لأن القرآن يحدثنا عن شورى المسلمين أو إذا تعثر الأمر وتعجلوا بشيء ينتدبوا أو يوكلوا نيابة عنهم من يفوضونه لذلك، ثم بعد ذلك كيف يؤمر أحد لينفذ هذه القرارات التي تفصل الشريعة تشريعًا، التفصيل والتفصيل فعل بالطبع وهكذا، والقضاء والمؤسسات الأخرى كيف تتكامل..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

الآن أنت فتحت عليَّ سؤالين من خلال جوابك هذا إذا كان لم نطور نحن عبر تاريخنا هذا آليات واضحة محددة لانتقال آلية الحكم، ولم نطور آلية لشورى ومازلنا مختلفين، أولاً: ما الذي ندعو إليه إذن كإسلاميين؟ ما الذي يدعو إليه حسن الترابي؟ ما الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون وكل الحركات الإسلامية نحن ندعو إلى أمر لم تتضح معالمه لنا بعد على الأقل، ليس هناك سند تاريخي نتكئ عليه هذا الذي نريد، من جانب آخر كيف نكفر من ينكر وجود الدولة في الإسلام إذا كل آليات الحكم، كل آليات السلطة السياسية على صعيد التنظير غير موجودة، يعني إذا رجع إلى تراثنا، العلماني الذي يريد أن يرجع، ليعرف ما هي الشورى لن يجد، أنا أفهم من كلامك أنه لن يجد قواعد تنظيرية تخدمه في هذا الاتجاه، أو من ناحية كيف نلوم العلماني على إنكاره لوجود الدولة؟

ومن ناحية أخرى ما الذي يدعو إليه الإسلاميون تحديدًا؟

حسن الترابي:

هذا ليس في السلطة والسلطان وحسب حتى في الاقتصاد يا أخي الكريم، حتى في الاقتصاد كذلك، ولكن كل التطورات المذهبية في العالم بدأت هكذا، لما بدأت الاشتراكية كان ظلامة من الناس على طغيان الرأسمالية، ولكن ما كان يدرون كيف يدار الأمر، فبعضهم جنح إلى أن يصادر المال كله للدولة، فأصبحت هي مصيبة أيضًا على الفقراء، وبعضهم كذلك قام على الأغنياء شيئًا فشيئًا يقيدهم ويلقي عليهم الضرائب، ويعطي بعض الخدمات والناس الآن انتهوا إلى شيء فالتطورات أصلها من النظرية إلى الواقع تأخذ وقتًا، الثورة الفرنسية قامت على مبادئ ديمقراطية: إخاء وحرية ومساواة بين الناس، ولكن بحثت عنها زمنًا طويلاً حتى تقوم، وكل الثورات هكذا فالتحولات هذه ليست بغريب، ولكن إذا قرأت القرآن لا تستطيع أن تنكر دولة لأنه الخطاب مباشر للحاكم، للنبي صلى الله عليه وسلم حاكمًا كما كان الخطاب لداود ولسليمان مباشرًا أن يمارس بعض الأشياء بالسلطان غير التي يمارسها داعية، وكذلك دور المسلمين مع السلطان يخاطبون به كل القرآن تقريبًا.. كيف نتعامل مع السلطان؟ كيف نقدمه؟ وكيف ننصحه؟ وكيف نقوم عليه أو لا نقوم عليه..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

لكن لو سمحت لي، نعم، قد يقر معك العلماني بأن هناك دين ودولة، ولكن في كل النماذج التي قامت في القرن الماضي لو أخذنا النموذجين: السوداني والإيراني، والطريقة التي تواضعوا عليها لانتخاب الرئيس طريقة غربية، هي قطعًا ليست طريقة إسلامية، وليست مسبوقة في تاريخ الإسلام والمسلمين بهذا الانتخاب الشعبي والجماهيري، ثم البرلمان والصيغة البرلمانية.

حسن الترابي:

كيف؟ يعني المسلمون عندما.. بعد الرسول صلى الله عليه وسلم جلست هيئة وسطى لو كانت القضية أعسر عليها لو سعت الدائرة، لكن زكوا بالتزكية هكذا المرشح الأول، وكان أبو بكر ثم المرشح الثاني، وليس ذلك بغريب، كانا قريبين من الرسول-صلى الله عليه وسلم- فأن يخلفاه لم يكون غريبًا في قبول الرأي العام وإجماعه، بعد ذلك اضطرب الرأي العام فقامت هيئات انتخابية، وسألت كلاً منهما عن منهجه كما نسميها برامج اليوم، وقامت هي للنساء وللرجال وطبعًا كان عسيرًا عليها أن تسافر في أرجاء الأرض، وتترك الساحة فارغة لأن خطرًا قد يملأ الفراغ، ولكن سألوا كل قيادات القائمة فأعلنوا بعد ذلك النتيجة كانت أول انتخابات تجري في العالم، ونحن في السودان حتى حاولنا أن تأخذ منها ألا تدور انتخابات كالنظام الغربي لأن الأغنياء بالطبع يشترون وسائل الإعلام، فيأكلون الفقراء من المرشحين، ويذهبون منسيين، ويضعون هكذا، لو أن أهل الإسلام.. أولاً: الغرب نفسه، الله دائمًا يحدثنا أن نسير في الأرض فننظر كيف كان عاقبة الآخرين، فحتى إذا كانوا غير مسلمين أو غير مؤمنين أصلاً ينكر وقد.. أو كيف يمكن أن نحقق مثالاً إسلاميًّا، لأنهم جربوا تجارب كثيرة في الانتخاب، الانتخاب بدأ في الأول بالأغنياء فقط في أوروبا الغربية.

ماهر عبد الله:

النبلاء نعم.

حسن الترابي:

الإصلاحات في بريطانيا، بعد ذلك لكل الناس، بعد ذلك لأصحاب الملل الدينية التي كانت محرومة، وأخيرًا للمرأة، يعني بمعارك هكذا شيئًا فشيئًا فتنظر إلى هذا التاريخ بعد ذلك، ويمكن أن تستفيد كذلك كما تستفيد في الطب، كما تستفيد في كل شيء، أي كيف توقع أو كيف تنزل مثلك إلى الواقع في ظروف الابتلاءات والاتصالات والمجتمعات الحديثة يمكن أن تستفيد كذلك بتجارب العالم المعروضة فيه.

فاصل إعلاني.

ماهر عبد الله:

دكتور ترابي ذكرت لي أن سقيفة بني ساعدة كانت أول انتخابات في تاريخ البشرية، لكن..

حسن الترابي(مقاطعًا):

بل الانتخابات بين عثمان وعلي.

ماهر عبد الله:

أو بين عثمان وعلي وحتى فيه (هناك) صيغة تشاورية حتى في بني ساعدة كان فيه منطق دارج، لكن أيضًا أول سيوف رُفعت في الإسلام كانت حول السلطة بين عثمان وعلي أو بين علي ومن طالبوا بدم عثمان، وما زلنا ندفع أكلاف (ثمن وتكلفة) هذا الخلاف إلى يوم الناس هذا، وما زالت مذاهبنا وفرقنا العقائدية تعيش، وتحمل من الضغينة والحقد المتبادل ما كان محمولاً في ذلك الوقت، نحمد الله أن السيوف خفت فيما بيننا اليوم، كيف نقول أن ثمة تشاور ما، ثمة عملية انتخابية وإن كانت بدائية تتناسب مع الوقت؟ ما حقيقة أنه مازلنا منذ ذلك السيف الأول إلى اليوم، وأرجو ألا تخوض في التجربة السودانية، يعني حتى التجربة السودانية الشد والجذب شديد بين الذين يريدون التبادل والتداول على السلطة؟

حسن الترابي:

ذلك يصف حال المجتمعات بالطبع، المجتمعات الغربية كذلك لما بدأ الدين وبدأت النحل بينها، وبدأت الكنائس المختلفة انتهت إلى صراعات حادة، لما بدأت الطبقات انتهت إلى صراعات حادة، لما بدأت الأحزاب وكذلك انتهت إلى صراعات والقوميات إلى صراعات، وبعد طول هذا الصراع بعد ذلك، حتى بعد الحروب العالمية انتهوا إلى مجموعة أوروبية، ولكن بعد طول ذلك الصراع القديم انتهوا إلى أن يتراضى الناس على الخلاف بالحوار، ويردوه إلى الشعب ويرضوا بحكم الشعب حتى تدور الدورة، المسلمون والفقهاء حفظوا هذه الروح الإسلامية روح الإخاء بين المسلمين وحتى إذا اختلفوا ولم يتفقوا على شيء بينهم، يعني يخرج الشافعي على مالك، ولكن لا يصطرع هؤلاء وأولئك، حتى الصوفية كذلك تخرج الطريقة من الطريقة الأم إلى طريقة جديدة وتتحدد، ولكن المسلمون منذئذ شيطان السياسة كان دائمًا يدفعهم إلى أن يتفاقم الصراع، إلى أن يحسموها بالقوة، لماذا؟

لأن هناك صراع على استعمال السلطة لا على استعمال الرأي، ولا على استعمال المعاني النفسية، منذئذٍ إلى الآن ما أحسب أن المجتمعات الآن قد بلغت لأنها ضعيفة، لا يفهم كثير عن تجربتها ليتعظ بها، ولا يفهم الكثير عن الفقه الإسلامي، كيف في الخلافات أبدًا، وثانيًا هي السلطات المطلقة الآن، الذي لا يريد الإسلام يقوم فبالطبع يعلو وتعلو عليه الشريعة وتقيده وهكذا، هي تزيد أن تستعمل أحيانًا الكبت، والكبت دائمًا يسبب الانفجارات، هذا الذي دعا كثيرًا من الحركات التي كانت حركات دعوة إلى أن تتحول لحركات جهاد، الجهاد المدمر كذلك التي.. وتنسى كل ماذا تريد أن تبني؟ تريد أن تهدم هذا الباطل ويدخل علينا كذلك من خارج.. من هذا العالم الذي أصبح متقاربًا جدًّا، الغرب يخاف جدًّا من الإسلام بتاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ الحقبة الاستعمارية ولذلك يدخل علينا إذا دخل الإسلام السياسي، ويحاول أن يضرب بعضه ببعض حتى يبدد هذه الطاقات فلا تبني، كل هذه العوامل عوامل فاعلة الآن، ولكن أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقوى المجتمع الإسلامي، ألا تدخل عليه الدواخل فيستطيع أن يبسط الحرية والخلاف والتعاقب بين مختلف الحكام والخيار بين مختلف المرشحين والمقدمين، وهكذا حتى ننتهي إلى ما تجده واضحًا جدًّا في القرآن، الآيات لا حد لها، في السلطة كذلك.

ماهر عبد الله:

طيب سنعود لمواصلة هذا الحوار، ولكن لنسمح للإخوة المشاهدين بالمشاركة معنا، ونسمع ما عندهم من مشاركات وأسئلة، معي الأخ سعيد محمود من مالطا، أخ سعيد تفضل.

سعيد محمود:

السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

سعيد محمود:

لك الشكر الجزيل–يا أخ ماهر- على استضافة العلامة الكبير الترابي لنحاوره في قضية من أهم قضايا المسلمين، وأن نسأله والآن نستفيد من علمه في هذه القضية اللي هي فعلاً الآن أهم قضية في العالم الإسلامي، فأرجو أن يتسع صدرك لنا وصدر فضيلة العلامة الكبير.

سيدي الكريم ما أعتقد أن القضية الآن قضية تأصيل، يعني مش القضية الآن قضية تأصيل وتنظير كيفية انتقال السلطة أو لعملية التشاور وتأصيل التشاور وكذا والبرلمانات وغيرها، القضية هي قضية مبدأ قبول الإسلام كحاكم في حياة المسلمين، هل مقبول أم لا؟

فإذا صار هذا القبول فالقضايا الإجرائية تأتي لاحقًا، والتأصيل من القضايا الإجرائية التي لا يعجز عنها علماء مثل فضيلة العلامة الترابي، هذه واحدة.

الثانية: سياسة الحكام الحاليين في العالم الإسلامي هي الآن وضع دستور ينص على أن دين الدولة الإسلام، إرضاء للشعوب وامتصاصًا لنقمتهم إلا أنهم ينسفون عن عمد هذه المواد في الدستاتير، إرضاء لغرائزهم المنفلتة في حب السيطرة أو الشهوة أو إرضاء الحكام الغرب الذين يحاربون الإسلام، ويهددون المطبقين له من الحكام بالإسقاط، ما نريده سيدي الكريم من الحكام هو أن يعطونا حجة نلقى بها ربنا، الله أمرنا بإقامة شريعة الإسلام وفق عقيدتنا..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

أخ سعيد اسألني سؤال يقدر يجاوب عليه الدكتور حسن، ماعتقدش هو يتكلم باسم الحكام العرب.

سعيد محمود:

لو سمحت، هذه القضية تتعلق بالحكم في بلادنا، أنا أريد أن أسأل السؤال، أطرح مداخلتي، وأسأل السؤال.

ماهر عبد الله:

تفضل.

سعيد محمود:

فنحن نطلب من الحكام أن يعطونا الحجة إذا كانوا غير مؤمنين بالإسلام فيا سيدي هم لا يقيمونه، ما لا شيء (إطلاقًا) لكن يعطونا حقنا في الدفاع عنه في الدعوة إليه كما يدعو الشيوعي إلى مذهبه، وكما يدعو الاشتراكي إلى مذهبه يعطون المسلمين حق الدعوة إلى دينهم، مجرد حق الدعوة، إذا أعطونا حق الدعوة أسقطوا الحجة عن أنفسهم، لا يطبقوا الإسلام غير مؤمنين به ما لا شيء (إطلاقًا) بس يعطونا الحق لتقديم الدعوة إلى بلادهم، إلى بلادنا.

ماهر عبد الله:

ماشي.. السؤال؟

سعيد محمود:

السؤال المطروح لو سمحت.

ماهر عبد الله:

تفضل.

سعيد محمود:

إذا كانوا لا يعطونا حقنا حتى في حرية الدعوة بما ينصحنا العلامة الترابي؟ هل ينصحنا بالتعامل في بلادنا كما تعامل النبي وأصحابه في العهد المكي بالدعوة وتحمل الاضطهاد والظلم وإلى أخره ويبقى الشيوعيون يسرحون ويمرحون بأحزابهم وغيرهم، ويبقى المسلمون محاربين في السجون؟ هل ينصحنا بهذا أم ينصحنا بالعمل على طريقة الحسين وابن الزبير وابن الأشعث؟

هذا السؤال الذي أطرحه على فضيلة الشيخ، ولكن وله الشكر الجزيل.

ماهر عبد الله:

مشكور جدًّا يا أخ سعيد، معي الأخ خشلان محمد من الإمارات.

حشلاف محمد:

حشلاف.

ماهر عبد الله:

حشلاف-عفوًا- تفضل.

حشلاف محمد:

نعم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

حشلاف محمد:

أشكرك أستاذ ماهر، كما أشكر الأستاذ الفاضل الدكتور حسن الترابي، ولي مداخلة.. كثير من الناس يعلقون على إخفاق التجارب الإسلامية، ونقول لهم: إن إخفاق التجارب الإسلامية هو شيء نتعلم منه، وتتعلم منه أمة الإسلام فالعلمانيون–أيضًا- أخفقوا، ونادوا بشعارات باسم الحرية وباسم الاستقرار وباسم التنمية، وتركوا الوطن الإسلامي ممزقًا، وأبعد ما يكون عن العدالة الاجتماعية، يا سيدي الحرية والمشاركة الشعبية هما شرط لصحة الحكم، يقول الشيخ محمد أبو زهرة-رحمه الله- خير للأمة أن تخطئ في رأي تبديه وهي حرة من أن تفرض عليها آراء صائبة، فإن صوابها يكون مقترنًا بإرهاق نفسي وضغط للإرادة، وذلك أشد ضررًا في تكوين الأمم، والسلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله:

مشكور جدًّا يا أخي الكريم، معي أيضًا خالد الحروب من بريطانيا، تفضل يا أخ خالد.

خالد الحروب:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

خالد الحروب:

في الحقيقة عندي ملاحظتين سريعات على كلام الشيخ الترابي وسؤال محدد.

الملاحظة الأولى: أن الشيخ حاول يقلل بشكل كبير من وجود الفرق بين الفقيه والسياسي، وحاول التهرب بوضوح من سؤال الأخ المقدم حول أين يقف الفقيه وأين يبدأ السياسي؟ لا نستطيع التقليل من وجود هذا الفرق خاصة في السياسة المعاصرة وفي الدولة المعاصرة، نعرفه جميعًا أن هناك نواب إسلاميون في برلمانات عربية لا ينسبون البتة عندما يأتي الحديث عن موازنة الدول الحديث عن البنود التفصيلية في الاقتصاد وغير ذلك، هناك فرق واضح بين الفقيه والسياسي ومازال هذا معضلة أساسية في الفكر السياسي الإسلامي الحديث.

الملاحظة الثانية: كرر كثيرًا أن التجربة الأوروبية وصلت إلى ما وصلت إليه الآن بعد عقود من التحارب الداخلي والصراعات وغيرها، ثم استقر الآن إلى نوع من المعادلة الاجتماعية والسياسية، الآن يوحي ذلك أن التجربة الإسلامية السياسية وليدة الأمس، وليست وليدة أربعة أو خمسة عشر قرنًا، السؤال الكبير بعد هذه القرون الطويلة نقف الآن، وكأننا مبتدئون في الفكر السياسي، ولا نستطيع أن نصل لا إلى شكل الدولة، ولا إلى آليات الانتقال السياسي، نريد توضيح من الشيخ أما السؤال المحدد، وفيما يتعلق بالوضع المعاصر الآن بالنسبة إلى الشعب الموجود في أي دولة، ما هو الفرق الجوهري في المنطقة العربية تحديدًا؟

ما هو الفرق الجوهري والملموس الذي يحدد الدولة الإسلامية من الدول التي لا تحمل هذا المسمى؟ إذا نظرنا إلى دولة السودان، إلى دولة إيران، إلى حتى دولة تركيا في النطاق غير العربي، نجد أنه عندما تسلم (أربكان) الحكومة في تركيا اضطر بسبب ضغوطات ظروف السياسة إلى أن يرحل عشرات الألوف من المسلمين البلغار العمال، الباحثين عن العمل، لأنهم بلغار، وليسوا أتراك، في إيران يعاني المهاجرون العراقيون منا معاملة سيئة جدًّا، وهم مسلمون وشيعة أيضًا لأنهم عراقيون وليسوا إيرانيون، في السودان أيضًا هناك لا تستطيع الذهاب إلى السودان رغم أنك مسلم إلا بفيزا Visa كل هذه المدلولات هي تعبير الدول الحديثة الراهنة، بمعنى أنه لم تستطع الدولة الإسلامية المعاصرة أن تتجاوز صيغ الدولة الحديثة بل انخرطت فيها بقدها وقديدها ومع ذلك تعلن الحرب عليها، أي أنها تمارسها عملية، لكنها تحاربها محاربة نظرية، وفي ازدواجية وعدم وضوح وأيضًا يكرر أو يعيدنا إلى المربع الأول وهو الابتداء في كل الفكر السياسي الإسلامي وكأن التجربة وليدة الآن وشكرًا.

ماهر عبد الله:

الأخ خالد مشكور جدًّا على هذه المداخلة وعلى هذا السؤال، أعتقد الأسئلة كانت واضحة ومسموعة لديكم، لو ابتدأنا بالأخ سعيد من مالطا، يعتقد أن موضوع التأصيل موضوع ثانوي، الأصل أن يقع القبول بالإسلام.

حسن الترابي:

من حيث المبدأ.

ماهر عبد الله:

نعم، ثم تأتي العملية، هل عملية التأصيل عملية إجرائية باعتقادك أو هي مسألة سابقة ومهمة؟

حسن الترابي:

يا أخي الكريم إن حركة الإسلام الآن على شتى المراحل في سيرتها، بعضها دعوة في مجتمع تبدو غريبة، وتتعرض لكثير من الشبهات حول الإسلام، هي في أول الطريق، وبعضها تقدم شيئًا ما فأصبحت تمثل خطرًا لذلك المجتمع فتتعرض لضغوط واستضعاف، وبعضها بين يدي أن تدخل إلى مرحلة الدولة، بعضها وصل مرحلة الدولة، فلابد من أن نرسم الطريق كله، أن نرسم الطريق الأول المبدأ الأول دون أن نبني عليه هذا خطر، لأن ثورات كثيرة في العالم قامت من أجل مبادئ، لكن لم تكن متهيئة لأن تنزلها واقعًا، كما قامت في أفغانستان، كما قامت في الثورة الفرنسية، ولذلك أنا أوافقك تمامًا أن قضية التوحيد، أن تكون السياسة عبادة، وأن يكون الحكم ليس للغالبين بالقوة، ولكن هي لله الغالب سبحانه وتعالى هذه قضية وهذه القضية لا أقول لك: إننا يمكن أن نتجاوزها، في السودان حسبنا وهمًا أننا تجاوزناها، ولكن بدا لنا أنها تظل كالتقوى لا تقف أبدًا، تقوى بعد تقوى بعد تقوى، والإيمان بعد إيمان، تتعرض دائمًا، ولكن لابد من أن ننزل إلى الذي يليها، لأن الأزمة عندنا في السودان كانت إذا قبلنا جميعًا أن تقول دولة إسلامية، وأن يكون الحكم لله، وأن السياسة ليست إلا عبادة لله سبحانه وتعالى كيف نبنيها؟

هل يمكن أن نتخذ عهدًا واحدًا كصحيفة المدينة نفصل فيها نظامنا كما نفصل في وثيقة الدين مثلاً آجالها وشروطها؟

هل يمكن أن نقيم، نبسط حرية للناس حتى يؤدي المجتمع أدواره في الوظيفة، في العمل، في وظائف الحياة عامة إزاء أصحاب السلطان؟

هل يمكن أن تدور الشورى بهذا النهج أم ذاك؟ أو أن يدور الأمر والإمارة بهذا النهج أو ذاك، والقضاء وهكذا؟

فالآن لابد أن نعرف التيار كله، كثير من الذين يترددون في قبول الأول لأنهم يرتابون بأنه إذا رضوا بأن يكون الإسلام حاكمًا، قد يعجز أهله أن ينزلوا بحكم فلابد من أن نبين لهم كيف يبطلون الباطل ثم كيف يحقون الحق كل الطريق، لا إله.. أول الطريق تحرر ثم إلا الله تنزل بعد ذلك الإثبات، لكن.. وأنا أوافق أن كثيرًا من الحكام إما بهواهم هم، وربما غالب حكام المسلمين يبسطون سلطانًا مطلقًا على المسلمين، فإذا قامت عليهم الشريعة معنى ذلك أنها ستقيدهم وكذلك..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

هذا يدخلنا في سؤاله الثاني.

د.حسن الترابي:

سؤاله الثاني.. نعم.

ماهر عبد الله:

سؤاله الثاني أنه في ظل هذا الذي وصفته الذي ذكر الأخ سعيد هل تنصح بالتعامل؟كيف تتعامل مع هذا الواقع؟ بدعوة النبي والصبر في الفترة المكية صلى الله عليه وسلم أم على طريقة الحسين وابن الزبير؟

حسن الترابي:

لا.. ليس ثمة خلاف بين الطريق ال.. وهذا إذا كانت الحركة مبتدئة فلا يمكن من أول أمرها تبتدئ بأن تقاتل وتجاهد، لأنها ستنتهي إلى الفوضى تمامًا، ولذلك أُمر الرسول-صلى الله عليه وسلم- ومن معه (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) ويرى الناس يعذبون بين يديه، ولا يفعل شيئًا، ولكن في الخطاب لهم هُيِّئوا للتالي للقتال في سبيل الله، في سور مكية مبكرة، ولكن لم يؤذن لهم بعد،وهيئوا للزكاة وهيئوا لمنع الربا، وهيئوا لمنع الخمر في المدينة، وهيئوا للشورى، فالنظام نفسه وهذا الذي ذكرته في السؤال الأول، جاء في الآيات المكية بنية الدولة القادمة وكيف تقوم؟ ولكن هيئوا لها، ولكن منعوا من أن يرضوا فقط بالدعوة وتنتشر ولكن ثمة مرحلة إذا انتظمت حركة الإسلام، وأصبحت لها قاعدة في الشعب وليس بينها وبين أن تعبر عن هذه الإرادة إلا طغيان سلطان، وأصبح لا يمثل شيئًا، بعد ذلك الجواب سهل لأن تقوم بثورة، هذا مبدأ الغربيون يؤمنون به، أن الذين لا يجدون حرية تعبير ولا حرية تنظيم يجوز لهم أن تقوم ثورة، ويسمونهم ثوارًا، ويسمون مجاهداتهم مقاومة، طبعًا إذا لم يحبوهم يسمون المقاومة عنفًا وإرهابًا، ويسمون الثورة انقلابًا، لكن هذا هو النهج الإسلامي من اعتدى عليك فسدَّ عليك الطرق أن تفتح الطريق بالقوة، ولكن إذا لم يعتدِ عليك ادخل كما دخل الرسول-صلى الله عليه وسلم- المدينة، دخلها بعقد، لم يدخلها فاتحًا

ولكن الغرب الآن في أكثر من بلد لا معنى لأذكر أسماء الناس كلهم يعرفونها يقف بالقوة، حتى إذا كانت الانتخابات تلد إسلامًا تُوصد بالقوة، تنقلب البلاد لتوقف الإسلام، عندئذٍ يتبين للحركة أن ليس بينها وبين إلا هذا الطغيان الوارد من الغرب، أو الوارد من الداخل مسنودًا بالغرب، فيجوز للناس أن يقوموا بثورة أو يقوموا بأيما حركة للتعبير عن إرادة..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

لكن ألا تخشى أن تُفهم هذه دعوة إلى العنف، ليس بالضرورة ردة وإرهاب لكن هذه دعوة إلى.. في حين نحن نحاول الوصول إلى تقعيد وتنظيم مسألة التبادل؟

حسن الترابي:

المبادرة بالعنف هي الممنوعة في العالم، لكن الدفاع عن النفس ليس ممنوعًا والدفاع يعني من قاتلك فقاتلته وحتى لو فعلت به ما فعلت، هذا قانون عندنا الدفاع عن النفس، الدول كلها كذلك الآن تستعد جيوشها لِمَ؟

لأنها تقول: إنها تدافع عن نفسها، قوات دفاعية لنفسها، لكن في الإسلام عندما إذا كان بيننا وبينهم جدال نجادل حتى نغلبهم بالاتحادات وبالمجادلات ولا يجوز لنا أبدًا المبادرة أو نبدأ بالعدوان، (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) أما إذا كان الطريق سُدَّ علينا بالقوة، وسد على الشعب بالقوة فلابد منها، وهم الغربيون هكذا يقولون، الحضارات الديمقراطية نفسها كيف قامت في بريطانيا؟ قامت بالثورات ك(رومل) وحولها من ملكية إلى جمهورية، بعد ذلك عادت ولكنها بدأت تستقيم، وكيف حدثت في فرنسا؟

حتى الديمقراطية في الغرب لم تأتِ هكذا طوعًا كما قامت ديمقراطية الرسول صلى الله عليه وسلم هذا هو الجواب الواضح لهذا السؤال..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

سأطرح عليك الأسئلة الأخرى، لكن اسمح لي عندي بعض الإخوة ينتظرون على الهاتف منذ فترة، ثم نعود لأسئلة الأخ خالد والأخ حشلاف، معي الأخ أبو المنتصر البلوشي من بريطانيا، تفضل يا أبو منتصر.

أبو منتصر البلوشي:

السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

أبو منتصر البلوشي:

نشكر فضيلة الدكتور لتوضيحاته القيمة، ولكن اسمحوا لي بهذا السؤال الصريح هو يؤمن بالشورى إيمانًا مطلقًا، ولكن ما هو سبب ارتباط المؤمن بالشورى بهذه الدرجة من الإيمان بنظام ولاية الفقيه الذي يؤتي السلطة للفقيه، يعني سلطة مطلقة حيث بإمكان الوالي الفقيه أن يؤصل شرع الله وبل توحيد الله؟ إذن هناك تناقض بين النظرية والواقع العملي حيث هم استغلوا السودان لنشر هذه الأفكار الغالية في القارة الإفريقية، ولكن أعود إلى موضوع التجربة السودانية التي هي حقيقة غالية للمسلمين، أنا أظن عدم نجاح هذه التجربة إن صح التعبير فضلاً عما أشار إليه فضيلة الدكتور من الأفكار الصوفية وأشباهها، أليست لأنها كانت قائمة ولم تزل على الفكر الإسلامي المطاط أكثر من أن تقدم على ما كانت عليه الصحافة من التقيد الشديد بنصوص الكتاب والسنة، أي نعم وأظن الأمر واضح، هل توافقني يا فضيلة الدكتور؟ أرجو منك أن تشرح هذا الأمر فضلاً عن الجواب.

أما سؤالك يا أخ ماهر، أنت تقريبًا هذا السؤال المهم سألته في ثلاث جلسات مستمر، أن ما هو سبب الذبح والسيوف بين المسلمين؟ وأنتم أظن غفلنا عن السبب الخارجي ألا وهو آراء اليهود في إيجاد الأفكار الهدامة الغالية بين المسلمين التي من الإمامة الغالية والوصاية الغالية هي التي سبب الحروب بين المسلمين وهذا هو نقطة الأساس، والسيوف التي رُفعت ولم تعد إلى إغمادها، وشكرًا جزيلاً.

ماهر عبد الله:

شكرًا يا أخ أبو المنتصر، معي الأخ سالم عبد الله من بريطانيا، تفضل.

سالم عبد الله:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

سالم عبد الله:

الحقيقة أنا عندي نقطتين حببت أن أطرحها، بالنسبة لآية (وأمرهم شورى بينهم) والمعروف أن هذه الآية جزء من آية لسورة نزلت في مكة، فهي آية مكية، ولكن هذه الآية خُصصت بقوله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فأصبح الأمر واضح إما أن يكون حلال أو حرام أو واجب أو مستحب أو مباح، ففهم الشيخ لهذه الآية غير دقيق لأن الآية خُصصت بآية الأحزاب التي نزلت في المدينة، الشيخ لا أدري هل أنه فهمه للدولة هل نتيجة تأثره بدراسته في بريطانيا وبفرنسا، وخصوصًا هو يطرح بشكل واضح، يقول: إنه نستفيد من تجارب بريطانيا في موضوع الحكم كما نستفيد في الطب، والحقيقة هذا المفروض يعني اللي سمعت عنه أن هذه دولة علمانية، دولة مثل النظام الجمهوري القائم في إيران أو في السودان وهو نظام غربي 100% لأنه لا يستند على الإسلام في شيء، هو الأصل به أن يرجع إلى كيف الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح حاكمًا، هو بويع بيعة شرعية من قِبل الأمة في بيعة العقبة الثانية، والصحابة رضوان الله عليهم في سقيفة بني ساعدة والخلفاء الراشدين من بعده قاموا بهذا العمل، وهو أخذ البيعة من الأمة، وإن اختلفت الأشكال والأساليب، ولكن الطريقة كانت واحدة وهو أن تكون هناك بيعة من الأمة لتنفيذ شرع الله سبحانه وتعالى عليها.

ماهر عبد الله:

الأخ سالم السؤال أتوقع أنه صار واضح، مشكور جدًّا، معي الأخ أبو عبد الله من فرنسا أخ أبو عبد الله تفضل.

أبو عبد الله:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

أبو عبد الله:

الشيخ قال بأن المسلمين أمرهم شورى بينهم نعم، لكن الآن المسلمين اللي مش أمرهم شورى بينهم، الآن المسلم عليه حصار في أي دولة، أي دولة من الدول الإسلامية عليها حصار، ما عندناش (..) ضد الحكومة بس يكون الأمر شورى ونطلب الشورى، حتى المساجد عليهم الحصار، حتى المساجد لا يصل إليها الإنسان كيف (مثل) شمال إفريقيا، بعض دول إفريقيا، يخرجوا المصلين، ويغلقوا المسجد، ما كان محاضرات، ما كان توعية إسلامية.

ماهر عبد الله:

طيب السؤال أخ أبو عبد الله.

أبو عبد الله:

جزاكم الله بالخير.

ماهر عبد الله:

مشكور يا سيدي، طيب لو عندنا لسؤال الأخ حشلاف عن إخفاق التجارب هو ليس بالضرورة سيئًا، ولكن يمكن أن نتعلم منه، ولكن ذكر قضية، ما أعتقد إنت من دعاة الحرية، كنت دائمًا الحرية والمشاركة السياسية شروط لصحة الحكم في أين ما كان دمها كان الإطار الفكري الذي ينتمي إليه، هل تتفق معه في هذا التعليق؟

حسن الترابي:

هذه آيات قرآنية بالطبع، منذ مكة هُيئ الرسول-صلى الله عليه وسلم- أن يكون قائدًا لدولة بآيات تذكره أنه ما هو إلا مذكر، وليس على الناس بمسيطر، وما هو عليهم بجبار، بل يُذكِّر بالقرآن من يخالف وعيد الله لا وعيد إجراءاته هو ورويت له كذلك قصص الأنبياء أن يعمل كل على شاكلته، وينتظر لمن تكون العاقبة في الدنيا ثم في الآخرة، ولما ذهب إلى المدينة كذلك فتح دولة مفتوحة للمنافق وللكتابي، حتى كان بعض المنافقين يقذفون عليه بالهجوم، يؤذون النبي يقولون (أذن) يقولون أنه غَلَّ الغنائم يلمزونه في الصدقات والكتابيون يهاجمونه، فتركت دولة فيها حرية، وليست لم تكن كلها على نمط واحد من المسلمين، فيها المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وفيها من حولها منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، وفيها آخرون خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا وآخرون مرجون لأمر الله، وبعضهم يتخذون حتى المساجد زورًا (اتخذوا مسجدًا ضراراً وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا..) والرسول صلى الله عليه وسلم لم يبسط عليهم سلطان الشرطة ولا سلطان الأمن ولا سلطان.. فالحرية..القرآن كله يخاطب المسلمين أن يكونوا هم لا يتمتعون بحرية، ولكن هي واجب أن يمارس تلك الحرية، أن يجتهدوا ويتذكروا ويتعلموا ولا يتركوا ذلك لطبقة منهم تسمى من المتعلمين والمتذكرين والفقهاء لهم جميعًا، يأمرون جميعًا وينهون جميعًا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وينصحون وينقدون فهذه عشرات الآيات يعني في القرآن وبالطبع الآن قوام الحياة في الدول في العالم كله بدأت تخرج هكذا، الآن انتشر التعليم.

ماهر عبد الله:

تسمح لي إلى سؤال الأخ خالد الحروب يعني اتهمك بأنك قلت الفرق بين الفقيه والسياسي، وأعتقد بأن المثال اللي ضربه أنه نواب إسلاميون لأن طابعهم العام أنهم فقهاء يجلسون في البرلمانات، ما أن يبدأ النقاش حول مسألة سياسية تفصيلية حتى يصمتون.

حسن الترابي:

لو سأل نفسه: من كان الفقيه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ومن كان يجتهد؟ كان الناس كلهم يجتهدون، يتفاوتون بعضهم أبصر بالقرآن وأقضى في القضاء من بعض، وكلهم كانوا يتفقهون لأن القرآن يخاطبنا جميعًا بآيات بأنه لابد أن نتفقه، لابد أن نتفقه جميعًا، وبالطبع بعضنا ينال درجات أعلى من بعض فالفقه يا أخي الكريم حركة واسعة الفقيه يؤثر، الفقيه سواء كان عضوًا أو كان في الخارج له بالطبع أن يؤثر كما يؤثر أستاذ الاقتصاد على سياسة البلد الاقتصادية..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

بس إنصافًا له لو سمحت لي بالمقاطعة إنصافًا له ما تتحدث عنه هو الوضع المثالي الذي يجب أن يكون، لكن عمليًّا ثمة.. شئنا أم أبينا ثمة فئة الآن تُسمى فئة الفقهاء وهذه نسلم لها قيادنا في كثير من الأمور.

د.حسن الترابي:

إذا أسلمنا لها قيادنا سنعود إلى شيء يشبه اعتزال رجال الدين، وأصبحوا مهنة وحدها، هؤلاء بعضهم قد تحسن نيته وبعضهم قد تسوء نيته ويسخره الدولة، إن الله سبحانه وتعالى يقول: كان الدين موحدًا عند الكتابيين، عند اليهود، ولكن الربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء يوصيهم الله فلا تخشوا الناس واخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون كما في الغرب كذلك رجال دين كذلك قدسوا الملوك وجعلوهم طغاة يحدث عندنا كذلك من يجوز كل شيء، ويخدر الرأي العام ولذلك أقول لهؤلاء إن كانوا صادقين: انشروا الفقه بين الناس، دعوها تتحرك حتى الفقهاء الأوائل يعني ما كان عليه عمل أهل المدينة، وكان أبو حنيفة يفتح بابه كذلك ومجلسه للناس عامة، وهكذا وأنا أريد أن نخرج من هذه الطبقية ونتركها للشعب عامة.

ماهر عبد الله:

طيب سيدي أنا عندي مكالمة أخرى عايز آخذها الأخ صالح الدبيبي من السعودية، يا أخ صالح تفضل.

صالح الدبيبي:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام والرحمة.

صالح الدبيبي:

مساء الخير جميعًا ومساء الخير للدكتور الفاضل حسن الترابي.

ماهر عبد الله:

أهلاً بك.

صالح الدبيبي:

بداية التفاؤل بانتشار تيار العودة إلى الدين شيء، وأيضًا نقول: إن النجاح الفعلي في استمرار دولة إسلامية جديرة بحمل هذه الصفة شيء آخر، فالسياسة ليست عملاً خيريًّا تحفزه الفضائل الدينية والنوايا الطيبة وحدها، ولابد من إعمال فكر سياسي تحليلي ونقدي متحرر من العواطف لتحديد مواصفات النجاح السياسي لهذه الدولة في الداخل والخارج، ومن وجهة نظري أن المواصفات اللازمة للنجاح.

أولاً: تمييز السياسي عن الديني في إدارة عملية السلطة وممارستها، في قمة هذه الدولة التي تحتاج إلى فصل أو تمييز مستقل بين السلطات، ربما أكثر من الدولة العلمانية الحديثة التي تسيرها السلطة التشريعية في الغالب، وهي السلطة المنتجة من نواب الأمة التي تعتبر في المفهوم الإسلامي سلطة شورى لا سلطة تشريع حيث التشريع راجع للشريعة المقررة.

ماهر عبد الله:

هذه النقطة الأولى: تمييز السياسي عن الديني، النقطة الثانية؟

صالح الدبيبي:

نقطة أخرى، وهي بالتأمل التاريخي لأحداث الفتنة الكبرى أن معظم القادة الإسلاميين والفقهاء السياسيين لم يتمكنوا من وضع ذلك التمييز الدقيق الذي سار عليه المصطفى–صلى الله عليه وسلم- في نهجه بين ثوابت العقيدة التي لم تزحزح عنها قيد أنملة، وبين متغيرات السياسة التي تعامل في ضوئها مع الواقع السياسي بقدر كبير من المرونة التي اتصفت بروح التسوية والعطاء والأخذ ومراعاة الآخر سياسي: يهوديًّا كان هذا الآخر أو منافقًا أو عربيًّا، أيضًا هناك نقطة وإن كنتم تكلمتم عنها، لكن ينبغي حسمها وهي هل الإسلام دين فقط أو دين ودولة؟ ينبغي أن نقر بأن الإسلام دين ودولة، ولو من أجل أن الضمير العام الإسلامي لا يقبل أن نقول إن الإسلام دين هو يقبل أن الإسلام يكون دين ودولة باقي نقطة نتسلسل منها إلى أمر آخر، وهو تمييز ما هو إلهي وبشري الإيمان يا أخي الكريم الإيمان بطبيعته ينـتمي إلى عالم المطلق والثابت، ويتخذ طابع الرفض التام لما يناقضه، أما السياسة فإنها بالضرورة فن النسبي، فن المتغير والقابل للأخذ والعطاء، والقابل للتسوية، ولابد من مواجهة.

ماهر عبد الله:

للأسف يـبدوا فقدنا الاتصال بالأخ صالح الدبيبي، لكن أعتقد.. عند المكالمة الأخيرة قبل الموجز، وأرجو من الأخ منذر عبد الله أن يكون مختصرًا لأنه لم يبقَ عندنا وقت قبل الموجز، تفضل يا أخ منذر.

منذر عبد الله:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

منذر عبد الله:

أثيرت نقاط حقيقية كثيرة في الموضوع، وأتمنى أن تعطوني بعضًا من الوقت لأعطي رأيي فيها، وهي في غاية الأهمية.

أولاً: بالنسبة للفقيه والسياسي هذا التفريق مش موجود في الإسلام، لأن الفقه بالإسلام هو علم بالمسائل الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية والسياسي أو السياسة في الإسلام هي رعاية شؤون الأمة، فالفقيه أو المجتهد هو يستنبط الأحكام الشرعية وإن كان حاكمًا هو ينفذ الأحكام الشرعية، فليس هناك فرق، وأنا أستغرب أنكم يعني تصرون أن تسقطوا الأفكار الغربية على النصوص والأحكام الشرعية الإسلامية..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

اسمح لي أخ منذر، أنا هاسألك سؤال قبل أن تواصل، أعطيك الفرصة تواصل بس أنا هاسألك سؤال.. أنت كل العلماء الذين تعرفهم، وتقابلهم يفقهون في السياسة، ويستطيعون أن يجيبونك أجوبة سياسية واضحة ومقنعة عن كل القضايا؟

منذر عبد الله:

أنا سأجيبك إن شاء الله.

ماهر عبد الله:

أنا مش عاوز، اسمح لي بس، اعطني جواب من الواقع الحالي، نحن نحاول أن نقترب من النموذج الإسلامي.

منذر عبد الله:

نعم.. جيد أخي ماهر، أنا لا أمانع أن تطرح عليَّ السؤال، ولكن أتمنى أن تعطيني فرصة أن أجيبك.

ماهر عبد الله:

تفضل.

منذر عبد الله:

أنا أقول أنك لا يجوز أن تنطلق من الواقع الذي يعيشه المسلمون الآن ومن العلماء الذين أخذوا الإسلام بشكل أكاديمي نظري، ليس أخذًا كما أخذه الشافعي وأبي حنيفة ومالك وكما أخذه عمر وأبي بكر وعلى رضي الله عنهم.

يجب أن تأخذ فهم واقع العلماء والفقهاء من الإسلام ومن الواقع الصحيح الذي يريد الإسلام للمسلمين، فلذلك لا يجوز الانطلاق من الواقع الموجود حاليًا ولكن اسمح لي أن أقول يا أخ ماهر أن الدولة الإسلامية وجدت فيها أخطاء ووجد فيها إساءة تطبيق، لكن الدولة الإسلامية كانت تحمي العالم، ولم تعش البشرية في اطمئنان وسعادة كما عاشت في ظل الدولة الإسلامية، وهانحن الآن أنا أسألك بعد ما غابت الدولة الإسلامية يعني أربعة عشر والدولة الإسلامية موجودة، هذا القرن غابت فيه الدولة الإسلامية ماذا واجهت البشرية؟

ماذا لاقت البشرية؟ (بريجنسكي) مستشار الأمن القومي الأمريكي يعتبر بأن هذا القرن قرن أسود، الغرب الذي تنطلق منه ومن مقاييسه، وتعتبره مقياس وكل قليل تذكر العلمانيين، وأننا يجب أن نُرضي العلمانية، الغرب خاض حربًا عالمية أولى وثانية، الحرب العالمية الثانية أدت إلى قتل خمسين مليون إنسان، هذا لم يحصل في تاريخ الحضارة والدولة الإسلامية.

ماهر عبد الله:

طيب يا أخ منذر، بس اسمح لي يا سيدي نحن لا نقارن بين الغرب، يا سيدي الكريم: أنا أشرب التمر هندي منذ ثلاثين سنة، لكن الكوك (الكولا) أيضًا مصطنع جديد وجميل ولا بأس بشربه، كون أن الذي صنعه أمريكي ذبح تسعين مليون هندي أحمر لا يجعل من الكوك شراب سيئ، نحن نتحدث عن آليات الغرب طور آليات، على كل الأحوال يبدوا أنه فقدنا الصلة بالأخ منذر، سيدي ومعذرة يا أخ منذر على إن الأمر ليس مقصودًا، السؤال الثاني للأخ خالد الحروب كان.. وسأعود لأسئلة الآخرين، معادلة أوروبا واضحة، ونحن هنا نؤكد للأخ منذر أننا لا ندعو إلى الاقتباس ولا الاهتداء بأوروبا المعادلة السياسية في أوروبا أصبحت واضحة، انطلقت من واقعها، ونضجت من هذا الواقع، بعض المسلمين-كما سمعت الأخ منذر- يريد لنا ألا ننطلق من هذا الواقع، طبعًا في غياب الواقع من أين ننطلق؟ بعد هذه القرون من التنظير الإسلامي وكأننا نبتدئ من الخطوة الأولى، هل تتفق معه في هذا التحليل؟

حسن الترابي:

يا أخي الكريم، أولاً حتى في قضايا الدولة، لو قرأنا القرآن نجده كان يقص علينا القصص حول حكم داود وأنه بسط سلطانًا كاد أن يحتكر كل السلطة، جاءته الملائكة وتخاصمت عليه فأدرك بعد ذلك وعن سليمان-عليه السلام- يعني ويحدثنا الله–سبحانه وتعالى- عن خروج الدين عن الدولة، والسلطان من الدين عند الكتابيين من قبلنا، عبرة لنا.

فنحن لابد أن نتابع هذه العبرات، لا أن تقلدهم كالقردة لبسًا، ولكن العالم كل ما تعلم منهم كل ما استقل يعني هذا رد عام لكثير من الإخوة يرون أن الاعتبار بما جرى للدين في أوروبا الغربية هو خطر ننساه، ونتحدث عن تاريخنا وحسب ولكن الله سبحانه وتعالى يقص علينا القصص، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب فهذه قضية.

ماهر عبد الله:

الأزمة مع الدولة الحديثة، ثمة أزمة في الفكر الإسلامي مع شكل الدولة الحديث البعض يرفضه لأن غربي، البعض يرفضه لأنه حديث، البعض لأنه وافد، لكن في كل النماذج والأمثلة التي ذكرها الأخ خالد يعني في بلغاريا وفي تركيا أربكان اضطر أن يطرد البلغار كما تفعل أي دولة قوية أخرى والعراقيون في إيران كما زعم لا يلقون وهذه مزاعم نسمعها بين الفينة والأخرى، أكثر من نموذج إسلامي تحكمنا الأعراف الحديثة والوافدة فقط وليس المبدئية التي تطالب بها والمثالية الإسلامية.

حسن الترابي:

طبعًا كلمة دولة إسلامية أصبحت الآن كلمة يدخل فيها كل من في منظمة المؤتمر الإسلامي، وحتى كلمة دولة إسلامية، قد تكون البنية غير إسلامية فكيف؟ ولكن سياستها فيها إسلام لأنه انحرفت منذ العهد الأموي بالطبع عن البنية

ولكن ظل كثير من شرائعها إسلامية، ولكن بدأ يتقلص ويذوب شيئًا فشيئًا والدولة الإسلامية الحق هي التي تحاول بالطبع الكمال لا يبلغه المرء أصلاً، لكن في بنيتها وفي كل سياساتها أن تكون وفقًا للشريعة وكل أحكام الشريعة متصلة بهذه السياسات وبهذه البنى، هذه هي الدولة الإسلامية، ولكن مثل الفقهاء مثل المسلمين يخطئون ويصيبون وهكذا يعني ويعتبر بعضهم ببعض، ويتعظ بعضهم بتجربة البعض.

موجز الأنباء.

ماهر عبد الله:

لو عدنا للأسئلة دكتور حسن، سؤال الأخ البلوشي أعتقد لعلك سمعته كثيرًا، أو على الأقل أن سمعته كثيرًا، أنه يتهم حسن الترابي وكل من يمكن أن يسمون بأهل الرأي في هذا العصر طبعًا هو عزا إليه تجربة السودان وما أسماه بفشل تجربة السودان، أنا لن أحصرها في تجربة السودان، فكر حسن الترابي يقال أنه سياسي مطاط لا يعتمد على الكتاب والسنة، أو لا يقتصر على الكتاب والسنة، تسمع كثيرًا.

حسن الترابي:

إذا كان يقصد بالكتاب أن يعكف عليه المرء فيحفظه ويقرأ تفاسيره ويؤلف فيه تفسيرًا، أو بالحديث أن يقرأ السير كلها وهي.

الأحاديث جميعها، لاسيما في الأمر الذي يعني به الإنسان لأن ما أدخله معاهد السجون الدراسية سنوات طويلة، هذه ليست هي القضية، ولكن الاجتهاد أصل وكثير من الناس يحسبون أن النصوص تحسم لك الأشياء كلها، وبعد ذلك يترك لها قرارًا، وكثير من النصوص هو توجهات عامة، توجهات عامة، فلابد من أن تنزلها على قضية معينة، أن تدرس لا يتنـزل نص واحد تتنـزل نصوص كثيرة فتوازنها وتراجحها حسب ابتداءاتها وحسب آثارها التي تقرأها من الواقع، وهذا هو الاجتهاد.. وبالطبع تدخل مع الاجتهاد أهواء السلطة وشهواتها، لأن الناس في ديوان العلم قد يفرغون للتأملات وحسب حتى إذا كانوا يعرفون الواقع، إذا تجردوا عن الواقع يصبحون في النظر بعيدين عن الواقع، لكن حتى إذا كانوا قريبًا من الواقع، لكن إذا دخلوا السلطة قد يدخل عليهم مرض الفتنة نفسها فتنة السلطة، الشيطان (شرعونه) أن يدخل عليهم حتى الصحابة رضوان الله عليهم لم يسلموا من ذلك بالطبع، كان الكتاب والسنة يتنزل عليهم مباشرة والسنة يعيشون فيها، ولم ترو لهم ضعيفًا ومتواترًا وحسنًا وغير ذلك، ولم يفسر لهم القرآن، وإنما تنزل في أحداثهم، ولكن سقطت الشورى فيهم وسقط الإجماع وسقطت وحدة المسلمين، وأصبحوا لا إخوان، ولكن أصبحوا يقتتلوا فيها جزاهم الله خيرًا عن الفضل الكبير الذي في سائر جوانب الحياة، ولكن أن يدرك الناس أن مع الأحكام الظاهرية لابد من خلق يتزود بها الناس.

ولابد للشعب كذلك من ضوابط فيه حتى يحاولوا أن لا يكل إلى تقوى الحاكم وحده حتى لو كان فقيهًا وتقيًّا جدًّا، ضوابطه وموازينه والتجارب القرآنية أيضًا تحدثنا عن ذلك حتى مع أنبياء يحاسبهم الله سبحانه وتعالى أن السلطة ذهبت بهم أبعد ما ينبغي لهم ويحاسبهم.

ماهر عبد الله:

على ذكر القرآن، لو عدنا لسؤال الأخ سالم عبد الله، هو قال أنك إلى حد ما لا يتفق في تفسيرك لـ (أمرهم شورى بينهم) لأن الله سبحانه وتعالى في زعمه خصصها بقوله (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا.. ) هل هذه الآية تخصيص لآية (وأمرهم شورى بينهم) وبالتالي الشورى ليس مُلزمة؟

حسن الترابي:

هذه الآيات بالطبع كلنا نعلم أين نزلت يعني هي نزلت لأن الله –سبحانه وتعالى- قضى على محمد-عليه الصلاة والسلام- ولم يكن يسيرًا عليه، كان عسيرًا عليه أن يتزوج خلافًا للعرف، وكان العرف يحمل على كثير بوطأته الغليظة على المسلمين، وحتى على الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولكن الله أمره أن يقود هو خلاف ذلك العرف، وأن يتبع الناس الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولكن حتى الرسول–عليه الصلاة والسلام- أوصى هو بالشورى: (وشاورهم في الأمر) ولم يقل له (وإذا عزمت فتوكل) قال له (فإذا عزمت..) وكأنه يشاوره–لا في القضايا- فقط العاملة ولكن يشاوره حتى في القضايا العسكرية، وينزل على الشورى في أكثر من غزوة كان ينزل على الشورى ولكن مهما يكن من شيء نحن نقول الشريعة أولاً، ولكن من الذي يفهم الشريعة؟ يفهمها..

لا نتركها للفقهاء، الفقهاء الذي عنده زاد من الفقه ينشر فقهه بين الناس، الناس في نهاية الأمر هم الذين.. متلقيًا من الذين.. بعضهم من الذي أعلى منه، يفهمون الشورى فينزلونها، بعد ذلك الاجتهاد وكذلك يجتهد كذلك كثيرًا من الناس في شتى جوانب الحياة التي يعنون بها فينزلون على الناس، فالناس في نهاية الأمر.. الأمر شورى بينهم كذلك فيأخذون من هؤلاء جميًعا، ولكن إرادة الشعب هم المسئولون عنها يوم القيامة يتلقون، ولا يكلون الأمر إلى كبار ولا إلى فقهاء ولا إلى شيوخ، ولكن يأخذون منهم ما يأخذونه، والرأي لهم في نهاية الأمر، ولكن ليس هناك من خلاف يذكر هنا.

ماهر عبد الله:

طيب تعليقك على قول الأخ صالح الدبيبي، وأعتقد أنها كانت من أحد المحاور المهمة كانت عندنا في هذه الحلقة، يعتقد هو حتى ننجح لابد لنا أو لابد للإسلاميين أن يميزوا بين السياسي والديني، وفي آخر كلامه قال بين الإلهي والبشري، وبين ما هو اجتهاد لي ولك قد نخطئ ونصيب فيه، وبين ما هو إسلام حقًّا لا نستطيع رده في الدولة الإسلامية.

حسن الترابي:

طبعًا المسيحية حتى لما دخلت على الناس قالت: (ما لقيصر لقصير وما لله لله) ولكن أين يقف نصيب الله؟ وأين يبدأ نصيب قيصر؟ ورطهم هذا الأمر في قضايا كما يعلم الناس حتى وحدها قيصر، جاء قيصر آخر فوحدها جميعًا لأن بغير توحيد من العسير أن تفصل الأمر، وبعد ذلك أصبحت الكنيسة كيانًا، وأصبح النبلاء والملك كيانًا، وأصبح الشعب كيانًا، فاصطرعت هذه القوى، وفي نهاية الأمر أبعد الدين جملة واحدة في أوروبا، ولكن كلنا كما نقول: أين يبدأ الاجتهاد؟ وأين ينتهي النص؟

من العسير على المرء أن يقول إن هذا الأمر أطيع منه، حتى لو قيل أن.. إلا أن يكون النص قطعيًّا جدًّا في دلالاته، ولكن غالب النصوص هي نصوص توجيهية لاسيما في القضايا السياسية، والرسول–صلى الله عليه وسلم- الله سبحانه وتعالى فصل مثلاً عقدًا واحدًا هو عقد الزواج، كما فصل عقد العقيدة مع الله سبحانه وتعالى، لكن ترك عقود التجارة لنا لنجتهدها ونفصلها، وترك عقود السياسة لنا بإجماعنا بعد ذلك ننزلها إلى دستور أو صحيفة سمها..

ماهر عبد الله:

أنت ذكرت الدستور، وهذا سيعيد لي إلى موضوعات الشورى مرة أخرى يعني محاورنا الأساسية قبل أن نشارك الإخوة المشاهدين، ثمة حساسية شديدة عند الكثير من الإسلاميين، البعض يتهم الدولة في السودان والدولة في إيران بأنها ليست إسلامية لأنها تواضعت على أمر وضعي يقال له الدستور، العالم الغربي من إبداعاته أنه تواضع على هذا الدستور، تفضلت أنت في كلامك أنك تريد ضوابط للشورى،ضوابط لانتقال الحكم، هل ثمة مشروعية؟ هل يمكن تأجيل عملية وجود دستور كضابط يحكم الآلية السياسية في الإسلام؟

دكتور حسن الترابي:

كان من سنة الرسول–عليه الصلاة والسلام- أن كتب صحيفة بالمدينة، لا للمسلمين وحدهم للمسلمين ولغير المسلمين، وتراضوا عليها جميعًا، لأنها كانت دولة فيها جوانب من السلطة موكلة إلى كل طائفة من اليهود، وجوانب يجتمع عليها الناس أمة واحدة كالحرب–مثلاً- كالنظام الفيدرالي–مثلاً- فكان أول دستور مكتوب في واقع الأمر، وأسميه دستورًا أنا لأنها كلمة صحيح أنها جاءت من فارس، ولكن سمها صحيفة إن أردت أو كتابًا إن أردت، المصطلحات الإسلامية يا أخي الكريم كلها تبدلت، حتى كلمة شريعة أصبح الناس يظنونها حدودًا وحسب أو نصوصًا قطعية وحسب، ولكن هي منهج حياة في واقع الأمر، منذ أيام مكة منهج حياة، وكلمة فقه حسبوها فقط هي مهنة لبعض المتخصصين، ولكن الله سبحانه وتعالى.. طريق أن تزيد فهمك إلى مستوى الفقه، فتدخل علينا كلمات، كلمة حرية القرآن استعمل الحرية ضد العبودية ولكن يستعمل كلمة المشيئة، يستعمل لكمات أخرى، ولكن الآن (بص) لكلمة الحرية والناس، لأنهم لا يجدونها بالقرآن، ولذلك لا يبالون بالحرية، لأنه لا يريدون كلمة الدستور، يريدون كلمة العهد، وكلمة الميثاق، ولذلك نذكرهم بأن الدستور هو عهديـين الناس جميعًا، يتوالون عليه، ويتراضون عليه، وكلهم يجيزه استفتاء بينهم، أن يكون هكذا حكمنا، هذه شروط من نولي، هذه آجال من نولي، كالشروط التي يكتبها في الميثاق، هذه المصطلحات ضعفت لِمَ؟

لأن اللغة ضعفت، لأن السياسة الإسلامية ضعفت، ولذلك إما ضلت الكلمات أو دخلت علينا كلمات من الخارج فاضطربت.

ماهر عبد الله:

أنا شاعر إن إحنا عاجزين عن التعبير، المثقف العربي، والمثقف المسلم يجد نفسه مضطر أن يفتح قوسين بين الفينة والأخرى ليعبر عن المقصود بلغة لاتينية، كيف انحطت اللغة إلى هذه الدرجة حتى لا نجد تعابير سياسية تعبر عن المفاهيم؟

د.حسن الترابي:

كل اللغات هكذا يا أخي الكريم، اللغة العربية كانت لغة لم تكن بهذه السعة كانت لغة لكنها قابلة، ولذلك اختارها الله بحروفها ألف لام ميم، ولكن بعد ذلك الفقهاء وسعوها بتصريفاتها الغنية، وكذلك الصوفية بعلوم النفس، وكذلك علم الكلام والفلسفة، وكذلك الشعراء والأدباء، لكن لما ضاق الدين في نفوس الناس، وضاقت حضارتهم، وضاقت الأرض عليهم، ضاقت اللغة، الآن اللغة المستعملة في المصطلح العربي لغة ولا تساوي شيئًا من اللغة العربية وإمكاناتها التصريفية، فاللغة تتسع اتساع آفاق العقل وقضية إذا ما ضاقت العقول يا أخي الكريم، ولذلك في السياسة لأنها ضاق العقل جدًّا في السياسة خاصة وفي الاقتصاد كذلك، وفي الفنون بالطبع.

فلذلك تجد الكلمات قليلة جدًّا يضطروا الناس أن يكثروها بداخلات عليها ولكن نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن يـيسر لنا النهضة، النهضة هذه ستنهض بها اللغة العربية، واستعمال اللغة العربية ستـتطور إن شاء الله.

ماهر عبد الله:

طيب دكتور ترابي، ذكرت أكثر من مرة الإيمان كدافع والتقوى كدافع في العملية السياسية الإسلامية وكان أحد الأسئلة التي وردت من بعض الإخوة ما الذي يجعل الدولة الإسلامية إسلامية؟

بم تتميز عن غيرها؟

حسن الترابي:

هي تتميز عن غيرها بأنها كل الحركة فيها سواء من الرعية أو من الرعاة، أو نظام السلطان ورعاة ومن الرعية، كلهم يتحركون بدينياتهم في نفوسهم بالإيمان وبالتقوى من الله سبحانه وتعالى، بمراقبة الله لهم في النجوى، حتى لو لم يراقبهم أحد في الأرض، وكذلك يتحركون كلهم، يتواصى بعضهم بعضًا، ويتآمرون ويتناهون، لكن تتنـزل عليهم في السلطة أحيانًا، السلطة القوة، هكذا تتنزل عليهم في القضايا، القضاء أغلب قضايا الخصومة نحن يوصينا الله سبحانه وتعالى أن نعالجها نحن هكذا وهكذا بدينياتنا وبتقوانا، لكن إذا عجزنا ينزل علينا السلطان بقوته، وكذلك قضايا المال، لابد بالصدقات أن ندير كل الدولة، إلا الزكاة وحدها.. ولكن إذا عجزنا عن ذلك يتنزل علينا حقوقًا غير الزكاة وهكذا يعني، الإيمان هو القاعدة التي تقوم عليها كل حياتنا بالطبع..

ماهر عبد الله(مقاطعًا):

اسمح لي بالمقاطعة خصوصًا في هذا الجانب، لكن ألا تعتقد معي أنه يُساء فهم هذه القضية بالتركيز على الوازع الديني، الوازع الداخلي مع إهمال جانب القانون؟ يعني كثير من دعاة الإسلام السياسي اليوم أو دعاة الدولة الإسلامية اليوم يعتقدون أنه بالإيمان وحده وبالتقوى وحده، يعني في الحلقة الماضية من هذا البرنامج كنا نتحدث عن الفقر فاتصل بنا أحدهم، وقال: أنتم تعالجون العرض لو قامت الخلافة الإسلامية لن يكون هناك فقر، هذا الوازع الديني يعني الدولة الإسلامية سيتكون نهاية طموح المشروع الإسلامي أو بدايته؟

حسن الترابي:

يا أخي الكريم، موحدون، أولاً: لا يمكن أن نكل كل الأمور إلى دولة سميتها خلافة أو سلطانًا أو إمارة للمؤمنين، لا يمكن، وإلا تكون دولة مطلقة، دولة شمولية مطلقة، هذا أكثر الخطر على الناس، ولا نكلها كذلك لباطن الإنسان لأنه لولا المجتمع من حولي يذكرني إذا نسيت، ويعلمني إذا جهلت، ويحمدني إذا أحسنت حتى يمدني هكذا بكلمة طيبة وهكذا، فأي مجتمع كذلك حتى أنا في باطني لا يزيد، ولكن الدين ينقص ويتفاعل مع كل هذه الابتلاءات من حولي والمجتمع من حولي ففي وجدان المرء قاعدة، وفي وجدان كل هذا المجتمع المؤمن الذي يخاطبه غالب القرآن (يا أيها الذين آمنوا.. يا أيها الذين آمنوا.. يا أيها الذين آمنوا.. ولا يخاطب المؤمن فردًا وحده، وكذلك في السلطان، فنحن –الموحدون- لابد أن نجمع كل ذلك، هذه التفريعات مرض أصاب الغرب يفرقون بين الأخلاق وبين القانون، وأنا دَرَّسونا قانونًا بغير أخلاق، ولكن حتى الكليات الشرعية الآن بدأت تدرس القانون بغير أخلاق، فلا خير في قانون قطعيات قضائية بغير أخلاقيات تسندها وتحيطها وتكتنفها من كل جانب يعني، ولذلك أنا لا أريد أن أفرق بين الصوفية والفقهاء كما حدث في تاريخ الإسلام، وحدث أشد منه تفاقمًا وسوءًا–بالطبع- عند الغرب بين البروتستانت وبين الكاثوليك وأحالوها إلى حرب بين الظاهر والباطن، فنحن موحدون نوحد الظاهر والباطن الباطن والظاهر عندنا لابد أن يتوحدا لأن الله ينظر إلى ظاهرنا وصورنا، ولكن ينظر إلى ما وراء الستور، فنحن موحدون يا أخي الكريم وهذه واحدة من قضايا مشكلاتنا أنه خرجت كثير من جوابنا من الإسلام الفنون والسياسة والاقتصاد وتخصص أناس في الباطن وحده، وتخصص أناس في الظاهر يعلمون الصلاة ويعلمون الحج، وأنا أسأل في الحج كثير من الناس ماذا تعني بهذا المسعى بين الصفا والمروة، ولا يدرك شيئًا، هو قرأ متى يسعى؟ ماذا يقول؟ ولا يفهم ماذا يقول أحيانًا ما يفهم ما معنى الله أكبر–يعني- هذا انحطاط أصابنا من ضعف توحيدنا.

ماهر عبد الله:

طيب تسمح لي أختم بسؤال تجيبني عليه في أقل من دقيقتين هي ما تبقى لنا من وقت في البرنامج، ابتدأنا قرننا الماضي بسقوط الخلافة، قد نختلف على لماذا سقطت؟ لكنها سقطت، الآن نحاول إعادتها قامت مناهج، البعض يعتبرها ناقصة والبعض يعتبرها مشوهة في إيران، في السودان، في السعودية في بعض الأقطار التي توصف في أفغانستان (طالبان) كيف ترى المستقبل بعد هذا القرن الذي عشت منه خمسين سنة؟

حسن الترابي:

لا تستيئس كثيرًا من سقوط الخلافة كان سقوطًا لمجتمع المسلمين، كانت هذه، لم تسقط الخلافة إلا نهاية تدهور فكري وتعطل الفكر تمامًا والفقه، وتعطلت الإيمان عند الناس بالغيب، فأصبح الدين شكليات وظواهر حتى عند الصوفية طقوسًا ولكن الآن بدأت نهضة، نهضة في نفوس الناس، إيمانًا وبدأت تعبر أقوالاً وأفعالاً في المجتمع حركات وأعرافًا جديدة تتجدد، وبدأت تتصل أحيانًا نحو السلطة لأنها أول تجربة قد تفلح فيها، ولكن قد تحتاج تجربة بعد تجربة حتى تحسنها، فأنا الآن أطمئن لاسيما الغرب الذي كان إذا نزل علينا، سقطت فيه النظريات كلها تقريبًا واضح لا يؤمن بنظريات اشتراكية ولا رأسمالية، أصبح شهوات الحياة وحسب وأن الإسلام سقطت فيه كذلك العصبيات القديمة–يعني- ولا ينفعل الناس كثيرًا بالشيعية والسنية والمذهبية والطرق الصوفية، فالمسلمون الآن بدأت تغشاهم صحوة دين فيهم، والصحوة لا أقول أن تبقى في النفوس فقط، ولكن يعبر عنها الأقوال والأعمال، وتدخل في المجتمعات، حركة المجتمعات، وتعبر في اقتصادهم وتعبر في فنونهم، وتعبر أيضًا في حكمهم فتقوم فينا الدولة المسلمة متكاملة، لا الدولة ذات الهوية التاريخية التي تنسب إلى الإسلام، ولا المسلم ذو الهوية التاريخية الذي ينتسب إلى الإسلام وحسب، المسلم، نحن نقول الإسلامي الآن، ولكن دعونا نقل المسلم، نعيد لكلماتنا الأولى يعني، ولكن إن شاء الله أرجو أن تقوم الدول الإسلامية غير بعيد، هذه التجارب لم تسقط نهائيًّا كما سقطت من قبل الخلافة الراشدة نهائيًّا، لا أقول نهائيًّا إلى يوم القيامة، ولكن سقطت في قرون وكما سقطت الخلافة، ولكن يعني تتأخر، وتندفع مرة أخرى إن شاء الله.

ماهر عبد الله:

بهذه الملاحظة المتفائلة دكتور حسن لم يبقَ لي من الوقت إلا أن نشكرك شكرًا جزيلاً على هذه المشاركة، وأن أشكر الإخوة المشاهدين على مساهماتهم، ونعتذر للذين لم نستطع الرد على فاكساتهم ولا الإخوة الذين لم نستطع تلقي مكالماتهم إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة