السلام مع شارون ومحاكمة ميلوسوفيتش والقلاعية في بريطانيا   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:19 (مكة المكرمة)، 23:19 (غرينتش)

شارون
لطيف دوري
توفيق طه
توفيق طه: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) والذي أقدمه لكم في إجازة الزميل جميل عازر، في هذا العدد.

قرارات وحكومة شارون بتنشيط الاستيطان وتسهيل دخول اليهود المسجد الأقصى، وتصعيد العنف ضد الفلسطينيين، تقليل فرص السلام ، بلجراد تصر على محاكمة ميلوسوفيتش في بلاده، بينما تتصاعد المطالبات الدولية بتسليمه، وخسائر مرض الحمى القلاعية في بريطانيا تصل إلى مليارات الدولارات بينما ترفض الحكومة البريطانية تطعيم الماشية.

لا يختلف اثنان على أن تخبط حكومة آرييل شارون هو أكبر عقبة في طريق إعادة إحياء عملية السلام، فبينما يلتقي وزير الخارجية العمالي شيمون بيريز مع وزراء فلسطينين في أثينا، ويعقد مسؤولون أمنيون فلسطينيون اجتماعاً أمنياً ثلاثياً مع نظائرهم الإسرائيليين والأميركيين يقصف الجيش الإسرائيلي المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين أنفسهم حال دخولهم غزة، وتقرر حكومة شارون السماح لليهود المتطرفين بدخول المسجد الأقصى، وتقرر كذلك استئناف الاستيطان، إذن هناك أجنحة تتصارع في حكومة فقدت البوصلة، وإذا ما تفاقم العنف الإسرائيلي، والردود الفلسطينية على هذا العنف، فإن المنطقة ستواجه صيفاً ساخناً شديد الدموية.

تقرير/ سمير خضر: كيف يمكن إنجاز السلام بين طرفين لا يثق أحدهما بالآخر، هذا هو التساؤل الذي يدور في أذهان الإسرائيليين والفلسطينيين حالياً، بل وفي أذهان الجميع فمنذ بدء عملية أوسلو قبل ثمانية أعوام كان الهدف الأساسي هو بناء الثقة من خلال إجراءات واضحة ومحددة، وبدا للوهلة الأولى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن الوضع تغير منذ عام 96 عند مجيء نتنياهو إلى السلطة، ومن ثم إيهود باراك الذي فشل في تحقيق وعوده الانتخابية، واليوم مع آرئيل شارون الذي لا يُخفي احتقاره لمفهوم السلام مع العرب عامة، ومع الفلسطينيين بشكل خاص، وكانت إسرائيل تطالب دوماً الطرف الفلسطيني بعودة التنسيق الأمني، وحتى عندما وافق الفلسطينيون على إرسال وفد أمني رفيع المستوى للاجتماع بنظائرهم الإسرائيليين، كاد هذا الوفد أن يقع في كمين مسلح يبدو أنه أُعد بعناية، فلماذا تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى محاولة قتل الأمل الوحيد المتاح أمامها لوقف ما تسميه بالعنف؟

ولكن هل كانت القيادة السياسية الإسرائيلية على علم بهذه المحاولة، ومن الصعب تصور ذلك، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً، هل تم ترتيب وتنفيذ محاولة الاغتيال من قبل القيادة العسكرية لوضع القيادة السياسية أمام الأمر الواقع، وفي هذه الحالة فإن الاتهامات الفلسطينية لقائد الجيش الإسرائيلي (شاؤول موفاز) تكون قد وجدت الدليل، فرئيس الأركان الإسرائيلي لم يخفي يوماً رغبته في ضرب رموز السلطة الفلسطينية، ومثل هذا الموقف يمثل تناقضاً كبيراً في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين يتهمون السلطة الفلسطينية بالتحريض وعدم اتخاذ إجراءات مناسبة لاعتقال من تتهمهم بالتسبب في العنف، فقيادات السلطة الفلسطينية التي باتت مستهدفة هي الوحيدة القادرة على ضبط الأمور من الناحية الأمنية، وفي ظل هذا التخبط وعدم الوضوح، تظهر هناك دعوات لعودة الحوار بين طرفي النزاع، حوار حاول شمعون بيريز إعادة إحيائه من خلال لقاء مع بعض المسؤولين الفلسطينيين في العاصمة اليونانية أثينا، ولكن يبدو أن سلطات فبيريز في حكومة شارون تبقى محدودة، فبريز ربما أراد من خلال انضمامه إلى حكومة اليمين المتطرف ثني شارون عن الاستمرار في سياسة التصلب، لكنه يجد أن اليوم نفسه ناطقاً بلسان هذه السياسة، ومطُالباً بتبريرها، أما العًراب الأميركي لعملية السلام، فقد قرر التنحي عن مسؤولياته والتنصل من هذا الملف الشائك مطالباً الطرفين بحل مشاكلهما من خلال الحوار، ورافق هذا الانسحاب من عملية السالم انحياز واضح لوجهة النظر الإسرائيلية من منظور شاروني، والتي تهدف إلى وأد عملية السلام إلى الأبد.

أرييل شارون
توفيق طه:
ولتحليل التوجهات داخل ا لإدارة الإسرائيلية، فما يتعلق بالتعاون مع الجانب الفلسطيني تحدثت عبر الهاتف إلى لطيف دوري (سكرتير لجنة الحوار الفلسطيني-الإسرائيلي، وعضو حزب ميرتس) وسألته أولاً عما إذا كانت هناك أجنحة متصارعة وخلافات داخل حكومة أرييل شارون؟

لطيف دوري: لا شك الأجنحة التي نراها اليوم في حكومة شارون، قبل كل شيء الجناح اليميني الذي هو شارون وباقي الأحزاب المتطرفة معاه، وممكن نقول لا أقول الجناح اليساري ولكن الجناح المركزي وهو وزراء حزب العمل، ولكن علينا أن نعلم بأن الجناح اليميني هو الجناح المقرر في هذه الحكومة حتى هذا اليوم.

توفيق طه: يعني.. يعني.. هل هذا يعني.. أن.. يعني العمل يسلم بكل مواقفه، وبكل طروحاته التي كان يتحدث فيها عن السلام لشارون لمجرد- بس -المشاركة في الحكم؟

لطيف دوري: مع الأسف الشديد هذا ما يتضح حتى هذه اللحظة، وأكبر دليل على ذلك ما يقوم به شيمون بيريز، نحن معسكر السلام نقول لشيمون بيريز بأنه خان معسكر السلام، ماذا يقوم.. ماذا يقوم به في الأيام الأخيرة؟ هو يقوم بالتغطية على شارون بالتغطية على سياسة شارون العدوانية على الشعب الفلسطيني، ويحاول تبييض وجهه الأسود في خلال زيارته إلى أميركا والعواصم الأوروبية، أي أصبح خادماً مطيعاً لشارون، فكيف يمكن أن نتكلم عن حكومة توجد فيها أجنحة مختلفة و –كما قلت في السابق- الجناح المطور هو الجناح اليميني، وهذا ما سيكون كذلك في المستقبل القريب.

توفيق طه: نعم.. لكن يعني.. ما مدى رضى يعني تيارات العمل كلها عن هذا الموقف من بيريز وغيره يعني، هل كل العمل هو بهذه العقلية، أم إن هناك تصدعات حتى داخل العمل؟

لطيف دوري: لا، طبعاً لا يوجد داخل معسكر حزب العمل فئة هامة جداً من الزعماء خاصة الشباب منهم ك (يوسي بيلن) و آخرين، (حاييم آمون) الذين لا يوافقون على هذه السياسة، ولكن القضية إنهم يسكتون عنها.

توفيق طه: يعني تريد أن تقول أنهم يريدون أن يجمعوا قواهم إلى موعد انتخابات داخل حزب العمل ثم يعني ينتفضوا -لنقل بمصطلح السائد الآن- ينتفضوا على القيادة التقليدية للحزب لتظهر الأفكار المناقضة لما يدور في حكومة شارون؟

لطيف دوري: هذا صحيح طبعاً، إذا ما انتصروا في هذه المنافسة، هذا ليس بأكيد، لأن كشخصيتهم يمينية وعلى رأسهم (فؤاد بن إليعازر) وزير الدفاع الذي هو شخصية يمكن أن تقول أن هو يعد من الشخصيات المتطرفة فهو كذلك يتنافس على رياسة حزب العمل. السؤال من سينجح في هذه المعركة؟

توفيق طه: نعم، لكن لو عدنا إلى الحكومة نفسها حكومة شارون، نجد أن هناك يعني حتى في التيارات اليمينة من يذهبون إلى أقصى اليمين إلى حد المطالبة المباشرة أو غير المباشرة بالحرب مع العرب أو بـ ال Transfer نقل الفلسطينيين إلى شرقي النهر، إلى أي مدى تتفق أو تختلف هذه الأفكار مع أفكار شارون وبيريز؟

لطيف دوري: لا شك إن هذه الأفكار، يمكن أن نقول قبل كل شيء من جهة شيمون بيريز هو يرفضها بالكامل، ولكن من جهة شارون لا شك إنه يوافق عليها ولو إنه لا يقوم طبعاً بتأييدها علنياً نحن نعلم من هو شارون، ونعلم ماضيه الطويل الذي استعمل فيه خاصة القوة والأساليب الحرب خلال 30، 40 سنة خلال تاريخه العسكري الحافل بالمجازر ضد الشعب الفلسطيني، وضد الشعوب العربية، وهذا يمكن أن نقول: إنه لو كان في يده تحقيق ذلك، أنا حسب رأيي كان يُحقق، ولكن شارون يعلم بأنه لا يمكن بسبب الرأي العام العالمي، والرأي العام الأميركي، ومعسكر السلام في إسرائيل والدول العربية وإلى آخره يعلم بأنه لا يمكن أن يقوم بتحقيق مثل هذه الأحلام المخيفة.

توفيق طه: كيف يمكن أن نتصور عملية اتخاذ القرار في حكومة شارون بهذه الأجنحة التي تحدثنا عنها؟

لطيف دوري: يمكن أن نقول: من جهة يعلن كأنما يقوم بالتغطية على هذه الأفكار المتطرفة، وذلك عن طريق.. وأعطيكم مثلاً: فهو يستعمل أساليب التمويه والخداع، فهو في نفس الوقت يُرسل مثلاً بيريز إلى سينا، لكي يطمئن الإدارة الأميركية والرأي العام العالمي، ثم يرسل ابنه … إلى الرئيس عرفات، وفي نفس الوقت يقوم بالقصف الجوي ثانية في قطاع غزة، يستمر في حملة الاغتيالات بالإضافة إلى محاولة اغتيال ثلاثة من رؤساء أجهزة الأمن الفلسطينية، وهم يعودون من تل أبيب، و الأدهى من ذلك مطالبته أمس بالسماح لليهود بدخول الحرم الشريف، على الرغم من أن محكمة العدل العليا رفضت طلب أبناء الهيكل المتعصبين بهذا الصدد، وشارون يتجاهل من زيارته الاستفزازية للحرم الشريف ولعت انتفاضة الأقصى.

توفيق طه: ربما لم يدر في خلد سلوبودان ميلوسوفيتش أنه سيشرب من الكأس نفسها التي سقاها لأعدائه، لكن اعتقاله بتهم تترواح بين الفساد الإداري وإساءة استخدام السلطة، ربما يكون مقدمة لمصير أشد قتامة، ألا وهو تقديمه إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، لكن تُرى لو كان مكان ميلوسوفيتش أي صربي آخر، فهل كان سيتصرف بأية طريقة أخرى تجاه قوميات البلقان الأخرى؟ ربما يكون الجواب مستحيلاً، لكن البعض يخشى أن يشكل تسليم سلوبودان ميلوسوفيتش إلى محكمة جرائم الحرب ضربة إلى الكرامة الصربية، لاشك في أن الصرب سيحاولون الرد عليها بضربة مماثلة، طال الزمان أم قصر.

إسدال الستار على سلوبودان ميلوسوفيتش (أرشيف)
تقرير/ حسن إبراهيم:
 مشوار طويل قطعه سلوبودان ميلوسوفيتش من مسقط رأسه (بوزاري فاتش) التي وُلد فيها في التاسع والعشرين من أغسطس آب عام 41 وحتى اعتقاله قبل أقل من أسبوعين في بلجراد، وفي بعض الأحيان يتحول طبعه الانطوائي إلى غضب سيكوباثي، خاصة عندما يتعلق الأمر بما يعتبره عزيز لديه، ولا عجب في ذلك فقد انتحر والده المدرس والقس الأرثوذكسي عام 62 ثم انتحرت أمه عام 73، هذا المحيط الأسري القاتم أخرج إلى العالم جزار البلقان –كما يسميه أعدائه- لم تمنعه مآسيه الشخصية من التفوق بل أحرز شهادة في القانون من جامعة بلجراد وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيساً لجمهورية صربيا عام 87 ثم رئيساً ليوغسلافيا عام 89، ربما كان المحرك الأول لشخصية سلوبودان ميلوسوفيتش هو إحساسه العميق بالاضطهاد الذي تعرض له الصرب منذ ما قبل الميلاد وحتى عصرنا هذا، أولاً: على أيدي الرومان ثم العثمانيين و (الهابسبرج) واكتملت عناصر مأساة البلقان باستيطان الأناضوليين البلقان وتغلغلهم نسيجه، حتى أقاموا كياناً مسلماً تمدد ما بين البوسنة والهرسك، وبعض أجزاء كرواتيا ورغم أن سلوبودان ميلوسوفتيش انضم إلى الحزب الشيوعي عام 59 أي منذ أن كان عمره 18 عاماً وتربى على تقديس شخصية (تيتو) موحد البلقان، إلا أن الصرب لم ينسوا لتيتو تفتيته لجمهورية صربيا إلى كيانين (فوجفودينا) و(كوسوفو)، ولم يكن ميلوسوفيتش يجرؤ على قولها آنذاك، لكنه قالها بعد ذلك، تيتو كان كرواتياً كاثوليكياً ولو كان الأمين العام للحزب الشيوعي اليوغسلافي، وجرت الحروب البلقانية التي رغم مأساويتها، إلا أنها شكلت الحقبة الوحيدة التي تعاملت فهيا أوروبا بصورة جدية مع الملف البلقاني، ورغم الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقها حلفاء ميلوسوفتيش مثل الشاعر ورئيس صرب البوسنة (رادوافان كرادتييتش)، (وراد كوملاديتش) الذي كان يُلقب بجبل الموت رغم كل الموت إلا أن سياسة التطهير العرقي استفزت العالم والولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف حازمة تراوحت ما بين اتفاقية (دايتون) التي كان مليوسوفيتش أحد موقعيها ومروراً بقصف بلجراد لمنع حكومتها من التدخل في شؤون كوسوفو عام 99 وانتهاءً بالانتخابات التي أطاحت بسلوبودان ميلوسوفتيش، ومجيء (بوسيسلاف كوستنيتشا) إلى سدة الحكم، ثم اشتداد مطالبة الأسرة الدولية بوجوب تسليم ميلوسوفيتش إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، النهاية كانت درامية كحياته، ومليوسوفيتش الذي هدد بالانتحار قبيل اعتقاله يقبع الآن في زنزانة عادية، ورفيقة دربه (مريانا) تتسول مقابلته فيمنعها الحرس، ذهب مليوسوفيتش، لكن البلقان سيبقى برميل بارود متفجر.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً لماذا يثير الكتاب المدرسي كل هذه الضجة، وهل تحاول اليابان إعادة كتابة تاريخها؟

لاشك في أن موضوع الحمى القلاعية في بريطانيا تحول إلى كابوس اقتصادي وسياسي وصحي من الدرجة الأولى، وقد رفضت الحكومة البريطانية حتى الآن –كما رفضت عام 67 عندما تفشى المرض لأول مرة- اللجوء إلى التطعيم كوسيلة للحد من انتشار المرض، وكما تثور الشكوك حول مغزى هذه السياسة يثور الغضب أيضاً لعدم أخلاقية إعدام ملايين الرؤوس من الماشية بينما يموت آلاف البشر في أنحاء العالم من الجوع وسوء التغذية.

الحرب على فيروس الحمى القلاعية
تقرير سمير خضر:
 من الصعب على المراقب أن يتجنب الخوض في نظرية المؤامرة عندما يرى ما يحدث في عدد من البلدان الأوروبية، وعلى وجه الخصوص في بريطانيا، آلاف وآلاف من الماشية تُذبح وتُحرق ثم تُدفن، في حين يتضور جوعاً نصف العالم، إنها الحرب، حرب على فيروس الحمى القلاعية حرب جُيشت لها الجيوش بكل معنى الكلمة، فها هو الجيش البريطاني الذي لم يُستنفر منذ حرب الخليج قبل عشرة أعوام، يزج بقواته في الصف الأول من هذه المعركة ولجأ إلى آخر صيحة في التقنيات العسكرية للتخلص من الماشية المصابة بالمرض، وتلك التي يشتبه في أنها مصابة به، ولكن لماذا؟ لماذا كل هذا الإصرار على التخلص من هذه الماشية؟ بمجرد الشك في أنها مصابة بالعدوى ألم يكن من الأجدى البدء بعمليات التطعيم منذ اليوم الأول؟!

يقول الخبراء أن عملية التصفية الجسدية هي خير وسيلة للقضاء على فيروس الحمى القلاعية ومنع عودته إلى القارة الأوروبية في حين أن التطعيم يجعله فيروساً كامناً يمكن أن يظهر من وقت لآخر ولكن تسلسل الأحداث يطرح عدداً من التساؤلات، أولها: أن الأمر بدأ بمرض جنون البقر فتحول الناس إلى لحوم الخراف والماعز وما شابهها، والآن بدأ الناس ينبذون لحوم الخراف رغم عدم تأثير فيروس الحمى القلاعية بشكل كبير على الإنسان وتحولوا إلى لحوم الدجاج والطيور، وربما ظهر بعد قليل وباء جديد يصيب هذه الطيور ليتحول المستهلك إلى أنواع أخرى من اللحوم، فهناك الكثير، الكلاب، القطط، الخنازير، الخيول، وغيرها، فإذا وضعنا هذه التطورات في معادلة اقتصادية بسيطة نجد أنها تبدو وكأنها هيستريا الحمى القلاعية لا تتعدى كونها وسيلة ترويجية وتسويقية جديدة تشارك بها عن قصد بعض الحكومات، وإلا كيف يمكن تفسير رفض الحكومات الغربية اللجوء إلى منطق الأمور من خلال استغلال قوة العلم والتقدم التكنولوجي، أين ذهبت الأبحاث الطبية والبيطرية؟ أين ذهبت تقنيات إنتاج اللقاحات المتطورة؟ ولماذا لا يتم اللجوء إليها؟ التبرير الوحيد المقدم هو إصرار الحكومات على اجتثاث هذا المرض من جذوره كلياً في حين أن التطعيم يعني استيطان مرض الحمى القلاعية في أوروبا، وهناك من يجادل بأن التطعيم مُكلف، ولكن أليس ذبح المواشي بهذه الطريقة العشوائية أكثر كلفة خاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن كل رأس تتم إبادته يُدفع ثمنه بالكامل إلى مالكه، مرض الحمى القلاعية كلف حكومة (توني بلير) حتى الآن مليارات الدولارات دُفعت كتعويضات ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح الوباء على رأس الأجندة السياسية والانتخابية في بريطانيا لا بل أن توني بلير بدأ يستخدمه بذكاء، لإذكاء مشاعر البريطانيين ودفعهم إلى إعادة انتخابه من جديد وبهذا تُصبح الحمى القلاعية في أوروبا موضوعاً سياسياً وانتخابياً واقتصادياً.

توفيق طه: تتوالى عثرات حكومة (جورج بوش) على صعيد العلاقات الخارجية، فبعد رفض بوش تطبيق معاهدة (كيوتو) وإعلانه أن حكومته لن تعتبر ثاني أكسيد الكربون من مسببات الانحباس الحراري، ها هو الآن يحول حادثة طائرة التجسس الأميركية إلى أزمة كان يمكن تفاديها لكن أداء وزير الخارجية الأميركي (كولن باول)، و (كوند ليزارايز) مستشارة الأمن القومي، يثبت أنهما يحتاجان إلى الكثير من الخبرة.

حسن إبراهيم: يعتقد المراقبون أن ما حدث حقيقة، هو أن طائرة تجسس تابعة للبحرية الأميركية، وتعتبر أحدث ما في جعبة الولايات المتحدة من طائرات التجسس كانت تفرط في استراق السمع قرب المياه الإقليمية الصينية أو داخلها وبالطبع استفز وجود الطائرة الصين فحلق طيار صيني بطائرته المقاتلة للتشويش على الطائرة وحدث الصدام بين الطائرتين، فسقطت المقاتلة الصينية بعد إحداثها ضرراً جسيماً بمقدمة الطائرة الأميركية فهبطت الطائرة الأميركية اضطرارياً في جزيرة (هينان) جنوبي الصين وعلى متنها أربعة وعشرون هم أفراد طاقمها، ولا شك أن الأجهزة في الطائرة، مما يسيل لعاب العسكريين وعلماء برامج التسلح الصينيين فهي اخر ما أنتجته تكنولوجيا التنصت، ويمكن لو تمكن الصينيون من فك طلاسمها أن توفر على القيادة الصينية مشقة تطوير أجهزة مماثلة، لكن في الأمر ما هو أشد خطورة فبالإضافة إلى الأجهزة المتطورة تأتي مسألة الشفرات السرية التي تتعامل بها أجهزة تلك الطائرات وتعتبر الأكثر سرية في تقنية التجسس الأميركية، وتكشف عن أسرار بالغة الحساسية، وتعتقد الولايات المتحدة أن أفراد طاقم الطائرة تمكنوا من إتلاف هذه الشفرات قبيل هبوط الطائرة لكن بالطبع لا توجد طريقة للتأكد، ما استفز الصين هو التجسس الأميركي لكن ما أثار غضبها حقيقة هو رفض الولايات المتحد الاعتراف بالخطأ وتقديم الاعتذار إلى الحكومة الصينية، إما علناً أو عبر القنوات الدبلوماسية، ولم تحاول رأب الصدع بتقديم مبادرة بخصوص بيع الأسلحة إلى تايوان تكون بمثابة الجزرة التي قد تخفف من الغضب الصيني، بل لوحت حكومة جورج بوش بالعصا، وطالبت الحكومة الأميركية الصين إعادة الطائرة وطاقمها، وفي لهجة –اعتبرها المتحدث باسم الخارجية الصينية- تنضح صلفاً حذرت الحكومة الأميركية الصين من دخول الطائرة، ويبدو أن نجاح الحكومة الصينية في تعبئة الجماهير ضد الولايات المتحدة جعل من الصعب على واشنطن الاستمرار في خطها التصعيدي، بدون أن يؤدي ذلك إلى وصول الأمور إلى نقطة اللاعودة، وربما يكون تعبير وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) عن أسفه لمقتل الطيار الصيني مقدمة لحل هذه الأزمة، لكن لا يُعرف ما إن كانت الصين ستستطيع إخماد جذوة الغضب الذي اشتغل في قلوب جماهيرها، غضب مماثل لذلك الذي ثار عندما قصفت طائرات حلف شمالي الأطلسي السفارة الصينية في بلجراد عام 99، وقتلت 3 من الدبلوماسيين الصينيين، ولا شك أن الصين ستحاول تحقيق أقصى استفادة من هذه الحادثة، التي يعتقد المراقبون أنه تشكك كثيراً بكفاءة طاقم بوش في معالجة الشؤون الخارجية.

توفيق طه: وأخيراً ننتهي باليابان التي أجازت تدريس كتاب في مدارسها يثير الكثير من الجدل، فقد نكأ الكتاب الكثير من جرح الماضي، ولن ينسى ضحايا التوسع الياباني في الماضي سطوة الجيش الإمبراطوري الياباني ومذابحه لذا فقد كان غريباً أن تصر الحكومة اليابانية على تدريس الكتاب رغم اعتراض الكثيرين سواء في كوريا أو في الصين.

تقرير/ خالد القضاة: اعتماد الكتاب الذي حمل عنوان "التاريخ الجديد والتربية المدنية" أثارت ضجة كبيرة وانتقادات من قبل كثير من الدول المجاورة على اعتبار أنه يزيف التاريخ الاستعماري والماضي العسكري لليابان ويزينه دون وجه حق، وقد يؤدي اعتماده إلى موجة من الفتور على الأقل في العلاقات الطيبة التي تربط اليابان حالياً بدول الجوار وخصوصاً مع كوريا الجنوبية، اللجنة التي وضعت الكتاب معروفة بقوميتها المتشددة، وتجادل بأن كتب التاريخ الحالية تقدم كثيراً من التنازلات لإرضاء الدول المجاورة التي وصفتها بالأعداء السابقين، ويستشف بأن هذه اللجنة تريد تهيئة جيل جديد يلقي بعيداً بالماضي وبمعطيات الحضارة والثقافة اليابانية اللتين أسهم في طمسهما المستعمر الأميركي بعد هزيمة اليابان واستسلامها عام 45، ومع ذلك فإن طوكيو تقول: إن محتوى الكتاب لا يعكس موقفها الرسمي رغم أنها اعترفت سابقاً بأن الإمبراطورية اليابانية أقامت إبان الحرب العالمية الثانية بيوتاً للدعارة، وأرغمت ما قد يصل إلى 200 ألف امرأة من مستعمراتها على ممارسة البغاء للترفيه عن الجنود اليابانيين، احتلت اليابان شبه الجزيرة الكورية 35 سنة في النصف الأول من القرن العشرين وخلال تلك الفترة وبالتحديد في عام 31 غزت منطقتي (منشوريا وهونان) الصينيتين وأحكمت قبضتها على معظم الأجزاء الشرقية من الصين، ثم في عام 37 احتلت (نا نكنج) عاصمة الصين آنذاك، واقترف الجيش الإمبراطوري مذبحة بحق المدنيين في المدينة فقتل فيها وحدها أكثر من 300 ألف صيني على أن مجمل ضحايا الاستعمار الياباني للصين زاد عن عشرة ملايين.

يشتمل الكتاب الجديد على عدة مآخذ فهو لا يعتبر أن مذبحة نانكنج كانت من قبيل الإبادة الجماعية، ويصف غزو كوريا بأنه لم يلقى معارضة، وأنه كان ضرورياً لأمن الإمبراطورية اليابانية، ثم يزعم أن احتلال شبه الجزيرة الكورية مهد لنيل دول المنطقة استقلالها عن المستعمر الغربي وفوق ذلك، لم يتطرق إلى معاناة عشرات الآلاف من الكوريات اللائي أجبرن على ممارسة البغاء مع الجنود اليابانيين، ومازال التيار القومي الياباني يحاول إعادة عقارب الساعة في ظل مقاومة من الطبقة السياسية التي أثبتت تخلفها عن حركة المجتمع المتجهة نحو إعادة إحياء رموز الثقافة اليابانية القديمة، ويقوا هذا التيار في ظل تعدد ما يراه اليابانيون إهانة لكرامتهم القومية على يدي الغرب، كان آخرها غرق مركب الصيد الياباني الذي اصطدمت به غواصة أميركية ولم تكسب اليابان إلا اعتذاراً مقابل 9 أرواح غرقت في المحيط، وقد غلبت التقلبات السياسية على طوكيو في العقد الماضي مما يدل على تململ وعدم استقرار عميقين.

توفيق طه: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في الملف الأسبوعي، و نشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية، الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة