غارودي .. أزمة العراق والعولمة والانتفاضة الفلسطينية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:40 (مكة المكرمة)، 2:40 (غرينتش)
مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة - المفكر الفرنسي روجيه غارودي
تاريخ الحلقة 30/11/2000






روجيه غارودي
محمد كريشان
محمد كريشان:

مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله، وأهلاً بكم في (لقاء اليوم) ولقاؤنا اليوم هو مع ضيفنا المفكر الفرنسي روجيه غارودي الذي يزور العراق لحضور الاحتفالات بمرور ألف ومائتي عام على تأسيس دار الحكمة في بغداد.

سيد غارودي زيارتكم لبغداد هل هي لأغراض أكاديمية بحتة؟

روجيه غارودي:

لا، أبداً لقد جئت للاحتفال بالنصر الكبير الذي تمكنت من خلاله الحكومة العراقية للمرة الأولى منذ خمسين عاماً من إحداث قطيعة مع اتفاقات (بروتين وودز) التي جعلت من الدولار العملة الوحيدة في العالم، لقد قرروا اعتماد اليورو وهذا إجراء مهم جداً، وأضيف نبأ ساراً آخر حيث علمت أن طائرة فرنسية ستحط في بغداد وهو ما يعني أن المجتمع الدولي يتبرأ أكثر فأكثر من الأمريكيين، وانتخاب السيد بوش لا يعني إلا أن مجرماً قد خلف سابقيه من المجرمين، فلا ننسى أن الولايات المتحدة من البلدان التي تكثر فيها أحكام الإعدام، وأن تكساس هي الولاية التي صدرت فيها أكثر هذه الأحكام، والسيد بوش الابن صادق على إعدام عشرة أشخاص في شهر واحد مطلع هذه السنة، وأنه منذ توليه الحكم في ولاية تكساس تم إعدام مائتين وخمسين شخصاً، وبالتالي فإنه يُعتبر سفاحاً.

محمد كريشان:

هذا يتعلق بالسياسة الداخلية، ولكن على الصعيد الخارجي وخاصة فيما يتعلق بالعراق والشرق الأوسط، ألا تتوقعون شيئاً مهماً من السيد بوش؟

روجيه غارودي:

لا أتوقع أي شيء، كما أنني لم أكن أتوقع وضعاً أفضل من السيد جور، فمن الواضح أن السياسية الأكثر وحشية مازالت متبعة، لقد مات أكثر من مليون طفل عراقي بسبب الحصار، كل 7 دقائق يُفارق طفل عراقي الحياة، بمعنى أنه مات طفل منذ بدأنا هذا الحوار، وأعتقد أن هذه تبعات السياسة التي نهجها السيد كلينتون وقبله السيد بوش الأب، فليس هناك اختلاف بين حزبين أو سياستين، فجور لم يوجه أدنى انتقاد بخصوص أحكام الإعدام لهذا القاتل الذي هو السيد بوش.

محمد كريشان:

أشرتم إلى مسألة اليورو، هل تعتقدون أن قرار العراق باعتماد اليورو بدلاً من الدولار مبادرة عملية في مجال مكافحة العولمة؟

روجيه غارودي:

إنها ليست عملية فحسب، فهي انتصار كبير في نظري، فبعد الحرب العالمية الثانية تقرر أن يعادل الدولار قيمة الذهب ويُصبح بالتالي العملة الدولية، أما الآن وقد اتخذ العراق هذه المبادرة الإيجابية التي أهنئه عليها فإن تلك المقررات لم تعد قائمة، وأعتقد أن المطلوب الآن هو توسيع نطاق هذه الثغرة التي أحدثها العراق، وأن تُجرى بكل عملات العالم، أو كثير منها على الأقل، المعاملات التجارية مع إفريقيا وآسيا بحيث ينتهي احتكار الدولار الذي يُمثل واحداً من أوجه ما يُسمى العولمة، وهي الاسم الجديد للاستعمار، هذه المرة هناك مستعمر واحد هو القادة الأمريكيون الذين أخضعوا لسيطرتهم جميع المستعمرين السابقين.

محمد كريشان:

وتعتقدون أيضاً أن هذا التوسيع ممكن؟

روجيه غارودي:

أعتقد أنه ممكن حيث نُلاحظ إلى أي مدى أصبحت القرارات الأمريكية عرضة للاستهزاء، فعلى سبيل المثال صوت البرلمان الإيطالي بإجماع أعضائه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين على طلب رفع الحصار المفروض على العراق، وتصل طائرات فرنسية إلي العراق كما تصل من بلدان أخرى مما يعني أن القرارات الأمريكية أصبحت تنتهك بانتظام وهو ما يُسعدني.

محمد كريشان:

وهل ترون أن العراق إنما أراد أن يكافئ أوروبا من خلال اعتماد اليورو بدل الدولار؟

روجيه غارودي:

أعتقد أن التقارب سيكون أسهل، وأتمنى أن تحذو دول أخرى هذا الحذو لوضع حدٍ لهيمنة الدولار، بحيث يمكن أن نتعامل في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بعملات أخرى غير الدولار، هذا أمر مهم لأننا نرى الآن انتصاراً كاسحاً للوحشية، وحشية القادة الأمريكيين، فأنا لا أتحدث عن الشعب الأمريكي، ولست مناهضاً لكل ما هو أمريكي، فليس هناك شعب سيء وإنما هناك قادة سيئون وشتان ما بين الطرفين، فهؤلاء القادة يخلقون ويقوون النزعة إلى القوة وإلى القتل مما أدى إلى كل هذه الفضائل، وقد قال السيد نيكسون ذات يوم عندما أعلنا الحرب على العراق لم يكن ذلك دفاعاً عن الديمقراطية، فلم تكن في الكويت ديمقراطية، كما أنه لم يكن دفاعاً عن حقوق الإنسان وإنما عن مصالحنا، بمعنى أن نقترب ونراقب منابع النفط في العالم، واليوم أيضاً وبعد الأحداث التي وقعت في يوغسلافيا اعترف السيد كلينتون بأن بلاده لا تهدف إلا إلى الاقتراب من نفط بحر قزوين، كما أن الأمر يقتضي أن يأتوا بالجيش الأمريكي إلى قلب أوروبا وهذا ما فعلوه، أما ما عدا ذلك فهو مجرد ذرائع، وقد ختم السيد كلينتون قائلاً: إن قضية كوسوفو لا تعدو خدمة هذا المسعى، أي الدفاع عن المصالح الأمريكية بسبيل السيطرة على بترول العالم أجمع.

محمد كريشان:

سيد غارودي أنتم أحد المناهضين بقوة للعولمة، بشكل ملموس ما الذي يمكن القيام به على الصعيد الدولي لجعل محاربة العولمة أمراً عملياً ومنطقياً؟

روجيه غارودي:

أعتقد أن ذلك يتم بالاعتماد على العامل الاقتصادي، لأن العولمة كما أسلفت قبل قليل هي تسمية جديدة للاستعمار، وتعني تدمير الاقتصادات والثقافات الوطنية انطلاقاً من السينما والأسلحة لمصلحة الاقتصاد الأمريكي، وأعتقد أن توسيع الثغرة التي أحدثها العراق هي السياسة الوحيدة التي من شأنها تغيير وجه العالم وإعادة تشكيله، ووضع حدٍ للأحادية التي فرضها على العالم ما أسميه الإيمان بالدولار وحده وبالسوق.

هذا ما تفرضه علينا الولايات المتحدة، إلا أنني ألاحظ أن البلد الأكثر تضرراً من الولايات المتحدة هو الذي اتخذ مبادرة الخروج على هذه الهيمنة، وهذا يعزز ما قاله الكاتب الكبير (بكزاك) من أن دم الشهداء هو الذي ينتج أفضل المحاصيل.

محمد كريشان:

ما هي انطباعاتكم عن العراق لاسيما وأن بعض المراقبين الفرنسيين والأوروبيين عموماً قد يذهبون إلى القول أنكم ذهبتم إلى العراق في الحقيقة لدعم نظام ديكتاتوري؟

روجيه غارودي:

ليس هذا دعماً للديكتاتورية، فأخطر ديكتاتورية هي ديكتاتورية الإمبريالية التي أرادت فرض نظامها الاقتصادي ودياناتها وسياساتها وجميع أوجه حياتها على كل الشعوب، والفرق الوحيد أنه كان في السابق استعماريون يتنافسون، كان هناك فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، أما اليوم فلم يعد هناك إلا مستعمر واحد أخضع الآخرين لمشيئته.

لذلك يجب تغيير هذا الوضع وأن نحل محل الوحدة المفروضة ما أسميه وحدة العالم السيمفونية بحيث يسهم كل شعب بما لديه من ثراء ثقافي وتاريخي في حدة الإنسانية التي لا تعني التطابق التام بين مكوناتها خدمة لثقافة واحدة تحاول أن تنفي غيرها من الثقافات.

محمد كريشان:

ولكن مع ذلك هل ترون أن العراق يحتاج إلى توفير قدر من الحرية السياسية –على الأقل- لتحسين صورته في الخارج؟

روجيه غارودي:

الصورة في الخارج تشكلها الصحافة والتليفزيون وأساساً ومن ثم الذين يملكون وسائل الإعلام سواء كانوا الولايات المتحدة أو إسرائيل. لا أرى أن من حقي إصدار حكم على سياسة بلد معين، وكل ما أطالب به أن تكون سياسة هذا البلد شأناً خاصاً بأبنائه، وألا تفرض من الخارج من قبل أكثر الناس انتهاكاً لحقوق الإنسان مثل الولايات المتحدة التي اقترفت أخطر الجرائم ضد الإنسانية. وأذكر هنا هيروشيما التي لم تكن لقصفها بالقنبلة الذرية مبررات عسكرية لأن إمبراطور اليابان آنذاك كان قد قبل الاستسلام، وأنقل كذلك (كاسدرثون) الذي كان ضحاياه أكثر من ضحايا هيروشيما ونجازاكي.

إذن مرتكبو أبشع جرائم الحرب ينصبون اليوم أنفسهم حكاماً ليقولوا: إن هذا النظام ديكتاتوري، وهم الذين حكموا باستبداد وديكتاتورية وصوروا الأمر كما لو كان هتلر قد كسب الحرب.

محمد كريشان:

هل استقبلكم مسؤولون عراقيون؟

روجيه غارودي:

نعم، وقد تعلمت الكثير. قال لي أحدهم مثلاً عندما واجهنا (...) يوصفنا بالمجانين.

وإذا كان المرء يوصف بالجنون لأنه انهزم فهل ينطبق هذا على المسيح أو غاندي وكل الذين اغتيلوا أو هزموا؟ أعتقد في المقابل أن دماء الشهداء تتغلب في نهاية المطاف على القوة البدنية والمادية عكس ما تقدمه لنا الأفلام الصناعية التي ينتجها محور (هوليود – وول ستريت). إذن لا يحق لهؤلاء أن يلقنوننا دروساً عن الديمقراطية أو الديكتاتورية أو حقوق الإنسان.

محمد كريشان:

ما الذي استرعى انتباهكم أكثر من غيره في الوضع الداخلي في العراق؟

روجيه غارودي:

أعترف بأنه لم تُتح لي الفرصة الكافية لإصدار الأحكام، كما أنني ما كنت لأصدر أحكاماً، ينبغي إمعان النظر في الجرائم التي اقتُرِفت و(نورنبرج) مثال صريح على ذلك، فقد تحدث الحلفاء المنتصرون عن جرائم الحرب وأهملوا هيروشيما، ونجازاكي، ودرسن علماً بأنها تعادل جرائم أوشفيتس، وسربينتشا، أو هي أخطر منها، لذلك فإنني أرفض الحكم على بلد غير بلدي، فلو تعلق الأمر بفرنسا لكشفت عن وجهة نظري، ويُسعدني أن مائة وعشرين شخصية فرنسية وصلت مُؤخراً إلى بغداد، خلاصة القول: إنني أرفض إصدار الأحكام على هذا البلد أو ذاك.

محمد كريشان:

إذا سمحتم نمر الآن إلى الانتفاضة، كيف ترون ما يجري في فلسطين؟

روجيه غارودي:

أعتقد أن ما يحدث هو نفس ما يحدث في العراق، وهو عكس ما علمنا الأمريكيون إياه، أي أن النصر يكون –دائماً- حليف الأقوى من الناحية المادية، وأهم ما أثار انتباهي أن الملايين من العراقيين تطوعوا للدفاع عن فلسطين أي لمواجهة الدبابات والطائرات المروحية بصدور عارية، ليس من الحكمة في شيء –في نظري- وصف بلد ما بالجنون وهو يتصدى للقوة، وأعتقد أن القوة الحقيقية هي قوة الروح، وأنه يوجد في كل البلدان لا أقول من الديمقراطية فحسب وإنما من الإنسانية أيضاً ما لا يوجد في الولايات المتحدة التي هي الآن أكثر انتهاكاً للقوانين، والديكتاتور هو مجرم الحرب الحقيقي سواء تعلق الأمر بالسيد بوش أو السيد كلينتون، أو جور، أو بوش الابن الذي لا أنسى أنه أعدم عشرة أشخاص في مطلع هذه السنة، وأنه صدر في ولاية تكساس –التي يحكمها- العدد الأكبر من أحكام الإعدام، هذا يتطلب مني حكماً صارماً وواضحاً، فهناك جرائم دولية ينبغي أن يتصدى لها كل أحرار العالم.

محمد كريشان:

وهل تعتقدون أن للانتفاضة الظروف الموضوعية للصمود، حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من انتزاع حقوقه المشروعة؟

روجيه غارودي:

المسألة لا تتعلق بالموضوعية، فهم يواجهون طرفاً أقوى منهم بكثير، ولا ينبغي أن ننسى الدعاية حيث يوصف الفلسطينيون بالإرهاب، وهم يواجهون محتلين أدانهم الرأي العالم الدولي والأمم المتحدة التي انتهكوا قراراتها 205 مرات، ونحن عشنا وضعاً مماثلاً في فرنسا، حيث كانت قوات هتلر تعتبر أبناءنا إرهابيين، وكنا نحن نقول: إن مقاوماً قد قتل أحد عناصر الاحتلال، هذا هو الوضع اليوم في فلسطين، حيث موازين القوى شديدة التباين، وأُميز جيداً بين العملاء وبين من يقومون بالأعمال الوحشية، ويقترفون جرائم الحرب وبين من يقاومون.

محمد كريشان:

هل يعني هذا أن عملية السلام قد لا تؤدي –في نهاية المطاف- إلى معاهدة سلام، أو إنهاء لحالة النزاع؟

روجيه غارودي:

أجد أنه من دواعي السخرية أن يقول السيد باراك: إنه يجب وقف العنف متحدثاً عن الفلسطينيين، في حين أنه جُرح منهم آلاف وقُتل حوالي ثلاثمائة، بينما لم يُقتل من الجانب الآخر سوى عشرة أشخاص –على ما أعتقد- إذن صاحب الجريمة هو الذي يُطالب الآخرين بوقف العنف!! تحدثتم عن عملية السلام، وأعتقد أن عملية السلام الحقيقية تقتضي مراعاة القوانين الدولية، الظروف التي قامت فيها دولة إسرائيل يمكن أن تكون مثار جدل، لكنها قامت بموجب قرار من الأمم المتحدة، وبالتالي لا أوافق القائلين بضرورة تدمير إسرائيل، يجب أن تُراعى المعاهدات وأن تعيش إسرائيل في حدودها المُعترف بها، كما أنه لا ينبغي لإسرائيل أن تتحدث عن أمنها الخاص وهي تحتل أراضي الأطراف المجاورة، وتقتل الناس الذين تحتل أراضيهم، إسرائيل التي أُدينت غير مرة تعتبر المعاهدات مجرد أوراق لا قيمة لها، كما قال بن جوريون في استهزاء إبان تأسيس دولة إسرائيل: "كيف يمكن أن تحدد أوراق تافهة حدودنا؟" باعتقادي أنه لن تكون هناك عملية سلام ما لم تلتزم إسرائيل بحدودها وتراعي حدود الآخرين.

محمد كريشان:

كيف يمكن أن نصل إلى ذلك والأمم المتحدة مُغيبة –عملياً- والولايات المتحدة تدعم إسرائيل دعماً كاملاً وبلا قيد أو شرط؟

روجيه غارودي:

أعتقد أن الحل الوحيد هو الآتي: لقد كان السيد كلينتون يتحدث عن ازدهار الولايات المتحدة، وهذا كذب وزور وينبغي تفنيده، فما يسميه ازدهاراً هو ازدهار لبورصة وول ستريت، والمعيار الأساسي لتحديد مداه هو عدد الصفقات التجارية والمالية التي أبرموها لكن الواقع أن الولايات المتحدة هي أكثر بلدان العالم ديوناً، وتعاني من أخطر عجز للميزانية، وبالتالي فإن الاقتصاد الأمريكي لا يستطيع مقاومة أي مقاطعة من طرف الملايين أو مليارات المستهلكين في العالم من الضحايا الذين يبدو أنهم بدؤوا يتكاتفون ويرفضون أسلوب الحصار، بصيغة أخرى لا يمكن أن نُغير العالم ونقيم نظاماً عالمياً جديداً إلا بمقاطعة كل ضحايا الإمبريالية الأمريكية لمنتوجاتها في إطار باندونج جديدة، بحيث لا يبيعونها النفط، ويشترون منها الأسلحة والتجهيزات، ولا يتعاملون مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو المتواطئين معهما.

محمد كريشان:

في فرنسا تعرضت الجالية اليهودية لعدة اعتداءات لا سيما على أيدي شباب مغاربيين، كيف تابعتم هذه الأحداث؟

روجيه غارودي:

لا أدري ما هي الاعتداءات التي تتحدثون عنها، لكن ما أعرفه هو الاعتداءات التي استهدفتني، فقد حُكِم علي نتيجة تدخل (ليكرا) وهي جماعة الضغط أو اللوبي في فرنسا، حُكِم علي بالسجن ستة أشهر وبغرامة كبيرة، إذ يريدون القضاء علينا مادياً وعلى صعيد الحريات، وهذا ما أسميه العدوان الأكبر على حرية التعبير، في بلد حقوق الإنسان يضطر المرء إلى اللجوء إلى القضاء، وهذا ما قمت به –فعلاً- برفع دعوى إلى محكمة العدل الأوروبية المكلفة بحقوق الإنسان من أجل إدانة فرنسا، فقد اعتمد القضاة أسلوب التلفيق لإدانتي، وهؤلاء مَنْ يتحدثون عن حرية التعبير وعن حقوق الإنسان، أما بخصوص الاعتداءات التي تتحدثون عنها فهناك كثيرون ممن يناهضون المغاربيين الذين يعملون في فرنسا، وقد ضخم البعض هذا الأمر، وربما تكون هناك استفزازات بالفعل، أنا أُعارض الهجوم على المعابد اليهودية، وأرى أنه ينبغي التفريق بين اليهودية التي هي ديانة أحترمها كما أحترم الديانات الأخرى، وبين الصهيونية التي هي نزعة قومية وإمبريالية أحاربها، كما أُحارب جميع أشكال النزعات القومية والإمبريالية.

محمد كريشان:

هل هناك مؤشرات إلى إمكانية أن تؤدي هذه الأحداث إلى امتداد الصراع في الشرق الأوسط إلى مناطق كأوروبا أو غيرها؟

روجيه غارودي:

يبدو هذا الآن أمراً بديهياً، فتصاعد حدة الغضب من السياسة الأمريكية أصبح مسألة تتجاوز الأوروبيين إلى الآسيويين والأفارقة، وأعتقد أن الخاسرين من هذا الوضع هم الذين تبين أنهم أكثر وحشية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولنتذكر أن الأمريكيين كانوا دائماً يتدخلون في اللحظات الأخيرة من الحروب الكبرى، رغبة في كسب النصر، لقد وصلوا إلى السواحل الفرنسية عام 1917م في أواخر الحرب العالمية الأولى، وجاءوا عام 1944م للمشاركة في الحرب العالمية الثانية التي كانت في طور النهاية، وقد انتهت –بالفعل- عام 1945م، هكذا إذن كانوا يأتون دائماً طمعاً في النصر، المرة الأولى بعد معاهدة فيرادان، والثانية بعد معاهدة ستالينجراد، وفي الحالتين لم يكن للقوات الألمانية أدنى أمل في تحقيق النصر، نتيجة كل ذلك أنه في الوقت الذي كانت فيه الدماء تسيل بغزارة في أوروبا كان الذهب يتدفق بكميات كبيرة على الولايات المتحدة، التي كانت تتوفر على نصف ثروة العالم عند انتهاء الحرب العالمية الثانية باعتراف أحد مسؤوليها، وكانت حال الأمريكيين كحال الطفل الذي يفوز بكل قطع اللعب، ثم يجد نفسه مضطراً لإقراض رفاقه كي يواصلوا اللعب معه، وهذه هي حقيقة مخطط ماريشال، فلم يكن الأمر عبارة عن تضامن أو كرم بقدر ما كان ضرورة لدوران عجلة الاقتصاد الأمريكي، لذلك فإن مقاطعة الاقتصاد الأمريكي قد تؤدي إلى وقوعها في أزمة أخطر من أزمة 1929م.

محمد كريشان:

شكراً جزيلاً سيد غارودي.. وبهذا -مشاهدينا الكرام- نصل إلى نهاية لقاء اليوم، على أمل أن نلتقي بكم في مواعيد أخرى، تحية طيبة، وفي أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة