ظروف نشأة الحركة الإسلامية في المغرب   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - أحمد الريسوني، أستاذ بجامعة محمد الخامس في المغرب
تاريخ الحلقة 15/06/1999






أحمد الريسوني
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور أحمد الريسوني، أهلاً وسهلاً.

أحمد الريسوني: أهلاً أخ محمد كريشان.

محمد كريشان: إذا أردنا أن ننطلق بتعريف الحركة الإسلامية في المغرب، متى نشأت؟ وكيف؟ واستجابة لماذا بالتحديد؟

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحركة الإسلامية في المغرب هي أولاً -وقبل كل شيء- امتداد طبيعي للوجود الإسلامي، وللثقافة الإسلامية .. في البلد، فالإسلام عريق، ونعرف أنه حينما جاءت الحماية الفرنسية والأسبانية إلى المغرب، كان ضمن مخططات الدولتين الاستعماريتين تقليص هذه الثقافة، وتهميشها، وإبعادها، ولذلك كانت الحركة الوطنية ضمن أعمالها وبرامجها وأولويتها، إعادة الاعتبار إلى هذه الثقافة، إلى التعليم الأهلي، عُد التعليم الأهلي الإسلامي نوعاً من المقاومة.

فإذن الحركة الإسلامية..، الحركة الوطنية نفسها قبل الاستقلال كانت مسكونة بالهم الإسلامي، الهم الثقافي، الحضاري، العقدي للأمة المغربية، فهذا الاهتمام وجد امتداده، ووجد استمراره لدى الحركة الإسلامية فيما بعد الاستقلال، خاصة حينما هذه الحركة الوطنية نفسها قللت من العناية بهذا الجانب، فكان الذي ملئ هذا الفراغ هو ناس واصلوا هذه العملية، ولذلك أمثال (علال الفاسي) والدكتور (المهدي بن عبود) وغيرهم، و(عبد الله كنون) و(المكي الناصري) هؤلاء العلماء وهؤلاء الوطنيون يعدون بمثابة مرجع ومصدر إلهام للحركة الإسلامية في المغرب، هذا من ناحية، ولكن أيضاً لا ننكر أن التأثيرات التي وردت من خارج المغرب، حركات إسلامية ظهرت –أيضاً- في منتصف هذا القرن، كان لها تأثير برجالها، بكتبها بمجلاتها، حركة الإخوان المسلمين، الحركة الوهابية، جماعة التبليغ التي ظهرت في شبه القارة الهندية والتي وصلت وفودها وإشعاعها إلى المغرب، هذه أيضاً كان لها تأثير، ثم كان هناك تأثير مباشر جداً مازلت أذكره، ويذكره جيلي، وأقصد بالجيل جيل طلبة الذين التحقنا بالجامعة في بداية السبعينيات، كان هناك عنصر له تأثير كبير، وكان حافزاً مباشراً وهو المد الماركسي الإلحادي الذي استفز المشاعر الدينية حتى ولو كانت ضعيفة عند بعض الطلبة وبعض الأساتذة، حيث كان التحدي صارخاً وقوياً، ويدعو إلى طرح مستقبل الإسلام في هذا البلد، فإذا هذا كان عاملاً مساعداً أيضاً.

محمد كريشان: على ذكر الفكر الماركسي، يعني بعض الحركات الإسلامية –مثلما ذكرت أنت- انتعشت أساساً كربما.. أحياناً كرد الفعل، خاصة داخل الجامعة، وأحياناً وقع استعمال هذا الطرف ضده إما لتقليصه، أو لتحجيمه، كيف كانت المعادلة في المغرب يعني؟

أحمد الريسوني: في المغرب –كما قلت- إلى حدود السبعينيات، يعني فترة ما بعد الاستقلال، لاستقلال المغربي اللي كان أواخر الخمسينيات، وفترة الستينيات كلها ثم السبعينيات، هذه فترة السيطرة الماركسية المطلقة على الجامعة، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات ظهرت ردود الفعل الأولى، وظهرت الأفكار الإسلامية الأولى، ومنذ ذلك الحين والكفة تتغير شيئاً فشيئاً لصالح الاتجاه الإسلامي، بحيث إن التيار الماركسي –خاصة اليساري المتطرف- تقريباً لم يعد له وجود يذكر.

محمد كريشان: وكان هناك تأثير واضح إبان الحركة .. أقصد الثورة الإسلامية في إيران كان لها تأثير في صفوف الحركة الإسلامية في المغرب؟

أحمد الريسوني: هو تأثير محدود في مداه وفي الزمن، حقيقة الثورة الإسلامية في سنواتها الأولى، وفي فترة اشتعالها وتألقها، كان لها تأثير، تأثير محدود لأن المد الإسلامي كان مستمراً بدون الثورة الإيرانية، ومحدود في الزمن لأنه سرعان ما انطفأ هذا التأثير، أو ضعف إلى حد كبير، الثورة الإسلامية صارة دولة لها همومها ومشاكلها كبقية الدول، ثم أيضاً الطابع الشيعي الرسمي الذي أضفي على الثورة الإسلامية، وعلى الدولة الإيرانية، هذا كله قلل ووضع حداً لتأثير الثورة الإسلامية الإيرانية، واستمر النمو الطبيعي العادي.

محمد كريشان: عندما نتحدث عن الحركة الإسلامية في المغرب، سواء في فترة النضال ضد الاستعمار أو بعد الاستقلال، هل نتحدث عن حركة واحدة موحدة، أم أفق فكر واحد ومشارب مختلفة وتنظيمات مختلفة؟

أحمد الريسوني: الحركة الوطنية؟

محمد كريشان: لأ.. أقصد الحركة الإسلامية، يعني عندما كانت في فترة الاستعمار كانت جزءاً من الحركة الوطنية، لم تكن بهذا التلوين الإسلامي الواضح .. ولكن فيما بعد، هل أصبحت تنتمي إلى تيار واحد، أم إلى تيارات مختلفة؟ ذكرت الإخوان ذكر التبليغ، هل انعكس هذا أيضاً داخل المغرب؟

أحمد الريسوني: نعم، الحركة الإسلامية المغربية الآن في واقعها لها.. تتمثل في عدة تنظيمات وعدة توجهات، لكن الشق الوطني منها مازال حاضراً، يعني كلها بدرجة أو بأخرى تحمل إرث الحركة الوطنية، وتعتز به، وتعتبر أنفسها.. نفسها وريثاً للاهتمامات الإسلامية للحركة الوطنية، ولكن –طبعاً- تعددت الاجتهادات، -وتعرف- اليوم أي بلد إلا هو يموج بالتيارات المجاورة والبعيدة التي لها تأثير في وسطه، فالآن هناك عدة تنظيمات إسلامية وأبرزها الآن حركتنا (حركة التوحيد والإصلاح) و(جماعة العدل والإحسان) وبينهما اختلافات يعني معتبرة فكرياً وسياسياً، بالإضافة إلى جماعات أخرى يعني أقل ظهوراً في الساحة.

محمد كريشان: يعني على ذكر الأفكار والاختلافات يعني حركة (التوحيد والإصلاح) ما هي أبرز أطروحاتها، وفي.. وفي ماذا تختلف مع حركة (العدل والإحسان) مثلاً على سبيل المثال؟

أحمد الريسوني: نعم، حركة التوحيد والإصلاح ربما الآن –خاصة في السنوات الأخيرة- أهم ما يميزها هو اندفاعها للانفتاح على كل مكونات المجتمع، ومكونات البلد، وجميع القوى الفاعلة في المجتمع، للتفاعل وللتفاهم ما أمكن، وأيضاً للتأثير –ما أمكن- نحن لا نخفي أننا نريد أن يكون لنا تأثير على الأحزاب، وعلى الثقافة السياسية، وعلى المسائل الفكرية، وعلى المجتمع وعلى الدولة ومؤسساتها فإذن نحن ساعون لنتفاعل، ربما أيضاً نأخذ، ربما نستفيد ولكن أيضاً، فهذا الانفتاح على المجتمع ربما يبدو غائباً في جماعة (العدل والإحسان) اللي هي الآن تعتمد العمل التربوي الداخلي المركز، وانفتاحها على المجتمع يبدو أقل، فإذن هذا اختلاف، وهو –في آن واحد- مميز من مميزات حركة (التوحيد والإصلاح).

محمد كريشان: يعني هل المعادلة معكوسة بالنسبة إليكم: التركيز على الحياة السياسية ربما أكثر من الناحية التربوية، على عكس العدل والإحسان؟

أحمد الريسوني: من حيث التفاوت نعم، ولكن نحن لا نعتبر أن العمل السياسي والساحة السياسية ذات أولوية بالنسبة لنا، هي ذات اهتمام مقدر ومعتبر، تقديراً منا لانعكاسات القرار السياسي، والمؤسسات السياسية، والفئة السياسي على كل ما سواه، حتى ما نعده تربوياً أو فكرياً، أو ثقافياً، العمل السياسي ينعكس عليه، ويحدد مساره، ويحدد مجالات تحركه التفاوت فمن هذه الزاوية نحن نهتم بالعمل السياسي وبالمواقع السياسية، ولكن نعتبر أنه –بالنظرة الإسلامية نفسها- أن التربية، وصناعة الإنسان هي رسالتنا الأساسية لأنها هي رسالة الإسلام الأساسية، ولذلك جهودنا أساساً –بالدرجة الأولى- مازالت تركز على التربية، تربية الفكر، تربية السلوك، وتربية العلاقات الاجتماعية، هذه هي وظيفتنا الأولى.

محمد كريشان: نعم .. يعني إذا أردنا أن نأخذ فكرة عن نمط المجتمع الذي تريد، سواء حركة (التوحيد والإصلاح) أو الحركة الإسلامية بشكل عام في المغرب أن ترسيه، ما الذي يمكن أن يقال -خاصة- مقارنة بحركات إسلامية أخرى، سواء في المغرب العربي أو في المشرق؟

أحمد الريسوني: نعم نحن يمكن أن نقول باختصار ثم نفصل بحسب ما يتيحه الوقت، باختصار نحن نريد مجتمعاً إسلامياً، بمعنى مجتمع يعتز بانتمائه العقدي،

والفكري، والحضاري، والتاريخي، لأنه بكل صراحة الحركة الوطنية نفسها حينما كانت تطالب باستقلال المغرب، كانت تطالب باستقلال المغرب على أنه شيء مختلف عن فرنسا، الجزائر شيء مختلف عن فرنسا فلذلك لابد أن نستقل!! لم يكن هدفهم وهمهم فقط هو تحسين المستوى المعيشي، ورفع الدخل، وتحسين الإدارة، من مثل هذه المطالب التي تنهمك فيها الأحزاب الائكية والأحزاب العلمانية، فقضية مجتمع أن معتز بهويته، راسخ فيها هذه قضية، كذلك أن ينعكس ذلك في سلوكه، وأخلاقه ومعاملاته، الآن المجتمع نفسه خاصة بعض الكهول وكبار السن .. عندنا في المغرب يتألمون ويتحسرون على الأخلاق كيف كانت وكيف أصبحت، كيف كان الجيران وكيف كان الأقارب، وكيف كان المجتمع والأخلاق والمودة، كلها أمور تتلاشى، ويتفكك المجتمع ويفقد.. يفقد هويته عدد من الصحفيين والمفكرين يتحدثون عن مجتمع فسيفسائي في المغرب. فإذن فسيفسائي بمعنى أنه حتى المدرسة الواحدة يتخرج منها جميع الألوان وجميع الأطياف، بحكم المقررات الدراسية، بحكم وسائل الإعلام، إذن نحن في الطريق إلى أن نصبح يعني قطيعاً، أو.. يعني تجمع بشري لا لون له.

إذن لابد من هذه القضية نحن نريد مجتمعاً واضحاً في هويته، واتمائه، وأخلاقه، وسلوكه، نريد أن تعلو فيه أخلاق الإسلام وشريعة الإسلام، بما هو معروف من القضايا والمسلمات الإسلامية، ولكن في آن واحد نريد مجتمعاً متطوراً، نريد مجتمعاً يأخذ من الحداثة بأحسن ما فيها، لا، ليس عندنا أي عقدة في أن نستفيد من (الصين)، ومن (فرنسا)، ومن (أميركا)، من الديمقراطية، وحتى من الاشتراكية في بعض المجالات، فضلاً عن الاستفادة العلمية المحضة والتكنولوجية، فنريد مجتمعاً راقياً أيضاً، ومنظماً، يستفيد من الأنظمة والسياسية والإدارية والاقتصادية، فهذه معالم المجتمع الذي نتصوره، وأيضاً هناك قضية لا يخطئوها المهتمون بشؤون المجتمعات وهي أن مجتمعاتنا اليوم العربية -بصفة خاصة- تعاني من فتور كبير، وهبوط في الفاعلية، ونحن نعتبر أن هذا جزء أو هذا من آثار هذا الضياع في قضية الهوية ، لأن مجتمع ليس له هوية، وليس له هدف، وليس له رسالة، يصبح كل فرد يعيش لحظته، ويعيش لنفسه، الآن كل مجتمع ناهض لاسيما في الفترات العصيبة التي يحتاج أن يقفز فيها يريد أن تكون له أهداف سامية تجمعه توحده، تحمسه، نحن في بداية الاستقلال كان الناس على حماس كبير جداً، في تعليمهم، وفي العمل، وبنوا السدود، وفتحوا الطرق –أحياناً- بقدر كبير من التطوع حتى هذا كله فقدناه.. فإذن هذا المجتمع.. نحسب نحن أن الرسالة الإسلامية، والأهداف الإسلامية حينما يتشبع بها الناس تساعدهم على تجديد فاعليتهم، وطموحهم، وتطلعهم.

محمد كريشان: يعني هل معنى هذا أن الجانب التربوي والأخلاقي هو المهيمن على العمل الحركة، يعني هل يمكن أن نضعها في إطار حركة – نوعاً ما- للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منها حركة إسلامية بالمفهوم السياسي الذي عُرف في السنوات القليلة الماضية؟

أحمد الريسوني: نحن بكل اختصار وأيضاً وبكل تواضع حركة إسلامية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وظيفة كبرى من وظائف أي مجتمع حي، اليوم يتحدثون ويكثرون الحديث عن المجتمع الإسلامي ودوره، هذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القيام بعده وظائف، هي من

المعروف خدمة المحتاجين وتعاون الناس في أماكنهم، واعتناؤهم بمشاكلهم، وتغييرهم لآفات مجتمعهم دينية أو دنيوية، هذا نوع من تغيير المنكر، عموماً نحن فعلاً المسألة الخلقية، والمسألة الثقافية والفكرية تمثل أساساً في اهتمامنا، ثم تنبعث لتنعكس لأننا لا.. على سائر المجالات، لأننا لا نعتقد أننا فعلاً نخدم القضية الأخلاقية والقضية الفكرية إذا حاصرناها، فنحن بالنسبة لنا الأخلاق إذا لم تكن في البرلمان، وإذا لم تكن في الحكومة، وإذا لم تكن في الديوان الملكي، وإذا لم تكن في الإعلام، هذا قتل للأخلاق، فنحن –فعلاً- حركة أخلاق، وحركة تخليق، ولكن بآفاق غير محدودة.

محمد كريشان: نعم على مستوى الطرح السياسي .. ما الذي يميز –مثلاً- حركة (التوحيد والإصلاح) عن باقي الأحزاب السياسية في المغرب؟ يعني ما الذي تنادون به؟ تطبيق الشريعة الإسلامية؟ مجرد أن يكون لكم وجود داخل الخارطة السياسية والحزبية في المغرب؟ ما هي أهدافكم في النهاية؟

أحمد الريسوني: أهدافنا في الحقيقة هي ما قدمت.. المجتمع الإسلامي بالمعالم التي ننشدها، ولكن أيضاً..

محمد كريشان: الوسيلة؟

أحمد الريسوني: الدولة الإسلامية بالصورة التي.. الوسيلة..؟!

محمد كريشان: نعم.

أحمد الريسوني: وسيلتنا هي كل عمل سلمي ما.. ما سوى فيه عنف وفيه صراع، وما فيه قتال، ما سوى هذا جميع الوسائل السلمية، القانونية، والثقافية من خلال مؤسسات، خارج مؤسسات، إعلام، الوسائل واسعة، لا نضيق ما وسع الله علينا، فلذلك من بين ما نؤمن به، ونؤمن بفاعليته أكثر فأكثر في سنوات تطورنا الأخيرة هو المؤسسات القائمة فعلاً، مؤسسات الدولة نفسها، ومؤسسات المجتمع هي لم تتم إقامتها إلا لتصريف المساهمات، وتصريف المشاركات، وتصريف التأثير، فإذا نحن حريصون ومتمسكون كل التمسك على العمل في إطار الشرعية، وفي إطار السلم، وأيضاً في إطار التحاور والتفاهم بشكل مباشر مع أي طرف، ومهما كان اختلافنا معه نسعى سعياً، ونحرص حرصاً أن يكون هناك اتصال مباشر، وتفاهم مباشر، هذه وسائلنا، أما ما يميزنا عن بقية الأحزاب –فعلاً- بقية الأحزاب الآن.. لا نجد أي حزب يطرح قضية الإسلام بقوة، وبعناية وبمتابعة، قضية الشريعة الإسلامية، قضية العقيدة الإسلامية، قضية الأخلاق الإسلامية، كل هذا تم إغفاله، الأحزاب الآن تتحدث عن البطالة، والتشغيل، والاقتصاد، والمديونية، ودمقرطة، هذه كلها أمور نحن نشترك معهم فيها، لا نختلف فيها، ولكن أين هي القضايا الكبرى.

محمد كريشان: الحضارية يعني الحضارية.

أحمد الريسوني: الحضارية إذا أقمنا ديمقراطية على مجتمع متفكك، إذا أقمنا ديمقراطية على مجتمع مغشوش، إذا أقمنا الديمقراطية على مجتمع خامل، إذا أقمنا الديمقراطية على مجتمع يسود فيه الابتزاز، والأنانية، والرشوة، وبيع الأصوات وشراؤها أي ديمقراطية هذه؟ في النهاية نربح، يقال لنا: ديمقراطية بالكامل، لكن على.. على أي خراب نقيمها .. هذه الإشكالات التي لا نرى الأحزاب الأخرى تهتم بها.

محمد كريشان: أشرت إلى موضوع نبذ العنف، هذا بالنسبة إليكم موقف مبدئي أساسي في تصوراتكم الفكرية والسياسية، لأن ربما الحركة الإسلامية في المغرب لفتت انتباه العديد من المراقبين على أنها حركة غير عنيفة، على عكس مثلاً بعض الحركات الإسلامية في الجارة الجزائر، ما الذي جعل الحركة الإسلامية في المغرب بهذا الشكل؟

أحمد الريسوني: هذا سؤال، الجواب على هذا السؤال هو نوع من التحليل والتقدير لا شك أن يكون لي فيه قدر من الذاتية، أولاً: أرى أننا نحن في المغرب عموماً، الحركة الإسلامية في المغرب تعد متأخرة في نشأتها، في مواقعها، في خطواتها، متأخرة عن غيرها فإذا هي أولاً تأخذ العبرة، نحن مادمنا متأخرين نأخذ العبرة مما يقع، فعلاً نحن أخذنا العبرة من الجزائر، من تونس، من مصر، من سوريا.. إلخ، هذه واحدة، والشيء الثاني هو طبيعة المجتمع المغربي نفسه، مجتمع لين، مجتمع فيه قدر أكبر من التعايش ومن التسامح فهذه الطبائع تنعكس أيضاً على الحركة الإسلامية، وشيء آخر، أحسب أنه من الإنصاف أن يقال: هو أن الدولة المغربية أيضاً ليست مطبوعة بالطابع العنيف الإرهابي القمعي كما نجد في دول أخرى هذا أيضاً ينعكس على الطرف الآخر، بما في ذلك الأحزاب، نحن عندنا أحزاب يسارية لجأت إلى العنف في الستينيات وفي السبعينيات، لكن لم ينجح، بقي محصوراً في المجتمع، وطبيعة الدولة.. الدولة عندنا بعد خاصة منذ الاستقلال فيها نوع من الانفتاح وهامش من الحرية، طبعاً من أسباب العنف أن تنغلق السبل، هذا من الأسباب التي قد تفضي إلى العنف الضغط والاختناق، نحن في المغرب عندنا عادة ليس هناك اختناق، قليل اللحظات والفترات في المغرب المستقل التي عرفت انسداداً واختناقاً تاماً، دائماً هناك...

محمد كريشان: قنوات تنفيس.

أحمد الريسوني: فيه انفراجات وتنفيسات، فنحن نرحب بهذه التنفيسات ونوسعها، ولكن أيضاً لابد من الإنصاف، أيضاً كما ننصف الدولة في سياستها اللينة نوعاً ما والمتفتحة نوعاً ما الأحزاب المغربية في النهاية خاصة في أواخر السبعينات وإلى الآن، نهجت هي أيضاً هذا النهج، ونحن نتعايش معها، ونعيش بجانبها، فهي أيضاً أسهمت في تعزيز المسار السلمي، وأسهمت في توسيع هامش الحريات، لأن توسيع هامش الحريات يعزز المسارات السلمية، فالأحزاب المغربية –أيضاً- أسهمت في هذا، فإذن مجموعة عوامل أعطت هذا الواقع المغربي الذي –فعلاً- يتسم بقدر كبير من التعايش والسلمية.

محمد كريشان: على ذكر الدولة المغربية، العاهل المغربي هو في نفس الوقت يحمل صفة أمير المؤمنين، يعني هذه المرجعية الدينية التي ربما تميز المغرب بشكل خاص، هناك مرجعية سياسية في نفس الوقت لها شرعية دينية ومرجعية دينية، هل هذا أيضاً أضفى نوعاً من الخصوصية على الحركة الإسلامية في المغرب؟

أحمد الريسوني: ربما أضفى عليها خصوصية، وهو أن المغرب بهذه الصفة، وبالصفات الأخرى المذكورة في الدستور أن المغرب دولة إسلامية، وأن الإسلام الدين الرسمي للدولة، هذه المبادئ الراسخة في الواقع المغربي، وفي الدستور المغربي هي أيضاً تجعل الدولة المغربية لا يليق بها أبداً أن تكون في صدام مع الحركة

الإسلامية، كيف والدولة قائمة على الإسلام وقيمة على الإسلام، وتقوم باسم الإسلام، تناهض حركة إسلامية، هذا لا.. لا.. لا قبل لدى المواطن المغربي، فهذا أيضاً يدفع الدولة المغربية، والسياسية المغربية أن تكون.. خصومتها مع الحركة الإسلامية محدودة.. محدودة جداً، الحركة الإسلامية، هذه المبادئ.. الملك أمير المؤمنين، والمغرب دولة إسلامية كذا.. الحركة الإسلامية –في الحقيقة- تسعى إلى أن تعطي مصداقية أكثر لهذه الشعارات، ولهذه المبادئ، لأننا نعتبر أن المسار (الائكي) الذي يسير فيه المغرب يفرغ هذه الشعارات من محتواها، مثلاً –بتبسيط كبير- حينما نقول أمير المؤمنين، أمير المؤمنين يفترض أن يكون أميراً على ناس مؤمنين، وعلى ناس مسلمين، إذا فقد المسلمون والمؤمنون، يبقى أمير المؤمنين بدون معنى.

أنا -كما أشرت سابقاً- الجامعة المغربية في الستينيات وفى السبعينيات –تقريباً- كان الإلحاد والماركسية ديناً رسمياً، كيف يكون أمير المؤمنين على هؤلاء وقد اختفى الإيمان؟! فالحركة الإسلامية حينما تعزز الطابع الإيماني الإسلامي للدولة فإنها تعطي مصداقية أكثر لهذه الشعارات، فمشكلتنا مع هذه الشعارات هو عدم مصداقيتها في الواقع، ولذلك نحن نطالب الحكومات المتعاقبة، أن تعطي لهذه الشعارات حقيقتها أمير المؤمنين، إذن يجب أن يكون مجتمع مسلم ومجتمع إيماني وإسلامي، وأن يرعى إيمانه، ليبقى لشعار أمير المؤمنين مصداقيته، المغرب دولة إسلامية، الإسلام دين الدولة الرسمي أين يتجلى ذلك؟ حينما نقول اللغة العربية هي اللغة الرسمية، نجد أو هكذا يجب أن تكون في الإدارات، في المحاكم، في البرلمان، في المالية، في الاقتصاد لغة رسمية، حينما نقول: الإسلام دين رسمي، أيضاً يجب أن يكون ديناً رسمياً في البرلمان، في المالية، في الاقتصاد، في السياحة، في.. في كل شيء، فإذاً هذه الشعارات –في الحقيقة- هي تسهل مأمورية الحركة الإسلامية.

محمد كريشان: دكتور أحمد، رغم من هذه الأريحية النسبية في تعامل السلطة المغربية مع مكونات المجتمع ومع الحركة الإسلامية، مع ذلك لم نجد إلى حد الآن حزب إسلامي أو حركة إسلامية سياسية مُعترف بها، إلى درجة أنه حركة (التوحيد والإصلاح) التي ترأسونها دخلت حزب آخر هو (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية)، وأصبحت تنشط من خلال هذا الحزب، يعني لو تعطينا فكرة عن هذه المسألة، عدم الاعتراف بحزب إسلامي في المغرب لماذا؟ وخصوصية هذه التجربة من خلال العمل من خلال إطار لحزب آخر؟

أحمد الريسوني: الحقيقة أن عدم الاعتراف ليس فقط بالحزب الإسلامي، بل حتى نحن –كجمعية- غير معترف بنا، ربما قد يكون هذا الكلام مفاجئاً، نحن نعيش وضعية مريحة نسبية وشبه طبيعية، ولكن من الناحية القانونية، لم يتم الاعتراف بجمعيتنا (جمعية حركة التوحيد والإصلاح)، ولا قبلها جمعيات أخرى، ولا جمعية (جماعة العدل والإحسان)، فبالرغم من الواقع نوعاً ما الذي فيه تغاضى وتسامح وفسح مجال مقدر، فإنه من الناحية القانونية مازال عندنا هذا الإشكال.

وقبل سنوات حاولنا تأسيس حزب سياسي خاص بنا قانوني، نعمل في إطار القانون، فمُنِعَ أيضاً، هذا الواقع نحسبه من مخلفات السنين الماضية، السنين الماضية اللي هي انعكاس لما هو خارج المغرب، أكتر مما هي انعكاس لما هو داخل المغرب، هذه ليست سياسة مغربية صرفة، تعرف السياسة تتداخل وتتأثر، القرار المغربي لا يمكن ألا يتأثر بالوضع الجزائري، وبالوضع التونسي، والمصري، والسوري، ولا يمكن للقرار المغربي أن يتخلص من العيون الرقيبة من فرنسا وأميركا وغيرها، يتحسبون ويترصدون ويتدخلون، هذه أمور أصبحت يعني معروفة في السياسة الدولية، فحسب أن هذا كله من آثار هذه العوامل الخارجية أكثر مما هو عوامل داخلية، وتدبير محلي، هذا أيضاً انطبق بشكل آخر حينما دخلنا أو دخل عدد من الإسلاميين من (حركة التوحيد والإصلاح) ومن غيرها إلى حزب الحركة (الشعبية الدستورية الديمقراطية)، فأيضاً استفادة من تجربة الجزائر من جهة وغيرها، حتى لا يقع اختناق، واحتقان، وانسداد كان لابد من إيجاد حل ما لهؤلاء الناس المصريين على أن يعملوا بكيفية سلمية محرجة للأطراف التي تمسك بالأمور، ومن جهة ثانية حتى لا يغضب المراقبون والمتدخلون من خارج المغرب، وحتى لا يقال المغرب فتح وفتح باباً للتطرف أو كذا، ربما وجدت هذه الصيغة، وهي أن يتغاضى ويسمح بدخولهم في حزب قائم، لأن الإحراج كان سيكون لو مُنع هذا الدخول سيكون أكثر، هنا حزب قائم وهؤلاء ناس أفراد يلتحقون به كسائر المواطنين الذين يلتحقون بأي حزب شاءوا، والحزب رئيسه ليس نكره، وليس شخصاً يخاف جانبه الدكتور (عبد الكريم الخطيب) رجل ممن أسهموا في استقلال المغرب إسهام كبير، وممن أسهموا في بنائه بعد استقلال إسهام كبير، رئيس أول برلمان مغربي، وزير في عدة وزارات شخصية معروفة، إذن كيف يعملون معه؟ وإذن كان هناك إحراج أكثر في أي وقت مضى، فلذلك ربما قدر الساسة المغاربة أنه آن الأوان لهذا الحل بهذه الكيفية.

محمد كريشان: وهو حل تعتبر تعتبرونه حلا مؤقتاً في انتظار أن يكون لكم الهيكل الحزبي الخاص بكم؟

أحمد الريسوني: لأ.. لأ الآن بالنسبة لنا هذا حل نهائي، لأننا لا نبحث بالضرورة عن حزب.

كريشان: يافطة خاصة.

أحمد الريسوني: يحمل اسم الإسلامي، وأسسته حركة كذا أو كذا، لأ.. نحن نريد أن نعمل وقد وجد الإطار الذي نعمل فيه، ولم نجد أي مشكلة مع الدكتور (الخطيب)، ومع المناضلين القدامى للحزب، بل هم يعتزون بهذه الدماء الجديدة الإسلامية التي دخلت إلى الحزب وتعمل فيه.

محمد كريشان [مقاطعاً]: لكن هذه الدماء الجديدة هل أثرت على الأطروحات الأولى للحزب يعني؟ أن تأتي مجموعة ربما هذا المثل يذكرنا بمثل الإسلاميين ببعض الإسلاميين في مصر الذين دخلوا حزب العمل الاشتراكي الذي يتزعمه الدكتور إبراهيم شكري، هذا لون الحزب بطريقة أصبح يعتبر في النهاية حزباً إسلامياً، ربما الحركة (الشعبية الدستورية الديمقراطية أيضاً) تلونت بهذا اللون هل هذا خلق بعض الحساسية من الرعيل الأول للحزب، يعني هل أثر في أطروحات الحزب؟ في نظريته؟ في أساليب عمله؟

أحمد الريسوني: لأ.. هو الذي ينبغي التعريفه به هو أن هذا الحزب في وثائقه وفي أدبياته، ولكن بدرجة أكبر وضوحاً في شخص مؤسسة وزعيمه الدكتور عبد الكريم الخطيب دائماً هذا الحزب واضح أنه حزب إسلامي، الدكتور الخطيب معروف بتدينه حتى بمظاهره الإسلامية، معروف بأنه من أكبر مناصري الجهاد الأفغاني، وأسس وجمع الأموال، وذهب بنفسه، من مناصري المسلمين في (البوسنة والهرسك)، لكن فقط هذا الحزب كان قد تقلص، وجمد عمله السياسي بسبب المسار الذي سارت فيه الأوضاع السياسية في المغرب، والانتخابات اللي هي دائماً انتخابات مطعون فيها و.. لكن طابع الإسلامي لهذا الرجل ولأدبيات الحزب ووثائقه التأسيسية واضحة وكاملة، ولم نحتج لتطورها لحد الآن قانون الحزب لم يتغير، رئيس الحزب لم يتغير، لا نجد أي.. أي مشكلة.

والمناضلون القدامى من أمثال الدكتور الخطيب وأمثال أحد المجاهدين القدامى أيضاً (عبد الله الوجوتي) نائبه، هؤلاء الآن مندمجون غاية الاندماج مع أبنائهم من هؤلاء الذين دخلوا، صحيح تغير اسم الحزب، أصبح (حزب العدالة والتنمية) ولكن هذا ليس من آثار دخول الإسلاميين إليه، لإنه تغيير الاسم كان وارداً من مدة، بل في الثمانينيات كان يغير إلى حزب (النهضة الإسلامي)، الآن شعار الإسلامي أصبح له من الحساسة، ربما من الإشكال أكثر مما ينفع، فتم تجاوز هذا، خاصة وأن هناك أحزاب لها أسماء مشابهة، ففكرة تغيير الاسم نفسها ولو أنها حصلت ليست مطلباً للإسلاميين الذين دخلوا، وليس أثراً من آثارهم، فإذاً لم يحتاجوا إلى تغيير شيء كثير، ولكن احتاجوا إلى أن ينهضوا حزباً كان قد خمل وعزف عن العمل السياسي.

محمد كريشان: يعني مثلاً حركة (العدل والإحسان) لماذا لم تعمد إلى هذا الأسلوب؟ هل هذه إحدى نقاط الاختلاف أيضاً بينكم وبين هذه الحركة؟

أحمد الريسوني: نعم هذه إحدى نقاط الاختلاف، وأنا أذكر أن الدكتور الخطيب حينما بدأ يتعامل مع (حركة التوحيد والإصلاح)، ومع أعضائها فسح المجال أيضاً (لجماعة العدل والإحسان) بصفة خاصة، وهو له علاقة شخصية حميمة مع الأستاذ (عبد السلام ياسين)، بالمناسبة زاره في عيد الأضحى الأخير ضمن وفد من الحزب، وأذكر أنه في مرة كنت لقيته، وطلب مني شخصياً أن أعرض الدخول في الحزب على الأخوة في (العدل والإحسان)، لكن الأخوة في (جماعة العدل والإحسان) يروا ما يلي:

أولاً: لا يريدون أن تعطي لهم حقوق منتقصة على سبيل التفضل والامتنان، يريدون أن يعاملوا معاملة كريمة طيبة يأخذون فيها كل حقوقهم كمواطنين، يريدون أن يرفع الحصار والتضييق عن شيخ الجماعة الأستاذ (عبد السلام ياسين)، لكي يمارس دوره بشكل طبيعي أيضاً، لا يريدون العمل السياسي في ظل هذا الوضع، أيضاً يروا أن الدخول في العملية الانتخابية و العملية السياسية، أو اللعبة الديمقراطية -كما تسمى أحياناً- هذا في الظروف الراهنة، وتحت الشروط الحالية غير مجد، ولا يستفيد منه إلا المفسدون الذين أفسدوا الحياة السياسية منذ مدة، فإذن هذه..

محمد كريشان: التحفظات..

أحمد الريسوني: التحفظات التي عندهم ولذلك لا يريدون في هذه الظروف أن يدخلوا كما دخلنا.

محمد كريشان: يعني هل توجهتم إلى (الحركة الشعبية) نظراً لهذه المسحة الإسلامية في.. في.. في نصوصها، وفي توجهاتها منذ البداية، أم أنكم أيضاً طرقتم أبواب أخرى، يعني كان يمكن أن نرى حركة (التوحيد والإصلاح) مثلاً جزءً من حزب (الاستقلال) مثلاً، هذا أيضاً ما كان ليكون نشازاً، نظراً للأطروحات السلفية التقليدية المحافظة لحزب الاستقلال أيضاً؟

أحمد الريسوني: صحيح أنه من الناحية الإسلامية حزب (الاستقلال) والحركة (الشعبية الدستورية الديمقراطية) للدكتور الخطيب، حزب (العدالة والتنمية) حالياً متساويان على المستوى المبدئي والنظري، وكان هناك اعتبار آخر يُرجح في نظرنا حزب (الاستقلال)، وهو أنه له حضور واستمرارية، بخلاف (الحركة الشعبية)، ولكن حزب (الاستقلال) من حيث إنه حزب قائم ومكتمل ومستمر، ظهر من الحوار أنه لا يتحمل أن يدخل فيه ناس يحدثون فيه تغيرات في قيادته، ومسيرته وأدبياته وكذا.

لا يحتمل هذا الدكتور (الخطيب) بحكم أن حزبه أو قصره كان قاضياً، رحب بالكامل، وليس له وهو شخصياً كان قد يئس تقريباً، فإذن إذا كان يسلم هذا الحزب، -كما يقول هو نفس- يسلم هذا الحزب في آخر حياته، لا يضره في شيء، إذن حزب (الاستقلال) بحكم أنه حزب مستمر وقائم ظهر أنه ستكون هناك إشكالات في الدخول فيه وصعوبة في الاندماج معه، وصعوبة في التفاهم، حزب (الاستقلال) أراد أن يدخل الأخوة أفراداً، وتبقى الأمور على ما هي عليه، نحن كنا ندخل كطرف يتفاوض ويرتب الأمور مسبقاً، هذا ليس أفراد يدخلون كأي أفراد، فلذلك هذا.. هذا الخيار وجد طريق مفسوحة مع الدكتور (الخطيب) بشكل لم يجده مع أحزاب أخرى، وفي مقدمتها حزب (الاستقلال)، مع تقديرينا طبعاً لحزب (الاستقلال) ولإسلاميته التي ندعوه هو أيضاً يفعلها أكثر، ويعطيها مصداقية أكثر.

محمد كريشان: يعني حزب (العدالة والتنمية) حالياً الحركة (الشعبية الدستورية الديمقراطية) سابقاً، لديها الآن تقريباً 9 نواب في البرلمان الآن.

أحمد الريسوني: نعم..

محمد كريشان: يعني.. دخولكم لهذا الحزب ووصول الـ 9 من بين نشاطائه إلى مجلس النواب، ألم يثر حفيظة البعض؟ هل بعض الأحزاب نظرت إلى هذا الأسلوب في التعاطي مع حزب شرعي موجود (وغزوه) –بين قوسين- ألم يثر حفيظة بعض الأحزاب الأخرى؟!

أحمد الريسوني: الحقيقة أنه من حيث التصريح الرسمي والمواقف الرسمية، الأحزاب المغربية كلها رحبت، واعتبرت أن هذا حق طبيعي لهؤلاء الناس أن يفعلوا هذا وخاصة وأنهم يمشون وفق القوانين والسلم والحوار، واعتبروا أن هذا يعني من عوامل الانفراج في المغرب، ومن عوامل تجنيب المغرب أي أزمة مثل ما يقع في أقطار أخرى هذا هو على الصعيد الرسمي، لكن أحياناً على الصعيد الصحفي اللي هو قد يكون تعبيراً غير رسمي وجدنا بعض كتابات، وبعض الصحفيين اليساريين المتطرفين عبروا عن انزعاج كبير جداً، وتحدثوا عن الخطر الأصولي القادم، وشيء من ذلك، لكن الأيام تظهر أن هذا يعني مجرد هواجس، أو مجرد افتعال لا أساس له، فالآن عمل الأخوة في البرلمان، في الساحة السياسية، مع الأحزاب يمضي ويضيف إضافة نوعية جديدة بهدوء وبعقلانية، ولا مجال للتحدث عن خطر الأصولي إلا لدى مرض العقول والنفوس.

محمد كريشان: يعني هل ترون هذا الأسلوب في دخول بعض الأحزاب القائمة الشرعية والعمل من خلالها، هل ترونه صالحاً لدول أخرى مُنعت فيها الحركات الإسلامية، وقد لا ترى ضيراً في التعامل بهذا الشكل مع الحركات الإسلامية غير المعترف بها؟

أحمد الريسوني: من حيث المبدأ أنا أعمل بقاعدة أسمها لا يدرك كله لا يترك جله، فإذا أغلقت سبل معينة ووحد سبيل يمكن العمل به، بل يتعين العمل به، ولكن نجاح هذه التجربة متوقف أيضاً على هذا الحزب، وعلى كيف سيستقبل، وعلى الدولة التي يقام فيها مثل هذا العمل هل سترحب؟

نحن في المغرب كنا نتوقع أن.. أن.. أن يمنع هذا الحزب بعد دخولنا إليه، كان عندنا هذا التوقع، قياساً على أنه منعنا في السابق من حزب خاص بنا، معناه منعنا من العمل السياسي، الآن –أيضاً- قد يُوصد الباب، ولكن قلنا ربما متغيرات وصيغة جديدة، قد.. قد تمضي، وقد مضت بنا، لكن كنا متوقعين أن السلطة تمنع والسلطة تريثت عدة سنوات قبل أن، يعني ترفع يدها، وكنا متوقعين أن نجد مشاكل داخل الحزب، وقد تصدنا هذه المشاكل، لم نجد مشاكل مع الدكتور الخطيب، ومع قيادات الحزب، ومع قدمائه، السلطة رفعت يدها وتركت الأمور تمضي، هذه الشروط هل تتحقق في حالة أخرى أو لا تتحقق؟ هذا هو الذي يحكم، لكن من حيث المبدأ، أنا أؤمن أن الذي يريد أن يبلغ رسالته لا يهمه لافتته، أو اسمه أو طريقة معينة، بل كل الطرق ينبغي أن يسلكها، إذا قبلت ولو رفضت غيرها من الطرق.

محمد كريشان: يعني الأحزاب المغربية تختلف في كثير من المسائل السياسية، والاقتصادية، والجدل الصحفي في المغرب، وفي البرلمان يعني ليس غريباً، ولكن هناك نقطة تلتقي –دائماً- عندها كل الأحزاب المغربية، وهناك إجماع وطني حولها وهي قضية (الصحراء) هل أنتم أيضاً كإسلاميين داخل حزب (العدالة والتنمية)، أو كحزب (العدالة والتنمية) –لنقل الآن بشكل واضح- هل أنتم جزء من هذا الإجماع؟

أحمد الريسوني: الحقيقة أن دخولنا في هذا الإجماع ليس فقط بصفتنا حزب (العدالة والتنمية)، ولا حتى (حركة التوحيد والإصلاح)، بل الحركة الإسلامية كلها واقفة في هذه القضية موقفاً قد يكون أكثر تشدداً حتى من موقف الأحزاب، لأننا نحن ننطلق من منطلقات تاريخية، ودينية، وحضارية، تجعل من العبث أن يقام بين أيدينا وأرجلنا كيان ليس له من مؤهلات الوجود شيء أبداً، يعني كالجنين ابن الأربعة أشهر مستحيل أن يعيش، فإخواننا، مواطنونا، أشقاؤنا في الصحراء يشتركون معنا في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي الدين، وفي اللغة، فبأي حق إقامة كيان سكانه 100 ألف أو 200 ألف لا يفصلهم عن غيرهم، نحن نقول: كوسوفو تستقل لأنها تختلف وعرقياً دينياً عن الدولة التي تحكمها، هذا منطق واضح، كشمير تستقل أو تختار الخيار الذي تريده لأنها تختلف عن الدولة التي تتنازع معها دينياً، وعرقياً، وحضارياً وثقافياً، لكن الصحراويون هل لهم تاريخ مستقل عن تاريخ المغرب؟ هل هناك تاريخ الصحراء؟ تاريخ الشعب الصحراوي؟ تاريخ الجمهورية .. لا وجود له في التاريخ، تاريخهم هو تاريخنا، جغرافيتهم هي جغرافيتنا، صحراؤهم هي صحراؤنا، أي فرق بين صحراء (مراكش) وصحراء (العيون) اللغة، عرب، الدين، يعني ولذلك نحن متشددون في هذه القضية، لا نرى أي وجه، لا نرى سوى النزاعات الأنانية مع العوامل الخارجية هي التي صنعت هذه القضية للأسف.

محمد كريشان: هل لمستم لدى حكومة التناوب –كما تسمى في المغرب- حكومة السيد (عبد الرحمن اليوسفي) أسلوب تعامل أكثر تساهلاً –إن صح التعبير- مع الحركات الإسلامية وضرورة مساهمتها في الحياة السياسية في المغرب؟

أحمد الريسوني: أولاً: الأستاذ (عبد الرحمن اليوسفي) شخصياً وأيضاً بعض المقربين إليه نلمس عندهم تعاملاً أفضل، وتعاملاً مغايراً، على سبيل المثال حينما كُلف بتشكيل الحكومة اتصل بحزب (العدالة والتنمية)، وعرض إشراكه في الحكومة بأي نصيب كان، قد يكون بوزير واحد، إذن هذه مبادرة لم يسبق لها مثيل.

ثم حينما يعقد اجتماعات للأحزاب المساندة للحكومة يكون حزب (العدالة) من بينها، مشاورات يعتني بها إذا قدمت إليه مطالب –سواء قبلها أو رفضها- يعتني بها، ويستقبل، ويجاوب إذن هناك أسلوب، في الجوهر لم يعط شيئاً كبيراً لحد الآن، لكن كأسلوب نعم، ولكن من ناحية تعامل الدولة مع الحركة الإسلامية، الأستاذ (اليوسفي) لا دور له فيه، لإن هذا ملف هو ما بين الديوان الملكي وبين وزارة الداخلية، هناك تغيرات التعامل مع الملف ما نتحدث عنه من هذا القبيل، ولكن ليس للأستاذ (اليوسفي) دور فيه، هناك استمرار الإقامة الجبرية على الأستاذ (عبد السلام ياسين)، والأستاذ (عبد الرحمن اليوسفي)، لا دور له فيه، لا يستطيع أن يفعل شيئاً لأن هذا الملف محجوز، تعرفون أنه في المغرب هناك وزارات أعلن الملك مسبقاً قبل الإقدام على تجربة التناوب أنها لن.. لن يدخلها ولن يسري عليها هذا التناوب، ولن تُسند إلى الأحزاب، وفعلاً وقع ذلك، فمنها وزارة الداخلية، وزارة الخارجية، وزارة الأوقاف، وزارة العدل، هذه وزارات لا تأثر لها بحكومة التناوب وإن كان هي نفسها أيضاً تعرف بعض.. بعض التطور في إطار السياق العام.

محمد كريشان: دكتور أحمد الريسوني، شكراً جزيلاً.

أحمد الريسوني: شكراً للأستاذ كريشان وللبرنامج، والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة