مقاصد الشريعة وغاياتها   
الأربعاء 5/2/1426 هـ - الموافق 16/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:35 (مكة المكرمة)، 14:35 (غرينتش)

- الظاهريون الجدد
- المعطِّلة الجدد وتعطيل النصوص
- مداخلات المشاهدين
- أصول المصالح الخمس

خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يُزوِّد الفكر المقاصدي حركة الاجتهاد الفقهي برافد لا غنى لها عنه وقد كان لضمور هذا الرافد أثر كبير في تراجع الفقه الإسلامي. والشرائع كلها إنما أُنزلت رعاية لمصالح العباد، فما هي المقاصد التي تشتمل عليها الشريعة الإسلامية لصوْن تلك المصالح؟ وكيف يمكن استثمارها في عملية الإصلاح والتغيير في المشروعين الديني والسياسي؟ هذا ما نناقشه اليوم في برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عن مقاصد الشريعة وغاياتها، نرحب بكم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

يوسف القرضاوي: أهلا بكِ يا أخت خديجة.

خديجة بن قنة: ونتحدث اليوم طبعا عن مقاصد الشريعة، نتساءل في البداية عن معنى مقاصد الشريعة ماذا نعني بذلك؟ وهل للشريعة مقاصد فعلا؟

الظاهريون الجدد

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأزكى صلوات الله وتسليماته على المبعوث رحمة للعالمين ونعمة على المؤمنين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد وعلى أهله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين أما بعد، فلا شك أن الله سبحانه وتعالى إنما أنزل كتبه وأرسل رسله لأجل تحقيق مصالح الناس، لأن الله تعالى غني عن العالمين، ليس له حاجة في أن يُكلِّف عباده بتكليف ولكن هذه التكاليف التي كلَّف الله بها عباده ترجع في النهاية إلى مصلحتهم الدنيوية والأخروية، هذا ما يؤمن به كل مسلم بل كل مؤمن بالله تبارك وتعالى وبحكمته ببالغ حكمته وواسع رحمته عز وجل، هناك هذه قضية المقاصد تتعلق بمسألة التعليل، تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، هل أفعال الله تعالى مُعلَّلة؟

هل الله يعمل العمل لعِلَّة أو لغير عِلَّة؟ فهناك يعني طرفان وواسطة في هذه القضية، هناك من قال أن الله تعالى لا يعمل شيء لِعِلَّة لأنه لو يعمل الشيء لعِلَّة هذه تكون نقصا في حد ذاته وبلغ بعض الناس في هذا ومنهم الأشاعرة خصوصا الإمام فخر الدين الرازي الذي جادل في ذلك جدالا طويلا لنفيه تعليل أفعال الله وفي مقابل هؤلاء المُعتزلة الذين يقولون أن أفعال الله كلها مُعَلَّلَة ولا يفعل الله شيء إلا لغاية ولمصلحة ولحكمة بل يبالغون فيقول هذا واجبنا على الله، يجب على الله أن يفعل ما فيه صلاح العباد بل ما هو أصلح لهم ليس فقط ما هو فيه صلاح ما هو أصلح لهم يجب على الله عمله وبين هؤلاء وأولئك هناك الماتوريدية أتباع الإمام أبي منصّور الماتوريدي ومعظمهم من الحنفية ويقاربه مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته التي ترى أن أفعال الله تعالى مُعَلَّلَة وأن الله لا يفعل فعلا إلا لغاية وإلا لحكمة وهذا المذهب هو المذهب الصحيح المُعبِّر عن الإسلام لأن من أسماء الله تعالى من الأسماء الحسنى الحكيم.

 الله اسمه الحكيم تردَّد في القرآن أكثر من تسعين مرة {العَلِيمُ الحَكِيمُ} {العَزِيزُ الحَكِيمُ} الحكيم الحميد، يعني فالله حكيم وهو حكيم فيما خلق وحكيم فيما أمر، فلا يخلق شيئا باطلا كما قال أولو الألباب الذين {يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} لا يخلق شيئا باطلا ولا يشرع شيئا عبثا أو اعتباطا لا يأمر بأمر ولا ينهى عن نهي ولا يُحلِّل ولا يُحرِّم إلا لحكمة عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلها من جَهِلها قد لا يتيسَّر للناس العلم بالحكمة التفصيلية ولكن بمرور الزمن يكتشف الناس هذه الحكمة، فنحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعني يفعل من أجل غاية وحكمة ويأمر لأجل غاية وحكمة والإمام ابن القيِّم ذكر ذلك في عدد من كتبه وقال في بعض المواضع حينما ذكر الأسباب ومسبباتها وذكر التعليلات في القرآن لكي لا تأسوا على ما فاتكم، لكي لا يكون دولة بين الأغنياء لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد وأساليب شتى في التعليل، فقالوا هذا في القرآن في أكثر من ألف موضع هذه التعليلات فلا يمكن أن نُنكر أن هناك تعليلا وخصوصا في الأحكام، فأحكام الله سبحانه وتعالى مُعلَّلَة وهي والعِلَّة فيها أو الحكمة فيها أو المَقْصّد فيها هو تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد وهذا ما قرره المحققون من علماء الأمة أن كل ما شرعه الله لابد أن يكون فيه مصلحة عباده.

خديجة بن قنة: إذاً العِلَّة والحكمة والمَقْصّد مترادفات؟

يوسف القرضاوي: لا ليست مترادفة، لكلِ منها معنى إذا ذكرنا المصطلحات إن كلمة العِلَّة يذكرها الفقهاء في باب القياس وهذا، يُقاس هذا الأمر على هذا الأمر إذا نصّ الله تعالى أو رسوله على حكم شيء من الأشياء وأردنا أن نقيس عليه أمرا آخر لابد أن يكون بينهم عِلَّة مشتركة، العِلَّة العلماء يقولون هي الوصف الظاهر المنضبط المناسب للحكم، شيء يمكن يعني يكون ظاهر واضح ويمكن ضبطه لا يكون أمر مايع أو سايب أو رجراج ويكون مناسب للحكم، هذه العِلَّة غير الحكمة، يعني مثلا أضرب لك مثل هناك في المرور، في قوانين المرور، الإنسان يجب عليه إذا وصل إلى الإشارة وكانت حمراء أن يتوقف، ما هي عِلَّة توقُّفه الإشارة الحمراء هذه العِلَّة، الحكمة شيء آخر إنه لا يحصل إيه؟ صدام السيارات تصطدم بعضها ببعض أو المارة يصطدمون بالسيارات وتحدث خسائر في الأرواح والأموال دي الحكمة إنما العِلَّة ولذلك الإنسان عليه إنه يقف عند العِلَّة حينما يجد الشارع خاليا والإشارة حمراء يقول الحكمة إننا وأهو الشارع أمامي لا لازم يلتزم، هذه فالعِلَّة هي هذا الوصف الحكمة وذلك الشارع ناط الأحكام بالعلل لأنها أمور منضبطة، يعني الإنسان حينما يسافر يقصر الصلاة الرباعية، يجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء جمع تقديما أو تأخيرا، يفطر في السفر، ما هي العِلَّة؟ العِلَّة السفر إنما الحكمة وجود المشقة لكن الشرع لم ينط الحكم بالمشقة لأنها تختلف، واحد يمكن تَعِبَ تَعَبا شديدا يقول لا أنا قادر وواحد ثاني من غير أي شيء يقول آه هذه مشقة فحتى تنضبط الأحكام.

خديجة بن قنة: هل هي العِلَّة مثلا؟

يوسف القرضاوي: ربطها بالعلل وهي الأوصاف الظاهرة المنضبطة المناسبة.

خديجة بن قنة: حتى نعطي أمثلة أكثر للمشاهدين كما مثلا هي العِلَّة في حد الزنا هو فعل الزنا لكن الحكمة هي تفادي اختلاط الأنساب؟

يوسف القرضاوي: هذه يعني الحكمة ولكنها حكمة قاصرة، يعني البعض يقول الشرع منع من الزنا لأجل.. لا هو الشرع لم يقل هذا، هذا من تفكير الناس ولكن هذه لا تشمل كل الأحوال لأنه لو كان الاختلاط.. طيب لو واحد يعني زنا بامرأة حُبلى ما فيش أنساب هنا أو امرأة عقيم فات سن اليأس ولم يعد.. أو عمل يعني واقي من الحمل أو هل يجوز هذا؟ لا، هذه ولذلك هذا التعليل بالحكمة هنا أو بالعِلَّة كثر من الأشياء الخطرة أن يعلِّل الناس الأحكام بعلل قاصرة أو بحكم قاصرة.

خديجة بن قنة: نعم سنأخذ أمثلة أخرى لكن بعد فاصل قصير ثم نعود إليكم مشاهدينا لمتابعة هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة حول مقاصد الشريعة.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، حلقتنا اليوم حول مقاصد الشريعة في حماية المصالح، كنت تقول فضيلة الشيخ عندما نفهم العِلَّة نفهم الحكم أو الحكمة من هذا الفعل.

يوسف القرضاوي: أنا أقول يعني إذا ذكرنا العِلَّة أو الحكمة يجب أن تكون يعني شاملة لكل الحالات لأنه البعض مثلا يذكر في قضية الزنا دي عملية اختلاط الأنساب وهذه لا تشمل كل حالات الزنا، فهناك أكثر من حكمة في الحقيقة، أيضا مثلا يذكروا في قضية الربا استغلال الأغنياء للفقراء وليست كل حالات الربا فيها استغلال الأغنياء للفقراء، أحيانا الفقير يُحطّ ماله علشان يعني يستثمره بالربا فلابد أن نعمل على أن تكون العِلَّة يعني جامعة ومانعة وحاصرة لكل الحالات.

خديجة بن قنة: طيب فضيلة الشيخ تقولون في دراسة أخيرة حول مقاصد الشريعة إن هناك ثلاث مدارس مختلفة وتسمونها بالظاهرية الجديدة والمُعَطِّلَة أو الظاهرية الجدد والمُعَطِّلَة الجدد والمدرسة الوسطية، يا ريت لو تشرح لنا ماهية كل مدرسة.

"
الظاهرية الجديدة هي مدرسة فكرية تفهم النصّ بمعزل عن مقصده حيث تأخذ بحرفية الشيء ولا تبالي بالفحوى
"
يوسف القرضاوي: هذا ذكرناه، يعني بالمناسبة كان عندنا ندوة حول مقاصد الشريعة وكان الداعي إليها صديقنا الشيخ أحمد زكي يماني كنا نريد تأسيس مركز لدراسات مقاصد الشريعة واجتمعنا الحقيقة أكثر من عشرين عالما من مختلف البلاد العربية والإسلامية وقدمت أنا ورقة حول العلاقة بين النصّوص والمقاصد لأن هناك فئات من الناس تحاول أن تجعل يعني حربا بين النصّ الجزئي والمَقْصّد الكلي ولذلك أنا ذكرت في هذه القضية في العلاقات هل النصّوص الجزئية نهملها ولا نرعاها؟ هل نحارب بها المقاصد أو المقاصد نحارب بها النصوص؟ هل هذا أو نفهم النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية؟ هذا هو البحث، ذكرت أن في هذه القضية مدارس ثلاثة وهذه المدارس المدرسة الأولى سمّيتها المدرسة مدرسة الظاهرية الجدد التي تفهم النصّ بمعزل عن مقصده لا علاقة لها بالمَقْصّد..

خديجة بن قنة [مقاطعة]: التفسير الحرفي للنصّ.

يوسف القرضاوي: تنظر إلى ظاهر.. المدرسة الحرفية تأخذ بحرفية الشيء ولا تبالي بالفحوى وهذه موجودة حتى في القانون وفي الفلسفات، فيه مدرسة ضيِّقة ومدرسة موسِّعة، فهذه المدرسة التي تعني بظاهر اللفظ ولا تعني بالمَقْصد وهذه كان لها أصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصليَّن العصر إلا في بني قريظة" بعد غزوة الأحزاب، فالصحابة ذهبوا إلى بني قريظة ناس في الطريق وجدوا الشمس تقارب الغروب فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِد منا أن نضيع العصر إنما أراد منا أن نسرع النهوض وصلوا في الطريق هؤلاء أخذوا بالفحوى بالمَقْصد وجماعة قالوا لا هو قال لا يصلين إلا في بني قريظة فنحن لا نصّلِّها إلا في بني قريظة ولو وصلنا منتصف الليل، جماعة أخذوا بالفحوى وبالمَقْصد وجماعة أخذوا بالظاهر والحرفية، فالحَرْفِيُّون هؤلاء يعني لا علاقة لهم بالنظر إلى المقاصد ولذلك بنسميهم الظاهرية الجدد لأنهم امتداد لمدرسة الظاهرية القديمة التي أسَّسها الإمام داود الظاهري في القرن الثالث وأحياها الإمام أبو محمد بن حزم في القرن الخامس الهجري والإمام أبو محمد بن حزم من العبقريات الإسلامية يعني رجل موسوعة هو في الفقه في الحديث في الآثار في التاريخ في الملل والنحل ومقارنة الأديان في الأدب في الشعر في الأصول، كل هذا له باع واسع ومع هذا المنهج الظاهري الذي اتبعه جعله يقع في أخطاء كثيرة من ذلك مثلا إنه جاء حديث يقول "لا يَبُل أحدكم في الماء الراكد" فهو يقول إن النهي عن البول في الماء إنما لو واحد بال في قارورة وبعدين صبّها في الماء يبقى امتثل الحديث فشنَّع عليه العلماء بهذا لأن هذه ظاهرية، كذلك قال في قضية البكر تُسْتَأذَن، قالوا لكن البكر تستحي، قال إذنها صماتها، إذا سكتت السكوت دليل الإيه..

خديجة بن قنة: الرضا.

يوسف القرضاوي: الرضا، طيب ما سكتتش وقالت والله يا أبي أنا موافقة على محمد أو أحمد أو حمد أو علي أنا موافقة عليه، ابن حزم يقول لا العقد باطل لأن إذنها صماتها وهذا ابن القيِّم يقول وهو هذا هو اللائق بظاهريته، فابن حزم هذا العبقري العظيم منهجه الظاهري أوقعه في هذه الأخطاء، هذه المدرسة تقع في مثل هذه الأخطاء بعضهم يُسقِط الزكاة والربا عن النقود الورقية، تعرفي كان زمان الناس تتعامل بالذهب والفضة ويقول النقد الشرعي الذهب والفضة، طيب يا سيدي ما عدش فيه ذهب وفضة يقول هذه ليست نقود شرعية وعلى هذا لا ترِد فيها الزكاة ولا يدري فيها الربا، ممكن أديلوا ألف ريال ويرجعهم لي ألف ومائة ولا يكون ذلك ربا ويبقى عندي ملايين الريالات أو الجنيهات أو الدولارات أو سمِّيها ما تسميها ولا تجب عليه زكاة لأنها ليست منقودة، فهذا غريب جدا وأنا رددت على هؤلاء في كتاب فقه الزكاة وقلت مش هي دي النقود الورقية دي اللي بيدفعها الرجل ثمنا للسلعة يستحلّ بها السلعة ويدفعها أجرة فيستحل بها أجر عرق العامل ويدفعها مهر وتصبح المرأة زوجة له وهي لو واحد جِه يسرقها منه مش يقاتل دونها كيف لا تكون هذه، فهذا من الظاهرية الجدد اللي إحنا نقول عليهم، بعضهم مثلا يقول لا زكاة في عروض التجارة، أحد العلماء الكبار المُحدِّثين الكبار الشيخ ناصر الدين الألباني وهو من هو في علم الحديث يقول عروض التجارة لا زكاة فيها إذا لم تُسَيَّل ويمر عليها الحَوْل فلا زكاة وهيهات أن تُسيَّل الآن كبار التجار لا يكادون يعرفون السيولة يتعامل بالشيكات وبتاع سلع، فكيف نقول إن هؤلاء التجار لا زكاة عليهم وهم يملكون معظم ثروة الأمة يعني مين اللي يملك ثورة الدوحة ولا دبي ولا الكويت ولا الرياض ولا جدة ولا.. هم التجار فحنقول للجماعة اللي عندهم الإبل والبقر والغنم ودول كم تكون ثروتهم وما عادت يعني إبلا سائمة ولا غنما سائمة يعني ترعى في كلأ مباح فمعناها إن أسقطنا الزكاة عن معظم الأمة، هذا كله من جرَّاء هذه الظاهرية الجديدة التي تتمسك بالحرفية ولا تراعي مقصد النصّ هناك مدرسة مقابلة لها..

خديجة بن قنة [مقاطعاةً]: قبل أن ننتقل إلى المدرسة المقابلة فضيلة الشيخ، كأن الظاهرية الجدد أيضا لديهم ميل إلى تضخيم الآداب واعتبارها أركانا من أركان الإسلام، مثلا إطلاق الرجل للحية ولبس المرأة للنقاب..

يوسف القرضاوي: نعم لحيته، تفصيل الثوب.

خديجة بن قنة: نعم وتحريم التصوير الفوتوغرافي و و.. كثير من الأشياء لكن سنأخذ الإجابة بعد فاصل نأخذ خلاله موجزا لأهم الأنباء ونعود لمواصلة هذه الحلقة حول مقاصد الشريعة في برنامج الشريعة والحياة.

[موجز الأخبار]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم مقاصد الشريعة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ قبل أن ننتقل إلى المدرسة المُقابلة وهي مدرسة المُعَطِّلَة الجدد التي تُعَطِّل النصّوص لحساب المصلحة، نود أن نُفصِّل قليلا في خصائص المدرسة الأولى التي كنت بصدد الحديث عنها وهي الظاهرية الجدد كما سميتها وميلها إلى التشدد وتضخيم الآداب.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه المدرسة من خصائصها أنها تميل إلى التشديد لا إلى التيسير وهي بعيدة عن النظرة الوسطية دائما مع الغُلُو ومع التشدد أو التنطُّع كما سماه صلى الله عليه وسلم حين قال "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" وكررها ثلاثا وقال "إياكم والغُلُوَّ في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغُلُوّ في الدين" وغُلُوُّهم ناشئ من نظرتهم الحرفية، مثلا خذي مسألة مثلا مسألة اللحية بالنسبة هم يجعلون مسألة اللحية هذه كأنها من أركان الإسلام، يعني بعضهم قال عن شخص إنه فاسق وبعدين يعني سألت قلت يا أخي هذا الرجل نعرفه مقيما للصلاة مؤديا للزكاة صائما لرمضان مجتنبا لما حرَّم الله، كيف وصفته بالفسق؟ وبعدين تبين لي أنه وصفه لأنه تارك اللحية يعني حليق اللحية يعني ومَن نظر إلى النصوص التي جاءت في اللحية يجد اللحية يجد فيها ثلاث أحاديث صِحاح عن الصحابة ومن يتأملها يجد أنها كلها جاءت من أجل مخالفة المُشركين أو المجوس، خالِفوا المشركين خالِفوا المجوس، كان المجوس في الفُرس كانوا يطيلون يعني شواربهم ويحلقون، فقال خالفوهم يعني في المظهر لأن يريد الإسلام للمسلم أن يكون متميزا في مظهره وفي مَخبَره إنما المخالفة في المظهر هذه ليست من أساسيات الدين ده من التحسينيَّات كما ذكر العلماء أو من الكَمَالِيَّات كما نعبر في عصرنا ولذلك جاء في أحاديث أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة أن يَصبُغوا.. نهى الصحابة أن يتركوا الشيب وقال لهم خالفوا اليهود والنصّارى فإنهم لا يصبغون فأصبغوا، يعني أصبغوا الشيب بالحِنَّة أو بشيء حتى لا يبقى أبيض يعني ومع هذا بعض الصحابة..

خديجة بن قنة: خالفوا..

يوسف القرضاوي: صبغ وبعض الصحابة لم يصبغ، هذا ثابت بيقين، كثير من الصحابة لم يصبغوا لماذا؟ لأنهم عارفين أن هذه القضية تتعلق بأمر تكميلي وليست بأمر أساسي، لو كان أمر أساسي كان سارع الجميع إلى الصبغ إنما البعض قال لا أنا أتركه كما هو، فهذا يدل على أن هذا التشديد ليس له أصل ثابت، الذين يُقَصِّرون الثياب ذكروا بعض الأحاديث التي يعني ذكرت أن المُسبِل إزاره هذا لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يُزَكِّيهم ولهم عذاب أليم، ذكر الثلاثة منهم المُسبِل يعني اللي بيسبل إزاره يطوِّلًه، فهؤلاء نظروا إلى هذا الحديث وتركوا الأحاديث الأخرى التي ذكرت العِلَّة في هذا والحكمة والمَقْصّد من هذا أنه يفعل هذا خُيَلاء "من جَرَّ إزاره خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" وأن سيدنا أبو بكر يعني لمَّا سمع الحديث قال يا رسول الله أني لا أتعَهَّد إزاري فيسترخي، أنا ما بهتمش بإزاري أحيانا أتركه يجر على الأرض، قال له أنك لا تصنعه خُيَلاء، تركوا هذه العِلَّة وجعلوا أنه الأساس هو إسبال الإزار وجعلوا يعني.. فهذه هي مشكلة هؤلاء الذين يتمسكون بالظاهر ويتشددون في أمور ليس يعني هناك داع إلى التشدد فيها.

المعطِّلة الجدد وتعطيل النصوص الشرعية

خديجة بن قنة: نعم، في المقابل هناك من يدعون إلى تعطيل النصّ لأنه يتعارض مع مصلحة الناس ويقولون إن الله غَنِيٌّ عن الناس ولا يحتاج إلى صلاة أحد ولا إلى سجود ولا إلى صيام ولا.. وأن كل هذا، يعني المهم أن يكون الإنسان أن تكون نِيَّته صالحة ولا يهم الأعمال، ما رأيكم؟ وهؤلاء الذين سميتهم بالمُعَطِّلَة الجدد.

"
المُعَطِّلَة الجدد يسعون لتعطيل النصوص الشريعة معتبرين أن المهم ليس النصوص وإنما  مقاصد الشريعة، ويَزعمون أن إمامهم في ذلك سيدنا عمر بن الخطاب
"
يوسف القرضاوي: المُعَطِّلَة الجدد آه، هناك في تراثنا الإسلامي مدرسة أسمها المُعَطِّلَة حتى أن ابن القيم له كتاب اسمه اجتماع الجيوش الإسلامية على المُعَطِّلَة والجهمية، هؤلاء يُعَطِّلون في مجال العقيدة يعني يُعَطِّلون أسماء الله عن معانيها الحقيقية، في رأي أهل السنة خصوصا ابن القيم وابن تيمية، فأما هؤلاء المُعَطِّلَة الجدد يعطِّلون في مجال الشريعة ليس في مجال العقيدة، يعني نصوص الشريعة يريدون تعطيلها النصوص التي جاءت بتحريم الخمر مثلا أو بتحريم الربا أو بوجوب القصاص {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى} أو في الحدود {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} أو ما غير ذلك من النصوص المختلفة في القرآن والسنة، يريدون هم تعطيل هذه النصوص لماذا؟ قالوا لأن المهم ليس النصوص لننظر إلى مقاصد الشريعة، الشريعة جاية لمصالح العباد وهذه النصوص تقف ضد المصالح، فكيف نعطل مصالح العباد باسم النصوص؟ ويَزعمون أن إمامهم في تعطيل النصوص سيدنا عمر بن الخطاب..

خديجة بن قنة: لأنه عطَّل حد السرقة في عام المجاعة.

يوسف القرضاوي: في عام المجاعة عَطَّل حد الإية السرقة وقالوا إنه أسقط سهم المُؤَلَّفَة قلوبهم وهو مذكور في القرآن {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وإنه فعلا كذا.. ذكروا عدة أشياء وهذا في الحقيقة افتراء على عمر بن الخطاب، عمر بن الخطاب لم يعطِّل سهم المُؤَلَّفَة قلوبهم ولم يلغ سهما، إنما كل الذي فعله أن هناك أناس كانوا يأخذون باسم المُؤَلَّفَة قلوبهم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي عهد أبو بكر، الأقرع بن حابش التميمي، عيين بن حصن الفزاري، العباس بن مرداس، هؤلاء ناس وأمثالهم كان النبي وأبو بكر كانوا يعطونهم، سيدنا عمر قال لهم إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم ولم يعطهم، طيِّب هل الإسلام أو القرآن نصّ على إن الأقرع وعيين وبن مرداس يظلون مُؤَلَّفَة أبد الدهر لا كل ما في الأمر إن هؤلاء لم يعودوا مُؤَلَّفَة يعني هو بيقول المُؤَلَّفَة قلوبهم، فيه عندنا في أصول الكل تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعليَّة ما منه الاشتقاق، يعني لما أقول أعطي الفقراء، كلمة الفقراء دا مُشتَق ومعناها إنه فيه عِلَّة يعطي الفقراء يعني ما داموا فقراء يعني عِلَّة إعطائهم أنهم فقراء فلو أصبح الفقير غنيا لا تعطه.

خديجة بن قنة: عندما يتغير وضعه.

يوسف القرضاوي: فلذلك وربنا قال {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} هل لو كان واحد بيأخذ الزكاة باسم الفقر وبعدين اغتنى ندي له؟ لا لم يعد فقيرا، كذلك كان واحد مُؤَلَّفَا في وقتا من الأوقات ولم يعد مُؤَلَّفَا كان مُؤَلَّفَا في عهد سيدنا أبو بكر وفي عهد الرسول، عمر قال لا هو لسنا في حاجة إلى أن نُؤَلِّف قلبه إما لأنه حسم إسلامه ما عدنا نحتاج أو إن قبيلته اللي كنا خائفين عليها منه أصبحت قوية ووطيدة الإسلام راسخة القدم في الإسلام فما عاد يهمنا منه يعني.. لم يعد مُؤَلَّفَا فهذا يعني لا يقال إن سهم المُؤَلَّفَة عَطَّله سيدنا عمر إنما زي ما نقول مثلا فيه ساعات مثلا جائزة الملك فيصل يقولون إن جائزة الملك فيصل في الطب السنة دي لم تُعط لأحد حُجبت معنى حُجبت إيه؟ البند موجود إنما لم يوجد من يستحقها، فهنا لم يوجد من يؤلف قلبه واللي بيألف مين هو ولي الأمر، يعني مين اللي بيألف الناس يستملهم هو الإمام، فإذا لم يرى هؤلاء يستحقون هو حر، إذا وجد هؤلاء وقال نؤلِّف نعطيهم من الزكاة ومن غير الزكاة، فهذا لا يقال أبدا إن عمر عَطَّل النصّ، كذلك قضية إنه يعني عام المجاعة أوقف الحدّ، الحقيقة إن الحد لم يجب يعني لم يجب الحد ثم أسقطه لا هو لم يجب أساسا لماذا؟ لأن الحد لا يجب إلا إذا انتفت الشبهات، فإذا وردت شُبْهة سقط الحد، "ادرؤوا الحدود بالشُبُهات"، فعمر رأى إن وجود المجاعة العامة مَظِنة حاجة عامة، إن الذي يسرق يسرق من حاجة اعتبرها شُبهة عامة مُسقِطة للحد فلا يجب الحد وهكذا فهؤلاء الذين يَزعُمون إن عمر هو إمامهم في تعطيل النصّوص كذبوا على عمر، بالعكس عمر حينما وقفت امرأة وحينما أراد يعني يضع حدا للمهور ويجعل له حد أعلى فقامت امرأة وقالت يا أمير المؤمنين إن الله.. كيف تفعل هذا وقد قال الله تعالى {وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} فأشار إلى إنه فقال أصابت المرأة وأخطأ عمر وكان من أوصاف سيدنا عمر الصحابة وصفوه أنه كان وَقَّافا عند كتاب الله يعني لما الواحد يحاجّه بالآية أو بالحديث خلاص يُسلِّم.

خديجة بن قنة: نعم، هم يقولون فضيلة الشيخ حيث توجد المصلحة فثم شرع الله ويُحكِّمون العقل في كل شيء يعني مبدأ تحكيم العقل ليس خطأ؟

يوسف القرضاوي: العقل، تحكيم العقل ليس خطأ ولكن تحكيم العقل في مقاومة النصّ هو الخطأ، يعني لا نُعارض النصّ بمجرد استحسان العقل، نحن نؤمن أنه لا يوجد نصّ شرعي قطعي الثبوت والدلالة يتعارض مع مصلحة قطعية أبدا لا يوجد هذا في الشرع إنما قد توجد يعني مصلحة موهومة تتعارض مع نصّ أو يوجد نصّ ظَنِّي يتعارض مع مصلحة قطعية إنما مصلحة قطعية ونصّ قطعي لا يمكن أبدا، فهم.. ما هي المصالح التي يزعمونها؟ يزعمون مثلا من مصلحة الناس إننا نُبيح لهم البغاء، أي مصلحة في إعادة البغاء للناس؟ كل المصالح.. أن نبيح للناس المُسكِرات تشجيعا للسياحة ولكذا وهذا لا.. القرآن يقول يعني بالنسبة للسياحة الدينية كان فيه جزيرة العرب، العرب يعيشون في مكة على حجّ المشركين وكان المشركون يحجُّون يعني بطريقتهم الوثنية وعراة أحيانا، فالنبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة من الهجرة بعث سيدنا علي ينادي في الناس لا يحجّ بعد العام مُشرِك ولا يطوف بالبيت عريان، طب فيه ضرر هذا على أهل مكة، القرآن قال لهم {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إن شَاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عَيْلَة يعني فقراً، إذا كنتم خايفين من ضيق ربنا هيوسَّع عليكم وفعلا وسَّع الله عليهم بالفتوح والغنائم من كل جانب، فلا توجد مصلحة حقيقية يعارضها نصّ قاطع من قرآن أو سُنة أبدا.

خديجة بن قنة: نعم، فضيلة الشيخ تقول من خصائص هؤلاء المُعَطِّلَة الجدد الجهل بالشريعة والجرأة على القول بغير علم والتبعية للغرب، هل لك أن تعطينا أسماء علماء أو مفكرين ينتمون إلى هذه..

يوسف القرضاوي: هو أنا أريد أن أقول هؤلاء المُعَطِّلَة هم يعني صِنفان، صِنف منهم يقول إنه الذي يقف في سبيل المصلحة هي النصّوص الجزئية تقول قال الله تعالى كذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم كذا "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" هذه النصّوص هي التي تقف ضدنا {اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} هذه معظم.. هؤلاء الذين يعتمدون على سيدنا عمر كما قلت يعتمدون على أحد علماء الحنابلة اسمه نجم الدين الطّوفي زعموا أنه يقدم المصلحة على النصّ وأنا بيّنت في دراستي أنه نجم الدين الطوفي لا يقدم المصلحة على النصّ القطعي أبدا بل هو بالعكس يعني قال هذا صراحة إن النصّ القطعي لا يُقَدَّم عليه شيء إذا كان قطعيا في متنه وفي دلالته، في سنده وفي متنه، أما هناك صِنْف آخر يقفون ضد النصّوص بدعوى أخرى يعني هم ضد المقاصد، يقولون إن دعاة الشريعة يستخدمون المقاصد لحيلة لتطبيق الشريعة وهذه المدرسة الأركونية، محمد أركون والجماعة الذين يعيشون في فرنسا ويعتمدون على اللسانيات وعلى غيرها..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: لكن هذا واقع فضيلة الشيخ..

يوسف القرضاوي: هؤلاء يعني يزعمون أنه استخدام المقاصد يعني هم حتى ضد استخدام المقاصد..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: نعم، لكن هناك فعلا حِيَل شرعية للتحايل في هذا المجال ربما كما يقول البروفيسور محمد أركون فيما يتعلق بالقروض من البنوك الإسلامية مثلا شراء سيارة بقرض من بنك إسلامي في النهاية سعر السيارة سيزيد وسيستفيد البنك وتعتبر النتيجة واحدة..

يوسف القرضاوي: لا هو قضية الحِيَل قطعا هي ضد المقاصد والإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم لهم يعني لهما دراسات واسعة في إبطال هذه الحِيَل ابن القيم ذكر يعني في كتابه إعلام الواقعين وفي إغاثة اللهفان وفي غيرهما يعني بحث بحثا واسعا في إبطال الحِيَل لأنها ضد مقاصد الشريعة ولا يمكن أن يَشرَع الله ما يُبطِل أحكامه ربنا عاب على اليهود حينما استخدموا الحيلة في قضية الصيد..

خديجة بن قنة: الصيد يوم السبت.

يوسف القرضاوي: بدل ما يصيدوا يوم السبت يعملوا.

خديجة بن قنة: يمرون الشباك.

يوسف القرضاوي: الشباك التي يدخل إليها السمك يوم الجمعة وبعدين ياخدوها هم يوم الأحد واعتبر هذه يعني منكرا كبيرا وجعلهم قردا خاسئين وإلى آخره، فكيف يبيح الشرع والإمام البخاري له في إبطال الحِيَل وذكر فيها حديث "إنما الأعمال بالنيَّات وإنما لكل امرئ ما نوى" وذكر أحاديث عدَّة، فنحن ضد الحِيَل ولكن هذه القضية التي تستخدمها البنوك الإسلامية فيما يسمى المُرَابَحَة هي غير هذا، هي عبارة عن إن الواحد يُكلِّف البنك أن يشتري له سلعة ويبيعه له بأكثر من ثمنها ليربح فيها البنك، يبيعها له بالتقسيط والبيع بالتقسيط ليس محرما لأن هو مقابل السلم، السلم يعني عكس والسلم جائز بالإجماع، فالقضية بقى وفيها شروط يعني ولكن العيب فيها إن بعض البنوك الإسلامية لا تُوفِّر الشروط المطلوبة التي تفتي بها هيئة الرقابة الشرعية، يعني المفروض إن البنك يشتري السيارة أو الشيء ويتملَّكه ويحوزه وبعدين يبيعه للشخص الآخر يبيعه له بثمن أغلى طبعا مما اشتراها كأي تاجر ولكن البعض لا يفعل هذا وأحيانا بعض البنوك الإسلامية أباحت شيء وهذا أنا لا أُقِرُّه أبدا اسمه التَوَرُّق، التَوَرُّق المصرفي وكثير من العلماء أنكروا هذا إنكارا لأنه يفقد العملية يعني حقيقتها تصبح عملية صورية لا فيها بيع ولا شراء كما قال ابن عباس يعني إنما هي يعني دراهم بدراهم وبينهما حريرا هذا مفروض شرعا.

خديجة بن قنة: نعم، فضيلة الشيخ سنتحدث عن المدرسة الثالثة هي المدرسة الوسطية لكن قبل ذلك نأخذ مُداخلات المشاهدين عبد الكريم الوشلي من السعودية تفضل.

مداخلات المشاهدين

عبد الكريم الوشلي- السعودية: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام.

عبد الكريم الوشلي: أحيي سماحة الشيخ وأحييكِ أختِ مقدمة البرنامج وأعتقد بأن موضوع الحلقة أيضا هو لا يختلف كثيرا عن موضوع الحلقة السابقة والمتعلق بفقه الاجتهاد أو فقه المصلحة طبعا ونحن سماحة الشيخ طبعا يعني نحن نرى أيضا ما يُسمَّى فقه المصلحة قد خرج عن مساره وخرج عن طريقه على مر التاريخ في أكثر من جانب سواء إن كان في الجوانب السياسية أو في الجوانب الاقتصادية، نحن عندما نرجع إلى الآية القرآنية الكريمة التي تقول: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} نحن قد فهمنا يقينا بأن الثوابت المتعلقة بنظرية العدالة وحقوق الإنسان وأسس العبادات قد حُسمت بكمال تام لا مجال للاجتهاد فيها أو التأوّل نيابة عنها ومثل هذه الأسس أو الثوابت المنصوصة نتلمس خيراتها وفضائلها دوما ولا تحتاج لمن يُبيِّنها لنا أو يوضح الحكمة من ذلك لأنها توصف بكمالية ملموسة، طبعا فقه الاجتهاد مثلا قد ترك الباب مفتوحا طبعا وهذا طبعا لحكمة وهذه الحكمة هي إضفاء الكمالية الزمنية للإسلام بحيث أنه يظل الأكمل والأرقى ويظل الينبوع الذي لا ينضب بالإضافة إلى كونه مُحفز للتحديث والأخذ على..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: نعم سؤالك المباشر أخ عبد الكريم باختصار لو سمحت.

عبد الكريم الوشلي: نعم سؤالي، سؤالي لسماحة الشيخ القرضاوي بأنه هل تعتقد بأن فقه الاجتهاد أو ما يُسمى فقه المصلحة قد خرج على مساره على مر التاريخ ابتداء بقيام الدولة الأموية نفسها وشرعنتها؟ طبعا نحن نعتقد بأن قيام الدولة الأموية وشرعنتها كان أيضا خطأ تاريخي يعني لن ننساه أبدا فما رأي فضيلة الشيخ في هذا؟ شكرا.

خديجة بن قنة: نعم شكرا لك عمر السفرجي من السعودية.

عمر السفرجي- السعودية: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام ورحمة الله وبركاته.

عمر السفرجي: مَن فهم أنه يعرف مقاصد الشريعة فقد أخطأ لأن الكتاب والسنة لم تُفصَّل وهي تُفَصَّل بعدها قال {قَالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} وهنالك يجب أن الإنسان لا يسأل عن مقاصد الشريعة لأنه الله سبحانه وتعالى يقول {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} شكرا جزيلا.

خديجة بن قنة: شكرا لك عبده الجعفري من السعودية تفضل.

عبده الجعفري– السعودية: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام.

عبده الجعفري: مسّاكم الله بالخير فإن مقاصد الشريعة عظيمة وحكيمة فلم يُحَرَّم أمر إلا لمقصد ولم يبح إلا لمقصد وهذا المَقْصّد أو بمعنى أصح الحكمة والعِلَّة قد تُفْهم عند أناس وتخفى على آخرين ولا يجب البحث عنها ولا يُكلِّف الإنسان نفسه عناء البحث عنها، بل عليه أن يعمل العمل الصالح ويترك العمل السيئ سواءً عرف الحكمة أم لم يعرف لأن الله أمره بالعمل الطيب وأنهاه عن العمل السيئ ولم يقل له لا تعمل عملا طيبا حتى تعرف الحكمة ولا تجتنب العمل السيئ حتى تعرف الحكمة، سؤالي لسماحة الشيخ بارك الله فيك ما معنى مقولة الفقهاء "درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح" وكذلك قولهم "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران" كيف نفهم أن هذا من مقاصد الشريعة؟ وهل كل اجتهاد هو من المقاصد التي دعا إليها الإسلام؟ سؤال آخر نجد أن بعض الناس يُتعب نفسه ويُقلقها حتى يعلم مقصد الشريعة في عمل يعمله سواء كان ذلك العمل طيبا أو عملا سيئا هل هذا من الأولويات التي يتسنى لنا البحث عنها حتى ندرك مقصد الشريعة؟ سؤال آخر بارك الله فيك..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: باختصار لو سمحت.

عبده الجعفري: هل من مقاصد الشريعة كثرة المذاهب واختلاف الآراء؟ وهل من مقاصد الشريعة التي دعت إليها تَتَبُّع الرُخَص في العبادات وإشغال أهل العلم بسؤال يتكرر على أكثر من عالم أم أن هذا من مقاصد الشريعة؟ وبارك الله فيكم.

خديجة بن قنة: شكرا لك، نأخذ فاصلا قصيرا ثم نعود لمواصلة هذه الحلقة وأخذ الإجابات من فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

[فصل إعلاني]

خديجة بن قنة: أهلا بكم مشاهدينا إلى برنامج الشريعة والحياة، حلقتنا حول مقاصد الشريعة، فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي كان يسألك عبد الكريم الوشري هل تعتقد أن فقه المصلحة خرج عن مساره وطريقه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟

"
المصلحة المُرْسَلة بمعنى أنه ليس هناك من الشرع نصّ لا باعتبارها ولا بإلغائها وأن تكون من جنس المصالح الشرعية بحيث يكون فيها تيسير على الناس ورفع للحرج عنهم
"
يوسف القرضاوي: هذا ليس صحيحا، الذين قالوا بالمصلحة مَن هم الذين قالوا بالمصلحة؟ أشهر مَن قال بالمصلحة والمقصود بالمصلحة المصلحة المُرْسَلَة هو الإمام مالك إمام دار الهجرة وهو أتبع الناس للسنة فلا يمكن أن يُتَّهم الإمام مالك أنه خرج عن.. وكل المذاهب قالت بالمصلحة وقالت بالمصلحة بشروط معينة أن تكون المصلحة يعني مُرْسَلة بمعنى أنه ليس هناك من الشرع نصّ لا باعتبارها ولا بإلغائها وأن تكون من جنس المصالح الشرعية وأن تكون بحيث إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول وأن لا تعارض نصّا شرعيا ولا قاعدة ثابتة وأن يكون فيها تيسير على الناس ورفع للحرج عنهم فمثل هذه لا يمكن أن تكون ضد الشرع، فالزعم أن فقه المصلحة.. ما فيش حاجة اسمها فقه المصلحة هو كل الفقهاء كانوا يأخذون بالمقاصد وبالنصوص ويراعون الموازنة بين الاثنين، إنما إحنا في عصرنا الذي نحن فيه هو الذي أصبح فيه مثل هذه المدارس، المدرسة التي تريد أن تقذف بالنصّ في سلة المهملات من أجل أن إحنا بنراعي المصلحة.. وهؤلاء هم الذين رددنا عليهم ووقفنا ضد مشروعهم لأنه مشروع تدميري للشريعة وللأمة، إنما نحن مع المدرسة الوسطية التي توازن بين النصّوص وبين المقاصد وبين ثوابت الشرع وبين مُتغيِّرات العصر بعض الأخوة يَظنُّون كأننا حينما نقول بمراعاة المقاصد نحن نريد أن نخترق الثوابت، لا الثوابت لا يمكن اختراقها من المدرسة الوسطية اللي هي المدرسة التي نتبنَّاها في هذه القضية إنها تلائم بين الثوابت وبين المتغيرات وأنها تلائم أيضا بين الوسائل المتغيِّرة والمقاصد الثابتة، فيه مقاصد ثابتة للشرع وفيه وسائل متغيرة، البعض يمسك الوسائل ويترك ولا يهتم بالمقاصد لا إحنا نريد نصّرّ على المقاصد ونركِّز عليها ولكن الوسائل قد تتغير، مثلا أنا هأضرب لك مَثل القرآن قال {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ} الوسيلة رباط الخيل والمَقْصّد إرهاب الأعداء أعداء الله وأعدائنا إنما الوسيلة دي تتغيَّر الآن لم يعد لرباط الخيل قيمة أصبحت خيل العصر هي الدبابات والمدرعات والمصفحات وهذه الأشياء هي التي يجب أن نملكها ما نقولش لا ده القرآن قال لنا رباط الخيل ما أحاربش إلا.. لا النبي عليه الصلاة والسلام قال "السِواكُ مَطْهَرةٌ للفم مَرضَاةٌٌ للرب" فيه مقصد هنا وهو تنظيف الفم وده مقصد ثابت يجب أن يستمر وفيه وسيلة وهي عود الأراك السواك ده قد يصلح في بلد مثل السعودية فيها هذا الشجر ولا يصلح في بلاد أخرى وعلى.. ولكي نعمل نصّنَّع وسيلة تستعملها مئات الملايين من الناس الفرشاة، فأنا أقول ليس المهم أننا نتمسك، فأنا لا أريد من الأخوة أن يعني يتمسكوا وبعدين ليس المقصود كلمة مراعاة المقاصد هذه ليست لعامة الناس هذه للعلماء الراسخين عليهم أن يراعوا المقاصد في اجتهاداتهم والأخ اللي بيقول هذه مثل الحلقة اللي فاتت، لا الحلقة اللي فاتت كان الاجتهاد الجماعي..

خديجة بن قنة: حول الاجتهاد الجماعي نعم.

يوسف القرضاوي: ليس حتى في الاجتهاد ولكن الاجتهاد الجماعي والاجتهاد الجماعي يعتمد على النصّ ويعتمد على الإجماع ويعتمد على القياس ويعتمد على المصلحة ويعتمد على كل شيء إنما هذا مُخَصَّص لرعاية المقاصد.

خديجة بن قنة: نعم، عبده الجعفري من السعودية أيضا كان يتحدث كنتم تقولون إن كل الأفعال مُعلَّلّة وكل الأحكام مُعلَّلّة، يقول العِلَّة قد تتَّضح لأناس وتخفى عن آخرين ليس المطلوب دائما معرفة الحكمة ومن وراء هذا الفعل خصوصا في مقاصد العبادات مثلا هل على المرء أن يعرف لماذا فُرِضَت الصلاة العصر قبل المغرب؟

يوسف القرضاوي: لا العبادات بالذات، الأصل في العبادات فيه من خصائص المدرسة الوسطية اللي أنا بأتكلم عنها إنها تميز بين العبادات والمعاملات في أمرين أساسيين، الأمر الأول إن الأصل في العبادات المنع إلا ما أذن به الشارع والأصل في المعاملات الإذن إلا ما منعه الشارع ولذلك في أمور العبادات نحتاج إلى نوع من التقييد والتضييق، مثلا الأخت اللي جاءت في أميركا وعايزة تصلي إمام بالناس وبتاع هذا يعني أمر لم يحدث في الإسلام يعني أجمع المسلمون على أن الإمامة للرجال ولا للحِكَمْ..

خديجة بن قنة: فقط نفتح قوس فضيلة الشيخ.. نفتح قوس..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فالأمر الأول في التمييز بين العبادات إن الشارع وسَّع في المعاملات ما لم يوسَّع.. الأمر الثاني إنه حينما ننظر إلى المعاملات ننظر إلى العِلَّة والمَقْصد والحكمة والأسرار إنما العبادة خذها ما أقولش ليه الصلاة كانت خمس وما كنتش ثلاثة وما كنتش أربعة؟ ليه الظهر كان أربعة وما كانش اثنين زي الصبح؟ ليه هذه صلاة سرية وهذه جهرية؟ ليه الركوع مرة واحدة والسجود مرتين؟ لا آخذ الحج مليان أشياء ليه بأرمي الجمرات؟ ليه كانت سبعة؟ ليه الطواف سبعة؟ ليه الكعبة كانت على شمالنا مش على يميننا؟ يعني هذه كلها تأخذ بالتسليم إنما لا مانع إن إحنا نبحث عن أسرار العبادات، يعني أقول إن الصوم والله فيه فائدة عظيمة فيه راحة للمعدة "صوموا تَصِحُّوا" فيه تقوية للإرادة أن الإنسان اللي بيقعد كل نصف ساعة يدخن يقعد له مثلا 17 ساعة ما يمسكش السيجارة أبدا، تقوية.. فيه الإحساس بالنعمة إن الإنسان ما يُقَدِّرش نعمة الله عليه لأنه عايش وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، إنه يحس بجوع الآخرين إنه كذا.. لا مانع إن أنا أبحث في أسرار العبادات إنما ليس من المهم أن أُدرك التفصيل فيها.

أصول المصالح الخمس

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الشيخ العلماء حصروا أصول المصالح في خمس مقاصد، حفظ الدين، النفس، العقل، النسل والمال، هل لكم أن تشرحوا لنا ذلك بإيجاز وهل هذا الترتيب اجتهادي برأيكم؟

يوسف القرضاوي: هو الذي بدأ بهذا الإمام أبو حامد الغزالي في كتابة المصطصفى قال إنه الشرع دا يحافظ على.. مقصود الشرع من الناس هو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم يعني حياتهم ونسلهم وعقولهم وأموالهم، هذه الأمور.. الإمام القرافي زاد على ذلك العِرْض قال يجب أن يضاف إلى هذه العِرْض لأن الرسول قال "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرضه" فجعل العرض وقال في حجة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا" فجعل العِرض مع المال تماما وجعل فيه عقوبة على العِرض، عقوبة القذف إذا رمى إنسان امرأة بالفاحشة أو رجلا حتى بالفاحشة نجلده ثمانين جلدة حفاظا على العرض، العرض هو إيه؟ يعني سمعة الإنسان وكرامته يعني هذا جانب معنوي صحيح العلامة الشيح ابن عاشور وهو من الباحثين في المقاصد وله كتاب عظيم في مقاصد الشريعة استدرك به على علامة المقاصد وأبي المقاصد اللي هو الإمام الشاطبي.

خديجة بن قنة: الشاطبي.

يوسف القرضاوي: الإمام ابن عاشور رفض اقتراح القرافي وقال لا إنه العِرض لا يبلغ أن يكون من الضروريات الخمسة، أنا في رأيه إنه لا يبلغ لأنه الكرامة والسمعة صحيح يعني ليس أمرا ماديا إنما الأمر المعنوي هذا له قيمة ولذلك هو نفسه الشيخ ابن عاشور اقترح الحرية إنها تضاف والمساواة وهذه الأشياء لذلك العلَّال الفاسي إخوانا المغاربة اهتموا بالمقاصد قبل المشارقة والإمام الشاطبي هو مغربي وهو الذي وَسَّع ما قاله الإمام الغزالي وأضاف إليه وجعل جزءً من كتابه الرائع الفريد الموافقات في مقاصد الشريعة، فهو نظر إلى ما يحتاج إليه الإنسان، يحتاج الإنسان إلى الدين واعتبروا الدين هو الضرورية الأولى، يعني هذا الترتيب مُرَاعى إن الدين هو لأن الإنسان يضحي بنفسه من أجل دينه ويضحي بوطنه من أجل دينه، فالدين مُقَدَّم على.. الإنسان بيروح يستشهد في سبيل الله يعني في سبيل الدين ويضحي بماله من أجل الدين يضحي بداره وأرضه ووطنه ويهاجر من أجل دينه كما ترك الصحابة مكة وهي أحب بلاد الله إليهم وأحب بلاد الله إلى الله تركوها مهاجرين في سبيل الله، فالدين هو الضرورية الأولى وبعدين تأتيها ضرورية النفس، النفس دا عبارة عن حق الحياة بعد ذلك وبعدين النسل استمرار الحياة أيضا يعني ثم العقل ثم المال نضيف إليها العِرْض، هناك في عصرنا من نظروا المقاصد نظرة أوسع من هذا يعني العلامة الشيخ رشيد رضا له كتاب اسمه الوحي المحمدي ذكر فيه مقاصد ذكرها تحت عنوان مقاصد القرآن ذكر عشرة مقاصد مش.. ونَحَى بها نَحوا آخر تتعلق بالإصلاح الديني يعني إصلاح يعني الأديان بعد أن حُرِّفت وبُدِّلت، الإصلاح الديني، الإصلاح الإنساني إصلاح فطرة الإنسان والعودة بالإنسان إلى فطرته وكرامته وحريته، الإصلاح الاجتماعي إصلاح المرأة والأسرة، الإصلاح السياسي إصلاح الأمة، إصلاح العلاقات العالمية، يعني ذكر عشرة.. فالمقاصد قابلة أنا في بحث لي ذكرت عشرين مقصدا..

خديجة بن قنة [مقاطعة]: ليست محدودة في عدد معين لكن فضيلة الشيخ.. نعم.

يوسف القرضاوي: يعني ممكن لأنها عملية اجتهادية ليس فيها نصّ.

خديجة بن قنة: نعم، الخلاف في ترتيب المقاصد هل يؤدي إلى خلاف في الأحكام المترتبة عليها، نأخذ مثال الجهاد مثلا قُدِّم حفظ الدين على حفظ النفس لكن مثلا في تخيير المرأة بين الزنا والموت بالإكراه هل هناك اختلاف بين العلماء؟

يوسف القرضاوي: ربما اختلفوا في هذا، هل يعني تضحي بنفسها حفاظا يعني على دينها وعلى عِرضها أو حتى لا نَجَرِّئ يعني هو داخل في دي اعتبارات أخرى أن حتى لا نُجَرِّئ الآخرين، المسلمة تقول أموت ولا أُفَرِّط في عِرضي يعني هذه كما قال العرب قديما تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فهذا يعني مقارنة بين العِرض والحياة.

خديجة بن قنة: نعم، فضيلة الشيخ، نعم، مقاصد الشريعة جُعِلت على مراتب ضروريات وحاجِيَّات وتحسينات، ما هو المعيار الذي على أساسه يمكن أن نقرر هذا الأمر ضروري أو يعتبر ضمن الحاجِيَّات أو ضمن التحسينات؟

يوسف القرضاوي: هذا في الحقيقة يعني ما ذكره الإمام الغزالي الذي يُعتبَر هو واضع نظرية المقاصد الأولى الأساس الذي بَنى عليه الإمام الشاطبي بنيانه الكبير وهو حينما ذكر الضروريات الخمس ذكر أن المصالح يعني تنقسم إلى مراتب يعني ثلاث، ضروريات وحاجِيَّات وتحسينات وهذا في الحقيقة تقسيم منطقي يعني يتفق مع العقل ومع الشرع ومع الواقع ولا يستطيع أحد أن يَردَّه مهما يعني اجتهد المجتهدون في توسيع المقاصد والإضافة إليها لا يستطيعون أن يتنازلوا عن هذا الترتيب، إن هناك ضروريات في المرتبة الأولى وحاجِيَّات وتحسينات ولكل منهما منزلته لا يمكن أن نضحي بالضروريات ونؤجل الحاجِيَّات أو بالحاجِيَّات من أجل التحسينات لا كل واحدة.. ما هي الضروريات؟ الضروريات هي ما لا يستطيع الإنسان أن يعيش إلا به، يعني إذا لم يوجد يموت، زي الأكل والشرب واللباس والسكن وأشياء أساسية للإنسان، فهذه ضروريات، فيه أشياء حاجِيَّات يعني البيع والشراء والإيجار وهكذا هذه من الحاجِيَّات التي لابد منها ممكن الإنسان بدل ما يبيع يعمل مقايضة أو يعمل كذا.. هذه من.. الحاجِيَّات هي التي يستطيع الإنسان أن يعيش بدونها ولكن تكون حياته في حرج وضيق ومشقة، فلكي تكون حياته حياة يعني طيبة وسلسة وسهلة ومرنة، هذه الحاجِيَّات التحسينات هي الأشياء المُكَمِّلة..

خديجة بن قنة: الكَمَالِيَّات.

يوسف القرضاوي: التي نُعبِّر عنها في عصرنا بالكَمَالِيَّات يعني يمكن إنسان يعيش بدونها ولا يعمل.. فممكن حتى بعض الضروريات فيه تحسينيَّات يعني إنسان مثلا لابد له من مسكن دا أمر ضروري عشان يعيش فيه إنما علشان بقى يبقى المسكن بسعة كذا ومعمول بالطريقة الفلانية طبعا عشان يبقى فيه هوا وحاجات زي كده دي أشياء لابد منها، إنما علشان يزيّنه ويزخرفه ويعمله كدا دي تحسينات وأحيانا حتى تخرج من التحسينات إلى السرفيات تصبح من السرف والترف المذموم شرعا، فهذا التقسيم المنطقي لمصالح الناس إلى ضروريَّات وحاجِيَّات وتحسينيَّات لكل منها مرتبته ومنزلته بحيث لا تتعدى يعني مرتبة على أخرى هذا مُقَرَّر ومطلوب.

خديجة بن قنة: نعم، لكن ماذا لو تعارض النصّ مع المَقْصد، هل نهمل النصّ ونُعَطِّلُه ونُحَكِّم المَقْصد؟ مثال ذلك مثلا المرأة التي تُسلم وزوجها غير مسلم، مثلا قضية الحجاب في الغرب في أوروبا.

"
ليست كل تكاليف الشرع سواء وهذا ما يهتم به فقه الموازنات بين المصالح بعضها وبعض
"
يوسف القرضاوي: هذا ليس تعارض بين نصّ ومقصد، لا يعني قضية المرأة أن تُسلم وهذه وجدنا لها حل في داخل نصوص الشريعة نفسها يعني لم نجد فيها تعارضا بين نصّ ومقصد والحجاب ليس فيه تعارض بين نصّ ومقصد إنما هو تحكُّم من الحكومة الفرنسية في اختيارات المسلمين وحريتهم، هذه أشياء نحلُّها أحيانا من داخل الشريعة، وجدنا عن سيدنا عمر وسيدنا علي إنه ممكن المرأة تبقى مع زوجها بعد أن تسلم ولا حرج عليها، وجدنا من العلماء من يقول إذا لم يقض بينهما قاض فهما على نكاح، إذا ما صدرش حكم يفرق بينهما حكم قضائي من محكمة هما زوجان على نكاحهما الأول هذا ليس نصّ، الحجاب يعني قلنا للمسلمات إن عند الضرورة المسلمة يعني حتى لا يضيع عليها التعَلُّم ممكن تخلع الحجاب في المدرسة وتلبسه خارج المدرسة والضرورات تبيح المحذورات ولكن يُكَمِّل هذه القاعدة قاعدة أخرى الضرورة تُقَدَّر بِقَدَرِها.

خديجة بن قنة: هو نفس السؤال الذي تطرحه حنان، حنان من فلسطين تقول الكثير من فتيات المسلمين اللاتي يسكنّ داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 يبررن عدم ارتدائهن الحجاب باحتمال أن يتعرضن إلى الإهانة والأذيّة لأنهن يعشن في بلاد يسكنها ويديرها اليهود فيفضّلن الاحتشام على ارتداء الحجاب وهذا في نفس سياق المثال الذي كنا نتحدث عنه بالنسبة لأوروبا، فضيلة الشيخ هل يمكن اعتبار سدّ الذرائع من ثمار النظر إلى المقاصد على اعتبار أن سدّ الذرائع هو حسم الوسائل التي ظاهرها المشروعية وفي النهاية تؤدي إلى مآل ممنوع؟

يوسف القرضاوي: هو هذا يعني ينظر إليه في ضوء ما يسمى فقه المآلات، إن أنا يعني ذكرت حتى وإحنا في مشروع مركز دراسات المقاصد إن يجب أن يدخل في المقاصد فقه المآلات وفقه الموازنات وفقه الأولويات لأن ده كلها يدخل في مقاصد الشريعة إن الأشياء ليست كلها في منزلة واحدة ليست كل تكاليف الشرع سواءً دا كل تكليف له تسعيرة معينة يعني كما قال الله تعالى {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} لابد أن ندخل في هذا فقه الموازنات بين المصالح بعضها وبعض، كان من ضمن أسئلة بتاع إن درء المفاسد مقدم على جلب الإيه؟ المصالح، يعني هذا أيضا من ضمن القواعد التي تتخذ في عملية المقاصد ولكن أحيانا تبقى مفسدة بسيطة ومصلحة كبيرة ممكن نضيع..

خديجة بن قنة: مثل مسألة سِياقَة المرأة مثلا في.. سِياقَة المرأة يعني تُمنَع المرأة من السِياقَة رغم أنه لا وجود لأي دليل على تحريم سِياقَة المرأة لكن المفسدة المقابلة هي وجودها مع سائق أجنبي.

يوسف القرضاوي: هم الذين منعوا المرأة لم يمنعوها بنصّ شرعي لا وإنما قالوا خوفا على إن المرأة تستعمل السيارة فيما لا يجوز، أصبحت معها سيارة قادرة على أن تتنقل كيف تشاء وتفعل كيف تشاء وهذا سوء، سوء ظن بالمرأة ومن ناحية أخرى قال إنه اللي حيعلمها حتضطر إنها تروح تجلس بجوار رجل ولكن يجب.. ممكن الاحتياط في هذا كله والمفسدة التي تترتب على قيادة المرأة للسيارة أكثر إنه في.. إذا تركنا تركت المرأة القيادة معناها إنها حتروح مع سائق يعني هندي ولا فلبيني ولا كذا وكذا، هذا يترتب عليه مخاطر ومفاسد أكثر من السِياقَة ولذلك كثير من البلاد أجازت هذا، قطر تجيز السِياقة معظم بلاد الخليج تجيز هذا مصر وسوريا وغيرها تجيز فأكثر المسلمين يجيزون للمرأة القيادة.

خديجة بن قنة: طب نريد أن نتحدث فضيلة الشيخ عن واقع..

يوسف القرضاوي [مقاطعاٌ]: أنا بس كنت عايز أتكلم في قضية فقه المآلات هذا معنى فقه المآلات يعني إيه؟ إننا ننظر إلى مآل هذه الواقعة..

خديجة بن قنة: عاقبة الأشياء.

يوسف القرضاوي: يعني النتائج والآثار التي تترتب عليه يعني ننظر إلى الآن ولا ننظر إلى ماذا سيترتب على.. يعني النبي عليه الصلاة والسلام اقترحوا عليه أن يقتُل المنافقين عبد الله ابن أُبَيّ والجماعة الذين كادوا للمسلمين وفعلوا ما فعلوا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم "أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، يعني خشي من حملة إعلامية مضادة تشوش على عمل الرسول وتقول محمد بيقتل أصحابه وهو الحقيقة وهو هؤلاء ليسوا أصحابه، القرآن ذكر.. بعض الأخوة تكلم عن قضية سورة الكهف وسورة الكهف سيدنا موسى مع العبد الصالح، ده كل اللي عمله يتعلق بفقه المآلات، خرق السفينة {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً} لما جه يفسروا قال له أنت ما أخذتش بالك من المآل أنا خرقتها ليه؟ {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وكَانَ ورَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} واحد ملك يصادر كل السفن اللي في البحر إذا وجدها سفينة صالحة مفيش فيها أي عيب يضمها إلى الأسطول الملكي فقال له أنا حبيت أعمل فيها عيب يجي يلتقيها فيها خرق لا ما تنفعناش فتترك لهؤلاء المساكين فدا نظر إلى المآل، ففقه المآلات هذا أمر مهم جدا.

خديجة بن قنة: نعم لم يبق لدينا الكثير من الوقت، فقط الوقت الذي بقي هو للشكر لنوجه الشكر لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، نشكركم أنتم أيضا على المشاهدة ونشكر فريق البرنامج مخرج البرنامج منصور الطلافيح ومُعِدّ البرنامج معتز الخطيب، نلتقي في حلقة الأسبوع القادم بحول الله وسنخصصها لوضع المرأة في الإسلام لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة