ألفير دوشاريت .. تصريحات ليونيل جوسبان في إسرائيل   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:35 (مكة المكرمة)، 2:35 (غرينتش)
مقدم الحلقة ميشيل الكك
ضيف الحلقة - ألفير دوشاريت، وزير الخارجية السابق في فرنسا
تاريخ الحلقة 02/03/2000


ألفير دوشاريت
ميشيل الكك

ميشيل الكك:

مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم) والتي نستضيف فيها أحد أبرز أقطاب المعارضة اليمينية في فرنسا ووزير الخارجية السابق ألفير دوشاريت.

محور حديثنا يتركز –بالطبع- على التصريحات النارية التي كان أطلقها رئيس الحكومة الفرنسية ليونيل جوسبان في إسرائيل، وأشار فيها إلى أن أعمال (حزب الله) في لبنان هي أعمال إرهابية، وذلك بعدما أثارت هذه التصريحات موجة غضب عارمة في العديد من الدول العربية، كما ألهبت –أيضاً- الساحة الداخلية الفرنسية بين اليمين واليسار، وتهديداً بين الرئيس اليميني الديغولي شيراك ورئيس حكومة الاشتراكي جوسبان.

ميشيل الكك:

السيد دوشاريت نبدأ حديثنا –بالطبع- بتصريحات رئيس الحكومة جوسبان، هل ستؤدي هذه التصريحات إلى إلحاق الأذى بالعلاقات العربية الفرنسية؟

ألفير دوشاريت:

الواقع أن التصريحات التي صدرت عن السيد جوسبان في إسرائيل أدت إلى حدوث إرباك وأثارت العواطف، والشرق الأوسط منطقة هشة تعيش اليوم في توتر، لأن هناك أمل كبير في السلام، وفي الوقت نفسه الكثير من خيبة الأمل بسبب تعثر المفاوضات سواء مع الفلسطينيين أو السوريين، وفي ظل هذا التوتر أحدثت هذه التصريحات ردة فعل عنيفة، ورأينا ذلك من خلال الأحداث المؤسفة في (بير زيت)، وكذلك المظاهرات التي خرجت في دمشق وبيروت وعديد من العواصم العربية، لذا أعتقد أن تصريحات رئيس الوزراء أثارت الكثير من العواطف بسبب المكانة التي تتمتع بها فرنسا في هذا العالم، ونظراً لما يمكن لفرنسا أن تقدمه لعملية السلام.

ميشيل الكك:

هل تعتقدون أنه يمكن أن تحدث انعكاسات سلبية على مصالح فرنسا الاقتصادية والسياسية في العديد من الدول العربية؟

ألفير دوشاريت:

لا أعرف، لكن كل ذلك يثير تساؤلاً، فالسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان هناك تغييراً في السياسة الفرنسية؟ هل تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي هي مجرد تصريحات ظرفية أدلى بها تحت تأثير العاطفة، وفي هذه الحالة ينبغي نسيانها، فهي لن تتعدى كونها زلة لسان أو هفوة، أم أنها أكبر من ذلك وتشكل تغييراً في السياسة الفرنسية من وجهة نظر رئيس وزراء فرنسا؟

ليس لدي شخصياً جواباً شافياً على هذا التساؤل، لأنني –مع الأسف- لا أعتقد أن رئيس الوزراء قد أوضح موقفه بجلاء إزاء هذه القضية، فالسفارات الفرنسية وحكومات الشرق الأوسط في دمشق وبيروت وعمان والقاهرة لا تزال تتساءل، وهذا سيساهم دون شك في إضعاف موقف فرنسا.

ميشيل الكك:

هذا ما أريد قوله حقيقة، هل هناك تكتيك معين لدى جوسبان، لماذا اختار هذا الوقت بالذات لإطلاق تصريحاته؟ ولماذا اختار المكان انطلاقاً من إسرائيل؟

ألفير دوشاريت:

تعرفون بأن هناك أصوات ارتفعت في فرنسا قائلة..

ميشيل الكك [مقاطعاً]:

بهدف انتخابي ربما بمعنى أنه فتح المعركة الرئاسية من الآن؟

ألفير دوشاريت [مستأنفاً]:

لا أعرف، لا أعرف وآمل أن لا يكون ذلك صحيحاً، لكن هناك بعض المراقبين في باريس يقولون: إن السيد جوسبان بدأ حملة مبكرة للانتخابات الرئاسية، وهو يحاول استمالة فئة من الناخبين في باريس على حساب سياستنا الخارجية، لكنني لست هنا لأنتقد بلادي أمامك، ولكني أود أن أؤكد أمامك بأنني ملتزم شخصياً بالدفاع عن سياسة فرنسية في الشرق الأوسط أعتبرها تتماشى مع المصالح العليا لبلادي، ومع القيم العليا التي ندافع عنها.

ميشيل الكك:

لكن هناك تخوف كبير من أن يحدث تغير في السياسة الخارجية لفرنسا لصالح إسرائيل، خصوصاً وأن المكان اختير خصيصاً لإطلاق هذه التصريحات من إسرائيل.

ألفير دوشاريت:

هناك بعض من المخاوف التي ذكرتها، أي أن يكون هناك عدم توازن في السياسة الفرنسية، انظر إلى البلدان من حولنا، فالولايات المتحدة ومنذ فترة طويلة وخاصة في عهد الرئيس الحالي (كلينتون) وأكثر مما كان في عهد الرئيس بوش؛ اختارت أن تتبنى قضايا ومصالح إسرائيل، وبما أن لديها الكثير من الأموال فإن الآخرين –أيضاً- يصغون لها، يصغون إلى القوة التي تمثلها الولايات المتحدة، لذا فهم يأخذون جانب أحد الطرفين، حتى وإن بذلوا جهداً في اتجاه السلام، أما الدول الأوربية -وكما ترى- فإنها لم تعد تهتم بالشرق الأوسط، فليس هناك مبادرات أو نشاطات، ولا يوجد تقريباً سوى فرنسا، وربما لم يكن ذلك صحيحاً تماماً، فهناك دول أخرى تقع على البحر المتوسط مثل إيطاليا وأسبانيا، لكن الدولة الأهم هي -بالطبع- فرنسا.

ففرنسا لها سياسة ووجود في الشرق الأوسط نشطة للغاية، ونحن نعتقد أننا أصدقاء كلا الطرفين، ونريد أن نكون أصدقاء للطرفين، لكي نتمكن من العمل من أجل السلام، وهذا ما أسميه بالسياسة الحكيمة التي أدافع عنها.

ميشيل الكك:

إذا أردت التعليق على مجريات الأحداث، هل يمكن القول: أن هناك تأثير أمريكياً أو إسرائيلياً يرخي بثقله على الموقف الفرنسي بشكل عام؟

ألفير دوشاريت:

ما قلناه هنا يتعلق بموقف رئيس الوزراء جوسبان وحكومته، وأنت تعرف أننا في فرنسا في وضع خاص، فهناك رئيس الجمهورية وهناك الحكومة، ونسمي هذا بالتعايش، هذه نقطة هامة للغاية، أنا لا أتهم السيد جوسبان بأنه واقع تحت ضغط الولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنني أراقب مواقفه سواء تلك التي أقرها أو تلك التي لا أوافق عليها.

ميشيل الكك:

ما أقصده هو أن التأثير الأمريكي على فرنسا قائم بقوة تحديداً بشأن مسيرة السلام في الشرق الأوسط.

ألفير دوشاريت:

أود أن أقول لك أن عملية السلام هي اليوم في وضع صعب، نحن نرى ذلك على المسار الفلسطيني وعلى المسار السوري اللبناني، فيما يتعلق بفلسطين لم تحترم الحكومة الإسرائيلية التزاماتها، فقد كان يتعين عليها القيام ببعض الأمور، والانسحاب من بعض الأراضي، وأمور أخرى قبل منتصف شهر شباط فبراير، وهذا لم يتم. وهناك مرارة كبيرة في فلسطين، وأصبح الوضع فيها على حافة الانفجار، وعلى الجانب السوري واللبناني هناك –أيضاً- قلق كبير، لأن المفاوضات التي بدأت منيت بالفشل.. فشل مؤقت لكنه فشل على الأقل رسمياً، فهناك أمور تجري خلف الكواليس، هذا الوضع مقلق للغاية، خاصة أنه عندما وصل السيد إيهود باراك إلى منصب رئيس الوزراء بعد سقوط نتنياهو حدث ما يمكن أن نسميه بظاهرة باراك، وقال الجميع أن نتنياهو الذي يجب أن نعترف بأنه كان عدوا للسلام قد ذهب، ووصل باراك الذي يعتبر من معسكر السلام، وهذا جيد، حيث أدلى بتصريحات مشجعة للغاية، وقام بحملته الانتخابية على هذا الأساس.

إذن كان الأمل يعم الجميع، ولكن -ودون أن أبدو متشائماً- من الواضح أن هناك خيبة أمل، ومن أجل مواجهة خيبة الأمل هذه ونتغلب عليها، ومن أجل إعادة أجواء الثقة، أعتقد شخصياً أن الكرة في ملعب إسرائيل، وهذا صحيح فيما يتعلق بمسألة الحدود والجولان مع سوريا، وكذلك -أيضاً- فيما يتعلق بفلسطين، وبعبارة أخرى لا يمكن لإسرائيل اليوم المغالاة في قوتها وفي موقفها، وعليها تقع مسؤولية القيام بمبادرات، وهنا تكمن الصعوبة.

ميشيل الكك:

ألا تعتقد أن الأمريكيين موجودون دائماً هنا لعرقلة دور فرنسا، خصوصاً أثناء أزمات الخليج المتتابعة؟ وهناك دائماً تدخل أمريكي كنت تنتقده أنت بالذات؟

ألفير دوشاريت:

لا، لا أنتقد التدخل الأمريكي، أعتقد بأنه هام وطبيعي، لأن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم ولها مصالح كبيرة في تلك المنطقة، ولكن ورغم أنني أحبذ وجود الولايات المتحدة على مائدة المفاوضات، وأن تكون لاعباً رئيسياً في المنطقة، فإنني لا أعتقد أن من حقها أن تكون الوحيدة كما لو أن أوروبا غير موجودة، ولو أنها أحياناً تجد صعوبة في الوجود، لكنني أنتمي إلى الفئات التي تنادي بالوجود الأوروبي وبالوجود الفرنسي في تلك المنطقة، ولكنني لا أضع نفسي في حالة تنافس مع الولايات المتحدة، فالأمريكيون أمريكيون ونحن نختلف عنهم، هم لديهم ما يقولونه بأسلوبهم ووزنهم، ونحن -رغم أننا أكثر تواضعاً- لدينا أسلوبنا وعلاقاتنا وأصدقاؤنا الذين لا نتنازل عنهم.

ميشيل الكك:

لنعد إلى موضوعنا الرئيسي الخاص بتصريحات رئيس الحكومة جوسبان، لقد اعترضتم عليه في مجلس النواب الفرنسي، ماذا تريدون أن تفعلوه كمعارضة يمينية إزاء هذا الواقع، خصوصاً وأن الأزمة ليست أزمة داخلية وإنما هي أزمة خارجية أيضاً؟

ألفير دوشاريت:

نعم في السياسة الخارجية نجتمع بالطبع نحن خلف رئيس الجمهورية وندعم مواقفه، لكن ما يقلقني هو وجود سياستين: سياسة رئيس الوزراء، وسياسة رئيس الجمهورية.. قلنا إن ذلك يشكل هفوة، أي تصريحات السيد جوسبان، وسنرى خلال الأسابيع القادمة إن كان الأمر مجرد هفوة، أم رغبة شخصية من السيد جوسبان، وإرادة من قِبَل الحكومة لسلك طريق خاص به يختلف عن طريق رئيس الجمهورية، وهذا ما سنراه.

ميشيل الكك:

يبدو أن جوسبان لا يريد العودة عن تصريحاته أبداً كما قال أمام مجلس النواب وحسب هذه البرقية بين يدي، فهو مصر على المضي قدماً في التأكيد على أنه يتابع ويهتم بالسياسة الخارجية لفرنسا، مما يعني أن هناك صراعاً حقيقياً بشأن هذا التصريح بين الرئيس شيراك من جهة، ورئيس الحكومة جوسبان من جهة ثانية.

ميشيل الكك:

لنحاول أن نوضح هذه النقطة الهامة، في النظام الفرنسي تخضع السياسة الخارجية لمسؤولية رئيس الجمهورية بشكل مباشر، هذا غير مكتوب في الدستور، لكنها من المعطيات التي اتفق عليها الجميع خلال العقود الماضية، لأن رئيس الجمهورية منتخب من قِبَل الشعب مباشرة، وهو الذي يمثلنا في الخارج، وفي الوقت نفسه فإنه من الطبيعي أن تشارك الحكومة في تحديد معالم السياسة الخارجية، ومن الطبيعي –أيضاً- أن يشارك رئيس الوزراء في صنع السياسة الخارجية، فعندما يأتي ضيف كبير إلى باريس يستقبله رئيس الوزراء، الذي هو بدوره يزور دولاً أخرى بدعوة من نظرائه سواءً روسيا أو أمريكا، وكل هذا شيء طبيعي، لكن المشكلة تكمن في وجود خلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء، وهذا الخلاف لا يمكن حله –برأيي- إلا بالوقوف إلى جانب رئيس الجمهورية، فهو صاحب الكلمة العليا، هنا تكمن المشكلة فيما يتعلق بهذه القضية، حيث شعرنا ببوادر أزمة في فرنسا.

ميشيل الكك:

وهل ستستمر هذه الأزمة طويلاً؟

ألفير دوشاريت:

أخشى ذلك.

ميشيل الكك:

لقد قابلتَ الرئيس شيراك، كيف سيتمكن من معالجة هذه القضية الحساسة للغاية؟

ألفير دوشاريت:

نحمد الله على أن رئيس الجمهورية يحظى في الشرق الأوسط بمكانة كبيرة وبشعبية كبيرة، وأنا أثق تماماً بقدراته في الدفاع عن مصالح فرنسا بالشكل الملائم.

ميشيل الكك:

هذه الأزمة بدأت بسبب لبنان والانتقادات الموجهة إلى حزب الله، معلوم أن لفرنسا علاقات مميزة مع لبنان، خصوصاً عندما كنتم وزيراً للخارجية قبل أربع سنوات، وتوصلتم إلى اتفاق نيسان/ إبريل عام 96م.

ألفير دوشاريت:

نعم اتفاق إبريل/ نيسان 96م هام للغاية، فأنتم تعرفون بنوده، أولاً: ينص هذا الاتفاق على عدم مهاجمة حزب الله لشمال إسرائيل، وثانياً: عدم مهاجمة إسرائيل للمواقع المدنية، وثالثاً: ينص الاتفاق على أن يبقى الصراع -لأن هناك صراع- محصوراً داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل، مع إعطاء إسرائيل حق ملاحقة حزب الله ولكن دون التعرض للمواقع المدنية، هذا هو الاتفاق.. لكنه ليس بديلاً عن السلام، وهو ليس سلاماً، لذا فهو ليس اتفاقاً مخلداً، فقد صمم للعمل في الوقت نفسه الذي نعمل فيه من أجل السلام، ولهذا فهو لا يزال ساري المفعول، وبهذه الصفة وبما أنه ساري المفعول أدانت فرنسا الغارات الإسرائيلية على الأهداف المدنية، خاصة قصف محطات الطاقة الذي حرم بيروت وعدة مدن لبنانية من الكهرباء، ولهذا أيضاً ينبغي الإسراع في بدء مفاوضات السلام من أجل التوصل إلى السلام المنشود.

ميشيل الكك:

بعد موجة الاحتجاجات الواسعة في العديد من المدن اللبنانية، كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات الفرنسية مع لبنان، خصوصاً في ظل التعقيدات الخاصة بالوضع اللبناني في الجنوب أو في الداخل اللبناني إلى آخره؟

ألفير دوشاريت:

طالما كان الوضع في لبنان معقداً، فأنت تعرف الجملة المشهورة للجنرال (ديغول) عن الشرق المعقد، وهذا ينطبق على لبنان، بالنسبة لفرنسا لبنان بلد صديق، بلد يحظى بصداقة تاريخية مع فرنسا، ودورنا هو دعمه خاصة في الأوقات التي يشعر فيها لبنان أنه وحيد، وينبغي أن لا يخف الدعم حالياً، فلبنان يحتاج إلى دعم ومؤازرة فرنسا، وأنا أتفهم تماماً العواطف التي جاشت في قلوب أولئك الذين تظاهروا في المدن اللبنانية، ويحزنني أن أرى مثل هذه المظاهرات، فأنا فرنسي وأشعر بالحزن لإحراق العلم الفرنسي من قبل المتظاهرين، هذا منظر محزن.

فالشعب اللبناني يعرف أننا أصدقاؤه، وعندما أتذكر مأساة (عناقيد الغضب) فقد كنت مع اللبنانيين بشكل يومي، وذهبت إلى (قانا) بعد أيام من المأساة التي أحلت بها، وكان هناك تواصل وجداني بين الحكومة الفرنسية والشعب اللبناني، وعندما نرى اليوم جو التوتر وسوء الفهم والمرارة، فإن ذلك يحزنني كثيراً.

ميشيل الكك:

لنعد إلى اتفاق تفاهم نسيان إبريل عام 96م، لقد ساهمتم في التوصل إلى هذا الاتفاق وفاوضتم بشأنه.

ألفير دوشاريت:

لقد تفاوضت مع حافظ الأسد ومع الإيرانيين ومع الحكومة الإسرائيلية بزعامة شيمون بيريز.

ميشيل الكك:

ويبدو أن هذا الاتفاق أصبح مشلولاً اليوم، ما هي سبل العمل من أجل إنقاذه؟

ألفير دوشاريت:

لا يجب أن يصبح مشلولاً، هذا مهم جداً إذا توقف العمل به..

ميشيل الكك [مقاطعاً]:

خصوصاً مع الجهود الحاصلة على المسار السوري.

ألفير دوشاريت:

إذا توقف العمل باتفاق 96م فهذا يعني أننا ندخل في فترة توتر وعنف تضر كثيراً بلبنان وأيضاً بإسرائيل، والسبيل الوحيد هو -من جهة- الاستمرار بالعمل بهذا الاتفاق، أي أن تستمر لجنة المراقبة برئاسة فرنسا والولايات المتحدة بأداء العمل المنوط بها.

ومن جهة أخرى من المهم أن تعود المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، ومن هذا المنطلق هناك أمران هامان: الأول هو.. أعتقد أن على إسرائيل أن تقبل منذ البداية بمبدأ انسحاب القوات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان، هذه قضية تتعلق بحسن نية، ومن ثم تعمل المفاوضات على تحديد كافة الأمور الأخرى المتعلقة بالأمن والمياه وغيرها.

أعرف أن الإسرائيليين مستعدين كثيراً لمثل هذه الأمور، لكنني أتفهم الموقف السوري القائل باستحالة استمرار المفاوضات إذا لم يتم الإقرار مسبقاً بمبدأ "الأرض مقابل السلام"، هذه مسألة هامة، ويجب أن نمتلك الشجاعة للإقرار بهذا المبدأ كأساس للتفاوض، وثانياً: أعتقد أن على اللبنانيين الانضمام إلى المفاوضات بسرعة، وأدعو لأن يكون ذلك بأسرع وقت، وإذا أمكن الآن، فالمفاوضات لن تكون جادة إلا بوجود اللبنانيين.

ميشيل الكك:

ومع كل ما يحدث قد نصل قريباً في لبنان إلى استحقاق مهم، يتمثل بوعود رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك بسحب جيشه من لبنان، فهل هذا سيكون أمراً جيداً أم أنه يحمل العديد من المخاطر؟

ألفير دوشاريت:

قد يكون هذا هو المنطق الصحيح، وبالطبع فإن قرارات مجلس الأمن تطالب إسرائيل بالانسحاب ببساطة من جنوب لبنان، إذن الأمور واضحة ولا تحتاج إلى مفاوضات، ومرت خمس وعشرون سنة على تصويت مجلس الأمن على ذلك، ويجب تطبيق القرار، ولا يوجد ما نضيفه على ذلك.

ولكن وكما برهنت الأحداث على ذلك فإن أفضل طريقة لتنفيذ ذلك بشكل إيجابي، هو أن يدخل التطبيق ضمن إطار تسوية شاملة تتضمن الانسحاب من الجولان، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وتتضمن التدابير الأمنية المصاحبة التي تضمن أمن كل الأطراف، والتي تسمح –أخيراً- بإرساء قواعد التنمية الاقتصادية في المنطقة التي تعود بالنفع على الجميع.

هذه هي أفضل السبل، وهذه طريقة إيجابية، وما عدا ذلك علينا أن نرى كيف تسير الأمور، وفي أسوأ الأحوال يمكن أن يؤدي الانسحاب من جنوب لبنان من طرف واحد إلى خلق مزيد من التوتر وليس السلام.

ميشيل الكك:

هل هذا يمكن أن يكون فخاً لخلق توترات في المنطقة؟

ألفير دوشاريت:

لا، لا، حالياً من هو الذي في الفخ؟ بصراحة.. إنه الجيش الإسرائيلي هو الذي في الفخ، ولهذا تتعالى الأصوات في إسرائيل منذ عدة سنوات مطالبة بالانسحاب.

ميشيل الكك:

يمكن دائماً للإسرائيليين اللعب على موضوع الأزمة الداخلية في لبنان، وهذا أمر محتمل.

ألفير دوشاريت:

نحن نرى بوضوح، إن المزايا التي تحصل عليها إسرائيل بفعل وجودها في جنوب لبنان بدأت تتضاءل، وربما اضمحلت، المزايا العسكرية الأمنية، المزايا السياسية، والتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، هذه المزايا تضاءلت وبدأت تختفي، لكن إسرائيل تتحمل كلفة عالية من جراء احتلالها لجنوب لبنان، كلفة بشرية ناجمة عن مقتل عديد من جنودها وضباطها.. لذلك هناك أعداد كبيرة من المسؤولين ومن صفوف الشعب الذين يدعون إلى الانسحاب الفوري ويتساءلون: لماذا كان على إسرائيل البقاء هناك؟ إذن عندما ينسحبون سيكون ذلك أمراً نحبذه.

ميشيل الكك:

نعود إلى الموضوع الرئيسي لحديثنا، كيف يمكن لفرنسا أن يكون لها مصداقية في الشرق الأوسط، طالما أنها لا تتكلم بصوت واحد على صعيد السياسة الخارجية؟

ألفير دوشاريت:

أنت تضعني في موقف محرج، فأنت تستشيرني بصفتي خبيراً في هذه المسائل بحكم متابعتي لكل ما يجري في الشرق الأوسط، وكصديق حميم للبنان، وكصديق لسوريا، فأنا أحب كثيراً سوريا وهو بلد أعرفه جيداً، وأنا أيضاً صديق إسرائيل.. كل ذلك يدفعني ويشدني للاهتمام بهذه المنطقة، لكنني لا أحكم فرنسا فأنا في المعارضة، لذلك آمل بشدة أن يوحد رئيس الجمهورية والحكومة جهودهم من أجل أن تستمر فرنسا في دعم أصدقائنا وقضية السلام، وأن تلعب فرنسا -أيضاً- دورها وتمارس مسؤولياتها في هذه المنطقة.

ميشيل الكك:

هل تعتقد بأن الضمانات التي قدمها الرئيس شيراك بشأن ثبات موقف السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط هي ضمانات كافية، خصوصاً وأننا رأينا تخوفات صدرت عن مصر وسوريا وإيران، وهناك شك وحذر لدى بعض هذه الدول تجاه السياسة الخارجية الفرنسية في الوقت الحاضر؟

ألفير دوشاريت:

آمل بشدة أن تتوحد جهود رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد كل ما حدث، من أجل تقديم كل الضمانات للدول التي ذكرتها، وأن تتحدث فرنسا بصوت واحد، آمل ذلك من صميم قلبي لأن في ذلك مصلحة عليا ومصلحة لقضية السلام ولأصدقائنا.

ميشيل الكك:

ولا يسعنا مشاهدينا الكرام سوى أن نشكر حسن متابعتكم، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة